موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

في الذكرى السنوية الاولى للحراك المدني : عوائق التغيير في لبنان

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

(مع مرور عام على بدء الحراك المدني الكبير في 29/8/2015 والذي علّق عليه اللبنانيون آمالاً كبيرة، نستعيد اليوم في دراسة مختصرة "عوائق التغيير في لبنان" وهي قدمت في وقت سابق إلى ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في 11 و 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015).

 

حين طلب مني الأخ الكبير د. خير الدين حسيب، رئيس مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية، قبل شهرين إعداد ورقة حول " مستقبل التغيير في لبنان"، تراءى لي أنني أمام مهمة من العالم الافتراضي، لأن لا شيء في لبنان يشي بإمكانية أي تغيير في بلد طالما فاخر الكثير من مواطنيه بنصيحة خبير أوروبي قال يوماً بعد دراسته للأوضاع في لبنان: "اتركوا أمور بلدكم على حالها فليس بالإمكان أفضل مما كان".

ومنذ تلك "النصيحة" الشهيرة قبل أكثر من نصف قرن، والطبقة السياسية والاقتصادية وامتداداتها الثقافية والإعلامية "مطمئنة" إلى حاضر لبنان ومستقبله، تختلف في معظم الأمور، داخلية وخارجية، اقتصادية وسياسية، قانونية وإدارية، لكنها سرعان ما تتحول إلى كتلة حديدية صماء بوجه كل من يحاول إحداث التغيير في النظام أو في بعض ركائزه الأساسية.

وعلى الرغم من أن كل ما يحيط باللبنانيين ويعيشونه، (من أخطاء تصل إلى حد الخطايا أحيانا، ومن ثغرات تصل إلى حد الفضائح)، يحرّض على التغيير، فإن ما كان بادياً على السطح يوحي أن النظام كان يزداد تماسكاً بوجه دعاة التغيير، وان دعاة التغيير (الذين نجحوا في أواسط السبعينات من القرن الماضي أن يصلوا إلى مستوى من الفعل والتأثير اهتزت معه يومها ركائز النظام وفلسفته وآليات استمراره) يواجهون اليوم تراجعاً مخيفاً في دورهم بعد أن أمتص النظام اغلبهم، والنظام اللبناني لديه قدرة هائلة على امتصاص العديد من المتمردين عليه، فيخلعون تاريخهم حين تتراقص أمامهم الامتيازات التي يغريهم بها النظام، أما المتمردون الرافضون "للاستيعاب"، المتمسكون بالمبادئ التي نشأوا عليها، فمصيرهم العزل والاقالة إذا وصلوا إلى مواقع رسمية، والتهميش والاقصاء إذا لم يحظوا بمثل هذه المواقع....

فهل من صورة تفضح عجز هذا النظام اللبناني وأداءه ، وتبرز الحاجة إلى التغيير اليوم، أكثر من حال الشغور الرئاسي المستمر منذ أيار/مايو 2014، والتعطيل المتواصل للمجلس النيابي المترافق مع الشغور الرئاسي، وتجميد العمل الحكومي منذ أسابيع، والعجز المريب عن حل الأزمات الحياتية والخدماتية المتفاقمة وصولاً إلى احتلال النفايات الشوارع والأحياء على امتداد الجغرافيا اللبنانية.

لكن الحراك الشبابي والشعبي والمدني (الذي انطلق في قلب العاصمة اللبنانية والعديد من المناطق والأرياف منذ أواخر آب/ أغسطس عام 2015، والذي نجح في استقطاب عشرات الآلاف من اللبنانيين في أكثر من اعتصام وتظاهرة واستمر بجملة من الاعتصامات أمام مرافق حيوية يشوب أداءها الكثير من الملاحظات) أعاد الثقة إلى العديد من القوى الحية بإمكانية التغيير، وبالتالي بدا أن لهذه الورقة ما يبرّرها، بل أن تكون جزءاً من رؤية تسهم في اغناء مسار التغيير الدائر في لبنان هذه الأيام.

1- في التطورات التاريخية لحركة التغيير في لبنان

1- منذ تأسيس دولة لبنان الكبير في أيلول/سبتمبر عام 1920، فإن الدعوة إلى التغيير تنمو باستمرار سواء عبر أدباء وكتاب ومفكرين في الوطن والمهجر معاً، أو عبر أحزاب وحركات ونقابات ومنتديات كانت ترفع مطالب التغيير سواء في المجال السياسي أو في المجالات الأخرى، وكانت تحقق أحيانا بعض مطالبها، كما كانت كثيراً ما تخفق في حراكها، وان كانت تحدث تراكماً كمياً على مستوى الأفكار والأحزاب والحركات بانتظار التحول النوعي المفترض.

لم تتوقف نداءات التغيير وحركاته في لبنان منذ الاستقلال عام 1943، وإنما استمرت أيضاً بأشكال متعددة بما فيها الثورة الشعبية المسلحة التي حاول الحزب السوري القومي الاجتماعي إطلاقها عام 1949 والتي لم يكتب لها النجاح بل جرى إعدام زعيم الحزب انطون سعادة بعد صفقة بين نظام حسني الزعيم في سوريا والنظام اللبناني. يومها سلم حسني الزعيم سعادة إلى السلطات اللبنانية التي قامت بمحاكمة صورية وإعدامه خلال 24 ساعة بعد تسليمه. وصولا إلى ما سمي "بالثورة البيضاء" في أيلول 1952 التي أطاحت يومها برئيس الجمهورية.

إذن حركة التغيير في لبنان كانت حاضرة باستمرار في الحياة السياسية والشعبية منذ أن بدأ يتضح حجم التعثر في قدرة النظام اللبناني على تلبية طموحات الشعب الوطنية والسياسية والاجتماعية والذي وصل إلى ذروته في السنوات الأخيرة لا سيّما مع استمرار الشغور والجمود والتعطيل في مؤسساته الدستورية.

