موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اليونان محذرة تركيا: لسنا سوريا أو العراق: السلطات التركية تزعم امتلاكها لجزيرة كارداك الصخرية المتنازع عليها و المعروفة في اليونان باسم إيميا ::التجــديد العــربي:: الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل ::التجــديد العــربي:: محكمة عسكرية مصرية تقضي بحبس هشام جنينة خمس سنوات ::التجــديد العــربي:: صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد ::التجــديد العــربي:: نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية ::التجــديد العــربي:: الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو ::التجــديد العــربي:: ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي ::التجــديد العــربي:: مسؤول أوروبي: الغاز المصري يضمن أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي ::التجــديد العــربي:: ترامب منتقداً «أوبك»: أسعار النفط المرتفعة لن تكون مقبولة ::التجــديد العــربي:: 'شاعر المليون 8' يبدأ مرحلته الأخيرة ::التجــديد العــربي:: فيتامين 'أ' يهزم الخلايا الجذعية لسرطان الكبد ::التجــديد العــربي:: رائحة الثأر تفوح من موقعة بايرن والريال في دوري الأبطال ::التجــديد العــربي:: المدرب كلوب يحث جماهير ليفربول على إظهار الاحترام لفريق روما ::التجــديد العــربي:: البرلمان الكوبي يختار ميغيل دياز-كانيل المسؤول الثاني في السلطة الكوبية مرشحا وحيدا لخلافة الرئيس المنتهية ولايته راوول كاسترو ::التجــديد العــربي:: عودة 500 لاجئ سوري طوعا من بلدة "شبعا" جنوبي لبنان إلى قراهم وخصوصاً بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن ::التجــديد العــربي:: "خلوة" أممية في السويد حول سوريا ::التجــديد العــربي:: روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية ::التجــديد العــربي:: اردغان يفاجى المعارضة: الاعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران المقبل ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: التحضير للقاء أستانا التاسع حول سوريا مستمر ::التجــديد العــربي::

خطابنا الديني.. بين المحظورات والضرورات

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

البعد الديني متأصل في خطابنا الثقافي العربي، بشكل عام، وتجده في الموروث الشفهي والكتابي، ولا يمكن للجديد أن يتجاوزه كما لم يستطع الملحدون، والمجددون، والحداثيون، والمحافظون بأثوابهم الجديدة، والمشككون به، والعاملون على النيل منه، وعلى إخراجه من دائرة المقبول والمعقول، ومن ثم العصري والإنساني، والمراهنون على غيابه بعد حضور في هذا العصر، أو تغييبه، أن يبطلوا قدرته وأهميته وحضوره. والمدخل إلى الكلام فيه يبدأ بسؤال:

 

هل هو خطاب متخلِّف، أم يقود أصلًا إلى التخلف، من حيث مرجعياته وغيبياته وأدواته ووسائله وأساليبه؟!

إنه سؤال يثير الانزعاج والاحتجاج، بل والغضب المفضي إلى العنف، وربما العنف المشروع أكثر من أية مشروعية أخرى لأي عنف من أي نوع.. لأنه من غير المقبول، ومن غير المحتمل، توجيه اتهام ضمني بصيغة نقد، لخطاب يشكل رصيده أعظم ما في الوجدان الشعبي، وما في الإرث الثقافي المتداول من أي رصيد آخر، وتشكل معطياته جوهر الاعتقاد والقيم والمعايير والتشريعات التي تدخل في التكوين الروحي العميق لأي فرد، وفي التكوين الاجتماعي والعلاقات المتينة بين الناس.. من دون تحقيق تلك الإثارة أو الجرح لمشاعر الناس، ومن ثم استنفارهم من الداخل؟! وكل خطاب يجرح مشاعر الناس ويستنفرهم، هو خطاب يستفزُّهم ويخرج بهم عن المألوف، ويقابلونه بالرفض. ربما كان ذلك ليس من حق صاحب الخطاب، ولا من حق الخطاب ذاته، بالنتيجة، على الرغم من مشروعية أن يسعى الخطاب إلى الجرح والتعديل بأدب، ومنطق، وحجة، للخروج عن المألوف بعد الولوج فيه.

وهل الخطاب الديني هو خطاب عصري ذو مستقبل، أو يمكن أن يفيد الناس في المستقبل، أم أنه خطاب عفا عليه الزمن، وتجاوزته البشرية، ونقض بنيتَه العلم، ودمرت هياكله الحداثة وما بعدها فيما دمرتاه من بنى.. وأثار العقلُ من حوله الشك فزعزع بعض ما يترسخ فيه، وما يرمي إلى ترسيخه في الوجدان الفردي والجمعي من ثوابت، وما يقوم عليه الوعي الإيماني من يقين؟!

ليس من المفيد التهرب من سؤال، ومن دوائر تنداح على صفحته، مهما كان فجًّا واستفزازيًّا ومتهافتًا، فالتهرب لا يلغي الشك، ولا ينهي المشكلة، ولا ينقضُ السؤال أو يصادره، حتى لو احتجب وراء غلالات من ضباب وغبار. والسكوت على السؤال لا ينهي عمليًّا ممارسات ووقائع ومعطيات، تنتثر على البساط الواسع في عالمنا اليوم.

في خطابنا الثقافي بعد ديني/إسلامي ومسيحي، ويتجلى هذا البعد في منظومات قيم ومحرَّمات ونواهٍ ودعاوى. ويواجَه خطابُنا الديني بتهم، أو توجَّه إليه تهم، وينسَبُ إليه بعض التطرف والتحريض، أو قل التعصب والتحريض.

ويُرمى الخطاب الإسلامي على الخصوص، من قبل قوى معادية ذات تأثير عالمي، ومن قوى عربية ذات حضور رسمي أو أيديولوجي ـ ثقافي، أو علماني مضطرب الرؤى، مشَوَّش المفاهيم.. بأنه الإرهاب أو يؤسس لنوع من الممارسة تصب في دائرة الإرهاب. ويحاول العدو الصهيوني على الخصوص وحليفه الأميركي، والغرب عامة.. إلصاق هذه التهمة بكل تحرك اجتماعي وكفاحي يستند إلى ثوابت التحرير والحق والعقيدة، وينادي بالمقاومة ضد الاحتلال، وامتلاك القوة المؤهِّلة للتحرير، والدفاع بفاعلية عن الهوية والعقيدة، عن الجغرافية والتاريخ!!

فهل نقرُّ ذلك جملة أم نرفضه جملة، أم أن هناك هوامش على كل صفحة تتصل بذلك القول وبالرد عليه، وتفسح في المجال للتأمل والتروي والمحاكمة؟!

بداية أوضح موقفًا ورأيًا بإيجاز:

إن الخطاب الديني موجود ومؤثر وهو في حالة نمو، موجود عند بوش كما عند بن لادن كرمزين لتحوله إلى قتال، وموجود في حالة تورم عند كل صهيوني وعند معظم اليهود، ورصيده على الأرض كما في الوجدان، يتعزز في معظم الوقت.. وموجود عند تنظيمات ومنظمات إسلامية، وعند السيخ، والبوذيين. وشعبنا العربي ذو اعتقاد ديني/إسلامي أو مسيحي/ ثابت واضح متين تصعب زعزعته أو زلزلته، وليس من السهل مجاوزة هذه الحقيقة أو القفز فوقها، وهو في هذا ليس بدعًا بين الشعوب ولا يشكل شذوذًا في العصر.

والخطاب الديني هو جزء من الهوية والشخصية، جزء من التكوين الروحي والفكري والنفسي والاجتماعي، ولا مصلحة لنا في إضعاف تأثيره أو في تهميشه، ولا في السكوت على من يعمل على إضعافه أو تهميشه، ولا في السكوت على من يتطرف في ممارسته فيشوِّه، أو يبني على فهم مشوَّه. ولن يكون ذلك الخطاب عامل ضعف أو تخلف أو تطرف، إلا من خلال فهم متخلّف أو مغلوط له، وبناء على ذلك الفهم، واستخدام له، ونوع تواصل معه، ومع العصر والآخر من خلاله. وليس الذين هم سبب التخلف، ولا يمكن أن يكون، وإنما فهم وتوظيف وأداء باسم ذلك كله في خطاب، وتوظيف لذلك في التكوين والأداء.. قد يكون متخلفًا أو مريضًا أو قائمًا على الجهل وسوء الفهم، فيقود من ثم إلى التخلف والمرض وضيق الأفق والتحجر والتعصب والممارسات المرفوضة. وما لم يحث الخطاب الديني على حقيقة كون الدين مكارم أخلاق، ومعاملة تجسِّد تلك المكارم والتعاليم السامية التي جاء بها() ، وتواصلًا مسؤولًا مع الناس، من أجل الحياة والناس.. فإنه سيبقى خطابًا قاصرًا على نحو ما، ومعوِّقًا على نحو ما أيضًا.

المصادر الإسلامية الأساس لذلك الخطاب /القرآن ثم الحديث ثم السنة الثابتة قولًا وعملًا، ومن بعد تأتي اجتهادات المجتهدين/والمراجع كثيرة. ولمن مَلَك القدرة، عقليًّا وشرعيًّا وعلميًّا، وتمكن من المعرفة العميقة ومن أدواتها، ومن الفقه وأدواته.. حق الاجتهاد، بما لا يتعارض مع الأسس وجوهر العقيدة، وروح التسامح فيها. ولا يخلو الاجتهاد من جهاد من نوع متفوق ومتألق في بعض الأوقات والأماكن والظروف، كما لا يخلو الواقع من قائلين بخطاب هو عبء على الاجتهاد الحق الدين، ومن ثم على المسلمين وغير المسلمين.

ولكن هل يمكن أن يُغَلقَ علينا أبوابَ الفهم والتبصر والتأمل والاجتهاد إلا جهلٌ أو قصورٌ أو تعصبٌ أو تجاهلٌ أو تجهيل، أو تسلطٌ، أو عدوٌّ.. يقتني مجتهدين أو يُصنِّعهم، ويروِّج لهم، ويُعلي شأنهم بالإعلام والإعلان، ويستخدمهم ليخدموه؟! وهذاالنوع من الخطاب “والاجتهاد؟!”، مما يُرفَض الاحتباسُ في أقفاصه والركون إلى معطياته ونواهيه وأحكامه وظلمه وظلامه، فتلك هي الظلامية ومصادرها، وصنائعها، ومصنّعوها، وليس الدين والمُتدينون بحق وعدل وفهم؟! ومن ذا الذي يمنع من التأمل والتفكّر والتبصر والتدبُّر.. وهو كله مما يحث عليه الدين، ويحتِّمه العقل، ويقود إليه الوعي، ويستدعيه التقدم والتبصُّر، وتفرضه سنة التطور في الحياة!؟

يفترض في الخطاب الديني أن يعزز الإيمان، ويحرر الإنسان.. والإيمان ليس عبئًا على المؤمن، إنما هو نورٌ يضيء له طريقًا، ويخرجه من ضيق.. وهو حرية، تُعطي للكائن الإنسان مفهومًا رائعًا وصادقًا للحرية في الاختيار وفي المَدار البشري الذي هو فيه: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر..) الآية﴿٢٩﴾ من سورة الكهف، وحرية المؤمن، في هذا النوع من الفهم، ليست في الاختيار فقط، وإنما هي أفق أعلى وأسمى لمن يختار الإيمان، حيث يكون كما وصفه ذلك الصوفي”لله عبدًا، ولكلِّ مَنْ دونه نِدًّا”. والإيمان كلٌّ لا يتجزأ، ومن حَسُن فهمه لدينه، حَسُنَ إيمانه، ومَتُنَ يقينُه، وتجلَّى ذلك في سلوكه وأدائه في الحياة، وفي تعامله مع الناس، وفي ما يصنعه لهم ومن أجلهم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”، والمؤمن حرٌّ لا تحكمه عبودية لغير الله، ولا طاعة عليه لأحد في معصية الخالق، أو في الدعوة إليها. ومعصية الخالق تكون، لدى المؤمن، في كل إتيان ما حرَّمه ونهى عنها، ومن ثم في كلِّ ما يؤثر سلبًا في صفاء الرؤية، وسلامة القلب، وصحة العقيدة، وفي ما ينعكس في السلوك والمعاملة من أداء حسن نافع.. وتكون المعصية في فعل كل ما ينطوي على ظلم أو غش أو فساد من أي نوع، ومناصرة ذلك، والسكوت عليه. والمؤمن إن أحسن الفهم والتمثّل والسلوك، وأخذ بالتَّقوى، فإن لديه رائزًا كميزان الذهب أو أدق، يعرِضُ عليه النيَّة أو الفكرة أو الفعل، قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧﴾ سورة القصص. و:”أن يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّه لنفسه”.

وفي ظل هذا التوازن المعيار، والمعيار المتوازن، ينشأ إقبال غير محدود على الحياة وإغناء بلا ضفاف لها، كما ينشأ إقبال على ما أحلَّه الله سبحانه لنا فيها ـ وهو يكاد يكون بلا ضفاف ـ بوصفها ممرًّا إلى مستقر.. كما تنشأ مراعاة غير منقوصة، لما يوفر اطمئنانًا روحيًّا إلى فعل شامل حكيم، ينفع في الدنيا، ويشفع في الآخرة، دارِ القرار.

والخطاب الديني القائم على الإيمان بفهم، والداعي إليه بتسامح، لا ينقض العلمَ ولا يضعفُه العلمُ، بل يعززه. ولا يجوز، بأي حال من الأحوال، أن يعوق الإيمان الاندفاع في طرُق العلم كافة، أو أن يقصِّر في دفع الناس إلى السير في تلك الطرق كافة. و”إنما العلم بالتعلُّم”. وقد فضل الإسلام العالِم على الجاهل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٩﴾” سورة الزُّمَر.

فليس هناك وعي من دون معرفة واستخلاص عِبَرٍ وتكديس خبرة واستقرائها، ولا يكون ذلك خارج حدود العلم والعمل به، حسب مناهجه، ولا يكون أيضًا على هامشه، وهامش الإيمان بقدرته على التقدم، والإنقاذ، وتعزيز الإيمان ذاته. ولا يتحقق تقدم من دون تحويل معطى العلم النظري إلى تطبيق عملي، على أسس تقنية عالية، تمكِّن من ريادة آفاق، واكتشاف عوالم، وقواعد، وقوانين، وتوفير حاجات ومنتجات المتقدمة في الميادين كلها، المدنية والعسكرية، حيث تتوافر مقومات البقاء والحماية والأمان والصحة والحرية والسعادة والازدهار، في ظل التقدم والتطور، والأمن من جوع وخوف.

فإذا شكّل الفكر الديني عائقًا في وجه تقدم الإنسان ونمو قدراته، توجب طرح السؤال على الفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين، وليس على الدين، ووجب تقصي أسس الفهم والتفسير والتأويل والتدبَّر والتدبير والعمل وفق علم ومنهج وضمير. وقد فتح القرآن أمامنا أفق التجاوز بالعلم والإيمان من دون حدود، حيث جاء النص في قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾ سورة الرّحمن. والسلطان هنا علم وحجة وبرهان وعقل ومنطق ونظريات، وقدرة على الأداء حسب مناهج العلم وتطبيقاته، وبما يغذي ذلك ويطوره من معارف وعلوم ومعلومات، بإبداع وابتكار متفوقين، وسعي دائب للكشف والإبداع. وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام (اطلبوا العلم ولو في الصين) ولم يكن في الصين علم من علوم القرآن أو الحديث أو السنة أو علوم العربية، يوم ورد الحديث، مما يعزز القول بأنه جاء للحث على بذل أقصى الجهد لتحصيل المعرفة بكل أشكالها، والعلوم بكل أنواعها.. حيثما أمكن ذلك، ومهما كلف من جهد ومال وتضحيات.. وجاء ليحث على امتلاك القوة الشاملة بالمعرفة المتكاملة، كيفما تم ذلك. ورباط الخيل الذي نرهب به عدو الله وعدونا، ذاك الذي حثنا القرآن على إعداده وامتلاك زمامه، أصبح اليوم، بالتطور والتقدم العلميين والتقنيين، أصبح رباط طائرات، وصواريخ، وأقمار صناعية، ودبابات، وأساطيل بحرية، وقنابل ذكية متعددة القدرات والأنواع.. إلخ، وذلك أمر مندوب إليه دينًا وشرعًا وعلمًا وعقلًا وبقاءً وانتماء وطنيًّا وقوميًّا، لأن فيه حماية للناس والدين والقيم والأرض والحق، ممن يعبثون بذلك كلهو ويستهينون بحياة الإنسان وبحقوقه.

ولا يجوز أن يكون الخطاب الديني مصدر اعتراض على النزوع القومي، والتمايز القومي، لا عند العرب ولا عند سواهم من الأقوام، ولا سيما في ديار الإسلام.. لأن الإسلام لم يمنع التمايز القومي، بل منع التمييز السلبي، على أي أساس كان، ومنع التعصب القومي، والعنصرية بأشكالها وأنواعها، والغلوَّ، والغطرسة، والتعالي على الأفراد والأمم بسبب اللون والجنس وغير ذلك.. والحالة الاعتراضية مستمرة على التعصب والغلو والتمييز العنصري، فقد فضَّل اللهُ الناسَ بعضَهم على بعض بالتقوى، وليس بالعِرْقِ، والدَّم، واللون، والمال، والسلطان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ سورة الحجرات.

كما جعل الإسلامُ الانتماءَ إلى العروبة، انتماء ثقافيًّا رفيعًا، في صورته الإنسانية الأسمى.. حيث جاء في الحديث الصحيح: “أيها الناس إن الرَّب واحد، والأبّ واحد. ليست العربية من أحدكم بأبٍ ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي”. وهنا انتماء يتعالى على العصبية بأنواعها، وعلى العُصابية العنصرية بأمراضها وأورامها، وعلى فصائل الدّم والعرق، وعلى أشكال العصمويَّات أنَّى كان شأنها ومنشؤها.

وعلى هذا فإنه من غير المَقبول، أن يتعارض الشقّ الديني من خطابنا الثقافي مع الشقّ القومي لذلك الخطاب، ولا أن يقف الشقّ القوميّ من ذلك الخطاب، عاجزًا عن فهم حقيقة شمول الخطاب الديني لأمم وأقوام في أربعة أركان الأرض، ولا أن يفعل أيٌّ منها شيءٌ من ذلك. وهناك ضرورة لنبذ العَصبيات والعُصاب، العصبية ـ والتعصب، انسجامًا مع روح العقيدة وجوهرها وشمولها الإنساني. مع تفريق عميق بين التمايز والتمييز، فالأول مقبول، والثاني مرفوض. والأساس هو التكامل وليس التضاد، أو التناقض، أو التخاصم،أو الاجتثاث، والنفي، والمحو.. إلخ.

وهذا يفضي بنا إلى طرح موضوع التفاعل الحيوي، والتداخل العضوي بين البعد أو الشق الديني والبعد أو الشق القومي، من خطابنا الثقافي، اللذين ما انفكا في نزاع وفراق وصدام، منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى مطلع هذا القرن على نحو ما.. لدرجة خُيِّل معها للبعض أنه لا يستقيم حال الأمة إلا بنفي أحد الخطابين للآخر؟! وكأنهما ضدان أو خطَّان متوازيان لا يلتقيان، مع أن الواقع والمعطيات القومية والتاريخية والدينية تشير إلى غير ذلك. إن هناك عِلَّة، وهي في مكان آخر، وتفتك بالطرفين، إذ تجرهما إلى وضع شاذ.

وسبل الخروج مما تشعر به الأمة من تآكل، وتفتت في إرادتها، وما تلاقيه من مآزق وأزمات وضعف وتهافت، واستهانة بما هو أبعد وأرفع من مصالحها وحقوقها، أقصد هويتها وعقيدتها ووجودها، وما في خطاباتها مما يحتاج إلى غَرْبَلَة ومراجعة مسؤولة، وإدراك عميق… ناتج في معظمه عن تفرق أو تضاد في العمق، وعن تدخل خارجي هدام فعَّال، وعن تبعية متعددة الشُّعَب، وعن خلل في جوهر ما يكوِّن مقومات الخطاب، وما يعتريه من أمراض، وعن استهانة بالمعرفة تجعل السطحية تسود وتفرض نفسها علمًا، وخطابها دينًا، وعن تهافت مجتهدين على أعتاب مُسَلَّطين، اشتروا الدنيا بالدين. وقد ساهم ذلك كله في صُنْعِ وتغذية خطاب يجعل العروبة في مقابل الإسلام، والإسلام في مقابل العروبة.. فأضعف الطرفين ونال منهما، وجعل أعداء الأمة يستبشرون بتحقيق انهيارهما في هذا القرن الحادي والعشرين، كما أعلن بعض الغربيين في مطلع التسعينيات من القرن العشرين: “.. كما شهد القرن الحالي انهيار الماركسية والشيوعية، سوف يشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام”، فجاء خطاب المذاهب ليضعف الإسلام، ويحيي الفتنة، وينشر نارها في البلدان.

نقول لأعداء الأمتين دور؟! نعم، وأيّ دور. ولكن ماذا نتوقع من عدونا؟! ولا يكون ذلك الفتك كله بنا، وبأيدينا، من غير أن نكون نحن شركاء فيه، ومن غير أن تمزق سكاكيننا أحشاءنا وبأيدينا؟! إنني أشك بذلك شكًّا مطلقًا، فمعظم مداخل أعدائنا إلى ساحاتنا كانت تتم: لضعف فينا، وقصور عن فهم حقائق ديننا، وما لدينا، وعصرنا، وما حولنا، وما ينبغي لنا أن نفعل.. وعن تواطؤ من بعضنا ضد بعض، الأمر الذي مزّقنا، وأضعف الكل، وأنتج خطابات ليست هي الخطابات، الأمر الذي عمق جذور الخلافات، وأشاع النائبات، وأوردنا المهالك.

إننا في المحنة، وفي نار الفتنة الآن، والخطاب هو الخطاب.. ونحن بحاجة ماسة، للخروج مما نحن فيه، ولبناء ما يجب أن نكون عليه.. بحاجة إلى خطاب ديني، أصيل يفهم الأصول ولا يجافيها، ويسند الخطاب الثقافي والسياسي، ويصحح ما ينبغي أن يُصَحّحَ، ويساهم في التربية والتعليم والتكوين، على أسس سليمة من فهم الدين، وتطبيق لذلك الفهم سلوكًا وعملًا، سياسة واجتماعًا، اقتصادًا وعلمًا ينمي كل العلوم، وينهض بالأمة، التي ضَعُفت فيها الأخلاق، وزُلْزِلِت القيم، وتفتت الأسر، وتهافت المجتمع، وانحل فيه الكثير مما فيه بقاء الأمم وبناء الدول.. خطاب عدل وحق وحرية وجرأة وصدق، لا يكون عونًا لسلطة متسلطة على شعب مظلوم، ولا فتاوى تزِّين اتباع الأعداء، وإرخاص الشعوب والأوطان تحت ضغط الخاص، والقاسي من الأوضاع.. يقف ضد انتهاك الحقوق والحريات، ويكون أحرارًا، فالحر يبني ويُحرر، والواجب أن يتحرر العبد ليكون.

