موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
دي ميستورا: شهر أكتوبر سيكون «الحاسم» بالأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: الأمم المتحدة تكلف هورست كولر رئيس الماني سابق بمهمة إحياء المفاوضات بين المغرب وبوليساريو خلفا لكريستوفر روس المستقيل منذ أبريل ::التجــديد العــربي:: نفيذاً للأمر الملكي.. سبع رحلات تنقـل الحجـاج مـن الدوحة إلى جـدة وحركة نشطة للمسافرين القطريين عبر منفذ سلوى الحدودي لأداء مناسك الحج ::التجــديد العــربي:: إسبانيا.. مقتل 5 إرهابيين في عملية أمنية جنوب برشلونة ::التجــديد العــربي:: ارتفاع القتلى الى 14 و100 جريح بدهس وسط برشلونة.. و"داعش" يتبنى ::التجــديد العــربي:: بوتفليقة يقيل رئيس الوزراء الجزائري عبد المجيد تبون ::التجــديد العــربي:: جهود إماراتية وسعودية لفرض ضريبة القيمة المضافة مطلع العام القادم ::التجــديد العــربي:: عرض ثلاثة أفلام سعودية في الرياض.. الليلة ::التجــديد العــربي:: المعرض الدولي للصيد والفروسية يحتفي بـ 15 عاما على انطلاقته في ابوظبي ::التجــديد العــربي:: متاحف الصين في مكتبة الإسكندرية ::التجــديد العــربي:: احتياطي النقد الأجنبي في مصر يسجل أعلى مستوياته منذ 2011 ::التجــديد العــربي:: المواظبة على تناول اللبن يسهم في الوقاية من الاورام الخبيثة في القولون والثدي والمعدة والمبيض وبطانة الرحم، بفضل بكتريا تزيد من إفراز مواد منشطة للجهاز المناعي ::التجــديد العــربي:: السمنة تنذر بأمراض القلب ::التجــديد العــربي:: زين الدين زيدان يعرب عن سعادته بإحراز كأس السوبر الإسبانية بعد هزيمة غريمه برشلونة 2-صفر، بعد تقدمه ذهاباً على ملعب كامب نو بنتيجة 3-1 ::التجــديد العــربي:: مدربو «البوندسليغا» يرشحون بايرن للاكتساح مجدداً ::التجــديد العــربي:: عملاق المسرح الكويتي عبد الحسين عبد الرضا يترجل عن مسرح الحياة ويرحل مخلفا سجلا بعشرات الاعمال وبصمة لا تمحى ::التجــديد العــربي:: 175 قتيلاً في الهند والنيبال وبنغلادش جراء الأمطار ::التجــديد العــربي:: أبوظبي تسعى إلى بناء جسور مع بغداد ضمن تحرك خليجي وذلك خلال استقبال رجل الدين العراقي مقتدى الصدر ::التجــديد العــربي:: مقتل جنديين أميركيين واصابة خمسة في هجوم بشمال العراق ::التجــديد العــربي:: ريال مدريد يلتهم برشلونة بثلاثية قبل استقباله في "سانتياغو برنابيو" و رونالدو يسجل ويخرج مطروداً و الاتحاد الإسباني يوقف رونالدو 5 مباريات ::التجــديد العــربي::

قلوب شَفَّافة ونوافذ مُعتمة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

من الذي يقول: الأصالة وهم، وشيء من الحفريات في مغاور التاريخ وكهوفه، لا تنبعث منها إلا روائح العفن؟! ذاك قول نفوس تريد أن تضفي على الأصالة رؤيتها ، وتكسوها بما يعتمل فيها، ربما لأنها بقيت طافية على السطح كخيوط العنكبوت، لم تحقق جديدًا، ولا هي حافظت على قديم أصيل.. إنها بضاعة من يقومون بالهدم تعلقًا منهم بوهم، من دون أن يكون لديهم مشروع، حسب رؤية ناضجة واضحة.

