موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
دي ميستورا: شهر أكتوبر سيكون «الحاسم» بالأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: الأمم المتحدة تكلف هورست كولر رئيس الماني سابق بمهمة إحياء المفاوضات بين المغرب وبوليساريو خلفا لكريستوفر روس المستقيل منذ أبريل ::التجــديد العــربي:: نفيذاً للأمر الملكي.. سبع رحلات تنقـل الحجـاج مـن الدوحة إلى جـدة وحركة نشطة للمسافرين القطريين عبر منفذ سلوى الحدودي لأداء مناسك الحج ::التجــديد العــربي:: إسبانيا.. مقتل 5 إرهابيين في عملية أمنية جنوب برشلونة ::التجــديد العــربي:: ارتفاع القتلى الى 14 و100 جريح بدهس وسط برشلونة.. و"داعش" يتبنى ::التجــديد العــربي:: بوتفليقة يقيل رئيس الوزراء الجزائري عبد المجيد تبون ::التجــديد العــربي:: جهود إماراتية وسعودية لفرض ضريبة القيمة المضافة مطلع العام القادم ::التجــديد العــربي:: عرض ثلاثة أفلام سعودية في الرياض.. الليلة ::التجــديد العــربي:: المعرض الدولي للصيد والفروسية يحتفي بـ 15 عاما على انطلاقته في ابوظبي ::التجــديد العــربي:: متاحف الصين في مكتبة الإسكندرية ::التجــديد العــربي:: احتياطي النقد الأجنبي في مصر يسجل أعلى مستوياته منذ 2011 ::التجــديد العــربي:: المواظبة على تناول اللبن يسهم في الوقاية من الاورام الخبيثة في القولون والثدي والمعدة والمبيض وبطانة الرحم، بفضل بكتريا تزيد من إفراز مواد منشطة للجهاز المناعي ::التجــديد العــربي:: السمنة تنذر بأمراض القلب ::التجــديد العــربي:: زين الدين زيدان يعرب عن سعادته بإحراز كأس السوبر الإسبانية بعد هزيمة غريمه برشلونة 2-صفر، بعد تقدمه ذهاباً على ملعب كامب نو بنتيجة 3-1 ::التجــديد العــربي:: مدربو «البوندسليغا» يرشحون بايرن للاكتساح مجدداً ::التجــديد العــربي:: عملاق المسرح الكويتي عبد الحسين عبد الرضا يترجل عن مسرح الحياة ويرحل مخلفا سجلا بعشرات الاعمال وبصمة لا تمحى ::التجــديد العــربي:: 175 قتيلاً في الهند والنيبال وبنغلادش جراء الأمطار ::التجــديد العــربي:: أبوظبي تسعى إلى بناء جسور مع بغداد ضمن تحرك خليجي وذلك خلال استقبال رجل الدين العراقي مقتدى الصدر ::التجــديد العــربي:: مقتل جنديين أميركيين واصابة خمسة في هجوم بشمال العراق ::التجــديد العــربي:: ريال مدريد يلتهم برشلونة بثلاثية قبل استقباله في "سانتياغو برنابيو" و رونالدو يسجل ويخرج مطروداً و الاتحاد الإسباني يوقف رونالدو 5 مباريات ::التجــديد العــربي::

خطابنا الديني.. بين المحظورات والضرورات

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

البعد الديني متأصل في خطابنا الثقافي العربي، بشكل عام، وتجده في الموروث الشفهي والكتابي، ولا يمكن للجديد أن يتجاوزه كما لم يستطع الملحدون، والمجددون، والحداثيون، والمحافظون بأثوابهم الجديدة، والمشككون به، والعاملون على النيل منه، وعلى إخراجه من دائرة المقبول والمعقول، ومن ثم العصري والإنساني، والمراهنون على غيابه بعد حضور في هذا العصر، أو تغييبه، أن يبطلوا قدرته وأهميته وحضوره. والمدخل إلى الكلام فيه يبدأ بسؤال:

 

هل هو خطاب متخلِّف، أم يقود أصلًا إلى التخلف، من حيث مرجعياته وغيبياته وأدواته ووسائله وأساليبه؟!

إنه سؤال يثير الانزعاج والاحتجاج، بل والغضب المفضي إلى العنف، وربما العنف المشروع أكثر من أية مشروعية أخرى لأي عنف من أي نوع.. لأنه من غير المقبول، ومن غير المحتمل، توجيه اتهام ضمني بصيغة نقد، لخطاب يشكل رصيده أعظم ما في الوجدان الشعبي، وما في الإرث الثقافي المتداول من أي رصيد آخر، وتشكل معطياته جوهر الاعتقاد والقيم والمعايير والتشريعات التي تدخل في التكوين الروحي العميق لأي فرد، وفي التكوين الاجتماعي والعلاقات المتينة بين الناس.. من دون تحقيق تلك الإثارة أو الجرح لمشاعر الناس، ومن ثم استنفارهم من الداخل؟! وكل خطاب يجرح مشاعر الناس ويستنفرهم، هو خطاب يستفزُّهم ويخرج بهم عن المألوف، ويقابلونه بالرفض. ربما كان ذلك ليس من حق صاحب الخطاب، ولا من حق الخطاب ذاته، بالنتيجة، على الرغم من مشروعية أن يسعى الخطاب إلى الجرح والتعديل بأدب، ومنطق، وحجة، للخروج عن المألوف بعد الولوج فيه.

وهل الخطاب الديني هو خطاب عصري ذو مستقبل، أو يمكن أن يفيد الناس في المستقبل، أم أنه خطاب عفا عليه الزمن، وتجاوزته البشرية، ونقض بنيتَه العلم، ودمرت هياكله الحداثة وما بعدها فيما دمرتاه من بنى.. وأثار العقلُ من حوله الشك فزعزع بعض ما يترسخ فيه، وما يرمي إلى ترسيخه في الوجدان الفردي والجمعي من ثوابت، وما يقوم عليه الوعي الإيماني من يقين؟!

ليس من المفيد التهرب من سؤال، ومن دوائر تنداح على صفحته، مهما كان فجًّا واستفزازيًّا ومتهافتًا، فالتهرب لا يلغي الشك، ولا ينهي المشكلة، ولا ينقضُ السؤال أو يصادره، حتى لو احتجب وراء غلالات من ضباب وغبار. والسكوت على السؤال لا ينهي عمليًّا ممارسات ووقائع ومعطيات، تنتثر على البساط الواسع في عالمنا اليوم.

في خطابنا الثقافي بعد ديني/إسلامي ومسيحي، ويتجلى هذا البعد في منظومات قيم ومحرَّمات ونواهٍ ودعاوى. ويواجَه خطابُنا الديني بتهم، أو توجَّه إليه تهم، وينسَبُ إليه بعض التطرف والتحريض، أو قل التعصب والتحريض.

ويُرمى الخطاب الإسلامي على الخصوص، من قبل قوى معادية ذات تأثير عالمي، ومن قوى عربية ذات حضور رسمي أو أيديولوجي ـ ثقافي، أو علماني مضطرب الرؤى، مشَوَّش المفاهيم.. بأنه الإرهاب أو يؤسس لنوع من الممارسة تصب في دائرة الإرهاب. ويحاول العدو الصهيوني على الخصوص وحليفه الأميركي، والغرب عامة.. إلصاق هذه التهمة بكل تحرك اجتماعي وكفاحي يستند إلى ثوابت التحرير والحق والعقيدة، وينادي بالمقاومة ضد الاحتلال، وامتلاك القوة المؤهِّلة للتحرير، والدفاع بفاعلية عن الهوية والعقيدة، عن الجغرافية والتاريخ!!

فهل نقرُّ ذلك جملة أم نرفضه جملة، أم أن هناك هوامش على كل صفحة تتصل بذلك القول وبالرد عليه، وتفسح في المجال للتأمل والتروي والمحاكمة؟!

بداية أوضح موقفًا ورأيًا بإيجاز:

إن الخطاب الديني موجود ومؤثر وهو في حالة نمو، موجود عند بوش كما عند بن لادن كرمزين لتحوله إلى قتال، وموجود في حالة تورم عند كل صهيوني وعند معظم اليهود، ورصيده على الأرض كما في الوجدان، يتعزز في معظم الوقت.. وموجود عند تنظيمات ومنظمات إسلامية، وعند السيخ، والبوذيين. وشعبنا العربي ذو اعتقاد ديني/إسلامي أو مسيحي/ ثابت واضح متين تصعب زعزعته أو زلزلته، وليس من السهل مجاوزة هذه الحقيقة أو القفز فوقها، وهو في هذا ليس بدعًا بين الشعوب ولا يشكل شذوذًا في العصر.

والخطاب الديني هو جزء من الهوية والشخصية، جزء من التكوين الروحي والفكري والنفسي والاجتماعي، ولا مصلحة لنا في إضعاف تأثيره أو في تهميشه، ولا في السكوت على من يعمل على إضعافه أو تهميشه، ولا في السكوت على من يتطرف في ممارسته فيشوِّه، أو يبني على فهم مشوَّه. ولن يكون ذلك الخطاب عامل ضعف أو تخلف أو تطرف، إلا من خلال فهم متخلّف أو مغلوط له، وبناء على ذلك الفهم، واستخدام له، ونوع تواصل معه، ومع العصر والآخر من خلاله. وليس الذين هم سبب التخلف، ولا يمكن أن يكون، وإنما فهم وتوظيف وأداء باسم ذلك كله في خطاب، وتوظيف لذلك في التكوين والأداء.. قد يكون متخلفًا أو مريضًا أو قائمًا على الجهل وسوء الفهم، فيقود من ثم إلى التخلف والمرض وضيق الأفق والتحجر والتعصب والممارسات المرفوضة. وما لم يحث الخطاب الديني على حقيقة كون الدين مكارم أخلاق، ومعاملة تجسِّد تلك المكارم والتعاليم السامية التي جاء بها() ، وتواصلًا مسؤولًا مع الناس، من أجل الحياة والناس.. فإنه سيبقى خطابًا قاصرًا على نحو ما، ومعوِّقًا على نحو ما أيضًا.

المصادر الإسلامية الأساس لذلك الخطاب /القرآن ثم الحديث ثم السنة الثابتة قولًا وعملًا، ومن بعد تأتي اجتهادات المجتهدين/والمراجع كثيرة. ولمن مَلَك القدرة، عقليًّا وشرعيًّا وعلميًّا، وتمكن من المعرفة العميقة ومن أدواتها، ومن الفقه وأدواته.. حق الاجتهاد، بما لا يتعارض مع الأسس وجوهر العقيدة، وروح التسامح فيها. ولا يخلو الاجتهاد من جهاد من نوع متفوق ومتألق في بعض الأوقات والأماكن والظروف، كما لا يخلو الواقع من قائلين بخطاب هو عبء على الاجتهاد الحق الدين، ومن ثم على المسلمين وغير المسلمين.

ولكن هل يمكن أن يُغَلقَ علينا أبوابَ الفهم والتبصر والتأمل والاجتهاد إلا جهلٌ أو قصورٌ أو تعصبٌ أو تجاهلٌ أو تجهيل، أو تسلطٌ، أو عدوٌّ.. يقتني مجتهدين أو يُصنِّعهم، ويروِّج لهم، ويُعلي شأنهم بالإعلام والإعلان، ويستخدمهم ليخدموه؟! وهذاالنوع من الخطاب “والاجتهاد؟!”، مما يُرفَض الاحتباسُ في أقفاصه والركون إلى معطياته ونواهيه وأحكامه وظلمه وظلامه، فتلك هي الظلامية ومصادرها، وصنائعها، ومصنّعوها، وليس الدين والمُتدينون بحق وعدل وفهم؟! ومن ذا الذي يمنع من التأمل والتفكّر والتبصر والتدبُّر.. وهو كله مما يحث عليه الدين، ويحتِّمه العقل، ويقود إليه الوعي، ويستدعيه التقدم والتبصُّر، وتفرضه سنة التطور في الحياة!؟

يفترض في الخطاب الديني أن يعزز الإيمان، ويحرر الإنسان.. والإيمان ليس عبئًا على المؤمن، إنما هو نورٌ يضيء له طريقًا، ويخرجه من ضيق.. وهو حرية، تُعطي للكائن الإنسان مفهومًا رائعًا وصادقًا للحرية في الاختيار وفي المَدار البشري الذي هو فيه: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر..) الآية﴿٢٩﴾ من سورة الكهف، وحرية المؤمن، في هذا النوع من الفهم، ليست في الاختيار فقط، وإنما هي أفق أعلى وأسمى لمن يختار الإيمان، حيث يكون كما وصفه ذلك الصوفي”لله عبدًا، ولكلِّ مَنْ دونه نِدًّا”. والإيمان كلٌّ لا يتجزأ، ومن حَسُن فهمه لدينه، حَسُنَ إيمانه، ومَتُنَ يقينُه، وتجلَّى ذلك في سلوكه وأدائه في الحياة، وفي تعامله مع الناس، وفي ما يصنعه لهم ومن أجلهم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”، والمؤمن حرٌّ لا تحكمه عبودية لغير الله، ولا طاعة عليه لأحد في معصية الخالق، أو في الدعوة إليها. ومعصية الخالق تكون، لدى المؤمن، في كل إتيان ما حرَّمه ونهى عنها، ومن ثم في كلِّ ما يؤثر سلبًا في صفاء الرؤية، وسلامة القلب، وصحة العقيدة، وفي ما ينعكس في السلوك والمعاملة من أداء حسن نافع.. وتكون المعصية في فعل كل ما ينطوي على ظلم أو غش أو فساد من أي نوع، ومناصرة ذلك، والسكوت عليه. والمؤمن إن أحسن الفهم والتمثّل والسلوك، وأخذ بالتَّقوى، فإن لديه رائزًا كميزان الذهب أو أدق، يعرِضُ عليه النيَّة أو الفكرة أو الفعل، قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧﴾ سورة القصص. و:”أن يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّه لنفسه”.

وفي ظل هذا التوازن المعيار، والمعيار المتوازن، ينشأ إقبال غير محدود على الحياة وإغناء بلا ضفاف لها، كما ينشأ إقبال على ما أحلَّه الله سبحانه لنا فيها ـ وهو يكاد يكون بلا ضفاف ـ بوصفها ممرًّا إلى مستقر.. كما تنشأ مراعاة غير منقوصة، لما يوفر اطمئنانًا روحيًّا إلى فعل شامل حكيم، ينفع في الدنيا، ويشفع في الآخرة، دارِ القرار.

والخطاب الديني القائم على الإيمان بفهم، والداعي إليه بتسامح، لا ينقض العلمَ ولا يضعفُه العلمُ، بل يعززه. ولا يجوز، بأي حال من الأحوال، أن يعوق الإيمان الاندفاع في طرُق العلم كافة، أو أن يقصِّر في دفع الناس إلى السير في تلك الطرق كافة. و”إنما العلم بالتعلُّم”. وقد فضل الإسلام العالِم على الجاهل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٩﴾” سورة الزُّمَر.

فليس هناك وعي من دون معرفة واستخلاص عِبَرٍ وتكديس خبرة واستقرائها، ولا يكون ذلك خارج حدود العلم والعمل به، حسب مناهجه، ولا يكون أيضًا على هامشه، وهامش الإيمان بقدرته على التقدم، والإنقاذ، وتعزيز الإيمان ذاته. ولا يتحقق تقدم من دون تحويل معطى العلم النظري إلى تطبيق عملي، على أسس تقنية عالية، تمكِّن من ريادة آفاق، واكتشاف عوالم، وقواعد، وقوانين، وتوفير حاجات ومنتجات المتقدمة في الميادين كلها، المدنية والعسكرية، حيث تتوافر مقومات البقاء والحماية والأمان والصحة والحرية والسعادة والازدهار، في ظل التقدم والتطور، والأمن من جوع وخوف.

فإذا شكّل الفكر الديني عائقًا في وجه تقدم الإنسان ونمو قدراته، توجب طرح السؤال على الفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين، وليس على الدين، ووجب تقصي أسس الفهم والتفسير والتأويل والتدبَّر والتدبير والعمل وفق علم ومنهج وضمير. وقد فتح القرآن أمامنا أفق التجاوز بالعلم والإيمان من دون حدود، حيث جاء النص في قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾ سورة الرّحمن. والسلطان هنا علم وحجة وبرهان وعقل ومنطق ونظريات، وقدرة على الأداء حسب مناهج العلم وتطبيقاته، وبما يغذي ذلك ويطوره من معارف وعلوم ومعلومات، بإبداع وابتكار متفوقين، وسعي دائب للكشف والإبداع. وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام (اطلبوا العلم ولو في الصين) ولم يكن في الصين علم من علوم القرآن أو الحديث أو السنة أو علوم العربية، يوم ورد الحديث، مما يعزز القول بأنه جاء للحث على بذل أقصى الجهد لتحصيل المعرفة بكل أشكالها، والعلوم بكل أنواعها.. حيثما أمكن ذلك، ومهما كلف من جهد ومال وتضحيات.. وجاء ليحث على امتلاك القوة الشاملة بالمعرفة المتكاملة، كيفما تم ذلك. ورباط الخيل الذي نرهب به عدو الله وعدونا، ذاك الذي حثنا القرآن على إعداده وامتلاك زمامه، أصبح اليوم، بالتطور والتقدم العلميين والتقنيين، أصبح رباط طائرات، وصواريخ، وأقمار صناعية، ودبابات، وأساطيل بحرية، وقنابل ذكية متعددة القدرات والأنواع.. إلخ، وذلك أمر مندوب إليه دينًا وشرعًا وعلمًا وعقلًا وبقاءً وانتماء وطنيًّا وقوميًّا، لأن فيه حماية للناس والدين والقيم والأرض والحق، ممن يعبثون بذلك كلهو ويستهينون بحياة الإنسان وبحقوقه.

ولا يجوز أن يكون الخطاب الديني مصدر اعتراض على النزوع القومي، والتمايز القومي، لا عند العرب ولا عند سواهم من الأقوام، ولا سيما في ديار الإسلام.. لأن الإسلام لم يمنع التمايز القومي، بل منع التمييز السلبي، على أي أساس كان، ومنع التعصب القومي، والعنصرية بأشكالها وأنواعها، والغلوَّ، والغطرسة، والتعالي على الأفراد والأمم بسبب اللون والجنس وغير ذلك.. والحالة الاعتراضية مستمرة على التعصب والغلو والتمييز العنصري، فقد فضَّل اللهُ الناسَ بعضَهم على بعض بالتقوى، وليس بالعِرْقِ، والدَّم، واللون، والمال، والسلطان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ سورة الحجرات.

كما جعل الإسلامُ الانتماءَ إلى العروبة، انتماء ثقافيًّا رفيعًا، في صورته الإنسانية الأسمى.. حيث جاء في الحديث الصحيح: “أيها الناس إن الرَّب واحد، والأبّ واحد. ليست العربية من أحدكم بأبٍ ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي”. وهنا انتماء يتعالى على العصبية بأنواعها، وعلى العُصابية العنصرية بأمراضها وأورامها، وعلى فصائل الدّم والعرق، وعلى أشكال العصمويَّات أنَّى كان شأنها ومنشؤها.

وعلى هذا فإنه من غير المَقبول، أن يتعارض الشقّ الديني من خطابنا الثقافي مع الشقّ القومي لذلك الخطاب، ولا أن يقف الشقّ القوميّ من ذلك الخطاب، عاجزًا عن فهم حقيقة شمول الخطاب الديني لأمم وأقوام في أربعة أركان الأرض، ولا أن يفعل أيٌّ منها شيءٌ من ذلك. وهناك ضرورة لنبذ العَصبيات والعُصاب، العصبية ـ والتعصب، انسجامًا مع روح العقيدة وجوهرها وشمولها الإنساني. مع تفريق عميق بين التمايز والتمييز، فالأول مقبول، والثاني مرفوض. والأساس هو التكامل وليس التضاد، أو التناقض، أو التخاصم،أو الاجتثاث، والنفي، والمحو.. إلخ.

وهذا يفضي بنا إلى طرح موضوع التفاعل الحيوي، والتداخل العضوي بين البعد أو الشق الديني والبعد أو الشق القومي، من خطابنا الثقافي، اللذين ما انفكا في نزاع وفراق وصدام، منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى مطلع هذا القرن على نحو ما.. لدرجة خُيِّل معها للبعض أنه لا يستقيم حال الأمة إلا بنفي أحد الخطابين للآخر؟! وكأنهما ضدان أو خطَّان متوازيان لا يلتقيان، مع أن الواقع والمعطيات القومية والتاريخية والدينية تشير إلى غير ذلك. إن هناك عِلَّة، وهي في مكان آخر، وتفتك بالطرفين، إذ تجرهما إلى وضع شاذ.

وسبل الخروج مما تشعر به الأمة من تآكل، وتفتت في إرادتها، وما تلاقيه من مآزق وأزمات وضعف وتهافت، واستهانة بما هو أبعد وأرفع من مصالحها وحقوقها، أقصد هويتها وعقيدتها ووجودها، وما في خطاباتها مما يحتاج إلى غَرْبَلَة ومراجعة مسؤولة، وإدراك عميق… ناتج في معظمه عن تفرق أو تضاد في العمق، وعن تدخل خارجي هدام فعَّال، وعن تبعية متعددة الشُّعَب، وعن خلل في جوهر ما يكوِّن مقومات الخطاب، وما يعتريه من أمراض، وعن استهانة بالمعرفة تجعل السطحية تسود وتفرض نفسها علمًا، وخطابها دينًا، وعن تهافت مجتهدين على أعتاب مُسَلَّطين، اشتروا الدنيا بالدين. وقد ساهم ذلك كله في صُنْعِ وتغذية خطاب يجعل العروبة في مقابل الإسلام، والإسلام في مقابل العروبة.. فأضعف الطرفين ونال منهما، وجعل أعداء الأمة يستبشرون بتحقيق انهيارهما في هذا القرن الحادي والعشرين، كما أعلن بعض الغربيين في مطلع التسعينيات من القرن العشرين: “.. كما شهد القرن الحالي انهيار الماركسية والشيوعية، سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام”، فجاء خطاب المذاهب ليضعف الإسلام، ويحيي الفتنة، وينشر نارها في البلدان.

نقول لأعداء الأمتين دور؟! نعم، وأيّ دور. ولكن ماذا نتوقع من عدونا؟! ولا يكون ذلك الفتك كله بنا، وبأيدينا، من غير أن نكون نحن شركاء فيه، ومن غير أن تمزق سكاكيننا أحشاءنا وبأيدينا؟! إنني أشك بذلك شكًّا مطلقًا، فمعظم مداخل أعدائنا إلى ساحاتنا كانت تتم: لضعف فينا، وقصور عن فهم حقائق ديننا، وما لدينا، وعصرنا، وما حولنا، وما ينبغي لنا أن نفعل.. وعن تواطؤ من بعضنا ضد بعض، الأمر الذي مزّقنا، وأضعف الكل، وأنتج خطابات ليست هي الخطابات، الأمر الذي عمق جذور الخلافات، وأشاع النائبات، وأوردنا المهالك.

إننا في المحنة، وفي نار الفتنة الآن، والخطاب هو الخطاب.. ونحن بحاجة ماسة، للخروج مما نحن فيه، ولبناء ما يجب أن نكون عليه.. بحاجة إلى خطاب ديني، أصيل يفهم الأصول ولا يجافيها، ويسند الخطاب الثقافي والسياسي، ويصحح ما ينبغي أن يُصَحّحَ، ويساهم في التربية والتعليم والتكوين، على أسس سليمة من فهم الدين، وتطبيق لذلك الفهم سلوكًا وعملًا، سياسة واجتماعًا، اقتصادًا وعلمًا ينمي كل العلوم، وينهض بالأمة، التي ضَعُفت فيها الأخلاق، وزُلْزِلِت القيم، وتفتت الأسر، وتهافت المجتمع، وانحل فيه الكثير مما فيه بقاء الأمم وبناء الدول.. خطاب عدل وحق وحرية وجرأة وصدق، لا يكون عونًا لسلطة متسلطة على شعب مظلوم، ولا فتاوى تزِّين اتباع الأعداء، وإرخاص الشعوب والأوطان تحت ضغط الخاص، والقاسي من الأوضاع.. يقف ضد انتهاك الحقوق والحريات، ويكون أحرارًا، فالحر يبني ويُحرر، والواجب أن يتحرر العبد ليكون.

إن التغيير بوعي ومسؤولية أخلاقية، ضرورة حيوية، لا سيما في ظروفنا هذه.. والمؤمن مسؤول عن خطاب الضرورة، وعن الحالات التي تفرضها، ليخرج الناس من الظُّلمات إلى النور.. وكلٌّ منا مسؤول أمام الله، وأمام ضميره، وأمته، ووطنه.. ولا تغيير إلَّا بتغيير.. فالله، جلَّ من قائلٍ، يقول في سورة الرَّعد: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ يَحفَظونَهُ مِن أَمرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم وَإِذا أَرادَ اللَّـهُ بِقَومٍ سوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُم مِن دونِهِ مِن والٍ ﴿١١﴾.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

دي ميستورا: شهر أكتوبر سيكون «الحاسم» بالأزمة السورية

News image

أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، أن شهر اكتوبر سيكون حاسم لتس...

الأمم المتحدة تكلف هورست كولر رئيس الماني سابق بمهمة إحياء المفاوضات بين المغرب وبوليساريو خلفا لكريستوفر روس المستقيل منذ أبريل

News image

الامم المتحدة (الولايات المتحدة) - عُيّن الرئيس الألماني الاسبق هورست كولر رسميا الاربعاء موفدا للا...

نفيذاً للأمر الملكي.. سبع رحلات تنقـل الحجـاج مـن الدوحة إلى جـدة وحركة نشطة للمسافرين القطريين عبر منفذ سلوى الحدودي لأداء مناسك الحج

News image

جدة - شهد منفذ سلوى الحدودي مع دولة قطر منذ ساعات صباح يوم أمس حرك...

إسبانيا.. مقتل 5 إرهابيين في عملية أمنية جنوب برشلونة

News image

كامبريلس (إسبانيا) - أصيب ستة مدنيين، إضافة إلى شرطي، بجروح، عندما دهست سيارة عدداً من ...

ارتفاع القتلى الى 14 و100 جريح بدهس وسط برشلونة.. و"داعش" يتبنى

News image

أعلن مصدر رسمي في حكومة كاتالونيا الى ارتفاع القتلى الى 14 شخصاً قتلوا وأصابة 100...

