مذيعات التلفزيون.. “قمر ياست”

السبت, 04 نوفمبر 2017 21:08

د. أحمد الخميسي

ثقافة وفنون - ثقافة وفنون
طباعة


بعد بدء البث التلفزيوني في مصر بقليل شرعت ليلى رستم مقدمة البرامج المعروفة في بث برنامجها "نجمك المفضل" وتضمنت إحدى حلقاته لقاء مع طه حسين في حضور نجيب محفوظ ومحمود أمين العالم ويوسف السباعي وغيرهم.

تحدث طه حسين عن مفهوم القصة الفلسفية وضرب مثالا بألبير كامو فأضافت ليلى رستم: "إن هناك مدرسة قائمة على كتابة القصة الفلسفية مثل كامو وجان بول سارتر"، فأوقفها طه حسين قائلا: "لاء.. لاء.. سارتر غير كامو" وعلقت بقولها: "أيوه.. لكن"، فزجرها طه حسين بنبرة حاسمة: "لاء.. لاء.. معلش"، وواصل حديثه. ولم تفتح ليلى رستم فمها بحرف مع أنها كانت شديدة الاعتزاز بنفسها لكنها تعلم أن هناك قواعد وآدابا للحوار.

د. عاصم دسوقي

تذكرت هذه الواقعة بعد أن قامت مؤخرا مذيعة شابة هي مروج إبراهيم بتسخيف المؤرخ الكبير د. عاصم دسوقي في برنامجها "ما وراء الحدث" الثلاثاء 17 أكتوبر إلى حد أن القناة "اكسترا نيوز" كانت مرغمة على وقفها عن العمل ونشر بيان جاء فيه أن المذيعة "أساءت إدارة الحور ولم تلتزم الأسلوب اللائق مع ضيف البرنامج" إلى آخره. وقد تدخل موقف د. عاصم دسوقي من قضية أخرى هي تيران وصنافير في تحييد قطاع من الرأي العام لم يتعاطف معه بسبب موقفه من الجزيرتين، وأدى ذلك إلى تغييب موضوع التدهور المهني لمقدمي البرامج التلفزيونية. ليس فقط الغطرسة والاستعلاء الكاذب بل والجهل العميق أيضا هو ما يتسم به معظم مقدمي البرامج التلفزيونية. وأذكر أنني دعيت ذات مرة إلى لقاء تلفزيوني عن الأدب الروسي، وظلت مقدمة البرنامج تعدل شعرها يمينا قليلا ثم يسارا قليلا وتبتسم للمصور وتسأله: حلو كده؟ فيقول لها: قمر يا ست! فتقول له: "طيب وكده؟". فيقول: "وكده برضه حلو"، هكذا نصف ساعة إلى أن بدأ التسجيل فكان أول ما نطقت به أن العالم كله يعرف الأدباء الروس العظام مثل تولستوي وكافكا! هكذا ضمت كافكا الألماني- النمساوي الأشهر إلى الروس! قمر يا ست!

وفي مجال الغطرسة والجهل والتجرأ على الآخرين سبقت أماني الخياط الكثيرين حين قامت في يوليو 2014 بنبرتها المتعالية بسب الشعب المغربي كله قائلة إن الدعارة تشكل أحد أهم دعائم الاقتصاد المغربي! وإن المغرب يشغل مكانا متقدما بين الدول المصابة بالإيدز! واضطرت القناة للاعتذار بعد وقفة احتجاج طوقت السفارة المصرية في المغرب! في أكتوبر 2015 أوقفت قناة النهار الفضائية المذيعة ريهام سعيد وبرنامجها "صبايا الخير" بعد حلقة عن فتاة تم التحرش بها مع عرض صور شخصية للفتاة بملابس وصفتها مواقع التواصل بأنها "فاضحة"! وفي فبراير 2016 أثار خيرى رمضان في برنامج "ممكن" بقناة "سي بي سي" غضب أهل الصعيد كله حين دعا تيمور السبكي الذي ادعى كذبا بأن 30% من نساء الصعيد قابلات للانحراف و15% منهن خائنات بالفعل! ووصل الأمر لحد الحكم بالسجن على تيمور. في أغسطس من العام الحالي أوقفت نقابة الاعلاميين المذيعة دعاء صلاح مقدمة برنامج "دودو شو" بعد أن أثارت ضجة بظهورها في إحدى الحلقات وهي حامل بدون زواج، كأنما لمناقشة قضية الأم التي تستطيع أن تحيا من دون زواج أو رجل! وجاء في بيان النقابة إنها "ظهرت بملابس غير لائقة، ودعت إلى امكانية شراء رجل لغرض الحمل فقط، ثم الانفصال عنه بمجرد حصوله على مبلغ مالي! وفي هذا السياق من تدني المستوى المهني جاءت حلقة مروج إبراهيم مع د. عاصم دسوقي. والمشكلة لا تخص مقدمي البرامج وحدهم، بل القنوات ذاتها التي تسعد كثيرا بالضجة والاثارة وتسخين القضايا التافهة لاجتذاب نسبة مشاهدين أكبر، وفي سبيل ذلك الهدف يصبح هذا النوع من مقدمي البرامج ضرورة لتلك القنوات. وإذا نحيت جانبا الغطرسة، والاستعلاء، والتجرؤ، مع الجهل العميق، سترى أن عددا غير قليل من أولئك الفرسان لا يعرفون لدورهم حدودا، من نوع جابر القرموطي، وهو نوع تستمع إليه فيخيل إليك أن عبء كل ما يحدث في مصر يقع على كاهله هو، وحده، وأنه زعيم يخاطب شعبه، ولهذا يصرخ طوال الوقت، ويجأر، ويدق على المنضدة بقبضة حديدية ويحدق بالمشاهد كأنما سيعلن الحرب! ولمثل هذا النوع الخطابي فك فولاذي لا يتعب من الكلام، سعة عشرة برامج، تنظر إليه ويخيل إليك أنه " مذيع معمر" يمكنك أن تقتني واحدا منه مطمئنا إلى أنه سيظل يصرخ عشرين عاما ولا يتلف فيه سلك أو لامبة. من المؤسف أن مقدمي البرامج الآن لا ينظرون خلفهم ليستفيدوا من خبرات نماذج إعلامية عظيمة مثل سميرة الكيلاني وسلوى حجازي وأماني ناشد وأحمد سمير وحمدي قنديل وغيرهم. هناك معايير لمقدم البرامج في مقدمتها الثقافة واحترام الآخرين، أما الصراخ، وتضخيم الجهل، والملابس المثيرة، وتسخيف الضيوف فتلك حاجات مهنة أخرى.

***

 

د. أحمد الخميسي

كاتب مصري - مواليد القاهرة 1948

 

 

شاهد مقالات د. أحمد الخميسي