ولقد شهدت هذه الحركة محطات عديدة منذ استقلال لبنان 1943، فقامت ثورة بيضاء أطاحت بأول رئيس جمهورية بعد الاستقلال عام 1952، الجمهورية بشارة الخوري بعد ما يشبه العصيان المدني بناء لطلب كتلة نيابية تضم عشرة نواب فقط من اصل 55 نائباً (كمال جنبلاط، عبد الله اليافي، كميل شمعون، حميد فرنجية، عادل عسيران، انور الخطيب، غسان تويني، عبد الله الحاج، اميل بستاني، بيار اده) واطلقوا يومذاك من دير القمر الكتلة الاشتراكية الوطنية..ثم قامت ثورة مسلحة عام 1958 حالت دون التجديد للرئيس الثاني (كميل شمعون)، كما دون الحيلولة دون ارتباط لبنان بسياسة الأحلاف والمشاريع الاستعمارية (حلف بغداد، مشروع إيزنهاور) وصولا إلى الأزمة الوطنية الكبرى المتمثلة بالحرب في لبنان وعليه بين 1975 -1990 والتي وإن ارتبطت بنظر كثيرين في التباين بين الموقف من المقاومة الفلسطينية، لكنها أيضاً كانت تتويجاً لسلسلة من الانتفاضات ذات الطابع السياسي والاجتماعي .

كان لبنان فد شهد منذ أواسط الستينات جملة تحركات شعبية وطلابية كمهرجان "التفاح" في بتخنية عام 1966، وإضرابات طلابية وصلت إلى ذروتها في مطلع عام 1969 حيث نفذ طلاب لبنان من كل المشارب والبيئات والتيارات ما يشبه الانتفاضة على مدى ستة أسابيع وفي جميع الجامعات بعد العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت وتدمير الأسطول التجاري الجوي في 28/12/1969، كما شهد في أواخر الستينات ما عُرف بثورة الفلاحين في عكار التي تداخل فيها المحلي مع الإقليمي.

وشهدت بداية السبعينات تصعيدات في الحراك الشعبي ذي الطابع الاجتماعي أساساً وتمثل ذاك الحراك بجملة إضرابات وانتفاضات كانتفاضة مزارعي التبغ عام 1973، وسبقها إضراب عمال غندور وإضراب المعلمين عام 1972.

في شباط (1975)، وخلال انتفاضة الصيادين في صيدا اطلقت عناصر من الجيش اللبناني النار على نائب صيدا السابق الزعيم الشهيد معروف سعد، والذي يعتبر الكثيرون ان اغتياله كان الشرارة التي اشعلت الحرب في لبنان وعليه في نيسان 1975، كما اعتبر كثيرون هذه الانتفاضة تتويجاً لتلازم الوطني والاجتماعي في النضال الشعبي اللبناني، فمعروف سعد كانت له حيثيته الوطنية والقومية (احد المجاهدين في حرب فلسطين عام 1948) بالاضافة إلى حيثيته الشعبية والمحلية في مدينة صيدا التي انتخبته نائبا عنها لاربع دورات متتالية ( 1957 -1960-1964-1968).

كل هذه الانتفاضات كانت بمثابة إرهاصات أدت إلى قيام الحركة الوطنية اللبنانية برئاسة الشهيد كمال جنبلاط والتي أعلنت برنامجها المرحلي (1976) حيث تم الربط بين المهام القومية (حماية الثورة الفلسطينية وصون عروبة لبنان) والمهام الوطنية المتمثلة بإصلاح سياسي اجتماعي مدخله نظام انتخابي يقوم على النسبية في إطار لبنان دائرة انتخابية واحدة وهو المدخل الذي يشكل اليوم بنظر قوى التغيير المفتاح الرئيسي لأي إصلاح حقيقي في البلاد.

2- عوائق التغيير

ان حركة التغيير في لبنان ولم تغب طيلة سنوات ما بعد الاستقلال، رغم تعدد المداخل إلى الإصلاح بين فئة وأخرى، وتباين الرؤى بين الأحزاب والحركات، ورغم ضخامة العوائق التي وقفت في وجهها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:

العائق الاول: الواقع الطائفي المتجذّر في النظام والمجتمع في آن، وهو واقع برعت الطبقة الحاكمة في ترسيخه في كل مجالات الحياة اللبنانية السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية، كما برعت في إعادة إنتاجه نظاماً وعلاقات وعصبيات متنافرة على نحو جعل المستفيدين من التغيير يواجهون بعضهم بعضاً في الشوارع، كما في الخنادق، بل نجحت هذه الطبقة بوجهها الجديد بعد انتهاء الحرب الأهلية (1990) في تحويل النزاع الطائفي إلى نزاعات مذهبية فتعطلت أي بوادر حراك شعبي وذلك مع نجاح أجنحة الطبقة الحاكمة وتدخلها في منظومة الصراع الطائفي والمذهبي بحيث تمكنت من تغطية كل فسادٍ وهدر وانحراف عبر منظومة التقاسم الطائفي والمذهبي مما أدى إلى استحالة محاسبة أي فاسد بسبب الحماية الطائفية والمذهبية له.

العائق الثاني تداخل الشأن الوطني اللبناني مع الظروف العربية والدولية المحيطة لا سيما في ظل رؤيتين توزعت بينهما قوى التغيير حين اعتقد بعضها في الرؤية الاولى أن بإمكانه عزل القضية اللبنانية عن القضية العربية، فسقط هذا البعض في أسر منظومة فكرية تعددت تعابيرها بين مرحلة وأخرى، يميناً ويساراً، حتى وصلت في أواسط العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى شعار "لبنان أولاًوالتقى حوله يمينيون ويساريون فدخل لبنان في تعقيدات جديدة، وانقسامات حادة، أدت ليس إلى تعطيل حركة التغيير فحسب، بل إلى تعطيل الحياة السياسية نفسها والى اشتعال صراعات طائفية ومذهبية ما زال لبنان، كالعديد من الدول المجاورة، تعاني آثارها المدمرة.

أما الرؤية الثانية : فقد كانت تبالغ في الاعتماد على العامل الخارجي، عربياً كان أم إقليميا، فأهملت الخصوصيات اللبنانية التي هي مبرر وجود الكيان اللبناني المتنوع في انتماء مكوناته الدينية والمذهبية التي تحمل بدورها لجملة هواجس تاريخية تعزز الإحساس بالخوف لدى البعض والإحساس بالغبن لدى البعض الآخر حتى وصلنا إلى يوم أصبح فيه كل لبناني يحس بالخوف والغبن في آن معاً.

