موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اليونان محذرة تركيا: لسنا سوريا أو العراق: السلطات التركية تزعم امتلاكها لجزيرة كارداك الصخرية المتنازع عليها و المعروفة في اليونان باسم إيميا ::التجــديد العــربي:: الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل ::التجــديد العــربي:: محكمة عسكرية مصرية تقضي بحبس هشام جنينة خمس سنوات ::التجــديد العــربي:: صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد ::التجــديد العــربي:: نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية ::التجــديد العــربي:: الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو ::التجــديد العــربي:: ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي ::التجــديد العــربي:: مسؤول أوروبي: الغاز المصري يضمن أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي ::التجــديد العــربي:: ترامب منتقداً «أوبك»: أسعار النفط المرتفعة لن تكون مقبولة ::التجــديد العــربي:: 'شاعر المليون 8' يبدأ مرحلته الأخيرة ::التجــديد العــربي:: فيتامين 'أ' يهزم الخلايا الجذعية لسرطان الكبد ::التجــديد العــربي:: رائحة الثأر تفوح من موقعة بايرن والريال في دوري الأبطال ::التجــديد العــربي:: المدرب كلوب يحث جماهير ليفربول على إظهار الاحترام لفريق روما ::التجــديد العــربي:: البرلمان الكوبي يختار ميغيل دياز-كانيل المسؤول الثاني في السلطة الكوبية مرشحا وحيدا لخلافة الرئيس المنتهية ولايته راوول كاسترو ::التجــديد العــربي:: عودة 500 لاجئ سوري طوعا من بلدة "شبعا" جنوبي لبنان إلى قراهم وخصوصاً بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن ::التجــديد العــربي:: "خلوة" أممية في السويد حول سوريا ::التجــديد العــربي:: روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية ::التجــديد العــربي:: اردغان يفاجى المعارضة: الاعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران المقبل ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: التحضير للقاء أستانا التاسع حول سوريا مستمر ::التجــديد العــربي::

جون آردن واللورد نيلسون

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

ولد الكاتب المسرحي الإنجليزي جون آردن عام 1920 في بانزلي من مقاطعة يوركشاير، ودرس الهندسة المعمارية، وبدأت هوايته للمسرح وتعلقه به أيام الدراسة. تزوج آردن من ممثلة مسرحية، هي مارجريتا دارسي، شاركته في كتابة مسرحياته. ويعتبر أحد رواد الموجة الجديدة للمسرح البريطاني، التي بدأت مع جون أوزبورن ومسرحيته “انظر إلى الخلف بغضب” عام 1956. ومن اليسير أن نلاحظ تأثير ذلك التيار في آردن، الذي بدأ الكتابة للمسرح بدءًا من عام 1957 وكان مأخوذًا ومتأثرًا به بشكل ملحوظ، ويعتمد هذا المؤلف على الإيحاء بما يريد، أكثر من اعتماده على التصريح والتأكيد، وتجده يضع في مسرحه نماذج بشرية واقعية إلى حد ما، ولكنها تتصرف ضمن إطار عام، يخرجها في النهاية، من مدلول معيّن للنص أو للتصرف.

 

وإنتاج آردن يتفاوت بين الجودة والرداءة، وتفاوته ذاك يجعلك تشعر بالحنق أحيانًا، فأنت بين منصرف عنه نتيجة اقتراب اليقين بعدم أهميته أو بتفاهة ما يكتب، وبين مقبل عليه لترى إلى أيّ حد يمكن أن تصل تلك اللمحات الفذة التي يطالعك بها، سواء في شخوص أو في حوار أو في مشاهد. لقد أثبت تفرده في المسرح البريطاني، وقدم نصوصًا مثل “رقصة العريف”، لم يعرف المسرح البريطاني الحديث نصوصًا بجودتها إلا فيما ندر.

رقصة العريف مسرحية تدور حوادثها في منطقة مناجم الفحم، في قرية يعزلها الثلج لفترة من الزمن. وقد أقفرت القرية تقريبًا، لأن العمال أضربوا عن العمل، ولم يفلح المحافظ والكاهن في إقناعهم بالعودة إلى المناجم، كما لم يفلحا في جلب قوة من خارج القرية، تجبرهم على العمل. وفي تلك الأثناء يصل إلى القرية ثلاثة جنود وعريف، ويدخلونها دخولًا نظاميًّا، ممهدين لدخولهم بإشاعة أنهم جنود الملكة، أتوا لتجنيد أناس من أهل القرية للخدمة في الجيش. ولكن واقع الأمر أن أولئك الجنود فارون من الخدمة، وواحد متهم بالقتل، وآخر بالسرقة، ولذلك هربوا إلى المناطق النائية، وفي تلك القرية وجدوا مجالًا لتحركهم بين الناس. وحين استقبلهم الكاهن ومن ثم المحافظ، وعدهم بأنه يقدم لهم جنيهًا لهم وآخر لمن يستطيعون تجنيده، وقدم لهم قائمة بأسماء الذين يرغب في التخلص منهم من العمال، لأنهم الأكثر شغبًا.

ويحاول العريف أن يستفيد من ذلك، ومن عزلة القرية، وأن يسيطر عليها هو ويحكمها. ولكن الأمور لا تجري كما يحب. ففي البداية يصطدم مع زعماء العمال المضربين الذين يظنون أن الجنود أتوا ليفكوا الإضراب بالقوة، ومن ثم يفاجأ بالحادثة الثانية، فبعد ليلة عامرة بالمغامرة والشراب في حانات القرية، وخاصة حانة السيدة هنشكوك التي عادت إليها الحياة بعد ذلك الإضراب، اجتمع ثلاثة من جنوده، مع الساقية التي تعمل في الحانة، وبطريق المصادفة لا النزاع على المرأة، قُتل أحد الجنود، الأمر الذي جعل العريف مسجريف، قائد المجموعة في وضع مضطرب، ولم يكد ينجح في دفن الجثة، حتى واجه مشكلة سرقة السلاح والعدد التي معه ومع جنوده، من قبل العمال المضربين، ولم يكد يسترجع المدفع الذي سرق، حتى فوجئ بالمحافظ يخبره بأن الثلج بدأ يذوب، وأن القرية يمكن أن تتصل بالعالم، وأن تصل إليها مجموعة من جنود الخيالة، طلبهم المحافظ عند الظهر، لتهدئة الأحوال. ويطلب المحافظ من العريف أن يسوي الأمور، ويحافظ على النظام، حتى الظهر على الأقل. وهذا الأمر بحد ذاته يزيد العريف توترًا واضطرابًا، إذ إنَّ أمره سينكشف، بمجرد وصول أولئك الخيالة. ويستعد هو ومن بقي معه، للعمل في ظروف صعبة، فيجمع الناس في الساحة، ويضع أمامهم برميل البيرة الذي يدفع ثمنه هو من أموال المحافظ، ويوجه عنايتهم إلى ضرورة التجنيد.. ولكنه يصل إلى نتيجة مغايرة تمامًا، إذ إنه من أجل حثّهم على الالتحاق بالجيش، يعرض عليهم هيكلًا لأحد الشعراء الذين التحقوا بالجيش من قريتهم، ويدعوهم إلى مقاومة العنف الذي يواجهه جيش الملكة في المستعمرات، ذلك الذي يستعمل العنف ضد الناس، وهذا يجعل موقفه أكثر حرجًا، ويجعل بعض جنوده يحاولون الخروج عليه. وعندها يفصح عن نواياه بوضوح، حين يخاطب أحد جنوده عمال المناجم المضربين بقوله لهم:

هيرست: نحن نحصل على معيشتنا بضرب وقتل أناس مثلكم، في نفس شوارع مدينتهم، طيب وهذا قادنا إلى الجنون. لذلك رجعنا إلى هنا لنبين لكم شكل ونوع هذه الحالة. الناس الذين نريد التعامل معهم هذه المرة، ماهم أنتم ولا جماعتكم، ولكن على درجة أعلى. الناس الذين لا يصيبهم أي أذى، “يشير إلى المحافظ والكاهن” هذا.. وهذا. إن أنزلتم بهم الأذى الآن، لن يؤذوكم فيما بعد.. لا لن يرسلونا نحن لإيذائكم. ولكن إذا تركتموهم على حالهم، إذن نحن الثلاثة سنقتل، سيطوينا النسيان وتعود المسألة القذرة بأكملها من جديد”.

لقد تغير الحال، والعريف مسجريف وجنوده يدعون العمال للتلاحم معهم الآن، ليواجهوا المحافظ والكاهن. وقد وجد مسجريف فرصة يستغل فيها أولئك الناس وخوفهم ليشكل، بواسطتهم قوة متمردة، قادرة على حماية نفسها وحمايته هو، بمواجهة الحكم الذي ينتظره، فيما إذا قبض عليه.

وليس أمامه الآن، وقد وضع الأمور على هذا النحو أمام الناس، إلا أن يمضي حتى النهاية، ولو أدى ذلك إلى استعمال العنف معهم. ويفكر بعض العمال بالانضمام إليه، ولكن الأمور تنقلب رأسًا على عقب، حينما تكشف آني الساقية، أنهم قتلوا زميلهم الجندي، فكيف يمكن أن يؤمَن جانبهم. وكان فعلها ذاك نتيجة وضع عاطفي، وانفعال شديد، وضعَت فيه حين عرض العريف مسجريف وجنوده أمام الناس الشاعر الجندي الذي قتل، وأحضروها لتتعرف على بقاياه. فهي ترتبط معه بقصة حب، وكان والدًا لطفل حملته منه، ولكن الموت حال بينها وبين سعادتها معه.

إن الناس ينفضّون الآن من حول العريف وجنوده، والمحافظ والكاهن في حيرة، والخيّالة قادمون، وعند وصولهم سيتغير الوضع، ليس وضع العمال فحسب، وإنما وضع العريف وجنوده أيضًا. ويقترب موعد حضور الخيالة، ويبدأ العريف رقصة العنف المضطربة، ويحاول أن يهدد الناس بإطلاق المدفع عليهم، ليرغمهم على شيء يريده، ويتدافع الجنديان اللذان معه، أحدهما يريد أن يطلق النار والآخر يمنعه، ويتدخل العريف ليقف خلف المدفع. إن الأمر أصبح عنده قضية حياة أو موت، وهنا يصل الخيَّالة، ويسيطرون على الموقف. ويُقبَض على العريف وجنده، بتهمة الهرب من الجندية، والسرقة، والقتل. أما العمال فيعودون تحت ضغط القوة إلى المعامل. وتعود سيطرة المحافظ والكاهن على المنطقة من جديد، ولا تغيير، بعد أن ذابت الثلوج، واتصلت القرية النائية ببقية المنطقة.

وهنا تنتهي قصة العريف الهارب وجنوده، ولكن لتبدأ قصة الألم الذي يعاني منه العمال في مناجم الفحم. لم يكن الخلاص منطقيًّا على النحو الذي طرحه العريف، ولا يكون الخلاص أصلًا على يدي مجرم وبوسائل الإجرام، ولكن المؤلف يضع أولئك الذين واجهوا العالم بالعنف، حتى ندموا على عنفهم، واضطرهم الأمر إلى الهرب منه، ومن أنفسهم.. يضعهم بمواجهة العنف من جديد، كحل يرون أنه صالح لمواجهة العالم به. إنه وضع غريب، ولكن المؤلف يرى أنه قد يحدث، على الرغم من اقتناعه، بأنه ينبغي ألا يحدث، وألا يكون هو سبيل الخلاص.

المسرحية تذكرنا بمسرحية لناظم حكمت، تجري حوادثها في قرية انعزلت عن المنطقة التي هي فيها، وسيطر عليها مجموعة من الأشخاص، أرادوا تغيير نظام الحكم فيها، ولكن مع فارق في النتيجة والهدف والمعالجة. ولا أستطيع أن أقطع بأن الإنجليزي أخذ عن التركي.

الحوار في المسرحية بسيط، لا تعقيد ولا شفافية فيه، بل إنه يخلو أحيانًا من العمق، وأضاف المترجم إلى الطين بِلَّة، بأن قدم حوارًا ركيكًا أحيانًا. ولكن المسرحية في كل الحالات تعطي صورة عن مؤلفها، وعن موجة جديدة من العمل المسرحي في بريطانيا في زمن ليس ببعيد عنا. ومن هنا تأتي أهمية الاطلاع على هذا التيار، من خلال النماذج التي تمثله.

ولجون آردن عدد من المسرحيات في الإطار التاريخي، ومن هذا النوع مسرحية “الحرية المغلوطة”، و”صعود البطل”، والأخيرة كتبها مع زوجه مرجريتا دايسي، وقُدمت أول مرة عام 1968 في لندن. البطل في هذه المسرحية الأخيرة “صعود البطل”، هو نيلسون، أعظم قائد بحري في تاريخ البحرية البريطانية، الذي سجل لبلده انتصارات عظيمة، لا سيما ضد فرنسا وإسبانيا في القرن الثامن عشر. نحن أمام نيلسون يخاطب الجمهور، بعد أن اخترق الستار، وانتصب أمامه:

“إذا كنتم لا تعرفون من أنا فيجب أن تخجلوا من أنفسكم، هل من فائدة ترجى في أن أخبرتكم عن جميع الأعمال العظيمة التي قمت بها من أجلكم؟! انتصاراتي.. سانت فانسنت ـ النيل ـ كوبنهاجن ـ الطرف الأغر؟! عن الأساليب التي توصلت بها إلى تلك الانتصارات؟! أكيد أن كل هذا التاريخ قد أصبح معروفًا بما فيه الكفاية. لقد كنت أول قائد بحري، فهم ووضع موضع التنفيذ، نظرية التدمير الكامل الشامل لأسطول العدو، مهما كلفني ذلك. أصبح التدمير ممكنًا بتجاهلي المفرط لأوامر الجميع، أوامر رؤسائي المباشرين، وكذلك الأوامر غير المدونة، على الرغم من قيمتها التي تجمعت عبر مئتي سنة من التقاليد البحرية المحافظة. ويدهشني أنكم في هذه اللحظة، لا تقذفون قبعاتكم في الهواء وتهتفون. فمن المألوف أن تفعلوا ذلك. لا بأس، فقد حصلت على مكافأتي؟ رفعوني على عمود الراشمال من وايتهول، عن كل شبر من العمود قتلت فرنسيًّا، أصوب عيني السليمة كالمدفع إلى ويستمنستر، لا عن فخر ولا تفضّل، بل عن مزاج أسود ممرور، ولماذا؟ كسرت قواعد الحرب وتسامح الشعب عنها، لكن التسامح غاب حين كسرت قواعد الحب”.

قد تكون هذه ببساطة فكرة رئيسة، أو أولى، يريد المؤلفان أن يجسداها في مسرحية “صعود البطل”. فهما يتابعان اللورد نلسون في بعض معاركه البحرية، ويعرضان تفاصيل من حياته. والتركيز يكون حول محاور، تؤدي في النهاية إلى إبراز الغرض المقصود من النص.

نيلسون في إيطاليا يستعيد جزيرة صقلية من بعض المتمردين، ويعيدها للملك هناك، ولكنها تعود اسمًا بينما السيطرة عليها لبريطانيا. ويقوم نيلسون بذلك العمل، مخالفًا لأوامر دولته، ولتعاليم السفارة التي يقوم على رأسها السفير هاملتون. ويقضي نيلسون على قائد المتمردين، كما يسميهم، وهو كراتشيولو، يشنقه على صاري أحد المراكب. ولا يقيم وزنًا للشروط التي سلم بها هذا القائد نفسه للإنجليز، يتجاوز كل تقاليد الحرب، وأعراف الدول، والقوانين، ويقوم بما يرون، أو بالأحرى بما يرى أنه يفرض سيطرة كاملة لقواته ولبلده مستقبلًا على الجزيرة.

وفي هذا اللقاء الأول لنا مع نيلسون، لا نكتشف فقط قدرته العسكرية كقائد، وإنما نكتشف علاقاته مع الجنس الآخر، وعلاقته بامرأته. فهو قد انقطع عن مراسلة زوجه تقريبًا، ولا تعرف هي من الأخبار عنه إلا ما ندر، وابنها “نزيت” مع أبيه، يعمل ضابطًا في البحرية، ويعرف أسرار والده، ويروي لنا بعض تفاصيل تصرفاته. إن نيلسون يهوى النساء، وله في كل ميناء محظية أو أكثر، شأن البحارة، ولكن المرأة التي دخلت قلبه، وربما بشكل نهائي، كما يبدو منذ البداية، هي إيما زوجة السفير هاملتون، التي أصبحت مصدر كل إلهام وسعادة وعمل له، وأصبح لها كل ما يهمها في هذا العالم. وزوجها يعلم هذه العلاقة، وينصرف إلى اهتماماته بالآثار، بعد أن تقدمت به السن، ووجد أنه من غير المجدي أن ينافس نيلسون، على قلب السيدة هاملتون.