 

من نافذة على شكل “إطار مرآة” أنيقة تمامًا، أرادت مرافقتي الصينية أن تريني بعض ما لديهم من أصيل.. نظرت إلى أشجار الحديقة التي كانت تظهر من خلال مرآة، حقيقية، اقتربت ومددت أصابعي عبر الإطار فنفذت إلى الشجرة ولامست الهواء. إنها اختبار الذوق الذي يوهم ويوحي ويكشف. قالت السيدة اكسان: كانت امرأة الملك كولي تجلس في هذا المكان، وتنظر من هذه الشرفة إلى السهل البعيد هناك، في الشرق، حيث كانت قريتها التي أتت منها، قبل أن تصبح زوجة للملك كولي. وحين يشتد بها الحنين ـ وهي كثيرة الحنين لأهلها ـ كانت تضع نفسها هنا، وتنظر طويلًا إلى ذلك المدى أسفل التل، إلى السهول البعيدة، حيث أهلها وقريتها.

علينا أن نعود مع اكسان إلى عصر الملك كولي، أي إلى مئات السنين، ونرى كولي وهي تتنهد هنا وتذرف الدموع، ربما حنينًا إلى أهلها، وربما.. وربما..!؟! أتراه ظلم الملك، أم حصار القصر، أم البعد عن الأهل، أم ظلم في حياة لم تخترها؟! أم هو شوق لخارج أسوار “تل النمر” حيث اختطِف قلبُها، ولم تستطع أن تجهر بذلك؟!

إن الشرفة والأشجار وغرف القصر وفضاء التاريخ، يحمل شيئًا من الجواب، ولكن نحن نتخيل، ونحيل أسئلتنا إلى التاريخ. ممتع ما في هذا القصر، لا سيما بناؤه وموقعه وأشجاره. وفي أركان منه ترى الغرف التي حوَّلها باعةُ التّحف إلى متاحف صغيرة. هكذا هم الصينيون في سوجو، وحول تل النمر، وفي قصر الامبراطور الصيفي أو الشتوي.. هكذا هم في كل مكان أثري.. قطعة من التاريخ، يعيدون لك التاريخ، وفي أصابعهم ووجوههم بعض الفن.

ليس مثيرًا إلى حد المغايرة والمفارقة، قليل من الشحم فوق جفن العين، ليجعل من الصيني شخصًا بعيدًا عنا.. إننا نحتاج إلى شيء من الخيال، وإلى شيء من بعد الرؤية، وشيء كثير من إضفاء الأنسنة، حتى على الإنسان، وليس على الأشياء.. لنرى الآخر. أنهينا زيارتنا لتل النمر، وبرْكة السيف في سوجو، وما هي سوى سلامية صغيرة في جسم الصين الكبير.

بعد ساعتين ونصف من الطيران باتجاه جنوب غرب، قطعنا خلالها المسافة بين شرق الصين على بحرها حيث شنغهاي، إلى جنوبها، حيث منطقة شبه استوائية، تبعد عن بحر الصين الجنوبي حوالي مئتي كيلومتر، إنها أعني مدينة نائيين عاصمة (كوانغ شي) التي يبلغ عدد سكانها حوالي (45) مليون نسمة، منطقة ذات حكم ذاتي، فيها أقليات قومية، بينها “سوان” هي الأكثر نسبيًّا. وتشتهر بالفواكه، والخضرة الدائمة، وحرارة الود، وتقع على مقربة ثلاثمئة كيلومتر من حدود الصين مع فيتنام، تلك الحدود التي تمتد مسافة ألف كيلومتر تقريبًا، وكان لها تاريخ في حرب فيتنام ضد الاستعمار الأميركي. عشر قوميات إلى اثنتي عشرة قومية في هذه المنطقة؛ منها: هان ـ سوان ـ خوا ـ الفيغورية ….الخ، والقوميتان الأخيرتان، معظم أو كل، أبنائها من المسلمين. وهي منطقة تشكل السهول فيها 10% من مساحتها تقريبًا، والباقي منطقة جبلية.

