ميركل نحو الولاية الرابعة

الأربعاء, 06 سبتمبر 2017 09:04

فيصل جلول

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

ولاية رابعة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 24 سبتمبر / أيلول الجاري. إذا استندنا إلى مؤسسات استطلاع الرأي، فإن ميركل ستخلف نفسها. ذلك أن الفارق بينها وبين منافسها الاشتراكي الديمقراطي مارتين شولتز، يتراوح بين 10 و20 نقطة. وقد تعزز هذا الفارق بعد مناظرة الأحد الماضي بين المرشحين. حيث فشل شولتز في تسجيل أية نقطة إيجابية ضد منافسته. حتى في الموضوع التركي حين أراد شولتز إحراجها وبالتالي اتهامها بالتسامح مع الرئيس رجب طيب أردوغان، حتى في هذه النقطة بدت ميركل وكأنها على يسار منافسها حين أكدت أنها لم تكن يوماً مقتنعة بأن تركيا ستدخل إلى الاتحاد الأوروبي، وأنها اليوم مقتنعة أكثر من ذي قبل بوجوب وقف مفاوضات دخول تركيا إلى أوروبا الموحدة.

 

وكان يمكن لشولتز الرهان أيضاً على الناخبين المترددين وهم يشكلون نسبة تناهز ال46 بالمئة، أي ناخب واحد من كل اثنين لم يحدد اختياره بعد، سوى أن استطلاعات الرأي حسمت النتيجة لصالح ميركل بعد مناظرة الأحد الماضي، التي تقدمت على منافسها بين المترددين بنسبة 48 بالمئة مقابل 36 بالمئة، الأمر الذي بدا وكأنها تطلق رصاصة الرحمة على منافسها.

وكان يمكن لقضية المهاجرين أن تشكل نقطة ضعف أساسية لميركل التي استقبلت خلال عامين أكثر من مليون مهاجر أجنبي وسط انتقادات حادة من طرف اليمين العنصري المتطرف وآخرين، إلا أن شولتز ما كان بوسعه استخدام هذا الجانب لأن استقبال المهاجرين الأجانب تم بالاتفاق بين حزبه وحزب المستشارة الألمانية.

ثمة من يعتقد أن مفاجأة قضائية يمكن أن تعيد التنافس إلى مسار متقارب، فالمستشارة الألمانية متهمة باستخدام موظفين في المستشارية لصالح حملتها لانتخابية الخاصة، إلا أن شهوداً يؤكدون أن هذه التهمة عارية عن الصحة وأن ميركل لا تخشى القضاء. يبقى حجم المترددين وهل يعدل في نتيجة التنافس، هنا يؤكد خبراء قياس الرأي العام أن المترددين ليسوا بالضرورة من أنصار شولتز فهم يترددون بمواجهة الطرفين.

البادي أن ميركل مقبلة على حكم ألمانيا لدورة برلمانية رابعة الأمر الذي يطرح سؤالاً كبيراً وربما أسئلة كثيرة حول اكتسابها ثقة الناخبين للمرة الرابعة وهو حالة نادرة في تاريخ الحكومات الألمانية منذ الحرب العالمية الثانية.

يرى المراقبون أسباباً خمسة كبيرة وراء تقدم ميركل على منافسها.

* أولاً، أن شولتز خلوق ونظيف الكف لكنه عاش معظم حياته السياسية خارج ألمانيا وتحديداً في رئاسة البرلمان الأوروبي وبالتالي لا يرى الناخب الألماني أن هذه الشخصية من شأنها أن تشيع الاطمئنان في الحكم في حين اختبر الناخبون ميركل وباتوا يعرفون حسناتها وسيئاتها حصيلة حكم إيجابية في مجملها.

*ثانياً، يعيش الناخب الألماني في عالم مضطرب، حيث الإرهاب يضرب في كل مكان وكوريا الشمالية تهدد بحرب نووية فضلاً عن أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ألقى بظلال تشاؤمية على مصير الاتحاد. من جهة أخرى لا يدعو انتخاب ترامب في الولايات المتحدة إلى الاطمئنان والثقة، وهو الذي يصوب على ألمانيا والاقتصاد الألماني وشركات السيارات الألمانية، أضف إلى ذلك موجات الهجرة والمهاجرين الناجمة أيضا عن الاضطرابات التي تنتشر على حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية وتطال اليونان وقبرص وإيطاليا من سوريا وليبيا وتركيا وغيرها.

وسط المخاوف الناجمة عن هذه الاضطرابات والحروب يميل الناخب الألماني إلى اختيار الاستقرار في حكومته خصوصاً أن ميركل نجحت في التعاطي مع هذه الأزمات وبالتالي يمكن منحها الثقة لولاية رابعة وعدم المغامرة بخيار آخر غير مجرب.

* ثالثاً: إذا كان خيار الناخبين يرتكز على الاقتصاد أولاً، فإن ميركل حققت لبلادها استقراراً اقتصادياً لا نظير له بالقياس إلى الحكومات السابقة وبخاصة في مجال البطالة حيث سجلت انخفاضاً غير مسبوق في تاريخ الحكومات السابقة وهذه نقطة إيجابية أخرى تحسب لها.

* رابعاً: أن التقارب في برامج الطرفين يكاد يكون شاملاً ل 60 أو 70 بالمئة من النقاط الوطنية، وهذا يعني أن أياً من المرشحين سيعتمد شعار القوة الوطنية من القوة الاقتصادية وفي التساوي في الأساسيات تكون الأفضلية لميركل وليس لشولتز.

* خامساً: يتفوق شولتز على ميركل في الاتحاد الأوروبي ذلك أنه أمضى سنواته المهنية الطويلة في البرلمان الأوروبي كما أشرنا وهذا مهم في النظر إلى مستقبل ألمانيا، لكن أداء ميركل الأوروبي ما كان خلال ولاياتها الثلاث الماضية سيئاً، فقد تمكنت من فرض قواعد اللعبة الألمانية على الاتحاد حتى صارت ألمانيا قائدة فعلية له، وهذا على الأقل ما يؤكده خصوم التجربة الأوروبية، ففي فرنسا يتهم خصوم ماكرون وهولاند بالخضوع للقواعد الألمانية في الاتحاد الأوروبي الذي يستند أصلاً إلى الجسر الألماني الفرنسي.

هنا أيضاً تبدو ميركل وكأنها أوروبية جديرة بإدارة الاتحاد تماماً مثل شولتز إن لم تكن أفضل منه، ما يعني أن الناخب الألماني يمكن أيضاً أن يمنحها ثقته في الجانب الأوروبي.

كائناً ما كان الفارق في استطلاعات الرأي بين ميركل وشولتز لا يمكن ل«السيدة الحديدية» أن تفوز بولاية رابعة قبل الانتخابات، فهي تحتاج إلى أصوات الناخبين الذين قرروا منحها الثقة مرة أخرى بجدارة أيضاً، وما على شولتز إلا أداء الصلاة كي تطرأ فضيحة قضائية أو انقلاب همايوني في مزاج الرأي العام أو ضارب مندل يقلب المعطيات رأساً على عقب، وذلك كله يدخل في عالم الغيب الذي لا يخلف تأثيراً يذكر في مثل هذه المجتمعات.

 

فيصل جلول

كاتب من لبنان

 

 

شاهد مقالات فيصل جلول