وعد بلفور.. والشرعية الإمبريالية

الخميس, 02 نوفمبر 2017 10:50

عوني صادق

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

في المقال السابق، توقفت عند مقال الكاتب «الإسرائيلي» شاؤول أرئيلي الذي ادعى فيه أن «شرعية «إسرائيل»» لم تعد بحاجة إلى «الوعد الإلهي» التوراتي، لأنها أصبحت تقوم على أسس «قانونية وتاريخية وعملية» وافق عليها «المجتمع الدولي». وقد بينا لماذا تخلى الكاتب عن «الوعد الإلهي»، وأود اليوم التدقيق في مدى «شرعية» الأسس التي ألغت الحاجة إليه..

 

يقول أرئيلي: «لقد سبق وقرر المؤتمر الصهيوني الأول في قراراته المتفق عليها في 1897 أن إنشاء دولة للشعب اليهودي في أرض «إسرائيل» سيرتكز على اعتراف وشرعية قانونية وسياسية من المجتمع الدولي، على القاعدة المقبولة والمعترف بها في ذلك الوقت. عمليا، حظي هذا التطلع بصلاحية سياسية قانونية وتاريخية وعملية وأخلاقية من قبل المجتمع الدولي».

هنا يطرح سؤال: أولا، من قال إن قرارات هذا المؤتمر تؤسس لحق؟ ثم ثانيا، من هو هذا «المجتمع الدولي» الذي وافق على قرار المؤتمر ؟ إنها الدول الإمبريالية بقيادة بريطانيا التي كان لها مشروعها الإمبريالي للمنطقة تسندها الرغبة الأوروبية في التخلص من اليهود. هذا ما اعترف به بلفور نفسه في معرض دفاعه عن الوثيقة التي حملت اسمه، وهو يقول: ««إن مجرد رغبات 700000 عربي (في فلسطين) لا أهمية لها بالمقارنة مع مصير حركة استعمارية أوروبية في جوهرها (أي الصهيونية)». في هذه العبارة القصيرة يكشف بلفور ثلاث حقائق جوهرية: 1) هناك مشروع بريطاني- أوروبي استعماري في المنطقة، و2) الحركة الصهيونية حركة استعمارية أوروبية في جوهرها، و3) إقامة كيان لها في فلسطين يتطلب تنفيذ تطهير عرقي، إذ لا أهمية لسبعمئة ألف فلسطيني مقارنة بمصير هذه الحركة!هذا هو «المجتمع الدولي» الذي منح تلك القرارات «صلاحية سياسية قانونية وتاريخية وعملية وأخلاقية»!

وفي تبريره «العملي» لوعده يعترف بلفور أنه باطل، ويقول في مذكرة كتبها في آب 1919 إن «الصهيونية، سواء كانت محقة أو غير محقة، سيئة أو جيدة، فإنها ترضع من تراث أجيال، من حاجات الحاضر وآمال المستقبل». طبعا هو قصد حاضر ومستقبل مشروعه الاستعماري في المنطقة، وليس حاضر ومستقبل شعوب المنطقة!

وفي التفصيل، يتابع أرئيلي قائلا: «أولا، القوة السياسية القانونية، التي تتشكل من ثلاث طبقات. الطبقة الأولى هي وعد بلفور الذي أعطي من قبل بريطانيا، وهي القوة العظمى التي احتلت أرض «إسرائيل» في الحرب العالمية الأولى. وقد استندت قوتها على «مبدأ الإمبريالية»...

الطبقة الثانية هي قرار الدول العظمى المنتصرة في مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920، بإعطاء بريطانيا وفرنسا الانتداب على المناطق التي تم احتلالها في الشرق الأوسط ومن ضمنها فلسطين. والطبقة الثالثة هي اعتراف ودعم المجتمع الدولي». ويتابع: «أولا، المصادقة بالإجماع من قبل عصبة الأمم في 1920 على وثيقة الانتداب، والتي ألقت على بريطانيا المسؤولية عن خلق الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية في البلاد، التي تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي. ثانيا، قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947، الذي حدد تاريخ انتهاء الانتداب وإنشاء الدولة اليهودية المستقلة على 55 بالمئة من أرض فلسطين»!

من الواضح أن «الطبقات الثلاث» التي يعتبرها أرئيلي أسسا للشرعية التي قام عليها الاحتلال «الاسرائيلي» في فلسطين، عبارة عن رسم خريطة للمنطقة بالقوة وفقا للمفاهيم الاستعمارية، وكلها لا تسقط حق الشعوب في أوطانها، ولا تعطي حقوقا للقوى الأجنبية لتتصرف بشعوب العالم وبلدانه وتمنح ما تشاء لمن تشاء حتى لو استطاعت أن تستصدر «القرارات» من «الهيئات» التي توافق عليها المنتصرون، وأقصد بذلك عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة. المسألة ببساطة أن المنتصرين في الحربين العالميتين اتفقوا على اقتسام العالم كمناطق نفوذ من وراء ظهر شعوب البلدان المستعمرة ورغماً عنها، وإقامة «إسرائيل» في فلسطين نموذج يستعصي على الدحض، حيث بدأت انتفاضات الشعب الفلسطيني ضد السياسة البريطانية والهجرة اليهودية منذ عشرينات القرن الماضي وتوجت بالثورة الكبرى العام 1936 بعد الإضراب الكبير.

إن الدول الإمبريالية وحكوماتها وقراراتها ليست مرجعية للشرعية والحقوق. فكيف يكون شرعياً ما يقوم على الفرض والقوة الظالمة والاغتصاب؟ لذلك كانت مقاومة الاستعمار والاحتلال حقاً للشعوب الواقعة تحتهما كما تقر القوانين الإنسانية الطبيعية، ووفقا للقوانين التي أقرتها كل الهيئات الدولية بما فيها تلك التي صنعتها الدول الإمبريالية نفسها. لذلك وكما جاء في المادة (20) من الميثاق الوطني الفلسطيني: «وعد بلفور وصك الانتداب وملحقاته يعتبر باطلاً. والادّعاء بأن العلاقة التاريخية أو الروحية لليهود في فلسطين لا تتساوق مع الحقائق التاريخية». وسيظل الاحتلال مشروعاً كولونيالياً استيطانياً مخالفاً للقوانين والشرائع الطبيعية، وبلا أي شرعية !

awni.sadiq@hotmail.com

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق