التيار القومي العربي.. ظروف ومنطلقات وأهداف

السبت, 21 يوليو 2018 11:05

د. علي عقلة عرسان

دراسات
طباعة

 

الحلقة الثالثة (3)

 

ومع تطور المواجهات ضد الاستعمار، وسير الأحداث في فلسطين وازدياد الهجرة اليهودية المنظمة، وتصاعد الصراع العربي الصهيوني على الأرض والسيادة ـ بعد أن قرر الاستعمار البريطاني، تنفيذ آخر مرحلة من مراحل تهيئة فلسطين لتصبح وطنا قوميا لليهود وتسليمها لهم، تحميها هذه المَرّة الأمم المتحدة التي ورِثت تلك المسؤولية عن عصبة الأمم ـ بدأ إلحاح الحاجة يشتد، والضرورة تضغط على المؤمنين بأهمية العمل العربي المشترك وضرورته، لإيجاد صيغة تنظيمية ملائمة، لمواجهة التحديات المباشرة وغير المباشرة: العسكرية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، التي لا سبيل إلى مواجهتها إلا بقدرات الأمة مجتمعة. وظهرت الحاجة لمجاوزة الضعف والأمية والتخلف والإقطاع والتجزئة، والقيود المفروضة التي أقامها الاستعمار ويعمل على حمايتها وترسيخها. وكان أبرز ما يستدعيه ذلك ويفرضه، سرعة العمل وضرورته، لاستنقاذ فلسطين من اليهود، والحيلولة دون قيام كيان العنصرية والإرهاب “إسرائيل”: رأس المشروع الصهيوني ـ الاستيطاني ـ التوسعي في المنطقة، والمرض السَّرطاني الذي أخذ ينتشر فيها.

 

في هذا المناخ العام، وفي خضم هذه الأحداث والأفكار والتحديات والاستحقاقات والمواجهات، وُلِد التيار القومي، ونشأت تنظيمات قومية: تشعبت، أو تشققت، واصطدمت بعضها مع بعض في أوقات.. وكان لكل شعبة منها، خصوصيتها في النشأة والرؤية، وتوقيتها الملائم. ونضجت شُعب ذلك التيار تباعا، وتشكلت أحزابه، وتحملت مسؤوليات كبارا، وخاضت صراعات كثيرة، داخلية وخارجية، أنضجت رؤاها وتجاربها، وأحدثت في الوقت ذاته، تقاربا أو تصادما فيما بينها.

وكان أن دفعت الأفكارُ المستلهَمَة من حياة الجماهير وتطلعاتها ومعاناتها، فكرةَ الأمة الواحدة، التي يعمل كل أبنائها لخير كل أقطارها.. دفعتها إلى تشكيل تنظيم قومي على مستوى الوطن العربي، فكان أن وُلِد تنظيم البعث على أرضية ذينك الحلم والتطلع القوميين الكبيرين، وفي ظلالهما، ليكون حزبا قوميا لكل العرب، ذا نزوع إنساني واضح: “حزب البعث العربي الاشتراكي، قومي يؤمن بأن القومية حقيقة حية خالدة، وبأن الشعور القومي الواعي الذي يربط الفرد بأمته ربطا وثيقا، هو شعور مقدس، حافلٌ بالقوى الخلاقة، حافزٌ على التضحية، باعثٌ على الشعور بالمسؤولية، عاملٌ على توجيه إنسانية الفرد توجيها عمليا مجديا. والفكرة القومية التي يدعو إليها الحزب، هي إرادة الشعب العربي في أن يتحرّر ويتوحّد، وأن تُعطَى لـه فرصة تحقيق الشخصية العربية في التاريخ، وأن يتعاون مع سائر الأمم، على كل ما يضمن للإنسانية سيرها القويم إلى الخير والرفاهية “( ). لم يكن البعث هو الحزب الوحيد الذي اختار هذا الاتجاه، فحركة القوميين العرب( ) والحزب السوري القومي الاجتماعي في دائرة أضيق، وسواهما من الحركات التي نشأت في المناخ والزمن ذاته تقريبا، قبل أن تأتي الناصرية وتُثري الحركة القومية بروافد قوية، ونضالية مهمة، وتتعرض هي الأخرى لانقسامات بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، المؤسس والمنظر للتيار الناصري. وكان في صلب التكوين النظري لحزب البعث العربي الاشتراكي، الشيء الكثير من تراث الثورة العربية الكبرى، وما نشأ على جذورها ومن نضال العرب، قبل تلك الثورة وبعدها، على طريق نهضة الأمة العربية، وبعث مجدها، وتحرير أرضها، واستنهاض قواها، واستعادة مكانتها بين الأمم. وهكذا تداخلت الأهداف والشعارات والرموز، وتنافرت أحيانا، ولكنها كانت تتسابق لتخدم غاية مشتركة. وصار علَم الثورة العربية الكبرى علَما للبعث() وعلَما لفلسطين، وكان وجدان الجماهير الشعبية، العامر بتلك المشاعر والأفكار، وتاريخها البعيد والقريب، يتوهجان ويدفعانها إلى النضال، وصار أفقها الرحب، الذي أغناه الوعي والفكر والعمل طوال عقود قاسية، أفقا عاما شاملا وعنوانا للمرحلة برمتها.

في السابع من أبريل ـ نيسان 1947 يوم كانت المعركة مع الصهيونية على أشدها، تأسس حزب البعث العربي في دمشق، ليكون حركة قومية تعمل من أجل التحرير، ومداخلها إلى ذلك الوحدة والحرية: وحدة الوطن العربي، وحرية قراره، وتحرير أبنائه الذين يحكمهم المستعمر أو وكيلُه، ويقودهم إلى حروب بإمرته، فيعيدهم مهزومين أو قتلى الجسد والكرامة، تحريرهم من سيطرة الصهيونية والاستعمار ومن الارتباط بالمستعمر، من أجل مقاومة المشاريع التي ترعاها الدول الاستعمارية، وتستنبتها في الأرض العربية، لا سيما في فلسطين.

ولم يأتِ عبثا، تزامن ذلك الحدث مع تصاعد حدة الصراع بين الفلسطينيين والصهاينة في فلسطين، حول مستقبل هذا القطر العربي ومصيره، وهو في قبضة الاستعمار البريطاني ـ الوصاية ـ الذي كان يهيئ كل الظروف والشروط المناسبة هناك، ليقيم دولة اليهود الصهاينة على حساب الوجود العربي في فلسطين، تنفيذا لوعد بلفور، وقرار عصبة الأمم، ومن ثم اتفاقيات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي أسست الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وفق منطق المنتصرين ومصالحهم واستراتيجيتهم.. وما زال ذلك مستمرا.

وهذا الموقف المبدئي من قضية العرب الأولى، قضية فلسطين، كان وما زال جوهر الفعل في النظرية والتطبيق، بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي اتخذ مؤتمره التأسيسي في دورة تشرين الثاني 1947، قرارا من أعلى سلطة فيه “مجلس الحزب” آنذاك، الذي هو المؤتمر القطري الآن، بـ”تطوُّع أعضائه للقتال في فلسطين”.

وداهمت حربُ 1948 بنتائجها المرة المدمرة الأنظمة العربية والقوى والأحزاب وجماهير الشعب العربي في أقطارها، فكان ذلك من أهم حوافز البعث على تصعيد النضال ـ في إطار رؤية قومية تقدمية شاملة ـ لمقاومة الإقطاع، والرجعية، والتخلف، والقضاء على الفقر، والجهل، والأنظمة الفاسدة، والديكتاتوريات المرتبطة بالاستعمار، والأحلاف والقوى التي أخذت تركز جهودها لضرب كل توجه قومي ـ وحدوي ـ تحرري، يرمي إلى امتلاك قوة تحرِّر القرارَ السياسي والإرادة، وتضع حدا للمشروع الصهيوني ـ الاستيطاني الزاحف على أرض العرب ومستقبلهم.

وبقي حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو في خضم الأحداث الصعبة والمواجهات المرهقة والمؤلمة.. بقي مالكا للرؤية السليمة، متبيِّنا للأهداف وللطريق المؤدية إليها، مركِّزا الاهتمام على المقولة الأصح والمقولة الأساس، ألا وهي: مركزية قضية فلسطين في النضال العربي ـ الوحدوي والتحريري والتحرُّري ـ وضرورة حسم الصراع العربي الصهيوني لمصلحة الأمة العربية، ومواجهة العدو على أساس أن صراعَ الأمة معه صراعٌ أبيد، وأن حسم هذا الصراع يحتاج إلى توازن استراتيجي معه، تحققه الأمة كلُّها، على جميع المستويات، بكل طاقاتها وقدراتها وإمكانياتها، في ضوء حقيقيةِ قوميةِ المعركة، وتحالفات العدو المنبئة بحجم مشروعه التوسعي، واستراتيجيته الرامية إلى إعادة رسم الخريطة الجيوـ سياسية للمنطقة العربية، ليكون هو المهيمن عليها بكل أنواع القوة: العسكرية والاقتصادية والمعرفية والأمنية التي يملكها!؟ وكان على الحزب أن يهيئ سوريا التي يقودها، لهذه الأوضاع والتحديات والسياسات، لتبدأ السير، والدعوة إلى السير، في طريق تحققُ مستقبلا، وعلى المدى البعيد: توازنا استراتيجيا شاملا مع العدو، بإمكاناتها، إذا لم تفلح في شد الأمة العربية إلى المعركة القومية، وإلى إقامة ذلك التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني وحماته، بقواها الشاملة.

لم تكن عدة البعث الأولى ـ النشأة والتكوين وانطلاقة العمل ـ أكثر من الوعي بالذات والتاريخ، والإيمان بالحق والنفس، وتوقّد الوجدان القومي الحي، والحماسة، ورفض الهزيمة، والاستسلام للواقع المفجع.. والالتزام والإحساس بالمسؤولية حيال أمة يترجح تاريخها ومجدها وحقها والحرص عليها في القلوب، ولا يستقر على مواطن ثقة.

لقد كان الفكر والشعر والمعرفة، الأستاذ والمعلم والطالب، والحوار الخصب، والتاريخ والبطولات والتضحيات، وما/ومن تعلق بذلك وتأثر به واتبعه.. وواقع الناس ومعاناتهم، والظلم الذي ينحرهم، والحلم الكبير الذي كان يراودهم.. لقد كانت تلك هي مناهل البعث، ومواده، وأدواته التي استند إليها، وقاوم بها، وامتلكها، وانطلق منها. وكان أصلب ما في نظرته ونظريته، أنهما مستلهمتان من روح الشعب العربي وواقعه وآماله، من طموحه وتطلعاته المشروعة، ومن معطيات تاريخه، ودروس ذلك التاريخ.. ومعبرتان عن تعلق أصيل بالكرامة والحق والحرية، وبتحقيق النهضة، على أرضية الإيمان بأن الخلاص والتحرير والتقدم، يكون قوميا أولا يكون، وأن المواجهة مع الأعداء في الداخل والخارج، تحتاج إلى طاقة الجماهير العربية، المبرّأة من أشكال الفساد والتبعية والإفساد، والموظفة بإخلاص ووعي عميقين، لخدمة الأمة ومصالحها العليا، وقضيتيها الرئيستين: قضية فلسطين والوحدة العربية.. وكان ذلك شأن نشأة التنظيمات القومية الأخرى أيضا.

لم يكن فكر البعث ـ شأنه شأن الفكر القومي ـ من خارج تربة المجتمع والثقافة العربية، والبيئة العربية، والمشكلات العربية. ولم يكن مشروعه ينطوي على استلاب للآخرين، أو عدوان عليهم، أو ممارسة متعالية من أي نوع.. بل كان من بعض الوجوه، ردا على العدوان، والاستلاب، والعنصرية، والتعالي؛ ولم يتكئ البعث في تمويله أو تنظيمه أو سلطته ـ عندما وصل إلى السلطة ـ على قوى من خارج الوطن. ولا شك، في أن سر الأصالة والنقاء الروحي والصلابة الخلقية، هو الذي جعل الرواد حَمَلَة رسالة، ومن تبعهم رائدا قائدا يقوم بأداء مسؤول، على طريقٍ تم تعبيدها بشكل جيد.

في كانون 1952، عندما اندمج البعث العربي والاشتراكي العربي، في حزب البعث العربي الاشتراكي( ) وتابع الحزب طريق العمل الوحدوي الاشتراكي، كان يتصدى لكل أنواع الطغيان، والممارسات القمعية، واضطهاد الإقطاع، ومواقف الرجعية، وتدخلات الاستعمار.. ويتعرض للكثير من المعاناة، والملاحقة والتضييق عليه. وكان يقف للصهيونية بالمرصاد، لأنه قام أصلا على فكرة مشروع يناقض مشروعها ويناهضه ويتصدى له. وكم حصد رصاص السُّلَط القصيرة النظر، العميقة الارتباط بالخارج: طلابا ومناضلين من أعضائه، وكم شهدت السجون زفرات لهم ومعاناة. ولكن ذلك لم ينل من أهداف الحزب، ولا من عزيمته وصلابته في الأداء، ولا من عزيمة الذين كانوا يناضلون في صفوفه، ولا من تطلعاتهم ورؤاهم، في وقت كانوا لا يملكون فيه سوى طاقتهم الروحية وجلودهم.. ينتسبون للحزب إيمانا بأهدافه، ويعرفون أنهم سيدفعون ثمن ذلك الانتماء. لا يتسابقون على مكاسب أو مناصب، فلم يكن هناك سوى التضحية والملاحقة، والاشتباك شبه اليومي مع سلطات وتنظيمات وجهات اجتماعية أخرى، لم تكن ترضى عنهم.

من أجل الوحدة وحدها، الهدف الأول والركن الأول في شعار الحزب، حلّ الحزب نفسه عام 1958. وبعد أن استلم السلطة في سوريا 8/3/1963، وانتصر تنظيمه في العراق جاءت حركة 23شباط 1966 لتشق الحزب وبدأ صراع طويل بين جناحين في سوريا والعراق، كل منهما حاول أن يلغيَ الآخر، ولم يستطع. وصحح الحزب في سوريا مساره في حركة تصحيحية قادها الرئيس حافظ الأسد (16/11/1970) أسست جبهة وطنية تقدمية يقودها ويشارك فيها تسعة أحزاب أخرى. وما زال الحزب يقود الدولة والمجتمع بموجب المادة الثامنة من الدستور السوري.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان