اكتب كي أراك

الاثنين, 07 مايو 2018 18:50

د. ميسون الدخيل

ثقافة وفنون - ثقافة وفنون
طباعة

 

في أحد أعماله قال الأديب جورج أورويل: «إذا لم يكن الناس قادرين على الكتابة بشكل جيد، فإنهم لا يستطيعون التفكير بشكل جيد» ، هل توافقون هذا الأديب فيما ذهب إليه؟ لنبحِر أكثر في هذه المقولة، ولنفكِّر معًا، هل يمكن للمرء أن يكون له عقل من الدرجة الأولى ويكون كاتبا ضعيفا؟ ما نعني هنا ليس كتابة صفحات، بأن نملأ فراغا على ورق، بل فكرا منظما يقدَّم بشكل منطقي ومتسلسل يصل بالقارئ إلى المعنى بسلاسة، بحيث يلامس فيه شيئا ما، قد تكون مشاعر، وقد يكون فكرا، لكن الذي وصل إلينا من الفلاسفة والمفكرين الأوائل لم يُكتب بأيديهم، بل كُتِب من قبل من جاء من بعدهم، ولنأخذ مثلا الفيلسوف «كانت»، فهو لم يكن كاتبا جيدا، لكنه كان مفكرا بارعا، إذًا يمكننا القول إنه قد يكون المفكر كاتبا ضعيفا، ولكن لا يمكن أن يكون الكاتب الجيد مفكرا ضعيفا، هل توافقون على هذا الرأي؟ إن حيّدنا مثال «كانت»، لأنه يعتبر من الحالات النادرة، وحلّلنا موضوع الكتابة أكثر، فسنجد أن الكتابة بحد ذاتها نوع من أنواع التفكير، وكما في حالات كثيرة يسري القول «تحدّث كي أراك»، هنالك حالات أخرى خاصة في تعاملاتنا وتواصلنا على الفضاء الافتراضي يمكننا القول: «اكتب كي أراك»، وهنا لا نعني أن تنقل أو تقتبس! ما نريده هو فكر يتجسد أمامنا بالكلمات.

 

حين أفكّر بما يوجد داخل ذلك الدماغ الذي يستحل مساحة مهمة وحساسة من كياني، أرى أن العقل الذي يتحرّك في داخله ويحرّكني، ليس إلا حرشًا بريًّا تجري في داخله الأفكار بحريّة، تتزاوج وتتكاثر، فكل خبرة، كل إحساس، كل لون، كل صوت، كل رائحة، كل صورة، كل مشهد، كل كلمة، كل عبارة، كل رقم يتحول إلى فكر جديد، والخيار بالنسبة لي هو إمّا أن أتركها تتلاطم كأمواج البحر بلا ترابط أو معنى، وبالتالي أضيع في شبكة من الدهاليز المبهمة لا أعرف أين البداية، ولا أين النهاية، وقد أصبح حينها سجينة عالم من الضجيج بلا معنى وبلا هدف، وإمّا أن أقوم على تشذيبها، تماما كما يفعل المزارع في حديقة، يرتّبها ويعتني بها لتخرج بمنظر يرضيه ويسرّ كل مستقبِل للمشهد، ولهذا أحرص على أن أغذّي الأفكار القيّمة والتخلّص من الطفيليّات باقتلاعها من جذورها، بمعنى أوضح أسمح للطبيعة، متمثلة في الحياة من حولي، بأن تشعّ إلى داخلي بضوء شمسها، تلطّف جفافي بمائها وعليل نسائمها، لأنني بكل بساطة أرفض أن أصبح سجينة عقل أو جسد، وحتى أتمكّن من العيش باطمئنان، وأستمرّ في العطاء والإنتاج بالطرق التي تسهم في بنائي قبل بناء الغير، يجب أن أعمل على بناء التوازن بين العقل والجسد، والذي دائما ما كان يساعدني ويمهّد لي الطريق هو الكتابة، تساعدني دائما أن أرى ما يجري في داخلي على الأوراق أمامي، فأبدأ عملية التقييم والتطوير والتغيير إن احتاج الأمر.

