موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مسيرة ضخمة في لندن تطالب بالاعتذار عن "وعد بلفور" ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين يأمر بتشكيل لجنة لـ«حصر جرائم فساد المال العام برئاسة ولي العهد ::التجــديد العــربي:: أمر ملكي: إعفاء وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله و عادل بن محمد فقيه وزير الاقتصاد والتخطيط و قائد القوات البحرية الفريق عبد الله السلطان ::التجــديد العــربي:: النيابة العامة الإسبانية تطلب مذكرة توقيف أوروبية لبيغديمونت ::التجــديد العــربي:: قوات الدفاع الجوي تعترض صاروخًا بالستيًّا باتجاه الرياض ::التجــديد العــربي:: الحريري يستقيل ويعلن عن مؤامرة لاغتياله ويرجع قراره لمساعي إيران 'خطف لبنان' وفرض الوصاية عليه ::التجــديد العــربي:: الصين تبني سفينة ضخمة لبناء الجزر ::التجــديد العــربي:: ترامب يتطلع لطرح أسهم أرامكو في بورصة نيويورك ::التجــديد العــربي:: مصر تخطط لإنشاء ميناء جاف بكلفة 100 مليون دولار ::التجــديد العــربي:: أستراليا ضيف شرف مهرجان القاهرة السينمائي ::التجــديد العــربي:: 90كاتبا يتدفقون على معرض الكتاب الفرنكفوني في بيروت ::التجــديد العــربي:: الفاكهة والخضراوات الملوثة بمستويات عالية من آثار المبيدات الحشرية تعرض النساء للعقم والإجهاض او تضر بالإنجاب ::التجــديد العــربي:: تلوث الهواء يصيب أكثر من 10 ملايين بأمراض الكلى سنويًا ::التجــديد العــربي:: برشلونة يحلق منفردا بقمة الدوري الاسباني و اتلتيكو يتقدم على ريال ::التجــديد العــربي:: بايرن ميونيخ يعود من أرض دورتموند بنقاط الفوزو- لايبزيغ الى المركز الثاني ::التجــديد العــربي:: إنشاء قاعدة عسكرية تركية أولى في سوريا ::التجــديد العــربي:: هنية يدعو إلى مواصلة المصالحة ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال رداً على المجزرة فيما شيع آلاف الفلسطينيين في عدد من المناطق أمس جثامين سبعة شهداء سقطوا في قصف للنفق من قبل طائرات الاحتلال ::التجــديد العــربي:: هجوم مانهاتن: ترامب يأمر بتشديد الرقابة على دخول الأجانب إلى أمريكا و«سي إن إن» تكشف هوية المشتبه به ::التجــديد العــربي:: تكليف رئيس الوزراء الكويتي بتشكيل حكومة جديدة ::التجــديد العــربي:: الجيش المصري يعلن مقتل بعض إرهابيي هجوم الواحات وعن تدمير ثلاث عربات دفع رباعي محملة بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر ::التجــديد العــربي::

هنريك إبسن.. وأنموذجان بشريان

إرسال إلى صديق طباعة PDF


أنموذجان بشريان مُتضادان عَرضهما الكاتب النروجي الشهير هنريك ابسن، في مسرحيتين قدم فيهما صورة عن أبناء عصره، ودعوة عامة للناس، وهو الذي عاش حياته الممتدة بين عامي 1828- 1906،

في حرب مع التقاليد والعادات والمعتقدات والظروف السيّئة في بلاده، وأمسك معول الهدم من أجل البناء، فهدم وبنى.. تزوج، وأنجب أطفالاً، وارتكب أخطاء، وأتى أعمالاً حسنة، وذاق البؤس والسعادة، وتألم وفرح.. وذهب كل ذلك أدراج الرّياح.. لكن بقي لنا منه ما لا يذهب به الموت، بقي لنا الإحساس الإنساني المنبثق من ضمير حي، ومن روح مثالي يسعى إلى الكمال، ومن التزام بمجتمع سوي.. وبقي لنا إبسن الشاعر والأديب والمسرحي اللامع، والمصلح الاجتماعي.