إن إيما ترافق نيلسون في كل خطوة يخطوها، وتسهم معه في تقديم الخدمات الرسمية وغير الرسمية التي يريد، وقد شاركت فعلًا في إقناع ملك نابولي وزوجه، بما يجب أن يقوم به نلسون من احتلال لجزيرة صقلية، الأمر الذي أدى إلى عودتها لبالرمو، وقتل كراتشيولو.

في لندن وصلت نتائج إيجابية، احتل نيلسون صقلية، واستقبل الناس النصر، ولم يدققوا في المخالفات والجرائم التي ارتكبت من قبل القائد، ولم يحفلوا لخرق قواعد الحرب.

وفي لقاء آخر مع نيلسون، نراه يهاجم كوبنهاجن، ويقضي على أسطول الدانمارك، غير منتظر لنتيجة المباحثات الدبلوماسية الرسمية، التي يجريها ممثلو بريطانيا الرسميون مع نظرائهم من الدانماركيين. إنه يقضي على الأسطول في توقيت عسكري يراه ملائمًا، ويفاجئ الجميع بالنتيجة، بتحقيق نصر لبريطانيا، والقضاء على قوة بحرية كان يمكن أن تسيطر عليها فرنسا، وتصبح إلى جانب نابليون. الأعراف والتقاليد العسكرية والمدنية، في السلم والحرب، خرقها نيلسون أيضًا، وفرح الناس في بريطانيا بالنصر، ولم يدققوا لا بالثمن، ولا بآلام الناس، ولا بالقوانين والوقائع. النتيجة نصر حققه نلسون، وكيفما أتى فهو نصر مقبول.

وفي لقاء ثالث، أو إشارات إلى لقاءات وحروب، لا سيما في معارك النيل، ومعارك أخرى في المتوسط، كان نيلسون يقضي على القوات المعادية، ويحقق انتصارات، ويحتقر الفرنسيين، ويضيق ذرعًا باسم نابليون.

وفي جميع الحالات، كان على الصعيد الاجتماعي، يرافق السيدة إيما هاملتون، ويقضي معها أطيب أوقاته، بمعرفة زوجها وأمها، ويجد نفسه على أحسن حالات الصفاء والمجد معها. زوجه في بريطانيا كلها ثقة به. استدعي إلى بريطانيا، واستدعي معه السفير هاملتون، غادروا جميعًا إلى هناك، واستقبل الشعب نيلسون استقبالًا عظيمًا، واحتفل الأمير في قصر وندسور، بعودة الفاتح العظيم.

كان نيلسون مع إيما هاملتون، يرتشف كؤوس مجده، ولم يفطن لزوجه إلا بعد وقت. وحينما ذهب إليها، كانت تنتظره لتخبره عما أنجزته من أعمال صيانة في المنزل، وأنها هيأت عشهما لقضاء أيام لا حرب فيها.

رافقته إلى زوجه، السيدة إيما هاملتون وزوجها، وكان نلسون منصرفًا عن أحاديث زوجه، ومهتمًا بما تقوله إيما بشكل ملحوظ. عرفهما على بعضهما فرحبت كل منهما بالأخرى، كانت السيدة تعرف من الرسائل، أن هناك أسرة صديقة تعطف على نيلسون وترعاه، ولكن لم يخطر ببالها أبدًا، أن قلب نيلسون يمكن أن ينصرف عنها، أو أن يجرفه حب آثم.

تذكِّر إيما عشيقها أو بطلها بموعد الأمير، ويذهب الجميع إلى الاستقبال الرسمي في قصر وندسور. وهناك يتصرف نيلسون وإيما بخفة ملحوظة، ترقص معه أمام الجميع، رقصًا استعراضيًّا، كذاك الذي يحصل في ملاهي الدرجة الثالثة، وتكون في رقصها شبه عارية، وهو أمر يثير سخرية الطبقة الراقية التي تحتفل بنيلسون، ولكن تلك الطبقة تلهو بإيما، وتتشفى من هذا الذي يرفضه العرف الاجتماعي. تشعر السيدة نيلسون بالإهانة، وتحاول أن تنصرف، ولكن الأمير يطلب منها أن تبقى. وفي تصرف آخر لإيما ونيلسون، تفرض السيدة نيلسون موقفًا حاسمًا: على نيلسون أن يختار بين البقاء مع إيما، أو احترام وجودي والبقاء معي، ويعلن نيلسون أمام الجميع أنه يختار إيما.

مفاجأة وصدمة تنتهي بانصراف زوجه إلى شأنها، ويقضي نيلسون وقته في قصر ريفي مع إيما هاملتون، بعيدًا عن كل الأعمال العسكرية والسياسية.

وينجب نيلسون وإيما طفلة تبقى من الأسرار، تعنى بها والدة إيما، ويرسلانها أخيرًا إلى مكان تربَّى فيه، تحت إشراف مربية. ويمرض هاملتون ويصبح على شفا الموت، ويعلن تخوفه من المصير المحزن لزوجه بعده، وبعد ذهاب نيلسون عنها.

ويأتي قرار من وزارة الحربية، بتنصيب نيلسون قائدًا عامًّا للبحرية، وتكليفه القيام بما ينبغي لمواجهة جيوش نابليون، الذي نصب نفسه إمبراطورًا، وأخذ يهدد بريطانيا بالتعاون مع إسبانيا.

لم يكن نيلسون يعلم ذلك كله، وكان يتم إخفاء الأمر عنه نسبيًّا في البيت الذي يعيش فيه مع أسرة هاملتون، وكان الخوف يهز إيمّا وأمها عندما يذهب نلسون إلى الحرب، لأن إيما ترهلت وتقدمت بها السن، ولا مستقبل لها.

وعندما يقف نيلسون على الخبر والتكليف يرتدي بزته العسكرية، ويترك إيما وحدها، غير آبه بتوسلاتها، إن مواجهة نابليون أهم بكثير. وفي معركة الطرف الأغر، ينتصر نيلسون ميتًا. وفي وصيته يؤكد على الاهتمام بإيما، ولكن بريطانيا تكرمه وتكرم أسرته، وتخصص راتبًا لزوجه السيدة نيلسون، كما تمنح لقبه لقب اللورد إلى أخيه. وتغضَّ الطرف عن العلاقة غير المحترمة، وعن السيدة غير المحترمة، إيما هاملتون، وتنسى ذلك تمامًا، ولا تقيم لـه وزنًا. ويجيء على لسان الكاهن في هذا الصدد ما يلي: “أما من ناحية الأرملة الأخرى، والثمرة المنكودة المزعومة لمعاشرتها، فمن الخير أن ننظر إليها كواحدة من تلك الانحرافات، التي غالبًا ما يتعرض لها العباقرة. وإزاء الجروح والعلل الكثيرة التي تعرض لها الفقيد، لورد نيلسون، علينا أن نلقي حجابًا من الصمت، حيث لا يسعنا التغاضي كلية، وعلينا قبل كل شيء، ألا ندفع لها أي مال”.

لقد أوصى نيلسون بإيما، ولكن هل يخرق المجتمع البريطاني كل تقاليده، ويقبل من نيلسون الذي حقق له انتصارات كبيرة بخرقه لتقاليد الحرب، أن يخرق تقاليد المجتمع وأعرافه، بخرقه لتقاليد الزواج والحب؟ إن هذا ما لم يسمح به المجتمع البريطاني لواحد من أعظم أبطاله.

أحسست بأن المؤلفين كانا يركزان باتجاه جعل الإدانة، تحوم حول موقف المجتمع البريطاني من الأرملة هاملتون، أي العشيقة نيلسون، أو من الشق المتعلق بها من وصيته. ولكن هذا الأمر ينبغي أن يناقش بمردوده على الحياة الاجتماعية، وعلى العلاقات الأسرية في المجتمع، والقيم الأخلاقية فيه، وليس على نيلسون بوصفه فردًا، ولا ينبغي أن يقارن فقط بما حققه نيلسون من نجاح وبطولات وانتصارات.

المسرحية مبنية بطريقة جديدة، يتزاوج فيها التمثيل مع الغناء، ويدخل الرقص فيها أحيانًا، وتقدم تقنيتها المتطورة، إمكانيات لتصوير المعارك والانتقالات الجغرافية العديدة. وحوارها عميق في بعض مقاطعه، ومعبر بشاعرية عن مواقف إنسانية دقيقة، في بعض المقاطع الأخرى. وهي تستحق أن ندرسها بتمعن، وأن نستفيد من تقنيتها، ومن أفكار مؤلفيْها وتجربتهما المشتركة.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل

News image

أكد مجلس الوزراء السعودي تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز السبت القادم مشر...

صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد

News image

أعلنت جماعة انصار الله عن تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلف...

نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية

News image

أعلنت مصادر فلسطينية أن جثمان العالم في مجال الطاقة فادي البطش المنتمي إلى «حركة الم...

الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو

News image

تستجوب الشرطة الكندية السائق المشتبه بأنه استأجر شاحنة دهست عددا من المشاة في شمال تور...

ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي

News image

توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي الذي وافقت على...

روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية

News image

طرحت روسيا أثناء جلسة خاصة في مجلس الأمن الدولي عقدت اليوم الثلاثاء، خطة شاملة تضم...

البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية

News image

الخرطوم - قالت وكالة السودان للأنباء الخميس إن قرارا جمهوريا صدر بإعفاء وزير الخارجية ابر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

المسرح في أدب صدقي إسماعيل ١ ـ ٢

د. علي عقلة عرسان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كان صدقي إسماعيل “1924-1972″، رحمه الله، نسيج وحده فيما كتب من مسرحيات، لم يتتلمذ...

حين تفعل الثقافة فعلها

د. عبدالحسين شعبان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  لم تكن مدينة أصيلة، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في الع...

«بسطة الكتب»

د. توفيق السيف

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كل حديث عن الثقافة في مجتمعنا، يستدعي ديباجة ثابتة، من نوع أن العرب لا يقر...

كالى وشيفا

جميل مطر

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كثيرا ما تحدثنا فى إحدى مجموعاتنا الكلامية عن تطور العلاقة بين المرأة والرجل عبر ال...

الصحفي جابرييل ماركيز

د. حسن مدن | الاثنين, 23 أبريل 2018

  أمر يُسعد كتاب الصحافة، وأنا أعد نفسي واحداً منهم، في صورة من الصور، أن مبد...

رأي ابن رشد في القضاء والقدر أو (التجويز)

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  لقد كان للفيسلوف العربي العقلاني ابن رشد, موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر...

قصة واقعية من قصص النكبة :أبطالها من مدينة اللد - آخر مدن الصمود

دينا سليم

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  التقيت به في أمريكا أواخر سنة 2016 وتحديدا في سان فرنسيسكو عندما قام بزيارة...

مراجعة كتاب: "كيف تقول وداعاً"

بشارة مرهج

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  اشهد أن هذا الكتاب "كيف تقول وداعاً" جذبني ثم أسرني ثم قيدني بخيوط غير مر...

نسيم الشوق: أحبها لكنها من دين مختلف

سامي قرّة | الأحد, 22 أبريل 2018

لا تقل الحرية من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية أهمية عن الحرية من الظلم والاحتلال. هذه هي ...

أنَا أُحِبّكِ

د. عزالدين ابوميزر | الأحد, 22 أبريل 2018

أنا أحبّكِ لا تَسأليني فقد مَزّقتُ أشرعتي وَبينَ كَفّيكِ ق...

حين هبت رياح حبك

شاكر فريد حسن | الأحد, 22 أبريل 2018

لا أذكر كيف تعانق القلبان ولكني أذكر عندما...

بورتريه عربي لماركيز

د. حسن مدن | الأحد, 22 أبريل 2018

  حكى جابرييل ماركيز أنه كان لاجئاً، بمعنى من المعاني، في باريس فترة حرب التحرير ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم10492
mod_vvisit_counterالبارحة26663
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع99744
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي215791
mod_vvisit_counterهذا الشهر846218
mod_vvisit_counterالشهر الماضي972375
mod_vvisit_counterكل الزوار52978650
حاليا يتواجد 1907 زوار  على الموقع