عملاق المسرح الكويتي عبد الحسين عبد الرضا يترجل عن مسرح الحياة ويرحل مخلفا سجلا بعشرات الاعمال وبصمة لا تمحى

News image

الكويت - قال تلفزيون دولة الكويت إن الممثل عبد الحسين عبد الرضا توفي الجمعة في ...

175 قتيلاً في الهند والنيبال وبنغلادش جراء الأمطار

News image

قتل 175 شخصا على الأقل، ونزح آلاف آخرون من منازلهم جراء #الأمطار الموسمية الغزيرة في ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

فلسطين في الشاعر يوسف الخطيب

د. علي عقلة عرسان

| السبت, 19 أغسطس 2017

لست أدري هل يوسف الخطيب فلسطيني، أم هو قضية فلسطين على نحو ما؟!   و...

تيار التجديد وأسئلة المرحلة

د. حسن حنفي

| السبت, 19 أغسطس 2017

  نشأت في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر ثلاثة تيارات فكرية واختيارات سياسية، ما زال...

في رحاب الجواهري

د. كاظم الموسوي

| السبت, 19 أغسطس 2017

  كتب الكثير عن الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، سواء بحياته التي امتدت طيلة ا...

عيون النسور والمحراث في تجربة القشعمي!

علي الدميني

| السبت, 19 أغسطس 2017

  أعرف أن للأستاذ محمد القشعمي عيوناً لا نراها بين عينيه أو أعلى منهما قليلاً...

متعة الانتظار

د. نيفين مسعد

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  أى صباح جميل هذا الذى تشدو فيه نور الهدى بأغنيتها المبهجة «يا ساعة بالوقت...

هل يكفي أن نقول «لا»؟

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  موضوع هذه الزاوية عن الحرية في الوطن العربي، وحرية التعبير خاصة، وعلى الرغم من أن ...

الفن.. العالم المغيب عنا

جعفر الشايب

| الجمعة, 18 أغسطس 2017

  هناك علاقة تبادلية طردية بين انتشار الفنون ورقي المجتمع ووعيه، فكلما زادت وتعمقت الفنون...

"رابية المدى"

جابر الطميزي | الخميس, 17 أغسطس 2017

بين هَدْأة النصوص ووقع المفردات الأبجدية تختبئ في رابية المدى هوية وثورة وبندقية......

الثقافة العربية.. استلاب العصرنة وتيبس الأصالة

نايف عبوش | الخميس, 17 أغسطس 2017

تعيش الثقافة العربية المعاصرة مأزق استلاب واضح، بفعل التبعية والانبهار، والتأثر بثقافة العولمة، التي غزت...

الأردن يتألق في عيون الفنانين

زياد جيوسي | الخميس, 17 أغسطس 2017

بقلم وعدسة: زياد جيوسي كيف يرى الفنانون الأردن؟ هو السؤال الذي خطر في داخلي حين...

الأرصفة المتعبة والخلل في البناء الروائي

عبدالله دعيس | الخميس, 17 أغسطس 2017

صدرت رواية "الأرصفة المتعبة" لعماد شختور عام 2017، عن دار العماد للنّشر والتّوزيع في الخ...

حنان جبيلي عابد مثخنة بجراح الابداع

شاكر فريد حسن | الخميس, 17 أغسطس 2017

النصراوية حنان جبيلي عابد ناشطه ثقافية ومربية أطفال، وأيضاً شاعرة مرهفة الاحساس وكاتبة مثخنة بجر...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم6278
mod_vvisit_counterالبارحة30057
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع6278
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي274413
mod_vvisit_counterهذا الشهر542715
mod_vvisit_counterالشهر الماضي641360
mod_vvisit_counterكل الزوار43614397
حاليا يتواجد 2412 زوار  على الموقع