الكهرباء المسروقة وسقوط بغداد

السبت, 04 نوفمبر 2017 13:26

د. مهند مبيضين

مــدارات - مــدارات
طباعة


قُبض على اللّص الكبير، كما قالت الحكومة، وهذا أمر جيد، ومحمود. فكلما بقيت القضايا مفتوحة، زادت الأسئلة واللغط وكثر الحديث، إلى حدّ الثرثرة.

الشتاء على الأبواب، وليل الشتاء مليء بالأقاويل، ويحتاج الساهرون فيه لكلام مؤنس وطرائف وحديث.

فالقمة المؤمل عقدها في القرى لن تنعقد ليلاً، إلا بتوفير رابع للعب الشدّة، والحديث سيكون مفتوحاً على أفق واسع. هناك تزداد التأويلات والتخمينات.

 

ما يقوله الناس أن الحكومة يجب أن تَجدُّ في تطبيق القانون، وأن تتفاعل بسرعة مع الأزمات، وهذا أمر صحيح، لكن المجتمع كبر يا سادة وتطور بشكل كبير، لحدّ أن الآباء على غير قدرة في متابعة تطورات أحوال أبنائهم كما كانوا من قبل، كبر المجتمع وشاخت المؤسسات والأجهزة مبكراً.

لكن لنعود للسارق، والمسروق، وهو هنا ليس فقط الكهرباء. وقد كانت الكهرباء حجة الحكومات العابرة لتبرير الرفع، والعجز، وفي أزمنة عابرة، وهذا أمر مفتوح على مسألة الأسعار والمنح والنفط والقيمة السعرية والغاز، وهو عالم كبير لا أفهم به.

يفتح اللص باب الاعتراف، أمام المحكمة بعد أيام، وقد يشيل/ يحمل القضية كلها، وهو أمر صعب، لأن استجرار الكهرباء بهذا الحجم سيكون بحاجة لتوفر جملة إرادات، وبالتالي سيتوسع حجم الفاعلين/ أعوان السارق الكبير، وفي النهاية سيكون لدينا شبكة من القائمين على الأمر من السُرّاق. وهو أمر سيحدث الكثير من الكلام، وستندفع الأصوات المدافعة عن الأبناء، وفي النهاية سيكون هناك حكم وقضاء.

إن كان الأمر كذلك، مرحباً بالقانون، ومرحباً بالإجراءات، والأهم أن تتم عمليات سرقة أخرى في ظل الانشغال بهذه القضية.

وهي قضية إذا عدنا لزمان ولادتها، فإنها ولدت في زمن ما قبل الوفرة الاتصالية والحريات، حدثت في زمن صدمة كبيرة وهي العام 2004 إن صح القول بأنها مرتبطة باختفاء محولات كهرباء في ذلك العام.

نعم كان العام 2004 عاماً صعباً ففيه ضاعت بغداد وسرقت من العروبة درة مدنها، وفيه فقدَت الأمة سيداً كبيراً.

هنا لا يصبح هناك جدوى لأي معنى للسؤال، ما دام أن السرقة ولدت في لحظة فوضوية عنوانها نشر الديمقراطية الامريكية بالقوة، وسرقة الأوطان.

أحسب أن اللصوص الصغار من عالم الكهرباء، الذين سهلوا الأمر للص الكبير، هم لا يختلفون كثيراً عن الذين باعوا بغداد، واطاحوا بالعراق ووجهه العربي.

كل الدعم لاجراءات الحكومة، مهما اختلفنا عليها، فالتساهل مع اللصوص غير وارد، والقانون يجب أن يمر على رقبة كل فاسد، كي لا تضيع الأوطان.

 

 

د. مهند مبيضين

كاتب أردني

 

 

شاهد مقالات د. مهند مبيضين