والنموذجان اللذان عَرضهما ابسن في مسرحيتيه: “براند” و“بيير جنت”، هما نموذجان موجودان في كل بلد، وفي كل عصر. أحدهما غاية في التّشدد والتطرف الديني “الأخلاقي”، الذي لا يسمح لنأمة تدعو إلى سلوك يستظل بالاعتدال، ليفضي إلى الانحلال.. هو القس براند الذي يضحي بأفراد أسرته، فضلاً عن “مسرَّات الحياة”، لكي يكون أنموذج المسيحيّ المتديّن، المتَّبع بصرامة وإخلاص للسيد المسيح، حسب رأيه ورؤيته.. وليقدِّم قدوة في الزهد، والاستقامة، والإصرار على بلوغ الغاية، مهما كانت الصعوبات، والتحديات، والتضحيات. والآخر “بيير جَنت”، أنموذج المتهالك، المتهافت، المتآكل القيم والإرادة والروح، الذي هو أقرب ما يكون إلى الانحلال منه إلى التحلل من كل قيد ديني وأخلاقي واجتماعي.. وسلوكه واهتمامه، بنظري، يكادان يُرْهِصان بسلوك العبثيين، والهيبيين، الذين ظهروا في الأوساط الأوروبية خاصة، والغربية عامة، في عقود زمنية لاحقة. فقد كتب ابسن مسرحيته “بيير جنت”، قبل أن يكتب ألفرد جاري مسرحية “أوبو الملك”، التي تعتبر من أوائل المسرحيات التي أرهصت بمسرح العبث واللامعقول.

أتوقف اليوم عند هذين الأنموذجين، وفي هذا الزمن بالذات، الذي تمر به منطقتنا، وأمتنا، ونعيش أحداثه، وتناقضات سلوك الناس فيه، وذهاب بعض الناس في التشدد والتطرف والغلوِّ إلى مدى بعيد، من جهة.. وذهاب البعض الآخر منهم إلى التحلل من الدين، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، ومن المسؤوليات بأشكالها وأنواعها، حيث يصل أولئك، أو بعضهم، إلى حدود رفض الدين، والخلُق، والقيم الاجتماعية، والعيش في الوهم والخرافة، والتهتُّك، وتتدنّى المستويات والغايات والاهتمامات، والهمم، والعزائم، والتفكير، عندهم، ومن ثم يبلغ البعض منهم حدَّ الابتذال والانحلال. وفي مثل هذا المجتمع، وفي مثل هذا المناخ.. يغيب الاعدال، وتضمُر الوسطية، وتضمحل فعالية الناس “الوسط”، ويتعرَّضون للتآكل والتواكل والمعاناة.

في مسرحية “بييرجنت” يحملك إبسن على أجنحة الخيال، ويطوف بك الدنيا، في رحلة تكشف الحياةَ نفسها. كان بطلها “بييرجنت”، مثالاً للسلبية.. شخص فارغ تافه، يحلم ويحقق كل ما يريد عن طريق الحلم، ولا يبني في الحياة أو من أجلها شيئاً بالعمل.. طاف العالم وذهب إلى مصر، وتزوج الفتاة التي أحبها، حيث خطفها كالفارس العنيد من حضن زوجها، ليلة الزفاف، وعاش منعّماً.. فعل كل هذه الأشياء بشطحات خياله.

وبعد أن رسم إبسن لنا هذه الشخصية الفارغة، جعل حَداداً يتقدم من بييرجنت وبيده مطرقة عظيمة ومغرفة ويقول له: “بييرجنت إنك لا تستحق شيئاً في الحياة.. بل أنت لا تستحق الحياة نفسها، فماذا أفعل بك؟ سأطرقك بهذه المطرقة حتى أحيلك إلى عدم، لأنك عبء على الحياة والأحياء.”. ويعيش بييرجنت مع هذا الحَدّاد حلماً مرعباً، كأنه كابوس مهلك، ويرى خلال هذه المقابلة، ويعرف، من هو، وماذا يستحق.

ويكفي أن يقول بيرجنت، في مرحلة من هذه المسرحية، حين يعطيه الحَدَّادُ، الذي يمثل له عزرائيل، “فرصةً” أخرى، ليحضر فيها شاهداً يستفيد منه بعد الموت: “الوقت من ذهب هكذا يقول الكاتب الطبيب.. لو قد عرفت فقط، أين يقع مفترق الطريق؟ قد يكون قريباً، وقد يكون بعيداً. الأرض تحترق كالحديد الأحمر. شاهد.. شاهد. أين أجدُ شاهداً؟ ألن أجد شاهداً هنا في أعماق العامة. إن عالماً يضطر المرء فيه إلى إثبات حقوقه، وهي واضحة كالشمس، لهو عالم خَرِب.. سيء الإدارة”.. يكفي أن يقول لك “بييرجنت” ذلك، حتى يشعرك بخلاصة تجربته في الحياة، التي بدأت بالخيال، وبناء قصور فوق جبال الأحلام، وأراد الإنسان بيير أن يحقق فيها كل ما يريد، من خلال اندفاع انفعالي عاطفي، معتمداً أساليب الجان، والكذب، والادعاء، والمغامرة، والغدر، والتضليل، و.. و… إلى أن يعود، وقد تقدمت به السن، يعود إلى أرض الواقع والانتماء، بعد جولات في مدن التاريخ القديم، وفي الماضي الحضاري للإنسانية.. يعود منهكاً، ليلقي الموت من دون أن يقدم لنفسه الزاد الكافي للآخرة. إنه يريد أن يهرب.. ولكن إلى أين، ولات حين مناص. فقد واجهه الحَدَّادُ الذي يريد أن يصهَرَه، لأن طبيعته تلِفَت، ولا بد من إعادة صوغه مع آخرين، لإيجاد بشر أكثر جدة وقدرة وحيوية، يخوضون لعبة الحياة من جديد، بسلامة واقتدار.

وبهذه اللفتة البارعة يعطي إبسن، بكل عنف شخصيته وعمقها، درساً لشباب النرويج الذين عجزوا عن أن يكونوا شيئاً في الحياة بنظره في ذلك الوقت، وأحجموا عن مساعدة إخوانهم في الدانمرك، ولم يهبوا لنجدتهم حينما اعتدى عليهم معتد. ولهذا لقَّنهم إبسن درساً، برسمه شخصية بييرجنت.. فأوضح لهم أن السلبي الحالم الفارغ، لا يستحق حتى أن يُطرق بمطرقة حَدَّاد عامل.

ويمكن أن نعتبر مسرحية بيير جنت وشخصيته، الوجه النقيض لمسرحية براند وشخصيته. فإبسن يعرض النقيضين في الحياة، ويضرب الاثنين، براند وبييرجنت، ويلطمهما، لأنه يرى أن كليهما لا يصلح للحياة، وأن على الإنسان أن يكون معتدلاً ليعيش.. فلا السلبية والميوعة وعيش الوهم يصنع رجلاً يبني الحياة، ولا الصلابة المطلقة والمثالية الخالصة تؤهلان الإنسان للحياة، بسعادة واتزان وأمان.

في مسرحية “براند” نحن أمام مواقف، وآراء، ومواجهات فكرية، تتصل بالحياة، والممارسات، والتوجهات، وبنظريات دينية وفلسفية، ويرد عليها، أو يتعامل معها إبسن، باقتدار. لقد تأثر إبسن بالفيلسوف الوجودي المؤمن سورين كيركغارد Kierkegaard ونهل من فلسفته كثيراً، ولكنه ناقشه ورد على جوانب من فلسفته، بمسرحية “براند”، وأنا أرى أن هذه المسرحية رد قاس على التزمت الروحي والتصوف القاسي الخالص، وعلى التطبيق الحرفي المتطرف، لفهم قد يكون مغلوطاً، لمبادئ الدين المسيحي، التي كان ينادي بها كيركجارد، فيلسوف الدانمرك.

براند قسيس متزمت.. أخلاقي روحي.. لا يقبل المساومة في مبادئه، يؤمن بالخير والحق والسماء، ويريد أن يجعل الناس كلهم ملائكة على الأرض، ويدعو إلى تطبيق المبادئ المسيحية بكل صلابة، من خلال تصرفاته.. فهو الفرد الفريد المثالي الإيجابي. أخذ براند يدعو إلى نبذ كل ما هو دنيوي، وإلى التنسك والزهد، وابتذال الحياة الدنيا بوصفها عَرضاً زائلاً، ودعا إلى العمل والسعي وراء الآخرة، التي هي الجوهر والخلود، وحثّ الناس على أن يسيروا معه ليبحثوا، وليصلوا إلى ما وصل إليه المسيح، من عذاب وتطهر. ولم تجد المقاومة التي لقيها براند من قبل ممثل الكنيسة الحكومي الذي كان يدعو إلى أن يوازن الإنسان بين الدين والدنيا، ويقبل المساومة ويرضى بأنصاف الحلول.