في المطار القديم، الذي تذكر قاعة الركاب فيه بمطارات مدن الدرجة الثالثة، كان يستقبلنا صديقنا الشاعر: وي تشي لين، ومعه كاتبان، وشابة تعمل في العلاقات العامة للاتحاد. الطقس كان حارًّا نسبيًّا، وعند باب القاعة الخارجي، استقبلتنا حرارة أعلى، وخضرة الأشجار الكبيرة التي تنتشر في المناطق الاستوائية. على طول الطريق إلى المدينة، كان يحيينا نبات قصب السكر، المحصول الأساس في المنطقة، وكذلك المامبو النامي بشكل مدهش، وأشجار أخرى تظلل الطريق، وتشكل قنطرة من الخضرة، يقيمها تعانق الأشجار الذي لم ينقطع تقريبًا، بين المطار والمدينة. في المنطقة ينبت ويغلّ، الأناناس والموز والمانجا، إضافة إلى قصب السكر.. لقد وصلنا إليها في الخريف، أجمل أيام السنة عندهم، منذ اللحظة الأولى للقاء هؤلاء الأصدقاء، شعرتُ بالود والصدق والتعاطف، من حفاوتهم الممتازة، وكل ذلك كان يتدفق عبر نظرات العيون والكلمات والحركات والسلوك.

وبدت لنا ملامح المدينة، التي يعود تاريخها إلى ألف سنة، ويبلغ عدد سكانها اليوم مليون نسمة، متعددة.. فيها البيوت المتواضعة والفقيرة، وعربات البطيخ، وكذلك العمارات الضخمة التي تحاول أن تقيم حضورًا لناطحات السحاب في هذا المكان.

قلت للشاعر (وي تشي لين) ممازحًا: إنكم تسابقون شنغهاي في ناطحات السحاب، فابتسم بتواضع وقال: لا. وكنا نمر حين ذاك فوق جسر على نهر “يونغ جيانغ”، وهو المجرى الأعلى لنهر اللؤلؤ، الذي يعبر المدينة متجهًا إلى الشرق، مغيرًا اتجاهاته مع السهول والهضاب، إلى أن يلتقي مع نهر كانتون، وهو أهم نهر في جنوب الصين، يخترق هذه المسافات ليلتقي بنهر اللؤلؤ (خوان بو) الذي يخترق شنغهاي اليوم، بعد أن أصبحت حقول الأرز التي لها، على ضفته الشرقية، مركز ناطحات السحاب، لتعطي للميناء الشرقي للصين أهمية عصرية، بينما يبقى ميناء كانتون، وهو البوابة الجنوبية للصين، أقل قدرة على المنافسة.

صحيح أن لكانتون تاريخًا قديمًا، فهي بوابة طريق الحرير البحري، ومدخل التجار العرب إلى الصين، لكنها اليوم تأخذ مكانًا بعد شنغهاي، في حين تتقدم في دخلها القومي لتكون الأولى تقريبًا بين المناطق الثلاث والثلاثين في الصين. ويتم الاهتمام بها لتكون أكثر حيوية بحريًّا، في التواصل مع جنوب شرق آسيا، هذا إذا لم تأخذ هونج كونج التي تجاورها، مكانها في الأولوية، بعد أن عادت إلى أحضان الصين. وفي مدينة كانتون مقبرة لمن كانوا يقضون نحبهم من العرب وهم في تلك المنطقة التجارية التاريخية. ويقال إن بين من دفنوا هناك أحد الأشخاص المنحدرين من سلالة بيت آل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

وجدت نفسي، بعد انسياب طويل على جناح الذكرى، بين زحام من الدراجات النارية والهوائية والسيارات، حيث المدينة في وقت انتهاء الدوام الرسمي. وصلنا إلى الفندق الذي يقبع في جزء من أرض مرتفعة نسبيًّا، فهمس لي مرافقي: هذا فندق (مينج يوان) نزل فيه ماوتسي دونج يوم زار منطقة (قُوانشي) كوانج تشي Guangchi في عام 1958 لقد كان الأحدث بين الفنادق آنذاك، وربما الوحيد، وهو ليس كذلك اليوم.

دخلنا البهو بين ابتسام العاملين وترحيب المضيفين، واستقر بي المقام في الغرفة (308) التي كانت تشرف على الجانب الخلفي الشمالي للفندق، وتحظى بإطلالة جزئية على أشجار كثيفة، تمتد نحو الشرق.