إن التغيير بوعي ومسؤولية أخلاقية، ضرورة حيوية، لا سيما في ظروفنا هذه.. والمؤمن مسؤول عن خطاب الضرورة، وعن الحالات التي تفرضها، ليخرج الناس من الظُّلمات إلى النور.. وكلٌّ منا مسؤول أمام الله، وأمام ضميره، وأمته، ووطنه.. ولا تغيير إلَّا بتغيير.. فالله، جلَّ من قائلٍ، يقول في سورة الرَّعد: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ يَحفَظونَهُ مِن أَمرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم وَإِذا أَرادَ اللَّـهُ بِقَومٍ سوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُم مِن دونِهِ مِن والٍ ﴿١١﴾.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل

News image

أكد مجلس الوزراء السعودي تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز السبت القادم مشر...

صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد

News image

أعلنت جماعة انصار الله عن تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلف...

نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية

News image

أعلنت مصادر فلسطينية أن جثمان العالم في مجال الطاقة فادي البطش المنتمي إلى «حركة الم...

الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو

News image

تستجوب الشرطة الكندية السائق المشتبه بأنه استأجر شاحنة دهست عددا من المشاة في شمال تور...

ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي

News image

توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي الذي وافقت على...

روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية

News image

طرحت روسيا أثناء جلسة خاصة في مجلس الأمن الدولي عقدت اليوم الثلاثاء، خطة شاملة تضم...

البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية

News image

الخرطوم - قالت وكالة السودان للأنباء الخميس إن قرارا جمهوريا صدر بإعفاء وزير الخارجية ابر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

المسرح في أدب صدقي إسماعيل ١ ـ ٢

د. علي عقلة عرسان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كان صدقي إسماعيل “1924-1972″، رحمه الله، نسيج وحده فيما كتب من مسرحيات، لم يتتلمذ...

حين تفعل الثقافة فعلها

د. عبدالحسين شعبان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  لم تكن مدينة أصيلة، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في الع...

«بسطة الكتب»

د. توفيق السيف

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كل حديث عن الثقافة في مجتمعنا، يستدعي ديباجة ثابتة، من نوع أن العرب لا يقر...

كالى وشيفا

جميل مطر

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كثيرا ما تحدثنا فى إحدى مجموعاتنا الكلامية عن تطور العلاقة بين المرأة والرجل عبر ال...

الصحفي جابرييل ماركيز

د. حسن مدن | الاثنين, 23 أبريل 2018

  أمر يُسعد كتاب الصحافة، وأنا أعد نفسي واحداً منهم، في صورة من الصور، أن مبد...

رأي ابن رشد في القضاء والقدر أو (التجويز)

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  لقد كان للفيسلوف العربي العقلاني ابن رشد, موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر...

قصة واقعية من قصص النكبة :أبطالها من مدينة اللد - آخر مدن الصمود

دينا سليم

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  التقيت به في أمريكا أواخر سنة 2016 وتحديدا في سان فرنسيسكو عندما قام بزيارة...

مراجعة كتاب: "كيف تقول وداعاً"

بشارة مرهج

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  اشهد أن هذا الكتاب "كيف تقول وداعاً" جذبني ثم أسرني ثم قيدني بخيوط غير مر...

نسيم الشوق: أحبها لكنها من دين مختلف

سامي قرّة | الأحد, 22 أبريل 2018

لا تقل الحرية من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية أهمية عن الحرية من الظلم والاحتلال. هذه هي ...

أنَا أُحِبّكِ

د. عزالدين ابوميزر | الأحد, 22 أبريل 2018

أنا أحبّكِ لا تَسأليني فقد مَزّقتُ أشرعتي وَبينَ كَفّيكِ ق...

حين هبت رياح حبك

شاكر فريد حسن | الأحد, 22 أبريل 2018

لا أذكر كيف تعانق القلبان ولكني أذكر عندما...

بورتريه عربي لماركيز

د. حسن مدن | الأحد, 22 أبريل 2018

  حكى جابرييل ماركيز أنه كان لاجئاً، بمعنى من المعاني، في باريس فترة حرب التحرير ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم10441
mod_vvisit_counterالبارحة26663
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع99693
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي215791
mod_vvisit_counterهذا الشهر846167
mod_vvisit_counterالشهر الماضي972375
mod_vvisit_counterكل الزوار52978599
حاليا يتواجد 1878 زوار  على الموقع