موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
دي ميستورا: شهر أكتوبر سيكون «الحاسم» بالأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: الأمم المتحدة تكلف هورست كولر رئيس الماني سابق بمهمة إحياء المفاوضات بين المغرب وبوليساريو خلفا لكريستوفر روس المستقيل منذ أبريل ::التجــديد العــربي:: نفيذاً للأمر الملكي.. سبع رحلات تنقـل الحجـاج مـن الدوحة إلى جـدة وحركة نشطة للمسافرين القطريين عبر منفذ سلوى الحدودي لأداء مناسك الحج ::التجــديد العــربي:: إسبانيا.. مقتل 5 إرهابيين في عملية أمنية جنوب برشلونة ::التجــديد العــربي:: ارتفاع القتلى الى 14 و100 جريح بدهس وسط برشلونة.. و"داعش" يتبنى ::التجــديد العــربي:: بوتفليقة يقيل رئيس الوزراء الجزائري عبد المجيد تبون ::التجــديد العــربي:: جهود إماراتية وسعودية لفرض ضريبة القيمة المضافة مطلع العام القادم ::التجــديد العــربي:: عرض ثلاثة أفلام سعودية في الرياض.. الليلة ::التجــديد العــربي:: المعرض الدولي للصيد والفروسية يحتفي بـ 15 عاما على انطلاقته في ابوظبي ::التجــديد العــربي:: متاحف الصين في مكتبة الإسكندرية ::التجــديد العــربي:: احتياطي النقد الأجنبي في مصر يسجل أعلى مستوياته منذ 2011 ::التجــديد العــربي:: المواظبة على تناول اللبن يسهم في الوقاية من الاورام الخبيثة في القولون والثدي والمعدة والمبيض وبطانة الرحم، بفضل بكتريا تزيد من إفراز مواد منشطة للجهاز المناعي ::التجــديد العــربي:: السمنة تنذر بأمراض القلب ::التجــديد العــربي:: زين الدين زيدان يعرب عن سعادته بإحراز كأس السوبر الإسبانية بعد هزيمة غريمه برشلونة 2-صفر، بعد تقدمه ذهاباً على ملعب كامب نو بنتيجة 3-1 ::التجــديد العــربي:: مدربو «البوندسليغا» يرشحون بايرن للاكتساح مجدداً ::التجــديد العــربي:: عملاق المسرح الكويتي عبد الحسين عبد الرضا يترجل عن مسرح الحياة ويرحل مخلفا سجلا بعشرات الاعمال وبصمة لا تمحى ::التجــديد العــربي:: 175 قتيلاً في الهند والنيبال وبنغلادش جراء الأمطار ::التجــديد العــربي:: أبوظبي تسعى إلى بناء جسور مع بغداد ضمن تحرك خليجي وذلك خلال استقبال رجل الدين العراقي مقتدى الصدر ::التجــديد العــربي:: مقتل جنديين أميركيين واصابة خمسة في هجوم بشمال العراق ::التجــديد العــربي:: ريال مدريد يلتهم برشلونة بثلاثية قبل استقباله في "سانتياغو برنابيو" و رونالدو يسجل ويخرج مطروداً و الاتحاد الإسباني يوقف رونالدو 5 مباريات ::التجــديد العــربي::

الكاتب المسرحي الدكتور عمر النَّص

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

الدكتور عمر شريف النص في 28نيسان 1928-5آب 2013ولد في “دمشق” ودفن فيها، وتوفي في عمَّان. حصل على الدكتوراه في الحقوق من جامعة السوربون، وحصل على شهادات عليا من كلية “لندن”للاقتصاد والعلوم السياسية، وعمل في عدة وظائف منها: “سكرتير للرئيس “شكري القوتلي”، ومديرًا عامًّا إدارة شؤون القصر الجمهوري عام 1961في عهد الرئيس ناظم القدسي. وفي صندوق النقد العربي في الكويت 1973-1998 وكان على درجة عالية من الثقافة والنزاهة والأخلاق.

 

أصدر ثلاثة دواوين شعرية: الأول “كانت لنا أيام”، الثاني “الليل في الدروب”، والثالث: “مرافئ الصمت”. وله عدة مسرحيات هي: شهريار، حكاية الأيام الثلاثة، الليل سلطان، الليلة مع عنترة، ليمت قيصر، مفاتيح غرناطة. وكتاب بعنوان الشيخ أحمد البديري، وهو البديري الحلاق، الذي ترك مذكرات وخواطر وإشارات تاريخية عن الحياة في دمشق. ولعمر أيضًا كتاب ذكريات بعنوان “لماذا باريس”، وحوارية تحمل عنوان “دفاتر سقراط”. وبشأن هذه الأخيرة، “الحوارية”، يورد صديقه الدكتور عبدالله الخاني، الذي تعرف عليه منذ مرحلة دراستهما في باريس، يورد الوقائع المهمة الآتية، التي ذكرها له المرحوم الدكتور النَّص، يقول: (توطدت علاقة الصداقة بين الطالب الإيطالي باولو ماريني وبين عمر في لندن، إذ ذكر “باولو” قصته في حضارة الغرب والعيش بآلات المبرمجة تتصرف، حسب قوله من دون إرادة أو فهم، وأنه قرر مغادرة لندن إلى “أميركا” اللاتينية، ليعمل مع الثوار فيها، من أجل إقامة نظام عالمي تسوده الحرية والعدل والمساواة، إلا أنه، وفي رسالة بعث بها إلى “عمر” سنة /1988/، ذكر له بعد أن عاش مع الثوار ثلاثة أشهر، أصيب بخيبة أمل فقرر العودة إلى “روما”، لينتقل من عالم السياسة إلى عالم “الآثار”، إذ وجد أن الحجر أكثر صدقًا وأمانة من الإنسان، وأرفق الرسالة بطرد يحوي مخطوطة قديمة لفت بقماش مهترئ، تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وجدها مدفونة بين الأحجار القديمة، تتضمن رسالة موجهة من القيصر إلى فيلسوف، يعتقد “باولو” أنه “سقراط”، ضمنها نقده الجارح لسياسة قيصر المستبد الظالم، وطالبه فيها بالعمل على إقامة نظام يسوده الحق والعدل والحرية، ويعتقد “باولو” أن هذه الرسالة هي التي كلفت سقراط حياته، وطالب “عمر” بالحفاظ عليها لقيمتها التاريخية الثمينة لما تتضمنه من فلسفة اجتماعية. ورجاه أن ينشر مضمونها، عسى أن تفيد في عصرنا”. وقد صاغها “عمر” بلغته الراقية وأسلوبه الشيق في كتابه “الفيلسوف والسلطان”). وستكون لي وقفة مع ذلك النص، لأنني هنا أقارب مسرحيتين فقط من مسرحيات الدكتور عمر النص، هما: “شهريار” و”حكاية الأيام الثلاثة”.

شهريار:

لا أظن أن أحدًا لم يسمع بألف ليلة وليلة، وببطليها شهرزاد وبشهريار الملك، فقد غزت هذه القصص أو الحكايات كل بيت تقريبًا، وسمع بها كل شخص. وتاريخ الأدب يعرفها، كما تعرفها جمهرة القراء والمستمعين.

وقد تناول الدكتور عمر النص شخصية شهريار الملك، في مسرحية تحمل هذا الاسم. فكيف أظهر لنا شهريار؟ ما هي محنته، ولماذا كان هذا الملك يتزوج كل ليلة فتاة، حتى إذا طلع الفجر ولاحت الشمس، أسلم تلك الزوجة إلى سيف الجلاد، ليعيد الكرة بعد ذلك في كل ليلة.. إلى أن اقتيدت إليه شهرزاد فغيرت أحواله تغييرًا، وجعلته ينظر إلى ذاته وإلى الأمور التي يقوم بها نظرة أخرى، مختلفة كل الاختلاف عن السابق. ” لقد تزوج الملك فتاة تدعى جيهان، وكانت جوهرة في النساء، وأحبها وأخلص لها الحب، ورأى فيها مثال الطهر والأنوثة، ومثل المحب وغايته.. إلى أن عاد ذات يوم من رحلة صيد، فوجد في غرفتها أحد عبيده.. وهنا انتهى شهريار الأول، شهريار المُحب، شهريار الذي كان يطمح إلى أن يكون شمسًا تنتظرها الناس كل يوم.. إنه يقول:

شهريار: ما أزال أذكر.. كيف دخلت مخدعها، كان قلبي يتحرَّق إلى عناقها، وكانت ذراعاي تتوقان إلى ضمها، وهناك رأيت ذلك العبد، خيِّل إلى للحظة أنني كنت أحلم، ولكن رأيت العبد يرتعد كأنه ورقة في ريح، فعالجته بضربة من سيفي تركت رأسه يتدحرج على الأرض، ثم يستقر عند قدمي، ثم أغمدت سيفي في صدرها، أجل أغمدته في صدرها وهو يقطر دما، وحين أفقت من ثورة غضبي، ورأيت السيف قد اغترز عند ثديها المرمري الطري، أدركت أن شهريار الذي كان.. قد ذهب إلى غير رجعة، وأمرت أن تُساق إليَّ كل ليلة عذراء من عذارى المدينة، أفرغ في جسدها الفتي حقدي، ثم أقذفها عند الصباح، لتلفظ أنفاسها على يد جلاد غليظ القلب لا يرحم. وكم كان يشق عليّ، أن أرى تلك الوجوه المتوسلة الوجلة تقترب مني في العتمة، لتسأل قلبي المغفرة.. لتستجدي يدي الحياة.. فكنت أفر من حجرتي كأنني كنت أرى في تلك الوجوه المرأة الأولى التي خانتني”.

لقد حقَد شهريار على الناس، ولم تعد له ثقة بأحد، وأصبح جرحه الذي أصيب به، منبع حقد وثأر يطلبه من كل النساء، ولم يعد ير أن الفضائل يمكن أن توجد على الأرض. وعبثًا حاول أصدقاؤه نصحه.. فأخذت جرائمه تزداد، وغمس كل بيت في مدينته بالحسرة والألم.. وضاق الناس بجرائمه، كما ضاق هو نفسه بما يرتكب من آثام.

وعندما أتت شهرزاد، وبدأت تريه الواقع، وتغير نظرته للأمور، بما تقصه عليه من حكايات، وبما تسلك معه من سلوك.. اتجهت عينه إلى داخل نفسه، وبدأ وعي ضميره يزداد، وأحس بمعظم الذنوب والجرائم التي ارتكبها.. ووجد أن يده في الدم والقذارة إلى المرفق، ولم يكن من الممكن غسل تلك الجرائم التي تصرخ في دمه، ويدّعي الناسُ أن أشباح ضحاياها تسير في الشوارع، وتظهر في المقبرة.. مقبرة زوجات شهريار. وسيطر الندم على شهريار فأخذ يبتعد شيئًا فشيئًا عن الحياة، ويرزح تحت عبء ضميره.. لم يكن يثق بأنه من الممكن أن يعود إلى الحياة، ويتجاوز كلَّ تلك الآثام.. فقرر التنازل عن الملك لأخيه ساسان. ووعدت شهرزاد بأن تذهب معه إلى صومعة في أحد الجبال، حيث يعيش هناك بعيدًا عن الناس، ويموت في الظل.. حتى يكفر عن بعض ما ارتكب.. وعزم على أن ينفذ ما قرره، واستدعى من أجل ذلك، أهل الرأي في مملكته..

لكن شابًّا يشعل النار في مقبرة زوجات شهريار، أضاف جديدًا إلى الأمر. إن هذا الشاب هو خطيب إحدى الفتيات اللائي قتلهن شهريار، بعد أن تزوجها لليلة.. ويدخل ذلك الشاب إلى القصر متسللًا.. يفرح شهريار بذلك، فسيجد أخيرًا من يقتله، ويخلصه من تلك المعاناة التي لا طائل من ورائها.. إنه مجرم وقاتل، وندمه لن يؤخر ولن يقدم، فالموت أفضل له.. لكن الشاب لا يقتل شهريارًا عندما يراه، وإنما ينظر إليه نظرة إشفاق.. لقد كان يظنه في قمة عظمته وقوته لينقض عليه مشبعًا غلته منه، منتقمًا لفتاته، ولكنه وجده خلْقًا ضعيفًا لا يستحق إلا الرثاء والشفقة، فتركه وخرج.

ويؤثر هذا الموقف في نفس شهريار، ويزيد من عمق مأساته، وسوء نظرته لنفسه ولجرائمه، كما يضاعف من احتقاره لذاته. فيهرب، تاركًا شهرزاد وكل شيء.. يهرب من ذاته، من حقارته وقذارته وجرائمه، يهرب حاملًا كلّ عبء الدم الذي أراقه، وكلَّ ثقل تلك الجرائم.. وينتهي به الأمر إلى الصومعة التي كان يود الذهاب إليها.. ويقع هناك عند قدمي الجندي الحارس مغشيًّا عليه من التعب. ويرى فيما يرى النائم أو المُغمى عليه… خيالات من الماضي.. ويوقن، بعد رؤيته لجيهان، أنها لم تخنه وإنما كان الأمر مكيدة دبرها له أحد وزرائه.

وهنا يقول شهريار: الآن أدرك أن تلك الجرائم كلها كانت عبثًا. إن قتلي لجيهان كان عبثًا، إن اتخاذي كل ليلة زوجًا جديدة أنتقم من جسدها الفتي لجناية لم ترتكبها، كان عبثًا، إن حياتي كلها كانت عبثًا. ألم تكن الجريمة التي سبقت جرائمي تشفع في إقدامي عليها؟ ألم يكن الإثم الذي اقترفَته يد غير يدي، تسوّغ لي ما اقترفت أنا من إثم؟ فإذا لم يكن ثمة من جريمة، وإذا لم يكن ثمة من إثم.. فلماذا نقمت، ولماذا تعذبت.. ولماذا قتلت؟

ألم أقل إنني كنت أرى في جرائمي.. في المقابر التي أقمتها لتذكرني بها، ملجأ أفزع إليه حين أحس بالأرض تميد تحت قدمي؟ واليوم وقد صار ما حولي كله هباء، فماذا أنا صانع؟ ماذا أنا صانع؟”.

وكان قبل ذلك قد تساءل شهريار مرارًا:

شهريار: إذا كان القدر هو الذي دفع بي إلى تلك الجريمة الأولى، التي تتالت بعدها جرائمي، فهل أنني كنت أحمل بذور تلك الجريمة فيّ قبل أن أقترفها.؟”

ترى أوجد شهريار جوابًا لتلك التساؤلات؟ لقد مات عند الصومعة، بعد أن وصلت إليه شهرزاد ومعها ساسان ووالدها نور الدين، ونُقل إلى المدينة، وربما دفن مع زوجاته في مقبرته أو “نصب” جرائمه.. ولكن هل أجاب على تساؤلاته؟

إن المؤلف الذي وضعنا أمام هذه التساؤلات لم يجب بشيء..! أكان شهريار، بما عرف عنه من قسوة وطيش وصلف وكبرياء وقوة إرادة.. شهريار الذي يريد من الحياة أن تذعن له.. قد وجد عكس ما أراد.. أم أنه وجد أن له دورًا مرسومًا فيها، لا يستطيع تغييره؟ أم كان تكوينه ذاته هو الذي أهَّله لنوع الحياة التي عاشها، والأعمال التي قام بها؟

كل تلك أسئلة أو تساؤلات مطروحة في النص، وتقترن بسر الحياة، وقد لا تكشف الطبيعة البشرية عن كل أبعادها ببساطة ويسر، وقد يطول بؤس المرء، وهو يبحث عن تفاصيل خلفياتها، وعمّا يكمن وراءها من أسرار. وعلينا أن نذكر أن عمر النص واجه هذه الأسئلة، أو واجهنا بها، في مسرحيته شهريار.

حكاية الأيام الثلاثة:

تقع مسرحية “ حكاية الأيام الثلاثة “، في ثلاثة فصول، وتدور حوادثها في مدينة جالوق عام 1402 ميلادية، في أثناء غزو التتار الأول، في عهد تيمورلنك، لبلاد الشام. ويمكن تلخيص حوادثها بما يلي:

انفردت فئة من جيش التتار بقيادة “تاميش”، وأخذت طريقها إلى جالوق ففتحتها، وقست على أهلها، وأرادت بكل وسيلة من الوسائل الممكنة، الوصول إلى كنز، قيل لقيادتها، إن المدينة تعرفه، وأنه كنز كبير من اللآلئ والياقوت.

وحاول قادة هذه الفئة، وهم: تاميش وخيتاي وميران، الوصول إلى الكنز، بترغيب بعض الناس، بعد أن فقد الترهيب كل قيمة وجدوى معهم. فلم يفلحوا إلا في الوصول إلى النتيجة المنتظرة، من كنز عمره عمر شعب جالوق، ووجوده هو وجود ذلك الشعب.

لقد اتضح لهم أن كنز جالوق لا تمسكه الأيدي، وإن كانت تدركه العقول، وتحس برنين ذهبه القلوب. إن الميزة التي تتجلى بها طبيعة جالوق وأناسها، هي الكنز الذي لن يعثر عليه التتار، فلقد جمع أهل جالوق ذكريات الألم وغرسوها في كل زاوية، حتى تبقى أمام أعينهم شواهد، تذكرهم بالمآسي التي ارتكبها التتار.

وأحس تاميش، القائد التتري، بعد طول بحث وكثير عناء، أن صمت ريحانة وأم الخير والشيخ ظهير الدين، وهم من أهالي جالوق.. وحتى القبض على ابن وهب، قائد المقاومة في المدينة، أحس تاميش بأن هذا لم يجد نفعًا، وأنه ما زال الصمت المنذر بالشر، يحيط بجند التتار أينما حلوا. وبدأ “ميران” يضيق بأهل جالوق وباحتقارهم، فأراد أن يُعمل فيهم السيف، ولكن تاميش الذي بدأ يدرك ألا فائدة ترجى من هذا الأسلوب، قتل ميران بخنجره أمام أعين الناس.

وأراد الأمير حاكم الشام، أن يوقع الفتنة بين قواد جيش التتار في جالوق، ليسهُل عليه التغلب عليهم بجيشه الزاحف نحوها، فأرسل من يعمل على ذلك. وعندما وصل مسعود إلى جالوق لينفذ هذه المهمة، كانت جالوق قد سيطرت تمامًا على روح تاميش قائد الجيش التتري، وسحقت فيه كل قدرة على المقاومة والصمود والتحدي، ووجد نفسه في حالة مؤلمة. لقد ضاق بالحروب، وضاق بالغربة، وبالزحف من بلد إلى بلد لتحقيق شهوة القتل، ولا شيء سواها، وثقلت على نفسه أرزاء عشرين سنة من القتل، فقرر أن يعود عن جالوق، قبل أن يسحقها في صراع مع جيش الأمير داود، دون فائدة.

ويجعله المؤلف يصدر أمرًا لجيشه بمغادرة جالوق، ويبقى هو لتلقى الموت في المدينة التي أذاقتها الموت، بعد أن غادرها جيشه، يبقى فيها ويرفض مرافقة الجيش.

إن تاميش يبقى في جالوق بعد أن نبذ كل شيء دنيوي، حتى الكنز الحقيقي الذي وعد ابن وهب بتسليمه إليه، ليبني مدينته لليتامى من الأطفال، حتى ذلك الكنز رفض أن يأخذه، كما رفض مغادرة جالوق، وجلس يستمع من بهلول إلى قصة قديمة في جالوق تقول:

“منذ ألف عام، هبط المدينة شبح مهيب الطلعة، وضاح الجبين، له عينان صافيتان كأنهما نبعان من زمرد، وشعر أبيض كأنه لؤلؤ مضفور. وأحس الشبح بالظمأ، فطرق أول باب لقيه، فخرجت إليه امرأة صبية، فسألها ماءً، فدخلت الدار ثم خرجت تحمل في يدها زهرة بيضاء، عصرتها في يديه فسالت الدماء. ولم يلبث الشبح أن انتفض انتفاضة واحدة، انقلب بعدها إلى حمامة بيضاء، طارت فحطّت على ظهر الدار، ثم انتفضت هي الأخرى فتساقط ريشها وسقطت جثة هامدة. ولكن الحمامة لم تمت، وإنما استحالت إلى قطعة من الماس النادر، قطعة من الماس بحجم حمامة، بل قطعة من الماس بحجم جبل، بل قطعة من الماس بحجم مدينة”.

إن المؤلف أظهر جالوق في بداية الفتح، وفي أثنائه، مدينة طيبة، يتمتع أهلها بالصدق، ويصلّون في المساجد، ولكنهم لم يدافعوا عن مدينتهم، ولم يعدوا أنفسهم للدفاع عنها بالسيف. وقد أدرك القائد التتري ذلك فقال لابن وهب وظهير الدين: إن جالوق مدينة جميلة، وأهلها طيبون، ولكننا نهتاج منها لمجرد أن أهلها ينظرون إلينا بعيون يزينها الغضب.

ولكن المؤلف لم يوضح لنا لماذا؟! كما أننا لا نعرف، كيف تحول هذا القائد إلى حَمَلٍ وديع، وأمر جنوده بالخروج من جالوق من دون قتال.. هل لمجرد أن المدينة طيبة وجميلة، وأن أهلها طيبون ولا يحبون التتار، أم لسبب عميق في نفسه؟!

من الممكن أن يحدث في التاريخ حادث شاذ كهذا، ولكن منطق القوة الذي يعتمده المحتل، يستدعي منطق قوة مضادة يردعه، منطق قوة يؤديه بفاعلية، أولئك الذين تُحتل مدينتهم، خيث يدافعون عنها ويحررونها، وهذا ما لم يوفره المؤلف لشخوصه وللمدينة “جالوق”، ولم يركز عليه في نصه. فضلًا عن أن أسلوب السرد واضح في المسرحية، وإن أخذ صورة الحوار الذي تتداوله شخوص، وقد ظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني.

إن المسحة الروحية الشاعرية التي تتنفس فيها الصوفية أحيانًا، هي من المميزات التي لاحظتها في مسرحيتي الدكتور عمر النص :”شهريار” و“حكاية الأيام الثلاثة.” ووقفت على جمال الأسلوب، وعلى الصور الأدبية الشائقة. ولكن الصراع في مسرحيته حكاية الأيام الثلاثة، يدور داخل النفس، غير آخذ لمداه في الظاهر الذي يجسده الحدث، وغير مستكمل لمقوماته، لكي يغدو مغريًا، وقادرًا على تحريك الأعماق واستثارتها، فيتم التتبع في مسرح ” الفُرجَة” بتشويق، وإقبال على ما يقدمه المؤلّف من حدث ورؤية ورأي. وبذلك تبقى المسرحية قليلة الحيوية عمومًا، فيها من المتع ما يجذب ذهن القارئ، أكثر مما فيها من تكامل أسباب متعة متفرج المسرح، والجمهور ذي الألف رأس، المتعدد الأعين والقلوب والمشارب والأذواق والرؤى الثقافية.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

دي ميستورا: شهر أكتوبر سيكون «الحاسم» بالأزمة السورية

News image

أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، أن شهر اكتوبر سيكون حاسم لتس...

الأمم المتحدة تكلف هورست كولر رئيس الماني سابق بمهمة إحياء المفاوضات بين المغرب وبوليساريو خلفا لكريستوفر روس المستقيل منذ أبريل

News image

الامم المتحدة (الولايات المتحدة) - عُيّن الرئيس الألماني الاسبق هورست كولر رسميا الاربعاء موفدا للا...

نفيذاً للأمر الملكي.. سبع رحلات تنقـل الحجـاج مـن الدوحة إلى جـدة وحركة نشطة للمسافرين القطريين عبر منفذ سلوى الحدودي لأداء مناسك الحج

News image

جدة - شهد منفذ سلوى الحدودي مع دولة قطر منذ ساعات صباح يوم أمس حرك...

إسبانيا.. مقتل 5 إرهابيين في عملية أمنية جنوب برشلونة

News image

كامبريلس (إسبانيا) - أصيب ستة مدنيين، إضافة إلى شرطي، بجروح، عندما دهست سيارة عدداً من ...

ارتفاع القتلى الى 14 و100 جريح بدهس وسط برشلونة.. و"داعش" يتبنى

News image

أعلن مصدر رسمي في حكومة كاتالونيا الى ارتفاع القتلى الى 14 شخصاً قتلوا وأصابة 100...

عملاق المسرح الكويتي عبد الحسين عبد الرضا يترجل عن مسرح الحياة ويرحل مخلفا سجلا بعشرات الاعمال وبصمة لا تمحى

News image

الكويت - قال تلفزيون دولة الكويت إن الممثل عبد الحسين عبد الرضا توفي الجمعة في ...

175 قتيلاً في الهند والنيبال وبنغلادش جراء الأمطار

News image

قتل 175 شخصا على الأقل، ونزح آلاف آخرون من منازلهم جراء #الأمطار الموسمية الغزيرة في ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

فلسطين في الشاعر يوسف الخطيب

د. علي عقلة عرسان

| السبت, 19 أغسطس 2017

لست أدري هل يوسف الخطيب فلسطيني، أم هو قضية فلسطين على نحو ما؟!   و...

تيار التجديد وأسئلة المرحلة

د. حسن حنفي

| السبت, 19 أغسطس 2017

  نشأت في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر ثلاثة تيارات فكرية واختيارات سياسية، ما زال...

في رحاب الجواهري

د. كاظم الموسوي

| السبت, 19 أغسطس 2017

  كتب الكثير عن الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، سواء بحياته التي امتدت طيلة ا...

عيون النسور والمحراث في تجربة القشعمي!

علي الدميني

| السبت, 19 أغسطس 2017

  أعرف أن للأستاذ محمد القشعمي عيوناً لا نراها بين عينيه أو أعلى منهما قليلاً...

متعة الانتظار

د. نيفين مسعد

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  أى صباح جميل هذا الذى تشدو فيه نور الهدى بأغنيتها المبهجة «يا ساعة بالوقت...

هل يكفي أن نقول «لا»؟

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  موضوع هذه الزاوية عن الحرية في الوطن العربي، وحرية التعبير خاصة، وعلى الرغم من أن ...

الفن.. العالم المغيب عنا

جعفر الشايب

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  هناك علاقة تبادلية طردية بين انتشار الفنون ورقي المجتمع ووعيه، فكلما زادت وتعمقت الفنون...

"رابية المدى"

جابر الطميزي | الخميس, 17 أغسطس 2017

بين هَدْأة النصوص ووقع المفردات الأبجدية تختبئ في رابية المدى هوية وثورة وبندقية......

الثقافة العربية.. استلاب العصرنة وتيبس الأصالة

نايف عبوش | الخميس, 17 أغسطس 2017

تعيش الثقافة العربية المعاصرة مأزق استلاب واضح، بفعل التبعية والانبهار، والتأثر بثقافة العولمة، التي غزت...

الأردن يتألق في عيون الفنانين

زياد جيوسي | الخميس, 17 أغسطس 2017

بقلم وعدسة: زياد جيوسي كيف يرى الفنانون الأردن؟ هو السؤال الذي خطر في داخلي حين...

الأرصفة المتعبة والخلل في البناء الروائي

عبدالله دعيس | الخميس, 17 أغسطس 2017

صدرت رواية "الأرصفة المتعبة" لعماد شختور عام 2017، عن دار العماد للنّشر والتّوزيع في الخ...

حنان جبيلي عابد مثخنة بجراح الابداع

شاكر فريد حسن | الخميس, 17 أغسطس 2017

النصراوية حنان جبيلي عابد ناشطه ثقافية ومربية أطفال، وأيضاً شاعرة مرهفة الاحساس وكاتبة مثخنة بجر...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم6415
mod_vvisit_counterالبارحة30057
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع6415
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي274413
mod_vvisit_counterهذا الشهر542852
mod_vvisit_counterالشهر الماضي641360
mod_vvisit_counterكل الزوار43614534
حاليا يتواجد 2335 زوار  على الموقع