وإذا كان للرؤية الأولى بعض المبررات بسبب التكوين التاريخي للكيان اللبناني الذي سُمي بدولة لبنان الكبير عام 1920، مع بداية عهد الانتداب الفرنسي، وهو الدولة التي قامت على وحدة بين "جبل لبنان" ذي الوضع الخاص في العهد العثماني، وبين بيروت وبعض مدن الساحل التي كانت جزءاً من ولاية بيروت عشية الحرب العالمية الأولى، وبين الأقضية الأربع التي تم سلخها عن ولاية دمشق (بعلبك، البقاع الغربي، راشيا، وحاصبيا)، فحمل كل جزء من الكيان الجديد معه جملة هواجس ومطالب شكلت بمجموعها ما سمي بالهواجس اللبنانية أو الخصوصيات اللبنانية التي كانت مصدراً " للاشعاع اللبناني" أو "الرسالة اللبنانية" من جهة، كما كانت مصدراً لانقسام دائما داخل المجتمع اللبناني يحول حتى دون كتابة تاريخ موحد يدرسه طلاب لبنان بما يرسخ لديهم الانتماء الوطني الواحد...

هذه الرؤية الأخرى، "الفوق" اللبنانية، رغم إهمالها التعقيدات للواقع اللبناني أو القفز فوقها كانت تستند إلى تجربتين هامتين أولها العهد الشهابي المستمر عملياً منذ 1958 إلى عام 1970 (عهد الرئيس فؤاد شهاب وخلفه الشهابي المتميّز ضمن جماعته الرئيس شارل حلو) وهو عهد وفر قدراً من الاستقرار في بلد يألف التوترات والاهتزازات، وقدراً من الإصلاح عبر مؤسسات يرى الكثير من اللبنانيين إن إحياءها اليوم والعمل بها هو احد مداخل التغيير في لبنان وتحويله إلى دولة ديمقراطية وعصرية (ديوان المحاسبة، مجلس الخدمة الخ...).

فمعظم المحللين الموضوعيين يقررون إن العهد الشهابي ما كان له أن يؤمن قدراً من الاستقرار والإصلاح لولا ظروف عربية محيطة متمثلة بمد قومي تحرري في المنطقة كان يقوده الرئيس جمال عبد الناصر لا سيّما بعد الوحدة العربية – السورية في مطلع عام 1958، وهما البلدان اللذان كانا تاريخياً الأكثر تأثيراً في السياسة اللبنانية، ولولا تلك المعادلة الذهبية التي اعتمدها الرئيس فؤاد شهاب بما وصفه المفكر اللبناني العروبي المعروف الراحل منح الصلح في محاضرة شهيرة له عام 1966، "أي مسايرة العروبة في الخارج لمواجهتها في الداخل" فترسخ على هامش هذا العهد، لا سيما في نسخته الثانية مع الرئيس شارل حلو، نظام امني يتدخل في كل جوانب الحياة السياسية والحزبية اللبنانية، مما دفع العديد من القوى إلى الاجتماع لإسقاطه عام 1970 عبر إسقاط مرشحه للرئاسة الأولى الرئيس الياس سركيس، مستفيداً من الوهن الذي أصاب حركة التحرر العربية وقائدها آنذاك جمال عبد الناصر في حزيران 1967 والذي شاءت الأقدار أن يغيب بعد أيام على ما رأه اللبنانيون " انقلاباً برلمانياً" بصوت واحد على النهج الشهابي (يوم فاز الرئيس سليمان فرنجية بصوت واحد على الرئيس المدعوم من النهج الشهابي الياس سركيس).

أما التجربة الثانية فكانت تجربة ما يسميه كثير من اللبنانيين بمرحلة الوصاية السورية التي بدأت مع التفويض العربي – المدعوم دولياً – للقوات العربية السورية أن تدخل إلى لبنان في إطار قوات الردع العربية فتوقف حرب السنتين ( 1975-1976) في لبنان بعد أن نجح الجهد السوري قبلها في توفير انتخاب مبكر لرئيس جديد للجمهورية اللبنانية هو الرئيس الياس سركيس (أيار/مايو 1976)، كما في توفير هدوء ما لبث أن اهتز بعد اقل من عامين إثر زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى الكنيست (خريف 1977) ثم توقيعه اتفاقيات كمب ديفيد التي أخرجت مصر من الصراع مع الكيان الصهيوني، وسمحت لهذا الكيان باجتياح واحتلال قسم كبير من جنوبه في آذار 1978، وإعلانه في الشريط الحدودي المحتل دولة "لبنان الحر" بقيادة الرائد سعد حداد وخلفه انطوان لحد وهي "الدولة" التي لم تسقط إلا مع اندحار الاحتلال الإسرائيلي عن الشريط الحدودي في أيار 2000 بعد تصاعد ضربات المقاومة لقواته وعملائه.

تجربة الوجود السوري في لبنان نجحت استراتيجياً دون شك في دعم المقاومة اللبنانية للاحتلال حتى دحر المحتل عام 2000، وردع عدوانه عام 2006، ولكن النجاح نفسه لم يحالفها في إدارة الملف الداخلي اللبناني، فاعتمدت بشكل عام على قوى ذات تكوين طائفي ومذهبي، أو ذات رؤى رأسمالية ليبرالية رافضة لأي مضمون اجتماعي تحاول محاكاة ما سمي "بالليبرالية الجديدة" التي باتت إيديولوجية عالمية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

بل إن الإدارة السورية للشأن اللبناني كثيراً ما كانت تستخدم نفوذها وسطوتها وبطلب من الحكومة اللبنانية، لإجهاض أي تحرك ذي طابع إصلاحي أو نقابي أو شعبي يستهدف التغيير. فتعثرت حركة التغيير في لبنان مجدداً.

وبدا واضحاً إن البلاد باتت أسيرة تحالف يحاصر قواها الشعبية ويجوف قواها الحزبية والنقابية، بعد أن كانت قد لعبت دوراً تاريخياً في مقاومة الحرب والتقسيم والأزمة المعيشية معا، وقد لعب يومها الاتحاد العمالي العام وهيئات المجتمع المدني وقوى التغيير الشعبية دورا كبيراً في انتفاضة الخبز والسلم الأهلي والوحدة الوطنية التي وصلت إلى ذروتها في مسيرة 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 حيث التقى عشرات الآلاف من اللبنانيين من غرب العاصمة وشرقها على "معبر" المتحف وحاولوا بأظافرهم إزالة متاريس الرمل الفاصلة بين شطري العاصمة. على يد تحالف "الليبرالية الفاسدة والمفسدة" من جهة مع قوى ذات تركيب طائفي مذهبي لا تملك القدرة على التغيير بسبب تكوينها وثقافتها وان كان بعض قادتها يملكون الرغبة في احداث هذا التغيير من جهة ثانية.

العائق الثالث هو فشل القوى السياسية اللبنانية في المواءمة بين برنامج الاصلاح وبرنامج المقاومة.

ففي مواجهة مطامع صهيونية مدعومة امريكياً وغربياً إلى حد كبير وهي مطامع وصلت إلى احتلال اجزاء كبيرة من لبنان بما فيها عاصمته بيروت عام 1982، كما لا تخفي رغبتها في وضع يدها على مياهه ونفطه وخيراته، وتريد تدمير صيغة العيش الواحد بين مكونات دينية ومذهبية متنوعة بما يناقض الكيان الصهيوني كفكرة وايديولوجية، لا يستطيع بلد كلبنان إلى هذه المواجهة سبيلاً إلا عبر المقاومة.

وفي بلد كلبنان يواجه ازمات داخلية متعددة، تطل برأسها حرباً أهلية كل بضع سنوات، لا يمكن أيضاً ان يجري تجاهل الملفات الداخلية فيه والاكتفاء بملف المقاومة التي كثيراً ما تضطر إلى مهادنة قوى متضررة من أي تغيير جذري من اجل مواجهة ما يحاك حولها من مؤامرات ومخططات وصلت إلى حد اعلان الحروب المتتالية عليها، وعلى لبنان بأسره، شعباً وجيشاً، وبنى تحتية ودوراً اقتصادياً وثقافياً.

لم تنجح المقاومة رغم اتساع قوتها، وتحولها إلى عامل مؤثر إلى درجة كبيرة في المعادلة الاقليمية والدولية، في ان تتحول إلى قوة دفع مؤثرة على طريق التغيير المطلوب، رغم ان في برامجها ونوايا قادتها ارادة ورغبة بهذا التغيير.

فالمقاومة التي هي، موضوعياً، بنت بيئة من البيئات اللبنانية، تستطيع ان تحرز في احيان كثيرة ما يشبه الاجماع اللبناني حين يكون الأمر متعلقاً بمقاومة اسرائيل، لكنها في الشأن الداخلي تواجه اعتراضات من بيئات أخرى متعددة فتضطر إلى عقد تسويات معها على حساب مشروع التغيير أو حتى مشروع الاصلاح.

ربما كان المطلوب من حزب الله تحديداً، وبعد التحرير التاريخي عام 2000، ان يسعى لقيام تحالف يضم كل قوى التغيير في لبنان، على غرار ما فعله كمال جنبلاط في ستينات وسبعينات القرن الماضي مستنداً إلى الزعامة التاريخية لجنبلاط في الجبل عموماً، وداخل بيئة لبنانية ذات دور هام في قيام الكيان اللبناني، وقبله في قيام جبل لبنان، لكن مثل هذا التحالف لم يقم رغم اكثر من محاولة، وهو أمر لا يمكن لوم حزب الله وقائده وحدهم فيه، بل هناك عوامل اخرى محلية، وعربية واقليمية لعبت دوراً في الحيلولة دون قيام صيغة لبنانية جامعة عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق تنجح في تحقيق التكامل بين تحرير الارض ومقاومة العدوان من جهة وبين تغيير جذري في النظام ومناهضة الفساد من جهة ثانية.....

العائق الرابع: يكمن في عجز قوى التغيير في لبنان، لاسباب موضوعية وذاتية، من صياغة برنامج متكامل للتغيير ووضع آليات عمل وأطر تكامل بين هذه القوى، فقد أشتدت المعارك في وجهها، وتباينت الاولويات لدى هذه القوى، وتضخمت "الانا" الحزبية أو الفئوية أو حتى الشخصية على الذات الوطنية والاجتماعية الكبرى، واشتد الصراع بين التيارات المتعددة، كما داخل كل تيار، وصولاً إلى صراعات وانشقاقات داخل الحزب الواحد، مما أدى إلى تفاقم عجز قوى التغيير بما غطى على عجز النظام ذاته ومنحه قوة استمرار.

ان وجود هذا البرنامج لا يعني تعداد مطالب سياسية أو اقتصادية، اجتماعية أو تربوية فقط، بل يعني أساساً الوصول إلى رؤية تحليلية عميقة لمجمل الاوضاع الداخلية وترابطها بالاوضاع العربية والاقليمية والدولية، فالقضية الوطنية اللبنانية بكل فروعها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقضية العربية خصوصاً، والقضايا الاقليمية والدولية عموماً.

العائق الخامس والاهم هو وجود ما يمكن تسميته "بالمجتمع العميق" أو "النظام العميق" في لبنان، على غرار "الدولة العميقة" في بعض البلدان التي كانت تقف حاجزاً امام قوى التغيير فيها.

لقد كانت العقبة الرئيسية التي تواجه قوى التغيير هو ان المجتمع اللبناني، بحكم تكوينه وطبيعة العلاقات القائمة بين مكوناته، مجتمع محافظ تبدو على سطحه مظاهر الاستعداد الكبير للتغيير، لكنه في اعماقه غير مؤهل أو مستعد لخوض معركة التغيير إلى النهاية واكثر ما يعبّر عن هذه الظاهرة هو ان اللبناني يبقى اربع سنوات محتجاً ومعترضاً على الطبقة الحاكمة ليعود إلى انتخابها ذاتها، مع بعض التغييرات الطفيفة، بما يسمح لهذه الطبقة ان تعيد انتاج هيمنتها وتسلطها، وتصبح العملية الانتخابية وفق القانون الحالي مجرد "تعداد طائفي ومذهبي"، كما وصفها يوما وزير الداخلية السابق بشارة مرهج.

