جولة الأقصى... الرسالة والقاطرة!

الثلاثاء, 08 أغسطس 2017 19:05

عبداللطيف مهنا

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة


لم تكد الجولة الأخيرة من مواجهات المقدسيين تؤول إلى ما آلت إليه، حتى عادت اقتحامات قطعان المستعمرين تحت حراسة جند الاحتلال إلى سابق عهدها. عادوا لانتهاك حرمة الحرم القدسي باقتحاماتهم الاستفزازية.

لم ينتظروا أن يكمل المقدسيون مظاهر فرحتهم واحتفائهم بما فرضته إرادتهم العزلاء على القوة العدوانية العاتية المدججة. كان فيما فرضوه على البغاة ما عجَّل من عودتهم لمثل هذه الاقتحامات الحقودة واستحثهم لارتكابها. هذه الاقتحامات الاستفزازية حدث مثلها إبان اغلاق الحرم، كما وهم، وكما نعرف، لم يكتموا غيظهم يوم أن أعيد فتحه حين اضطروا للتراجع عن قراراتهم التهويدية وإعادة الأمور إلى سابق عهدها فيه قبل قرار تركيب بواباتهم الإلكترونية، هذه التي أرغموا على سحبها فتدفقت على إثر انصياعهم جموع المقدسيين إلى ساحات الحرم المستعاد مكبِّرةً محتفية بنصرها فأمطرها الجند بقنابل الغاز والقنابل الصوتية والرصاص المطاطي.

 

إنما هو الأمر الذي هو متوقَّع منهم، فالجولة بحد ذاتها، كما أكدنا في مقال سابق، ما هي إلا محطة في مسار لمنازلة طويلة تدور في سياق صراع تناحري، وتتسم بكونها مكاسرة حياة أو موت تجري بين إرادتين نقيضتين... إرادة عنيدة لشعب مقاوم تعمِّدها التضحيات وبطولاتها عطاء لا ينفد، وأخرى باغية حقودة لمستعمر استيطاني باطش ومغتصب... أما نتيجتها في هذه المرة فأسفرت بجلاء عن معادلة هي قطعاً لا تسر هؤلاء المحتلين واستثارت قلقهم ذا الوشيجة المزمنة مع فوبياهم الوجودية المستحكمة.

... عندما نقول الشعب، فنعني حصراً الجماهير، وهذه أهلنا في المدينة الأسيرة، ومن هبًّوا لرفدهم من أهلنا في الجليل والنقب، أو من لم تحل الحواجز دون وصولهم، ومن تسللوا عبر الجدران التهويدية من الضفة، أي أننا لا نعني السلطة وفصائلها والفصائل المعارضة لها، هم هنا كانوا خارج الحساب، أما المعادلة فتقول: تضحية وصمود وإرادة مقاومة لم تكسر، قابلها تراجع تكتيكي أُرغم المحتلون البغاة على الإقدام علية مُكرهين، وبالتالي أُجبروا على إعادة الأوضاع داخل الحرم القدسي ومن حوله إلى ما كانت عليه قبل قرارات نصب البوَّابات الإلكترونية التهويدية على ثلاث من مداخله وسد ما يربو على العشرة.

لذا نجد لزام علينا العودة إلى ما نبهنا إليه سابقاً حين قلنا إن معركة الأقصى لم تنته وإنما قد بدأت للتو، كما ويجوز لنا، بل لزام علينا الآن القول، وقد انقشع ولدرجة ما غبار هذه الجولة من المواجهة مسفراً عما آلت إليه: أن توقفوا ولا تبخسوا المقدسيين حقهم ولا تقزِّموا ما حققه انتصارهم في هاته المواجهة البطولية بقصره فحسب على ما آلت إليه، أو ما قلنا أنها المعادلة التي هي في غير صالح المحتل، أي التي نتيجتها إكراهه على إعادة الأوضاع في الحرم وما حوله إلى سابق عهدها قبل قرارهم التهويدي الذي عادوا عنه... كيف؟!

هنا نستدرك لنقول: نعم إن هذا هو ما كان فعلاً، والذي لم يتحقق إلا كنتيجة ترتبت على مناطحة الكف الفلسطيني الأعزل والخارج التغطية العربية المعدومة للمخرز الصهيوني المدجج بكل ما توصلت إليه الوحشية والخبث الاستعماري الغربي من آلات وسبل الفتك والقهر والإخضاع الأكثر دهاءً وتطوراً، لكنما حصيلة الغضبة المقدسية المقاومة والظافرة تجاوزت كل هذا وأوصلت ما هو في نظرنا الأهم، ألا وهو رسالة لكل من يهمه الأمر في جبهة أعداء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية في الخارج والداخل على السواء، وكل من يريد أن يسمع أو يرى ولا يحاول الإشاحة بوجهه بعيداً في هذا العالم...

رسالة كان أول من التقطها هو العدو المحتل فكانت بحد ذاتها كافية لمسارعته لتراجعه التكتيكي، الذي سبق وأن أكدنا على طبيعته ونعيد التأكيد، أي هذه التي لا تمس استراتيجيته التهويدية التي لازالت وستظل القائمة ما بقي كيانه الاستعماري قائماً، وعودة الاقتحامات المحروسة من قبل قطعان المستعمرين تأشير وتأكيد على إصراره عليها... ما هي؟

هذه الرسالة هي في جوهرها للفلسطينيين أنفسهم والعرب كأمة وأنظمة، ومن بعد لكافة مسلمي المعمورة، ومن ثم كما أشرنا أعلاه لمن يهمهم الأمر من جبهة أعداء القضية الفلسطينية وسائر قضايا الأمة العادلة، وتقول:

إن هذا الأقصى ليس مجرَّد أولى الكعبتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الأمة الأعظم، بل هو يختصر في رمزيته وقدسيته معاً القدس، وعلى هذه القدس يتوحَّد الفلسطينيون مسلميهم ومسيحييهم، وعلى فلسطين، فلسطين الأمة يتوحَّد العرب شاءوا أم أبو، ولا من غيرها يوحِّدهم. إذ هي ستظل البوصلة، والعرب هنا هم عرب الأمة، عرب الإرادة الحرة وثقافة المقاومة، واللذين كانوا وسيظلون وفقما هي مشيئة تاريخهم وما تؤكد عليه أحكام جغرافيتهم هم لا غيرهم قاطرة العوالم الإسلامية المترامية جميعاً.

... أي أن الأقصى، الذي هو القدس، والتي هي فلسطين، هو محرِّك نضالي هائل القوة وفائقها، وهو إن دار سارت القاطرة بمن تقطره ومن سيلحق بها ولن تتوقَّف إلا في محطة واحدة وأخيرة هي دحر الغزاة المحتلين وكنس زائف كيان هش هشاشة مختلق مفتعل زرعته عنوة قبل ثلاثة ارباع قرن المشاريع الاستعمارية الغربية المعادية تاريخياً لأمتنا... وعليه، نعود لمقولتنا معركة القدس قد بدأت... والمهم الآن متى تتحرك القاطرة؟؟!!

 

 

عبداللطيف مهنا

فنان تشكيلي ـ شاعر ـ كاتب وصحفي

مواليد فلسطين ـ خان يونس 1946 مقيم في سورية

 

 

شاهد مقالات عبداللطيف مهنا