في السادسة مساءً أخذنا الحافلة إلى المكان الذي تقام فيه دعوة اتحاد الكتاب، احتفاء بوصولنا. كان الازدحام ما زال شديدًا، ووصلنا إلى قاعة القوميات، في فندق عريق في المدينة. على جدران القاعة كانت صور لبعض الشخصيات الصينية، منها صورة لـ محمدي، أحد رجال المنطقة المشهورين ووزير شؤون القوميات. قال لي رجل جبليٌّ الملامح، قوي البنية، باسم الثغر والعينيين، أسود الشعر: سوف أسقيك شايًا متميزًا تنتجه الأقلية القومية يوiyau/ التي تسكن الجبال.

- شكرًا أيها الصديق، ما هي ميزة هذا الشاي؟!

- أشار بيده إلى أرنبة أنفه، وأتى بحركة شارك فيها وجهه ورأسه وصدره ويده معًا، معبرًا عن النشوة والحرارة التي تصعد من الأنف.. قال المترجم شين، وهو يرافق كلام الرجل: سوف تشرب منه الآن.

جلست إلى المائدة وبدأ تعارفنا، كان معنا من المضيفين: وي تشي لين نائب رئيس اتحاد كتاب الصين، صديقنا الذي زارنا سابقًا ـ لان هوي تشانج رئيس اتحاد الأوساط الأدبية والفنية ـ وي يي فان: رئيس اتحاد كتاب المنطقة ـ فنج يي: نائب الرئيس الدائم لاتحاد الكتاب في المنطقة ـ لين وان لي: نائب رئيس اتحاد الكتاب ـ لان تشي تشانج نائب رئيس اتحاد الكتاب، والسيدة (تيان دينج) التي سترافقنا في أثناء إقامتنا.

بدأت الفتيات تحية اللقاء والترحيب، بأغنية جماعية، عززت حرارة اللقاء الذي ما وجدنا أكثر دفئًا منه في المناطق الأخرى. وبعد دقائق قال لي لان هوي تشانج: تعال لأريك كيف يصنع شاي قومية (يو).

نهضنا إلى زاوية القاعة، حيث كانت الفتيات يتجمعن وقوفًا، إلى جانب إحداهن، التي تتولى المهمة، وأمامها موقد النار المتنقل. الشاي موضوع فيما يشبه المقلاة، في ماء يغلي، وإلى جانب الموقد إناء من الخزف الصيني، وضِعَت عليه مصفاة خشبية منسوجة من أعواد خاصة، لها شكل المصباح الزيتي القديم، مصباح علاء الدين السحري. صبّت الفتاة محتويات المقلاة في المصفاة، فتسرب الماء إلى إناء الخزف، وبقيت أوراق الشاي الأخضر في المصفاة، فأخذت تمعسها وتدقها بأداة خشبية ذات زاوية قائمة، ثم وضعت نباتًا مقطَّعًا، أبيض اللون، يشبه شرائح الزنجبيل الضخمة، وأخذت تدقها وتهرسها. قال لي (لان هوى) إنها جذور من الأرض، ثم أشار إلى الفناجين المصفوفة على منضدة جانبية: نضع هنا في الفنجان قليلًا من الرز والفستق العادي (الفول السوداني) ونشربه مع الشاي، إنه لذيذ.. وقادتنا ضحكته البريئة، وحركته الودية، إلى مواقعنا من المائدة، حيث قُدم لناي الشاي.

“كأسان حسب عرف “يو”، هكذا قالت الفتاة المرحة الجريئة التي تولت الإشراف على المائدة والغناء، وكانت تفيض حيوية وودًّا بأدب. وكان الشاي أعذب وأطيب مما توقعت، وتمنيت لو كان لي منه المزيد. تناولنا طعامًا لذيذًا، وتحدثنا بمود وحرارة، والتقت مشاعرنا بصفاء، ولمست أنني في هذه المدينة بين أصدقاء. نظرت إلى (وي تشي لين) في جلسته المتواضعة، فبادلني النظرة والابتسام: سعيد بوجودك هنا، قلت باحترام:

“العالم أصبح الآن أوسع وأحب، بيننا مسافات بعيدة، ولكننا التقينا.. يا صديقي تشي لين “الصَّفيّ البعيدُ قريبُ المَزار”، تفضلوا إلى أصدقائكم في دمشق.

كان الشاعر تشي لين قد زار القنيطرة مع وفد الكتاب الصينيين، ومن هناك حمل حجارة وترابًا من الجولان، وحمل رسالة من شعبنا، وصوتًا لقضيتنا. قال لي: أوصلتُ الحجر والتراب إلى أصدقائي ومعارفي هنا، وشرحت لهم ما رأيت. سوريا بلد عريق الحضارة، وقضيته عادلة، نحن معكم. وكل أصدقائي يتعاطفون الآن معكم، ويعرفون شيئًا عن سوريا، ويتمنون زيارتها.

غمرتني كلماته الصادقة، يكفي أن تفتح باب قلبك بصدق، وأن تكشف الغطاء عن حقك وتمسح عنه الغبار، حتى تجد أشرافًا في العالم يقفون إلى جانبك. كنتُ سعيدًا بما سمعت، وزاد في سعادتي شعور الموجودين بمودة، تدفعهم لمعرفة المزيد عنا: “في شنغهاي غمغم نائب رئيس الاتحاد على العشاء وهو يستمع الإجابة منا عن عدد سكان سوريا.. قائلًا: إنه يساوي عدد الناس في شنغهاي في النهار وقت الذروة”. وبقيت العبارة حادة في رأسي وقلبي. قلت: إننا جزء من أمة كبيرة، نحن عرب، وسوريا تحتل مركزًا قوميًّا هامًّا في الوطن العربي، نحن مئتان وخمسون مليون عربي ـ آنذاك ـ نتكلم لغة واحدة، ثقافتنا واحدة، وعقيدتنا واحدة، ومساحة وطننا نعادل مساحة الصين تقريبًا، ولدينا ثروات كثيرة”..

شعرت أنني أعيد توضيح ما وضحته للشنغهائي، ولكن الأصدقاء هنا شعروا بشيء من الاعتزاز.

العلاقات العربية ـ الصينية قديمة عريقة، وتقوم على تبادل المنافع والاحترام، لم يصطدم الصينيون والعرب في حروب. وبوابات الصين الجنوبية مثل (كانتون) والغربية أو الشمالية الغربية، استقبلت عربًا ومسلمين، ودخل الإسلام الصين: اعتنقته قوميات مثل: خوي ـ والقومية الفيغورية… التي تكتب بالحرف العربي، ولا يوجد ما يمكن أن يسيء إلى صورة العربي التاريخية. ولكن وضع العرب المقسم المهشم اليوم، وموقفهم المتخاذل أمام الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية، جعلهم، ويجعلهم في وضع بائس.

لقد قسّما الاستعمار، قلت (نحن اليوم اثنتان وعشرون دولة)، ولكن الشعب واحد، والأمل واحد، والقضايا مشتركة. وبدأت أعد الدول العربية التي تنتمي للجامعة، وشيء من الحزن الخفي يجتاح أعماقي، وأقول بيني وبين ذاتي: “لو أنّ هذه الأمة موحدة!! لو أنّ العرب يستثمرون أموالهم في أقطارهم، لو أنّ نهضة علمية وصناعية وزراعية وحضارية شاملة، تدب في أوصال الشعب والأرض… لكنا في أعلى سلم الأهمية والاهتمام والاحترام، في عالم اليوم، نصل قديمًا عريقًا مشرّفًا بجديد يكون رائعًا… ولكن… ولكن؟!

تذكرت الفساد الذي ينخز نفوسًا ووزارات وإدارات، والإهمال الذي تعاني منه مصالح عامة، وقطاعات بشرية لا تعرف ما هو مستقبلها، والأرض التي يزيد ماهو أجرد ومهمل منها على نصف المساحة، والأنانيات المتورمة التي تتضخم في إطار رؤية قاصرة ومحدودة لآلاف يتعملقون ويتعمشقون كاللبلاب، وتذكرتُ… وتذكرتُ… وتذكرت… وطَفَت سحابة على قلبي وعيني، أخفيت نفسي في كأس من شراب (الكوك ـ جوز الهند)، واغتصبت ابتسامة وملامح سرور، وعدت إلى الأصدقاء المتهللين بحضورنا.

انتهى وقت العشاء، والتقطنا الصورالتذكارية ونحن نتقلد هدايا رمزية للحظ والحب، ورموزًا مما ترفعه قومية سوان، أكبر قوميات المنطقة في تقاليدها، قدمها لنا المضيفون باسم اتحاد الكتاب واتحاد الأوساط الأدبية والفنية في المنطقة، ثم عدنا إلى الفندق، وفي جعبتنا برنامج الغد الكثيف: الاستيقاظ في السابعة ـ الفطور في السابعة والنصف ـ المغادرة في الثامنة والنصف إلى حديقة الجبل.

لم أتوقع للحظة واحدة أن أكون في موضع كأنني أعشقه منذ ولدت، وأتمنى أن أقضي فيه وقتًا منذ عرفتُ سلسلة الأماني المحيطة؛ ولكنني وجدتُ نفسي في حضن الحلم: “الأشجار الخضراء والهضاب المعشِبة، وشموخ النخيل الفتي بثقة وبهاء، بين الصنوبر والمانجو والحور والقصب الاستوائي، والماء الغزير يتدفق، وتنوع الطبيعة الممتدة بساطًا أخضر؛ من قال للصينيين إن طينتي مجبولة مع العشب الأخضر والأزهار وتدرجات اللون الممتدة بين الحقل والوردة والغابة والسماء الصافية، والماء النمير؟! حتى هيأوا ذلك في حديقة الجبل الأخضر الممتعة التي تمتد إلى الشرق والشمال الشرقي من (نانيين)؟!

ومن قال إن سوجو، التي زرتها، هي جنة الصين على الأرض؟! ربما كانت جنة الصين هنا، إذ من ذا الذي يستطيع أن يجزم بشيء، بعد المفاجآت التي تعدها الحياة، والطبيعة في هذه الأرض الغنية؟!

النهر يرافق التلال الخضراء والأشجار الباسقة، والطريق يصعد بنا رويدًا رويدًا إلى مرتفع، تنداح في جنباته الغابة، هناك تبدو قمة الباغودا البوذية من جديد، وأقواس البوابات الصينية المعتادة فوق الأدراج.

مشينا بين الخضرة على ضفاف البحيرة، ثم صعدنا الدرج، فالبوابة الأولى فالثانية، فالثالثة… وانفرَجت الخضرة عن البرج العملاق المكوّن من إحدى عشرة طبقة: وتكون الباغودا من طبقات برقم مفردة: خمس أو تسع.. إلخ. أمامنا على الأدراج أطفال مدرسة يصعدون، ونحن نتأمل الطبيعة الأخاذة.

هنا في هذه الحديقة يوجد قصر لنوردوم سيهانوك/ قال شين. نوردوم سيهانوك؟! وقفز بي الخيال والذكرى معًا إلى “بنوم بنيه”، لقد نمنا ليلة في قصر نوردوم سيهانوك، في تلك المدينة الغارقة في الألم والبؤس، كان ذلك قبل سنوات من هذا التاريخ، أذكر الخضرة في القصر، وأذكر الغرف المزودة بأسرة ذات “ناموسيات” لتقي من البعوض الكثير، وأذكر وجوه الناس التي تفيض بؤسًا.

كان سيهانوك خارج كمبوديا، التي وصلناها من فيتنام، بعد زيارة لهانوي وسايجون، في فترة من فترات صراع الصين والاتحاد السوفييتي في المنطقة. ذكرت اسم: بولبوت أمام شين، فبادر بسرعة إلى القول: إن بولبوت في السجن الآن. قلت نعم… ولكن بولبوت قام بمذبحة بشعة، والصين… قال شين: لم تعد الصين تهتم ببولبوت منذ ذلك.

قلت: أعرف ذلك، ولكنني رأيتُ بعض حصاد بولبوت. وعادت الصور حية إلى ذاكرتي، تذكرت أكوام الجماجم التي رأيناها في مكان رتبت لنا زيارته، هناك في مناطق المقابر الجماعية على مقربة من “بنووم بينه”، يومها كان بولبوت في الصين والموت في كمبوديا. كم تعاطفنا نحن أعضاء وفد اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا الذي زار تلك المنطقة، مع الشعب في كمبوديا، كنا نرى الناس هناك وكأنهم ضحايا تحت الطلب، وأن تنقّلهم في الشارع يعني جرجرة البؤس فوق الشوك، وكنا ننظر إلى البنايات المدمّرة أو المحروقة، تنشير إنذارات مقبلة وإشارات ماضية، وتشير إلى حرائق كتابة التاريخ، مواقع التعذيب التي كانت في المدارس أو المواقع التي أعدت لذلك، وكل ذلك مثير تمامًا. مليون إنسان قتلهم بولبوت وأنصاره، هكذا قُدِّم لنا الرقم، وأيًّا كانت درجة الكذب أو الحقيقة فيه، فإنه لن يبقى رقمًا ضخمًا، وما علينا إلا أن تستعيد ساعة تعذيب واحدة لضحية واحدة، حتى تنتصب أمامنا مأساة الإنسان، ومأساة الحرية والعدالة في الأرض؟! وإذا ما فكرنا بالأسباب والنتائج، فإننا نقف على حصاد الأيديولوجيا،وعلى بعض نتائج حرب الرفاق، وحصاد هائل من الأرواح البشرية، للدولتين العقائديتين وأنصارهما، يوم توافقتا ويوم افترقتا.

إن البشرية تئن تحت نير البؤس والموت، يقتلها الغرب والشرق، ويقتلها المفكرون قبل السياسيين، أو المفكرون والسياسيون معًا. عظة طويلة جدًّا انتزعتني من الطبيعة الخلابة، وقذفتني بعيدًا خارج الصين، وخارج ذاك الزمن، وأعادتني إلى رعب الحرب في بيتنا، وإلى عذاباتها في بلادنا الحبيبة. كنت جامدًا في مكاني، وصور المحروقين والمقبورين أحياء والمعذبين حتى الموت، والذين حصدهم الرصاص ومزقوا في أوحال المستنقعات، وابتلعهم الصمت الرهيب تحت الردم، تترى أمامي.

“هيا بنا يا أستاذ…”. جاء صوت من بعيد. كأنّه من آخر العالم. وكمن تنتزعه من كابوس، وجدت نفسي أنتفض: ماذا… من؟!

واكتست العبارة القادمة لطفًا وكياسة:

هل تريدون أن ننزل ونتابع جولتنا في غابة الحديقة الخضراء؟!..

قلت: نعم… وعرفت قدماي طريقهما إلى المشي، وكأنّهما تنطلقان من كساح مقيم.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

دي ميستورا: شهر أكتوبر سيكون «الحاسم» بالأزمة السورية

News image

أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، أن شهر اكتوبر سيكون حاسم لتس...

الأمم المتحدة تكلف هورست كولر رئيس الماني سابق بمهمة إحياء المفاوضات بين المغرب وبوليساريو خلفا لكريستوفر روس المستقيل منذ أبريل

News image

الامم المتحدة (الولايات المتحدة) - عُيّن الرئيس الألماني الاسبق هورست كولر رسميا الاربعاء موفدا للا...

نفيذاً للأمر الملكي.. سبع رحلات تنقـل الحجـاج مـن الدوحة إلى جـدة وحركة نشطة للمسافرين القطريين عبر منفذ سلوى الحدودي لأداء مناسك الحج

News image

جدة - شهد منفذ سلوى الحدودي مع دولة قطر منذ ساعات صباح يوم أمس حرك...

إسبانيا.. مقتل 5 إرهابيين في عملية أمنية جنوب برشلونة

News image

كامبريلس (إسبانيا) - أصيب ستة مدنيين، إضافة إلى شرطي، بجروح، عندما دهست سيارة عدداً من ...

ارتفاع القتلى الى 14 و100 جريح بدهس وسط برشلونة.. و"داعش" يتبنى

News image

أعلن مصدر رسمي في حكومة كاتالونيا الى ارتفاع القتلى الى 14 شخصاً قتلوا وأصابة 100...

عملاق المسرح الكويتي عبد الحسين عبد الرضا يترجل عن مسرح الحياة ويرحل مخلفا سجلا بعشرات الاعمال وبصمة لا تمحى

News image

الكويت - قال تلفزيون دولة الكويت إن الممثل عبد الحسين عبد الرضا توفي الجمعة في ...

175 قتيلاً في الهند والنيبال وبنغلادش جراء الأمطار

News image

قتل 175 شخصا على الأقل، ونزح آلاف آخرون من منازلهم جراء #الأمطار الموسمية الغزيرة في ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

فلسطين في الشاعر يوسف الخطيب

د. علي عقلة عرسان

| السبت, 19 أغسطس 2017

لست أدري هل يوسف الخطيب فلسطيني، أم هو قضية فلسطين على نحو ما؟!   و...

تيار التجديد وأسئلة المرحلة

د. حسن حنفي

| السبت, 19 أغسطس 2017

  نشأت في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر ثلاثة تيارات فكرية واختيارات سياسية، ما زال...

في رحاب الجواهري

د. كاظم الموسوي

| السبت, 19 أغسطس 2017

  كتب الكثير عن الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، سواء بحياته التي امتدت طيلة ا...

عيون النسور والمحراث في تجربة القشعمي!

علي الدميني

| السبت, 19 أغسطس 2017

  أعرف أن للأستاذ محمد القشعمي عيوناً لا نراها بين عينيه أو أعلى منهما قليلاً...

متعة الانتظار

د. نيفين مسعد

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  أى صباح جميل هذا الذى تشدو فيه نور الهدى بأغنيتها المبهجة «يا ساعة بالوقت...

هل يكفي أن نقول «لا»؟

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  موضوع هذه الزاوية عن الحرية في الوطن العربي، وحرية التعبير خاصة، وعلى الرغم من أن ...

الفن.. العالم المغيب عنا

جعفر الشايب

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  هناك علاقة تبادلية طردية بين انتشار الفنون ورقي المجتمع ووعيه، فكلما زادت وتعمقت الفنون...

"رابية المدى"

جابر الطميزي | الخميس, 17 أغسطس 2017

بين هَدْأة النصوص ووقع المفردات الأبجدية تختبئ في رابية المدى هوية وثورة وبندقية......

الثقافة العربية.. استلاب العصرنة وتيبس الأصالة

نايف عبوش | الخميس, 17 أغسطس 2017

تعيش الثقافة العربية المعاصرة مأزق استلاب واضح، بفعل التبعية والانبهار، والتأثر بثقافة العولمة، التي غزت...

الأردن يتألق في عيون الفنانين

زياد جيوسي | الخميس, 17 أغسطس 2017

بقلم وعدسة: زياد جيوسي كيف يرى الفنانون الأردن؟ هو السؤال الذي خطر في داخلي حين...

الأرصفة المتعبة والخلل في البناء الروائي

عبدالله دعيس | الخميس, 17 أغسطس 2017

صدرت رواية "الأرصفة المتعبة" لعماد شختور عام 2017، عن دار العماد للنّشر والتّوزيع في الخ...

حنان جبيلي عابد مثخنة بجراح الابداع

شاكر فريد حسن | الخميس, 17 أغسطس 2017

النصراوية حنان جبيلي عابد ناشطه ثقافية ومربية أطفال، وأيضاً شاعرة مرهفة الاحساس وكاتبة مثخنة بجر...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم6212
mod_vvisit_counterالبارحة30057
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع6212
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي274413
mod_vvisit_counterهذا الشهر542649
mod_vvisit_counterالشهر الماضي641360
mod_vvisit_counterكل الزوار43614331
حاليا يتواجد 2390 زوار  على الموقع