وما يقال عن "المجتمع العميق" يقال عن "النظام العميق" الذي تنهار الدولة بكل مؤسساتها( كما حصل خلال الحرب (1975 -1990)، ولكن النظام يبقى، ويزداد قوة، بجناحيه " الاقطاع الطائفي" و" الاقطاع المالي الاحتكاري" وهذا ما تجلى خصوصاً في العقدين الاخيرين حيث وقع لبنان بين براثن رأسمالية ربوية احتكارية متوحشة من جهة، وبين زعامات احزاب وقوى تحتكر تمثيل طوائفها.

في الحراك المدني لاخير

في النصف الثاني من شهر آب/اغسطس، وتحديداً في 22 منه، فوجئ كثيرون بحجم التجاوب الشعبي مع دعوة حملة "طلعت ريحتكم"، المرتكزة اساساً على بضعة جمعيات بيئية (تعرّف اللبنانيون إلى اعضائها، خلال اعتصامات محدودة ضد التمديد للمجلس النيابي ونشاطات ذات طابع بيئي)، إلى اعتصام احتجاجي في وسط العاصمة بعد شهر على تفاقم أزمة النفايات التي امتلأت بها شوارع العاصمة والعديد من المدن والبلدات اللبنانية، بعد أن توقف عمل الشركة المكلفة بجمع النفايات وارسالها إلى مطمر الناعمة إثر خلاف حكومي على تجديد العقد معها وإثر رفض اهالي البلدة والبلدات المحيطة وجود المطمر في منطقتهم بما لذلك من تأثيرات بيئية وصحية خطرة.

شكل هذا التجاوب الشعبي حافزاً لاصحاب المبادرة المدنية للتوسع في حراكهم، كما شكل حافزاً لجهات عديدة، بينها احزاب وجمعيات وشخصيات، إلى تشكيل حملات مماثلة لحملة "طلعت ريحتكم" تتكامل معها، بل وتقدم أهدافاً مضافة لاهداف الحراك عبر ربطه بمطالب جديدة أبرزها محاسبة الفاسدين والمفسدين في الدولة لانهم المسؤولون الرئيسيون عن حال التردي السياسي والاجتماعي والاداري والبيئي الذي يعيشه لبنان، وكان من ابرز هذه الحملات "حملة بدنا نحاسب" و "جاي التغيير" " الشعب يريد" و "حلو عنا" وغيرها من الحملات ذات الطابع المناطقــي(الجبل ، البقاع ، الجنوب، عكار الخ.....) .

تميّز الحراك الاخير بأنه تتويج لجملة حراكات مطلبية وتغييرية شهدها الشارع اللبناني في السنوات الأخيرة، أبرزها دون شك المسيرات الضخمة والاضرابات الواسعة التي دعت اليها وقادتها "هيئة التنسيق النقابية" بمكوناتها المتعددة من معلمين وموظفين وعسكريين سأموا مماطلة المسؤولين في التجاوب مع مطالبهم المحقة، لكن عوائق عدة واجهت تحركات تلك الهيئة وأدت إلى تغييرات في قياداتها، لا سيما التربوية منها (علماً ان قطاع المعلمين كان من القطاعات الأنشط والأكثر مثابرة في الهيئة).

كما شهد الشارع اللبناني في ربيع 2011 أيضاً ، وفي محاكاة لتظاهرات ما سمي بالربيع العربي في عدة اقطار عربية، مسيرات شبابية بدت محدودة في أول الأمر ثم تزايد عدد المشاركين فيها بشكل لافت وتحت شعار "الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي"، إلا ان هذا الحراك لم يكتب له الاستمرار لاسباب داخلية وخارجية ليس الآن مجال تحليلها.

ولم يكن الشارع اللبناني أيضاً يخلو في السنوات الأخيرة من تحرك هنا أو حراك هناك على اساس قضايا مطلبية وقطاعية سياسية واجتماعية، بعضها متصل بأزمات طالت قطاعات واسعة من المواطنين كأزمة (تعاونيات لبنان) التي جرى فيها افتراس حقوق 23 الف مواطن من الطبقات الوسطى والدنيا، كما جرى تعطيل تنفيذ كل القوانين والمراسيم المتصلة بحلها، وكأزمة قانون جديد للايجارات يهدد بتشريد اكثر من 150 الف مستأجر قديم ( وجلهم تجاوز العقد السابع من عمره) من بيوتهم وفق قانون أقر بمادة وحيدة في جلسة يتيمة عقدها مجلس النواب، وفيه مخالفات دستورية طعن بها المجلس الدستوري نفسه لكن نفوذ الاحتكار العقاري الذي يريد التهام حقوق قدامى المستأجرين والمالكين معاً نجح في دفع بعض القضاة إلى اصدار قرارات قضائية بموجب قانون مطعون بدستوريته في ابرز مواده. هنا شهد الشارع اللبناني تحركات لقدامى المستأجرين الذين يخشون الطرد من بيوتهم، ولقدامى المالكين الذين يطالبون بانصافهم وتأمين حقوقهم.

طبعاً لم يخل الشارع أيضاً من اعتصامات لمياومين يريدون تثبيتهم (لا سيمّا في مؤسسة كهرباء لبنان) أو لرفض التمديد للمجلس النيابي، أو لجمعيات اهلية تطالب بوقف العنف ضد النساء وبمنح الزوجة حق منح اولادها الجنسية اللبنانية، أو لمزارعين في الارياف يواجهون أزمات في تصريف منتوجهم الزراعي لا سيما بعد الازمة السورية.

ومن يراقب الاعلام اللبناني، على مدى سنوات، يلاحظ حجم التحركات التي طالت معظم قطاعات الانتاج اللبناني، فلم تخل منطقة من الاعتصامات، ولم يخل قطاع صناعي أو زراعي أو سياحي من الاضرابات، ولم تتخلف جامعة أو مدرسة أو ثانوية أو حتى مدرسة ابتدائية عن حراك مطلبي للاساتذة أو المعلمين...

كانت البطالة اساساً، والهجرة بكل مخاطرها شرعية كانت ام غير شرعية تالياً، تقفان في قلب الاحتقان الذي كان يعصف بمعظم اللبنانيين ممن لم يحظوا بفتات الثروات التي تتكدس في خزائن اهل السطوة والسلطة ومصارفهم.

وبهذا المعنى، اتى هذا الحراك المدني، الشبابي، الشعبي، الاخير لتحصين كل هذه التحركات واهلها فجاء متميزاً عما سبقه من تحركات وتتويجاً لها في الوقت ذاته.

1-يعتبر هذا الحراك الاطول زماناً، والأكثر اتساعاً في جماهيريته، وبالتالي الاكثر تأثيراً في حياة اللبنانيين والاكثر مدعاة للاستبشار.

2-شكل هذا الحراك العابر للطوائف والمذاهب والمناطق نقيضاً كاملاً للواقع المهيمن على الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية والاعلامية في لبنان وبالتالي شكل إنذاراً لميلاد حركة لبنانية وطنية جامعة تحمل ميزات الحركة التي قادها يوماً الشهيد كمال جنبلاط في أواخر ستينات القرن الماضي، ولكنها مع ظروف تسمح بتجاوز القصور الذي واجه تلك الحركة.

3-شكل هذا الحراك بالحضور الشبابي المميّز فيه ضخاً لدماء جديدة في حركة التغيير في لبنان، التي بدا وكأن دعاتها اصبحوا مشدودين إلى "حنين" لماضي جميل اكثر منهم مندفعين لتشكيل واقع جديد.

4-شكل هذا الحراك، بشجاعة شبابه وقادته، كسراً لحاجز اليأس لدى كثيرين من امكانية التغيير في لبنان، بعد ان سدت معظم منافذه لاسباب متعددة. ومع إنكسار حاجز اليأس انكسر أيضاً حاجز خوف (لم يكن بالقوة التي كان عليها في بلدان عربية أخرى) كان عائقاً إلى حد كبير دون انطلاق حركة التغيير، والخوف هنا ليس من السلطة الحاكمة واجهزتها فقط، بل أيضاً من اهل السلطة الفعلية داخل الطوائف والمذاهب المتربصين بأهل التغيير والقادرين على محاصرتهم وعزلهم وتجويعهم وحرمانهم من الوظائف ودفعهم إما إلى الهجرة أو الرضوخ.

5-رفع هذا الحراك الغطاء عملياً عن كل فضائح النظام وركائزه، وعن حجم الفساد والهدر المعشش في العديد من المؤسسات فيه ، بما يفسح في المجال لتحديد مكامن الخلل والعجز والفساد في كل جوانب الحياة اللبنانية.

6-اسقط هذا الحراك باستمراريته، وانضمام العديد من المواطنين والقوى الحية في المجتمع اليه، كل المحاولات التي سعت منذ البداية إلى التشكيك باهدافه، وشيطنة بعض المبادرين اليه، والتهويل من مخاطره (لا سيما ان في جوارنا مشاهد تثير كل انواع المخاوف من حركات شعبية ومطالب محقة تم استخدامها لخدمة اجندات مشبوهة ومخططات دموية واخطار تدميرية متوحشة).

7-ربط هذا الحراك، والعديد من محركيه الاساسيين، بين أزمة النفايات التي كانت الشرارة التي اطلقت الحريق الشعبي وبين كل الازمات الحياتية والمعيشية والخدماتية الاخرى في البلاد، فانضوت تحت لوائه معظم الفئات المتضررة من الواقع الراهن.

8-تميّز هذا الحراك باتساع قاعدة المشاركة فيه فكان للمرأة اللبنانية دور شجاع وواضح في كل محطاته، بما يؤكد ان المرأة تنتزع حقوقها بالانخراط في النضال الوطني والشعبي العام (تجربة المرابطات في الأقصى) وتسقط كل محاولات حجب دورها بهذه الذريعة أو تلك، كما تميّز الحراك بالمشاركة الكثيفة لفنانين واعلاميين ومثقفين ومبدعين لبنانيين مما أعطى الحراك بعداً "ابداعياً" تمثل في الهتافات المؤثرة والشعارات الصارخة المحركة للمشاعر.

كما ربط هذا الحراك بأغلب مكوناته، بين تلبية المطالب الحياتية وبين الاصلاح السياسي، كما بين الاصلاح السياسي وتعديل القانون الانتخابي، بما أعطاه أهمية مضاعفة لا سيما حين أسقط من ضمن ما أسقط كل مشاريع قوانين الانتخاب التي ترسخ النظام الطائفي والمذهبي وتحوّل لبنان إلى فيدرالية انتخابية، مثل قانون يدعو إلى ان تنتخب كل طائفة ممثليها بكل ما يحمله مثل هذا القانون من مخاطر على وحدة لبنان اولاً، كما على سلمه الاهلي ثانياً، فهو يعزل اللبناني عن شريكه الآخر في الوطن، كما يشجع داخل كل طائفة الخطاب الاكثر تطرفاً وتحريضاً واثارة للغرائز الطائفية والمذهبية.

ان تمسك معظم اهل الحراك بالنسبية في قانون الانتخاب، وبلبنان دائرة انتخابية واحدة، من شأنه ان يضع البلاد على طريق الاصلاح السياسي الحقيقي ويخرج المجتمع من قوانين عززت وتعزز الطائفية والمذهبية وكل الهواجس التي تسكن اللبنانيين.

لكن هذه الايجابيات العديدة، والتي اثمرت ضغطاً على اهل السلطة لاجراء حوار بين "المتخاصمين" منهم، لا تخفي وجود ملاحظات نعتقد ان الانتباه لها من شأنه تحصين هذا الحراك وتعزيزه وادامته وتطويره إلى حركة شعبية مؤثرة.

1-الحرص على ان يحافظ هذا الحراك على طابعه الشعبي العريض، وعلى آلياته السلمية الديمقراطية القادرة على كشف عزلة السلطة من جهة، كما على استقطاب اوسع قوى التغيير الشعبية.

وقد يبرر البعض لجوءه إلى ممارسات تثير اعتراضات وملاحظات عند العديد من جمهور الحراك إلى كون هذه الجمهور لا يتجاوب دائماً مع نداءات الحراك للتحرك المستمر فيضطر بعض الناشطين إلى تصعيد الموقف للتعويض عن ضعف التجاوب.. لكن من قال إن الجماهير الواسعة قادرة على أن تنزل كل يوم إلى الشارع، الحكمة تقتضي أن تتم الدعوة إلى اعتصامات كبيرة بين الفينة والأخرى( كل أسبوع أو أسبوعين مرة) فمثل هذه الاعتصامات الضخمة (كمسيرة 28 آب/أغسطس 2015)، تهز أهل السلطة وقوى الفساد ربما أكثر مما تفعله مناوشة هنا مع قوى الأمن أو اشتباك هناك، علماً إن المزاج الشعبي العام يؤيد بقوة الحراك والتغيير لكنه يخشى الفوضى والانفلات الأمني.