إن الكلمات هي الطريق للخروج من عالم الفكر إلى العالم الخارجي والتواصل معه، وما الكلمات إلا تجسيد للأفكار التي تدور داخل العقل، سواء كانت منطوقة أو مكتوبة تظل انعكاسا لفكر حيّ نابض، الآن هل هذه الكلمات تعكس فكرا مبدعا بنّاء أم شيطانيّا مدمّرا؟ يعتمد ذلك على منظومة القيم التي يتحرك في رحابها هذا الفكر، وهل هذا الفكر منظّم، منطقي، مقنع؟ يعتمد على نوعية وكمية التدريب الذي تعرّض له قبل أن يخرج.

إذًا إنْ عدنا إلى مقولة «أورويل» نستطيع أن نستنتج أن الكتابة الجيدة ليست الطريقة الوحيدة للتفكير الجيد، ولكن يمكننا أن نقول إن الكتابة السيئة هي وسيلة لتجنب التفكير الجيد، أو عدم القدرة على استخدامه، أو في الأصل لا توجد رغبة في التفكير وبذل أي مجهود ذهني! وغالبا ما يكون ذلك نظرا للاستهتار كصفة ملازمة للشخص ذاته، أو الاستهتار بالمستقبل والتقليل من قدراته العقلية، أو قد يكون بسبب فقدان الأمل بالقدرة على تطوير المهارات الذهنية، أو ربما لنقص في التدريب أو المعلومات التي تغذيه، فتخرج العبارات غير واضحة، مبتذلة، غير مترابطة!

الكتابة تفكير والتفكير يحتاج إلى غذاء من القراءة والخبرات والتجارب، فإن أردنا أن ننهض بالتعليم فلْنعُد إلى الأساسيات! لقد قتلنا التفكير لدى أبنائنا الطلبة حين اعتمدنا على أدوات التقويم الموضوعي! فأصبح الطالب لا يقرأ ليفهم ويحلل ويستنتج، بل أصبح يقرأ ليحفظ، أو ليتعرّف على المعلومة متى ما ظهرت! نجد أن مخزون الكلمات لديه ضعيف إلى ضعيف جدا، نظرا للانقطاع عن القراءة في الاختصاص أو حتى القراءة الحرة، ما يقرؤه عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو الكتابة غير الرسمية، ويتعرّض يوميا لطوفان من المفردات العامية والمختصرة، فنجد أن ما يشغل باله هو كل مختصر وبسيط، ويبتعد عن كل تفصيل أو مركّب! يعتبر الملازم نعمة والكتب نقمة! وحين يُواجَه بالاختبار المقالي يشعر بالارتباك والتشويش! هل هذا ذنبه؟ كلا، بل إنه ذنبنا نحن التربويين! نحن من تخلينا عن إعداده الإعداد السليم، نحن من استسهل الاختبار الموضوعي لسرعة عملية التصحيح، نعم الاختبار الموضوعي إنْ تم بناؤه على أسس سليمة يستطيع أن يقيس مهارات التفكير العليا، ولكن هل هذا هو السائد؟ لو كان كذلك لوجدنا أن غالبية الطلبة مجهزون لأي طريقة اختبار، موضوعيّا كان أو مقاليّا! قد يتعثر في التعبير واستخدام الكلمات المناسبة، ولكن الأصل موجود، ومنه يستطيع أن ينتقل إلى التدرّب على مهارات القراءة، وبالتالي ينمّي مخزون الكلمات، وينتقل بعده ليتمكّن من مهارات الكتابة، وبهذا يُفعّل التفكير وينظمه ويستخدمه بالطرق المثلى، فالكتابة ليست مهارة عابرة، بل هي من ضمن الأصل: القراءة والكتابة والحساب، لا القراءة ننمّيها ولا الكتابة نطوّرها، أمّا الحساب فلنتركه ليوم الحساب!

 

د. ميسون الدخيل

كاتبة وأكاديمية سعودية

 

 

شاهد مقالات د. ميسون الدخيل