ثنائية اللغة

السبت, 05 مايو 2018 14:25 د. حسن مدن ثقافة وفنون - ثقافة وفنون
طباعة


في مقال سابق تساءلنا، أتكون اللغة وطناً أم منفى؟ واستشهدنا بتجربة بعض الكتاب العرب الذين اختاروا أو اضطروا للكتابة بلغة أجنبية أخرى، غير لغتهم الأم؛ العربية، وبخاصة منهم الكتاب ذوو التكوين الفرانكفوني،

ولاحظنا حينها التفاوت في نظرة هؤلاء الكتاب لهذه المسألة، بين من رأى في الكتابة بلغة أجنبية جسراً للثقافة والأدب العربيين نحو الثقافات الأخرى، وأن المسألة، بالنسبة لهم، آتية من اختيار واعٍ، من دون أن يعني ذلك تنكرهم، أو تنصلهم من ثقافتهم ولغتهم الأصليتين.

فيما بينت تجربة وشهادات كتاب آخرين نقمتهم وغضبهم من المستعمر، خاصة في الحال الجزائرية، الذي جّردهم من الحق في التفكير والتعبير بلغة آبائهم وأجدادهم، بفرض لغته عليهم قسراً، واستبعاد اللغة القومية من منظومة التعليم، فوجدوا أنفسهم مضطرين للتعبير بلغة لم يختاروها، بل فرضت عليهم.

هشام شرابي

على صلة بهذا الحديث نطالع تجربة أخرى جديرة بالوقوف عندها، هي تجربة هشام شرابي، المفكر الفلسطيني المعروف، الذي أصبح بعد هجرته إلى الولايات المتحدة للدراسة أولاً، قبل أن يستقر فيها ويعمل كأستاذ جامعي مرموق، يكتب مؤلفاته باللغة الإنجليزية، برغم أنه، على خلاف إدوارد سعيد مثلاً، بدأ حياته، كتلميذ، بالدراسة باللغة العربية التي يقول إنه كان شديد التعلق بها، وكانت مقدرته الإنشائية جيدة، كما يشهد على ذلك أستاذه موسى سليمان الذي علمه كل ما يعرف من الصرف والنحو، وكان يمنحه أعلى العلامات.

في أمريكا صار يلقي محاضراته باللغة الإنجليزية بالطبع، واستمرّ سنوات طوالاً لا يكتب إلا بها، بل ولا يستطيع حتى التفكير بغيرها، وإذا صادف أن كتب مقالاً في العربية، يهرع، كما يقول هو نفسه، إلى أصدقائه المتمكنين منها طالباً منهم تصحيح لغته وأسلوبه.

مع الوقت أصبح هذا يحزّ في نفسه، لذلك قطع عهداً ألا ينشر أي كتاب إلا باللغة العربية، وحمله ذلك على إعادة الاطلاع على الكتب العربية، لا بل ودراسة اللغة من جديد، حتى أصبح يشعر بتحسن ملكته اللغوية والكتابة بالعربية بسهولة، على خلاف ما كان يتهيب، وإن أقرّ بأنه ظلّ يرتكب أخطاء نحوية، لكنه في مقدمة واحد من كتبه المبكرة، وهو «مقدمات لدراسة المجتمع العربي» الذي صدر في بيروت والقدس، على التوالي، في منتصف سبعينيات القرن العشرين التمس من القارئ العربي العذر إذا ما وجد في أسلوبه شيئاً من الجفاف أو ضآلة في اللون والنغم، «لأني - والقول له آنذاك- ما أزال في أول الطريق».

بتقدير شرابي فإن القدرة على التعبير الصحيح أصعب بكثير من مجرد امتلاك شكل اللغة، فالمسألة ليست مجرد قدرة ذاتية على امتلاك اللغة، بل المشكلة في اللغة نفسها وفي العقل الفاعل فيها، حيث لا يقرر قوة التعبير في أية لغة إلا الفكر الذي تصوغه فيصوغها.

***

madanbahrain@gmail.com

 

 

د. حسن مدن

تعريف بالكاتب: كاتب ورئيس جمعية المنبر البحرينية
جنسيته: بحريني

 

 

شاهد مقالات د. حسن مدن