2-رغم التجاوب الشعبي غير المسبوق مع هذا الحراك المدني، الشبابي والشعبي، إلا ان بعض أهل الحراك قد فاتهم قوة "المجتمع العميق" في بلد كلبنان، حيث يمكن ان ينحاز المواطن إلى مطالب محقة لكن شرائح واسعة من هؤلاء المواطنين تبقى مشدودة إلى عصبيات طائفية أو مذهبية أو اعتبارات مصلحية طاغية في نظام يقوم على الزبائنية، وبالتالي لا تتجاوب مع الحراك إذا احرجها في علاقاتها ومصالحها الظرفية المرتبطة بهذه الزعامات أو الاحزاب.

لا شك انه من الضرورة بمكان ان يكون هذا الحراك مستقلاً في قراره وتوجهاته عن أي من القوى المهيمنة على السلطة في البلاد، ولكن ليس من الحكمة ان يتم شخصنة مطالب الحراك بما يسمح لهذه القوى ان تستنفر غرائز ومصالح واسعة في مواجهة الحراك، فيبدو ان في الأمر صراعاً أهلياً وليس إجماعياً شعبياً على مطالب محقة.

وفي لبنان اكثر من مثال على نجاح القوى المهيمنة على النظام في استدراج حراك شعبي صافٍٍ، عابر للطوائف والمذاهب والمناطق، إلى مواقف تؤدي به إلى الدخول في اصطفافات أهلية، وخنادق صراعية داخل الوطن الواحد.

3-في حراك يتسم التجاوب الشعبي فيه بالصدق والعفوية إلى حد كبير يبدو من الطبيعي ان تتعدد روافده الشعبية، وان تتحرك في فضائه اكثر من حملة تعكس التعدد الذي إذا أحسنت ادارته يصبح قوة وغنى للحراك، لكن إذا تعثر التنسيق الجاد بين مكوناته يتحول إلى نقطة ضعف كبيرة بل إلى ثغرة ينفذ من خلالها كل ما تضرر من الحراك بكل ما يملكونه من وسائل وامكانيات وتزداد خطورة تعثر التنسيق بين مكونات الحراك (علماً ان غالبية المشاركين هم خارج هذه المكونات) حين تنعكس في غياب اولويات حاكمة لمطالب هذا الحراك، وفي التباين بين رؤى وآليات عمل هذا الحراك.

فصاحب الخلفية العقائدية أو الحزبية مثلاً يتعامل مع هذا الحراك بطريقة مختلفة عمن بادر اليه، أو شارك فيه، أو تحمس له من منطلق مطلبي محق (كأزمة النفايات أو الكهرباء أو المياه) ومن هنا تبرز أهمية التأكيد على التكامل بين الرؤى على قاعدة ان الجميع يسير في قطار واحد، وتنزل كل مجموعة في محطة، فيما تكمل المجموعات الاخرى رحلتها، فلا فرض رأي ولا إكراه ولا محاولة ابعاد أو إقصاء,

4-لا يمكن لأي حراك شعبي ذي طابع ديمقراطي ان يقوم دون احزاب وتنظيمات وحركات تمده بالاستمرارية والديمومة والفعالية والرؤى والخبرات لكن في بلد بالغ التعقيد في تركيبته السياسية والاجتماعية على هذه الاحزاب والتنظيمات ان تحاذر في منح المتضررين من الحراك فرص الانقضاض عليه تحت شبهة ارتباطه بحزب من هنا أو حزب من هناك، أو حتى بطائفة من هنا أو طائفة من هناك لا سيما مع ارتباط العديد من احزابنا اللبنانية بطوائف أو مذاهب وارتباط العديد من الطوائف والمذاهب باحزاب وحركات.

ان الحضور الحزبي في مثل هذه الحراكات ينبغي ان يشبه الفيتامين في حبة البرتقال أي موجود فيها بقوة ولكنه غير ظاهر، فنجاح الحراك في تحقيق الحد الادنى من أهدافه هو نجاح للحركة الشعبية بكل احزابها وتنظيماتها وتجمعاتها، فيما تعثره أو فشله سينعكس سلباً عليها جميعاً.

5-ما يقال عن الاحزاب والتظيمات يمكن ان يقال عن وسائل الاعلام أيضاً، إذ ان مواكبة اعلامية للحراك ضرورية دون شك، لكن المبالغة الاعلامية في الحراك لكي يبدو وكأنه محتضن من هذه الوسيلة الاعلامية أو تلك، بكل ما لها من علاقات وارتباطات يلقي بظلال من الارتياب حول دوافع الحراك نفسه، لا سيما إذا أدركنا اننا نعيش في مجتمع تسوده شكوك الجميع بالجميع...

كما ان المبالغة الاعلامية تقود أيضاً إلى تفتيت الحراك نفسه، والى التنافس في الظهور للافراد أو المجموعات أو اللافتات أو الشعارات، بما يؤدي إلى حالة خطيرة وهي انه بدلاً من ان يكون الاعلام في خدمة الاعلام يصبح الحراك في خدمة الاعلام، ويصبح الحراك مسؤولا عن أي تصريح عابر لمواطن عابر، أو عن أي صورة استفزازية يرفعها مواطن مجروح أو ربما موتور.

ان ايراد هذه الملاحظات هدفه تحصين الحراك والسعي إلى تطويره بما يخدم اهدافه النبيلة وبما يؤكد تاريخيته ودوره الكبير في الحياة اللبنانية المعاصرة، وبما يجعله قدوة لحركات التغيير في الوطن العربي بأسره. وهو ما يمكن ان تستند اليه أي رؤية مستقبلية لحركة التغيير في لبنان. وهو ما نقترح لها العناوين التالية:

السبيل إلى التغيير

بعد هذا الاستعراض لمراحل تطور حركة التغيير في لبنان وصولا إلى اللحظة التاريخية الراهنة المتمثلة بالحراك المدني، الشبابي والشعبي، لا بد من اطلالة على سبيل التغيير وآلياته والاستفادة من كل التجارب والخبرات السابقة.

