موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اليونان محذرة تركيا: لسنا سوريا أو العراق: السلطات التركية تزعم امتلاكها لجزيرة كارداك الصخرية المتنازع عليها و المعروفة في اليونان باسم إيميا ::التجــديد العــربي:: الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل ::التجــديد العــربي:: محكمة عسكرية مصرية تقضي بحبس هشام جنينة خمس سنوات ::التجــديد العــربي:: صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد ::التجــديد العــربي:: نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية ::التجــديد العــربي:: الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو ::التجــديد العــربي:: ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي ::التجــديد العــربي:: مسؤول أوروبي: الغاز المصري يضمن أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي ::التجــديد العــربي:: ترامب منتقداً «أوبك»: أسعار النفط المرتفعة لن تكون مقبولة ::التجــديد العــربي:: 'شاعر المليون 8' يبدأ مرحلته الأخيرة ::التجــديد العــربي:: فيتامين 'أ' يهزم الخلايا الجذعية لسرطان الكبد ::التجــديد العــربي:: رائحة الثأر تفوح من موقعة بايرن والريال في دوري الأبطال ::التجــديد العــربي:: المدرب كلوب يحث جماهير ليفربول على إظهار الاحترام لفريق روما ::التجــديد العــربي:: البرلمان الكوبي يختار ميغيل دياز-كانيل المسؤول الثاني في السلطة الكوبية مرشحا وحيدا لخلافة الرئيس المنتهية ولايته راوول كاسترو ::التجــديد العــربي:: عودة 500 لاجئ سوري طوعا من بلدة "شبعا" جنوبي لبنان إلى قراهم وخصوصاً بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن ::التجــديد العــربي:: "خلوة" أممية في السويد حول سوريا ::التجــديد العــربي:: روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية ::التجــديد العــربي:: اردغان يفاجى المعارضة: الاعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران المقبل ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: التحضير للقاء أستانا التاسع حول سوريا مستمر ::التجــديد العــربي::

قلوب شَفَّافة ونوافذ مُعتمة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

من الذي يقول: الأصالة وهم، وشيء من الحفريات في مغاور التاريخ وكهوفه، لا تنبعث منها إلا روائح العفن؟! ذاك قول نفوس تريد أن تضفي على الأصالة رؤيتها ، وتكسوها بما يعتمل فيها، ربما لأنها بقيت طافية على السطح كخيوط العنكبوت، لم تحقق جديدًا، ولا هي حافظت على قديم أصيل.. إنها بضاعة من يقومون بالهدم تعلقًا منهم بوهم، من دون أن يكون لديهم مشروع، حسب رؤية ناضجة واضحة.

 

من نافذة على شكل “إطار مرآة” أنيقة تمامًا، أرادت مرافقتي الصينية أن تريني بعض ما لديهم من أصيل.. نظرت إلى أشجار الحديقة التي كانت تظهر من خلال مرآة، حقيقية، اقتربت ومددت أصابعي عبر الإطار فنفذت إلى الشجرة ولامست الهواء. إنها اختبار الذوق الذي يوهم ويوحي ويكشف. قالت السيدة اكسان: كانت امرأة الملك كولي تجلس في هذا المكان، وتنظر من هذه الشرفة إلى السهل البعيد هناك، في الشرق، حيث كانت قريتها التي أتت منها، قبل أن تصبح زوجة للملك كولي. وحين يشتد بها الحنين ـ وهي كثيرة الحنين لأهلها ـ كانت تضع نفسها هنا، وتنظر طويلًا إلى ذلك المدى أسفل التل، إلى السهول البعيدة، حيث أهلها وقريتها.

علينا أن نعود مع اكسان إلى عصر الملك كولي، أي إلى مئات السنين، ونرى كولي وهي تتنهد هنا وتذرف الدموع، ربما حنينًا إلى أهلها، وربما.. وربما..!؟! أتراه ظلم الملك، أم حصار القصر، أم البعد عن الأهل، أم ظلم في حياة لم تخترها؟! أم هو شوق لخارج أسوار “تل النمر” حيث اختطِف قلبُها، ولم تستطع أن تجهر بذلك؟!