1-لا بد من كتلة تاريخية لبنانية تضم كل قوى التغيير في لبنان وتلتقي حول برنامج عمل موحد يتجاوز الاصطفافات التقليدية والنزاعات الاهلية الموروثة.

2-تتوجه كتلة التغيير التاريخية إلى الطبقات والشرائح الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير لا سيما في الطبقة الوسطى، التي يتلاشى حجمها وتأثيرها تدريجياً، كما في الطبقات الشعبية الفقيرة في المدن، كما في الارياف ( ولعل بروز عكار النائية في الحراك الاخير احد الأمثلة الواضحة على عمق تجاوب الريف مع الحراك المدني).

3-تجري دراسة معمّقة لمختلف تجارب حركات التغيير في لبنان في العقود الماضية على نحو يستخرج ايجابياتها لتطويرها، ويتوقف امام سلبياتها لتجاوزها، وتنعقد لهذه الدراسة ندوات وحلقات نقاش ومؤتمرات تضم ممثلين عن اجيال متعاقبة شاركت في حركات التغيير بحيث يكون النقاش شاملاً ومفتوحاً لا إقصاء فيه ولا حساسيات حزبية أو شخصية تتحكم فيه.

4-السعي لاطلاق حوار داخل الاحزاب والقوى الكبيرة المشاركة في السلطة، والتي تنتمي إلى جذور تغييرية يوم تأسيسها ، من اجل مناقشة دور هذه الاحزاب والقوى في مواجهة التحديات الراهنة، في ضوء موازنة دقيقة بين الاعتبارات الضاغطة على السلطة من جهة، والاحتياجات الملحة لاغلبية اللبنانيين.

5-وضع خطة تفصلية ودقيقة لمواكبة المطالب الحياتية والخدماتية الملحة من جهة، ولتصعيد النضال ذي الطابع الشعبي على المستوى السياسي (قانون انتخاب عصري يتمثل باعتماد النسبية في اطار لبنان دائرة انتخابية واحدة)، وعلى مستوى مناهضة الفساد المستشري في البلاد (عبر ملاحقة قضائية وشعبية بكل ملف من ملفات الفساد التي تزكم روائحها الانفاس، وعبر تطبيق فوري لقانون من اين لك هذا)، وعبر اعادة الاعتبار للمجالس البلدية ودورها من خلال فصل وزارة الداخلية (عنوان المركزية) عن وزارة البلديات (عنوان اللامركزية) واعادة اموال البلديات.

6-الوصول إلى رؤية متكاملة تواءم بين الحركات الداخلية للتغيير في لبنان وبين المؤثرات العربية والاقليمية والدولية، على قاعدة ترفض الدعوة باسم القضية القومية إلى تأجيل المطالب الاجتماعية والاصلاحية الملحة، كما ترفض باسم الخصوصية اللبنانية ان تدرك الترابط بين البعدين الوطني والقومي للقضية اللبنانية.

 

معن بشور

المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية

 

 

شاهد مقالات معن بشور

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

نماذج من أقوال الرئيس عبد الناصر، مفاتيح لقراءة الراهن العربي

د. ساسين عساف

| السبت, 7 أكتوبر 2017

  1-فلسطين   - "... وبدأت طلائع الوعي العربي تتسلّل إلى تفكيري وأنا طالب في المرحلة ...

القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق

محمد شعبان صوان

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

ساد الحديث زمناً عن "الاحتلال العثماني" وبعضهم زايد بصفة "الاستعمار التركي" للبلاد العربية، ونال الق...

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري*

د. عزالدين عناية

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  ثمة مفارقة يشهدها تاريخنا الراهن تسترعي الانتباه. في الوقت الذي تعيش فيه الساحة العربية ...

الفلسفة محبة، الفيلسوف باحث، التفلسف تجاوز

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  "لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث ...

تونس المعاصرة

د. عزالدين عناية

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  يُمثّل كتاب ستيفانو ماريا توريللي الصادر بالإيطالية بعنوان "تونس المعاصرة" قراءةً معمّقةً للأوضاع السياسية ...

الخروج من التاريخ

حسن العاصي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

هل يعاني العرب استعصاءات فكرية مزمنة؟ إن أية نظرة موضوعية للواقع العربي الراهن تؤكد بما...

البرنامج التربوي في تجربة جون لوك الفلسفية

د. زهير الخويلدي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  "لا تستهدف التربية إلا تشكيل الإنسان، سواء بواسطة مدرسة الأحاسيس، أي العائلة، أو بواسطة ...

التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 31 أغسطس 2017

  تأليف روبار تيرفوداي1 ترجمة   هل يكون القلق، بالمعنى الهيدجري لهذا المصطلح، نبرة ...

سوسيولوجيا المثقّفين العرب في الغرب

د. عزالدين عناية

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

مرّت زهاء خمسة عقود على صدور النسخة الإنجليزية من مؤلف هشام شرابي "المثقفون العرب وال...

إشكاليات بناء الدولة المدنية والمواطنة في الدول العربية

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

كثيرة هي الدراسات التي تناولت اشكاليات بناء الدولة في الدول العربية، الدولة الديموقراطية والمدنية، دول...

"الاشتراكية بالخصائص الصينية".. واقع وتحديات

فتحي كليب

| السبت, 12 أغسطس 2017

في إطار التوجه العام للقيادة الصينية بالانفتاح على أحزاب وشخصيات شيوعية واشتراكية ويسارية بهدف وضع...

الأزمة المالية تعرقل مسار التنمية الاقتصادية

د. زهير الخويلدي

| السبت, 12 أغسطس 2017

"يتعلق الأمر بمنح الأولوية إلى قوى الإبداع والخلق والعمل. وينبغي القفز على العوائق والاحراجات الت...

المزيد في: دراسات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم11069
mod_vvisit_counterالبارحة40945
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع219807
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي225854
mod_vvisit_counterهذا الشهر711363
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45773751
حاليا يتواجد 3872 زوار  على الموقع