إن الشرفة والأشجار وغرف القصر وفضاء التاريخ، يحمل شيئًا من الجواب، ولكن نحن نتخيل، ونحيل أسئلتنا إلى التاريخ. ممتع ما في هذا القصر، لا سيما بناؤه وموقعه وأشجاره. وفي أركان منه ترى الغرف التي حوَّلها باعةُ التّحف إلى متاحف صغيرة. هكذا هم الصينيون في سوجو، وحول تل النمر، وفي قصر الامبراطور الصيفي أو الشتوي.. هكذا هم في كل مكان أثري.. قطعة من التاريخ، يعيدون لك التاريخ، وفي أصابعهم ووجوههم بعض الفن.

ليس مثيرًا إلى حد المغايرة والمفارقة، قليل من الشحم فوق جفن العين، ليجعل من الصيني شخصًا بعيدًا عنا.. إننا نحتاج إلى شيء من الخيال، وإلى شيء من بعد الرؤية، وشيء كثير من إضفاء الأنسنة، حتى على الإنسان، وليس على الأشياء.. لنرى الآخر. أنهينا زيارتنا لتل النمر، وبرْكة السيف في سوجو، وما هي سوى سلامية صغيرة في جسم الصين الكبير.

بعد ساعتين ونصف من الطيران باتجاه جنوب غرب، قطعنا خلالها المسافة بين شرق الصين على بحرها حيث شنغهاي، إلى جنوبها، حيث منطقة شبه استوائية، تبعد عن بحر الصين الجنوبي حوالي مئتي كيلومتر، إنها أعني مدينة نائيين عاصمة (كوانغ شي) التي يبلغ عدد سكانها حوالي (45) مليون نسمة، منطقة ذات حكم ذاتي، فيها أقليات قومية، بينها “سوان” هي الأكثر نسبيًّا. وتشتهر بالفواكه، والخضرة الدائمة، وحرارة الود، وتقع على مقربة ثلاثمئة كيلومتر من حدود الصين مع فيتنام، تلك الحدود التي تمتد مسافة ألف كيلومتر تقريبًا، وكان لها تاريخ في حرب فيتنام ضد الاستعمار الأميركي. عشر قوميات إلى اثنتي عشرة قومية في هذه المنطقة؛ منها: هان ـ سوان ـ خوا ـ الفيغورية ….الخ، والقوميتان الأخيرتان، معظم أو كل، أبنائها من المسلمين. وهي منطقة تشكل السهول فيها 10% من مساحتها تقريبًا، والباقي منطقة جبلية.

في المطار القديم، الذي تذكر قاعة الركاب فيه بمطارات مدن الدرجة الثالثة، كان يستقبلنا صديقنا الشاعر: وي تشي لين، ومعه كاتبان، وشابة تعمل في العلاقات العامة للاتحاد. الطقس كان حارًّا نسبيًّا، وعند باب القاعة الخارجي، استقبلتنا حرارة أعلى، وخضرة الأشجار الكبيرة التي تنتشر في المناطق الاستوائية. على طول الطريق إلى المدينة، كان يحيينا نبات قصب السكر، المحصول الأساس في المنطقة، وكذلك المامبو النامي بشكل مدهش، وأشجار أخرى تظلل الطريق، وتشكل قنطرة من الخضرة، يقيمها تعانق الأشجار الذي لم ينقطع تقريبًا، بين المطار والمدينة. في المنطقة ينبت ويغلّ، الأناناس والموز والمانجا، إضافة إلى قصب السكر.. لقد وصلنا إليها في الخريف، أجمل أيام السنة عندهم، منذ اللحظة الأولى للقاء هؤلاء الأصدقاء، شعرتُ بالود والصدق والتعاطف، من حفاوتهم الممتازة، وكل ذلك كان يتدفق عبر نظرات العيون والكلمات والحركات والسلوك.

وبدت لنا ملامح المدينة، التي يعود تاريخها إلى ألف سنة، ويبلغ عدد سكانها اليوم مليون نسمة، متعددة.. فيها البيوت المتواضعة والفقيرة، وعربات البطيخ، وكذلك العمارات الضخمة التي تحاول أن تقيم حضورًا لناطحات السحاب في هذا المكان.

قلت للشاعر (وي تشي لين) ممازحًا: إنكم تسابقون شنغهاي في ناطحات السحاب، فابتسم بتواضع وقال: لا. وكنا نمر حين ذاك فوق جسر على نهر “يونغ جيانغ”، وهو المجرى الأعلى لنهر اللؤلؤ، الذي يعبر المدينة متجهًا إلى الشرق، مغيرًا اتجاهاته مع السهول والهضاب، إلى أن يلتقي مع نهر كانتون، وهو أهم نهر في جنوب الصين، يخترق هذه المسافات ليلتقي بنهر اللؤلؤ (خوان بو) الذي يخترق شنغهاي اليوم، بعد أن أصبحت حقول الأرز التي لها، على ضفته الشرقية، مركز ناطحات السحاب، لتعطي للميناء الشرقي للصين أهمية عصرية، بينما يبقى ميناء كانتون، وهو البوابة الجنوبية للصين، أقل قدرة على المنافسة.

صحيح أن لكانتون تاريخًا قديمًا، فهي بوابة طريق الحرير البحري، ومدخل التجار العرب إلى الصين، لكنها اليوم تأخذ مكانًا بعد شنغهاي، في حين تتقدم في دخلها القومي لتكون الأولى تقريبًا بين المناطق الثلاث والثلاثين في الصين. ويتم الاهتمام بها لتكون أكثر حيوية بحريًّا، في التواصل مع جنوب شرق آسيا، هذا إذا لم تأخذ هونج كونج التي تجاورها، مكانها في الأولوية، بعد أن عادت إلى أحضان الصين. وفي مدينة كانتون مقبرة لمن كانوا يقضون نحبهم من العرب وهم في تلك المنطقة التجارية التاريخية. ويقال إن بين من دفنوا هناك أحد الأشخاص المنحدرين من سلالة بيت آل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

وجدت نفسي، بعد انسياب طويل على جناح الذكرى، بين زحام من الدراجات النارية والهوائية والسيارات، حيث المدينة في وقت انتهاء الدوام الرسمي. وصلنا إلى الفندق الذي يقبع في جزء من أرض مرتفعة نسبيًّا، فهمس لي مرافقي: هذا فندق (مينج يوان) نزل فيه ماوتسي دونج يوم زار منطقة (قُوانشي) كوانج تشي Guangchi في عام 1958 لقد كان الأحدث بين الفنادق آنذاك، وربما الوحيد، وهو ليس كذلك اليوم.

دخلنا البهو بين ابتسام العاملين وترحيب المضيفين، واستقر بي المقام في الغرفة (308) التي كانت تشرف على الجانب الخلفي الشمالي للفندق، وتحظى بإطلالة جزئية على أشجار كثيفة، تمتد نحو الشرق.

في السادسة مساءً أخذنا الحافلة إلى المكان الذي تقام فيه دعوة اتحاد الكتاب، احتفاء بوصولنا. كان الازدحام ما زال شديدًا، ووصلنا إلى قاعة القوميات، في فندق عريق في المدينة. على جدران القاعة كانت صور لبعض الشخصيات الصينية، منها صورة لـ محمدي، أحد رجال المنطقة المشهورين ووزير شؤون القوميات. قال لي رجل جبليٌّ الملامح، قوي البنية، باسم الثغر والعينيين، أسود الشعر: سوف أسقيك شايًا متميزًا تنتجه الأقلية القومية يوiyau/ التي تسكن الجبال.

- شكرًا أيها الصديق، ما هي ميزة هذا الشاي؟!

- أشار بيده إلى أرنبة أنفه، وأتى بحركة شارك فيها وجهه ورأسه وصدره ويده معًا، معبرًا عن النشوة والحرارة التي تصعد من الأنف.. قال المترجم شين، وهو يرافق كلام الرجل: سوف تشرب منه الآن.

جلست إلى المائدة وبدأ تعارفنا، كان معنا من المضيفين: وي تشي لين نائب رئيس اتحاد كتاب الصين، صديقنا الذي زارنا سابقًا ـ لان هوي تشانج رئيس اتحاد الأوساط الأدبية والفنية ـ وي يي فان: رئيس اتحاد كتاب المنطقة ـ فنج يي: نائب الرئيس الدائم لاتحاد الكتاب في المنطقة ـ لين وان لي: نائب رئيس اتحاد الكتاب ـ لان تشي تشانج نائب رئيس اتحاد الكتاب، والسيدة (تيان دينج) التي سترافقنا في أثناء إقامتنا.

بدأت الفتيات تحية اللقاء والترحيب، بأغنية جماعية، عززت حرارة اللقاء الذي ما وجدنا أكثر دفئًا منه في المناطق الأخرى. وبعد دقائق قال لي لان هوي تشانج: تعال لأريك كيف يصنع شاي قومية (يو).

نهضنا إلى زاوية القاعة، حيث كانت الفتيات يتجمعن وقوفًا، إلى جانب إحداهن، التي تتولى المهمة، وأمامها موقد النار المتنقل. الشاي موضوع فيما يشبه المقلاة، في ماء يغلي، وإلى جانب الموقد إناء من الخزف الصيني، وضِعَت عليه مصفاة خشبية منسوجة من أعواد خاصة، لها شكل المصباح الزيتي القديم، مصباح علاء الدين السحري. صبّت الفتاة محتويات المقلاة في المصفاة، فتسرب الماء إلى إناء الخزف، وبقيت أوراق الشاي الأخضر في المصفاة، فأخذت تمعسها وتدقها بأداة خشبية ذات زاوية قائمة، ثم وضعت نباتًا مقطَّعًا، أبيض اللون، يشبه شرائح الزنجبيل الضخمة، وأخذت تدقها وتهرسها. قال لي (لان هوى) إنها جذور من الأرض، ثم أشار إلى الفناجين المصفوفة على منضدة جانبية: نضع هنا في الفنجان قليلًا من الرز والفستق العادي (الفول السوداني) ونشربه مع الشاي، إنه لذيذ.. وقادتنا ضحكته البريئة، وحركته الودية، إلى مواقعنا من المائدة، حيث قُدم لناي الشاي.

“كأسان حسب عرف “يو”، هكذا قالت الفتاة المرحة الجريئة التي تولت الإشراف على المائدة والغناء، وكانت تفيض حيوية وودًّا بأدب. وكان الشاي أعذب وأطيب مما توقعت، وتمنيت لو كان لي منه المزيد. تناولنا طعامًا لذيذًا، وتحدثنا بمود وحرارة، والتقت مشاعرنا بصفاء، ولمست أنني في هذه المدينة بين أصدقاء. نظرت إلى (وي تشي لين) في جلسته المتواضعة، فبادلني النظرة والابتسام: سعيد بوجودك هنا، قلت باحترام:

“العالم أصبح الآن أوسع وأحب، بيننا مسافات بعيدة، ولكننا التقينا.. يا صديقي تشي لين “الصَّفيّ البعيدُ قريبُ المَزار”، تفضلوا إلى أصدقائكم في دمشق.

كان الشاعر تشي لين قد زار القنيطرة مع وفد الكتاب الصينيين، ومن هناك حمل حجارة وترابًا من الجولان، وحمل رسالة من شعبنا، وصوتًا لقضيتنا. قال لي: أوصلتُ الحجر والتراب إلى أصدقائي ومعارفي هنا، وشرحت لهم ما رأيت. سوريا بلد عريق الحضارة، وقضيته عادلة، نحن معكم. وكل أصدقائي يتعاطفون الآن معكم، ويعرفون شيئًا عن سوريا، ويتمنون زيارتها.

غمرتني كلماته الصادقة، يكفي أن تفتح باب قلبك بصدق، وأن تكشف الغطاء عن حقك وتمسح عنه الغبار، حتى تجد أشرافًا في العالم يقفون إلى جانبك. كنتُ سعيدًا بما سمعت، وزاد في سعادتي شعور الموجودين بمودة، تدفعهم لمعرفة المزيد عنا: “في شنغهاي غمغم نائب رئيس الاتحاد على العشاء وهو يستمع الإجابة منا عن عدد سكان سوريا.. قائلًا: إنه يساوي عدد الناس في شنغهاي في النهار وقت الذروة”. وبقيت العبارة حادة في رأسي وقلبي. قلت: إننا جزء من أمة كبيرة، نحن عرب، وسوريا تحتل مركزًا قوميًّا هامًّا في الوطن العربي، نحن مئتان وخمسون مليون عربي ـ آنذاك ـ نتكلم لغة واحدة، ثقافتنا واحدة، وعقيدتنا واحدة، ومساحة وطننا نعادل مساحة الصين تقريبًا، ولدينا ثروات كثيرة”..

شعرت أنني أعيد توضيح ما وضحته للشنغهائي، ولكن الأصدقاء هنا شعروا بشيء من الاعتزاز.

العلاقات العربية ـ الصينية قديمة عريقة، وتقوم على تبادل المنافع والاحترام، لم يصطدم الصينيون والعرب في حروب. وبوابات الصين الجنوبية مثل (كانتون) والغربية أو الشمالية الغربية، استقبلت عربًا ومسلمين، ودخل الإسلام الصين: اعتنقته قوميات مثل: خوي ـ والقومية الفيغورية… التي تكتب بالحرف العربي، ولا يوجد ما يمكن أن يسيء إلى صورة العربي التاريخية. ولكن وضع العرب المقسم المهشم اليوم، وموقفهم المتخاذل أمام الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية، جعلهم، ويجعلهم في وضع بائس.

لقد قسّما الاستعمار، قلت (نحن اليوم اثنتان وعشرون دولة)، ولكن الشعب واحد، والأمل واحد، والقضايا مشتركة. وبدأت أعد الدول العربية التي تنتمي للجامعة، وشيء من الحزن الخفي يجتاح أعماقي، وأقول بيني وبين ذاتي: “لو أنّ هذه الأمة موحدة!! لو أنّ العرب يستثمرون أموالهم في أقطارهم، لو أنّ نهضة علمية وصناعية وزراعية وحضارية شاملة، تدب في أوصال الشعب والأرض… لكنا في أعلى سلم الأهمية والاهتمام والاحترام، في عالم اليوم، نصل قديمًا عريقًا مشرّفًا بجديد يكون رائعًا… ولكن… ولكن؟!

تذكرت الفساد الذي ينخز نفوسًا ووزارات وإدارات، والإهمال الذي تعاني منه مصالح عامة، وقطاعات بشرية لا تعرف ما هو مستقبلها، والأرض التي يزيد ماهو أجرد ومهمل منها على نصف المساحة، والأنانيات المتورمة التي تتضخم في إطار رؤية قاصرة ومحدودة لآلاف يتعملقون ويتعمشقون كاللبلاب، وتذكرتُ… وتذكرتُ… وتذكرت… وطَفَت سحابة على قلبي وعيني، أخفيت نفسي في كأس من شراب (الكوك ـ جوز الهند)، واغتصبت ابتسامة وملامح سرور، وعدت إلى الأصدقاء المتهللين بحضورنا.

انتهى وقت العشاء، والتقطنا الصورالتذكارية ونحن نتقلد هدايا رمزية للحظ والحب، ورموزًا مما ترفعه قومية سوان، أكبر قوميات المنطقة في تقاليدها، قدمها لنا المضيفون باسم اتحاد الكتاب واتحاد الأوساط الأدبية والفنية في المنطقة، ثم عدنا إلى الفندق، وفي جعبتنا برنامج الغد الكثيف: الاستيقاظ في السابعة ـ الفطور في السابعة والنصف ـ المغادرة في الثامنة والنصف إلى حديقة الجبل.

لم أتوقع للحظة واحدة أن أكون في موضع كأنني أعشقه منذ ولدت، وأتمنى أن أقضي فيه وقتًا منذ عرفتُ سلسلة الأماني المحيطة؛ ولكنني وجدتُ نفسي في حضن الحلم: “الأشجار الخضراء والهضاب المعشِبة، وشموخ النخيل الفتي بثقة وبهاء، بين الصنوبر والمانجو والحور والقصب الاستوائي، والماء الغزير يتدفق، وتنوع الطبيعة الممتدة بساطًا أخضر؛ من قال للصينيين إن طينتي مجبولة مع العشب الأخضر والأزهار وتدرجات اللون الممتدة بين الحقل والوردة والغابة والسماء الصافية، والماء النمير؟! حتى هيأوا ذلك في حديقة الجبل الأخضر الممتعة التي تمتد إلى الشرق والشمال الشرقي من (نانيين)؟!

ومن قال إن سوجو، التي زرتها، هي جنة الصين على الأرض؟! ربما كانت جنة الصين هنا، إذ من ذا الذي يستطيع أن يجزم بشيء، بعد المفاجآت التي تعدها الحياة، والطبيعة في هذه الأرض الغنية؟!

النهر يرافق التلال الخضراء والأشجار الباسقة، والطريق يصعد بنا رويدًا رويدًا إلى مرتفع، تنداح في جنباته الغابة، هناك تبدو قمة الباغودا البوذية من جديد، وأقواس البوابات الصينية المعتادة فوق الأدراج.

مشينا بين الخضرة على ضفاف البحيرة، ثم صعدنا الدرج، فالبوابة الأولى فالثانية، فالثالثة… وانفرَجت الخضرة عن البرج العملاق المكوّن من إحدى عشرة طبقة: وتكون الباغودا من طبقات برقم مفردة: خمس أو تسع.. إلخ. أمامنا على الأدراج أطفال مدرسة يصعدون، ونحن نتأمل الطبيعة الأخاذة.

هنا في هذه الحديقة يوجد قصر لنوردوم سيهانوك/ قال شين. نوردوم سيهانوك؟! وقفز بي الخيال والذكرى معًا إلى “بنوم بنيه”، لقد نمنا ليلة في قصر نوردوم سيهانوك، في تلك المدينة الغارقة في الألم والبؤس، كان ذلك قبل سنوات من هذا التاريخ، أذكر الخضرة في القصر، وأذكر الغرف المزودة بأسرة ذات “ناموسيات” لتقي من البعوض الكثير، وأذكر وجوه الناس التي تفيض بؤسًا.

كان سيهانوك خارج كمبوديا، التي وصلناها من فيتنام، بعد زيارة لهانوي وسايجون، في فترة من فترات صراع الصين والاتحاد السوفييتي في المنطقة. ذكرت اسم: بولبوت أمام شين، فبادر بسرعة إلى القول: إن بولبوت في السجن الآن. قلت نعم… ولكن بولبوت قام بمذبحة بشعة، والصين… قال شين: لم تعد الصين تهتم ببولبوت منذ ذلك.

قلت: أعرف ذلك، ولكنني رأيتُ بعض حصاد بولبوت. وعادت الصور حية إلى ذاكرتي، تذكرت أكوام الجماجم التي رأيناها في مكان رتبت لنا زيارته، هناك في مناطق المقابر الجماعية على مقربة من “بنووم بينه”، يومها كان بولبوت في الصين والموت في كمبوديا. كم تعاطفنا نحن أعضاء وفد اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا الذي زار تلك المنطقة، مع الشعب في كمبوديا، كنا نرى الناس هناك وكأنهم ضحايا تحت الطلب، وأن تنقّلهم في الشارع يعني جرجرة البؤس فوق الشوك، وكنا ننظر إلى البنايات المدمّرة أو المحروقة، تنشير إنذارات مقبلة وإشارات ماضية، وتشير إلى حرائق كتابة التاريخ، مواقع التعذيب التي كانت في المدارس أو المواقع التي أعدت لذلك، وكل ذلك مثير تمامًا. مليون إنسان قتلهم بولبوت وأنصاره، هكذا قُدِّم لنا الرقم، وأيًّا كانت درجة الكذب أو الحقيقة فيه، فإنه لن يبقى رقمًا ضخمًا، وما علينا إلا أن تستعيد ساعة تعذيب واحدة لضحية واحدة، حتى تنتصب أمامنا مأساة الإنسان، ومأساة الحرية والعدالة في الأرض؟! وإذا ما فكرنا بالأسباب والنتائج، فإننا نقف على حصاد الأيديولوجيا،وعلى بعض نتائج حرب الرفاق، وحصاد هائل من الأرواح البشرية، للدولتين العقائديتين وأنصارهما، يوم توافقتا ويوم افترقتا.

إن البشرية تئن تحت نير البؤس والموت، يقتلها الغرب والشرق، ويقتلها المفكرون قبل السياسيين، أو المفكرون والسياسيون معًا. عظة طويلة جدًّا انتزعتني من الطبيعة الخلابة، وقذفتني بعيدًا خارج الصين، وخارج ذاك الزمن، وأعادتني إلى رعب الحرب في بيتنا، وإلى عذاباتها في بلادنا الحبيبة. كنت جامدًا في مكاني، وصور المحروقين والمقبورين أحياء والمعذبين حتى الموت، والذين حصدهم الرصاص ومزقوا في أوحال المستنقعات، وابتلعهم الصمت الرهيب تحت الردم، تترى أمامي.

“هيا بنا يا أستاذ…”. جاء صوت من بعيد. كأنّه من آخر العالم. وكمن تنتزعه من كابوس، وجدت نفسي أنتفض: ماذا… من؟!

واكتست العبارة القادمة لطفًا وكياسة:

هل تريدون أن ننزل ونتابع جولتنا في غابة الحديقة الخضراء؟!..

قلت: نعم… وعرفت قدماي طريقهما إلى المشي، وكأنّهما تنطلقان من كساح مقيم.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل

News image

أكد مجلس الوزراء السعودي تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز السبت القادم مشر...

صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد

News image

أعلنت جماعة انصار الله عن تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلف...

نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية

News image

أعلنت مصادر فلسطينية أن جثمان العالم في مجال الطاقة فادي البطش المنتمي إلى «حركة الم...

الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو

News image

تستجوب الشرطة الكندية السائق المشتبه بأنه استأجر شاحنة دهست عددا من المشاة في شمال تور...

ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي

News image

توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي الذي وافقت على...

روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية

News image

طرحت روسيا أثناء جلسة خاصة في مجلس الأمن الدولي عقدت اليوم الثلاثاء، خطة شاملة تضم...

البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية

News image

الخرطوم - قالت وكالة السودان للأنباء الخميس إن قرارا جمهوريا صدر بإعفاء وزير الخارجية ابر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

المسرح في أدب صدقي إسماعيل ١ ـ ٢

د. علي عقلة عرسان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كان صدقي إسماعيل “1924-1972″، رحمه الله، نسيج وحده فيما كتب من مسرحيات، لم يتتلمذ...

حين تفعل الثقافة فعلها

د. عبدالحسين شعبان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  لم تكن مدينة أصيلة، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في الع...

«بسطة الكتب»

د. توفيق السيف

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كل حديث عن الثقافة في مجتمعنا، يستدعي ديباجة ثابتة، من نوع أن العرب لا يقر...

كالى وشيفا

جميل مطر

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كثيرا ما تحدثنا فى إحدى مجموعاتنا الكلامية عن تطور العلاقة بين المرأة والرجل عبر ال...

الصحفي جابرييل ماركيز

د. حسن مدن | الاثنين, 23 أبريل 2018

  أمر يُسعد كتاب الصحافة، وأنا أعد نفسي واحداً منهم، في صورة من الصور، أن مبد...

رأي ابن رشد في القضاء والقدر أو (التجويز)

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  لقد كان للفيسلوف العربي العقلاني ابن رشد, موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر...

قصة واقعية من قصص النكبة :أبطالها من مدينة اللد - آخر مدن الصمود

دينا سليم

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  التقيت به في أمريكا أواخر سنة 2016 وتحديدا في سان فرنسيسكو عندما قام بزيارة...

مراجعة كتاب: "كيف تقول وداعاً"

بشارة مرهج

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  اشهد أن هذا الكتاب "كيف تقول وداعاً" جذبني ثم أسرني ثم قيدني بخيوط غير مر...

نسيم الشوق: أحبها لكنها من دين مختلف

سامي قرّة | الأحد, 22 أبريل 2018

لا تقل الحرية من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية أهمية عن الحرية من الظلم والاحتلال. هذه هي ...

أنَا أُحِبّكِ

د. عزالدين ابوميزر | الأحد, 22 أبريل 2018

أنا أحبّكِ لا تَسأليني فقد مَزّقتُ أشرعتي وَبينَ كَفّيكِ ق...

حين هبت رياح حبك

شاكر فريد حسن | الأحد, 22 أبريل 2018

لا أذكر كيف تعانق القلبان ولكني أذكر عندما...

بورتريه عربي لماركيز

د. حسن مدن | الأحد, 22 أبريل 2018

  حكى جابرييل ماركيز أنه كان لاجئاً، بمعنى من المعاني، في باريس فترة حرب التحرير ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم10563
mod_vvisit_counterالبارحة26663
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع99815
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي215791
mod_vvisit_counterهذا الشهر846289
mod_vvisit_counterالشهر الماضي972375
mod_vvisit_counterكل الزوار52978721
حاليا يتواجد 1917 زوار  على الموقع