ولم تجدِ معارضة أصحاب الحِرَف ومختار القرية ومقاومتهم لبراند، ومحاولة صدِّه عن غايته ودعوته، فسار وسارت خلفه جموع الشعب ينشدون الله والعمل الفاضل في الجبال والصحارى.. يعيدون بمسيرتهم إلى الأذهان طريق الآلام.. والصليب الثقيل الدامي.. وجبل الجلجلة.. والمسيح المضحي. وصبروا جميعاً.. وكانت تلوح أمام براند بين الفينة والفينة “غورد” الفتاة التي تشبه حمامة تحط على المرتفعات - وهي تمثل بنظري كل خبرات التصوف في الشرق- تحدوه وتشحذ همته للسير قدماً، حتى يبلغ الغاية المنشودة، وهي: معرفة الحقيقة، وكشف المجهول، والوصول إلى سرِّ الخالق، والذوبان في الله.

ولكن الناس لم يواصلوا السير وراء براند، بعيداً عن الدنيا ومتاعها الزائل، وفضلوا العودة إلى الحياة، إلى منازلهم. وساروا وراء ممثل الكنيسة الذي يستغل الدين وتعاليم الكنيسة في توطيد دعائم الحكم وإخضاع الناس لسلطة الحاكم.. الشيء الذي نبذه براند وخرج عليه.

وواصل براند سيره وراء لَمْعِ البرق، لكي يصل إلى الحقيقة.. ولكن الطريق لم تصل به، فما لبث أن أنحدر عليه انهيار ثلجي حطمه تحطيماً. وقبل ذلك رأى طائراً ينثر ريشه الأبيض في الهواء، وكأنه يمثل الفراغ وجدب المسعى، وسمع براند من وراء الأفق صوتاً عظيماً يردد: “إن الله هو المحبة.. إن الله هو المحبة”.

وقد أكدت رحلة براند الصعبة، في نفس إبسن، أشياء ظهرت فيما بعد، ولكن براند هذا الذي يقول عنه جورج برناردشو “إن براند يموت قديساً، بعد أن سبب بقداسته عذاباً أشد عنفاً، مما سببه أعظم آثم مطبوع على الشر، لو سنحت له ضعف الفرص التي تأتت لبراند“، براند هذا أكد في نفوسنا رداً مقنعاً، على عقم الروحية المطلقة، وعقم التمسك بحرفية الأخلاق والتزمت أو التطرف الديني.

كان براند في نضاله الصلب، ونظامه القاسي الذي فرضه على نفسه وعلى أتباعه، يشعر في بعض الأحيان بخوَر العزيمة، وبأنه يفرض على نفسه شيئاً لا يرضاه الله، ولكن هذا التفكير لم يكن ليدوم في ذهن براند أكثر مما يدوم ومض البرق في الأفُق.. فما تلبث الإرادة المصممة، والروحية المغالبة، والأخلاق المعالية، أن تشد براند إلى عالم العمالقة، فيسير غير آبه بحياته أو حياة ذويه وتابعيه. فقد مات ابنه وماتت زوجته، ولم يحاول أن يبتعد بهما عن طريق الآلام، ويجنبهما المرض، خوفاً من أن يقال إن براند أخذته المنافع، وحرص على خصوصياته، فترك الشعب.

كان يقضي أوقاته ذهاباً إياباً من بيت إلى بيت ليساعد الناس ويهديهم.. قطع نهراً متجمداً خطراً كي يصلي على روح ميت، في حين جبن أقرب الناس للميت عن مرافقة براند في رحلته الخطرة عبر النهر. وعادى براند أمه، ولم يحضر وفاتها إلا بشرط واحد، وهو أن تتخلى عن كل ما تملك في سبيل الله، وتوزعه على الفقراء. وهكذا كان شديداً على نفسه ليضرب المثل الحي، للذين يناديهم ويدعونهم للسير خلفه.

يرى بعض النقاد مسرحية براند وشخصية براند بالذات في المسرحية، مثالاً على الرجولة والصلابة وقوة الإرادة، ضربه إبسن لأبناء أمته كي يتخذوه قدوة، وأميل إلى النظر إلى هذه المسرحية على أنها رد منطقي على فلسفة كير كغارد الفردية، وعلى فلسفة هيغل الاوتوقراطية، وأنها تجربة عاشها إبسن في شبابه، حين كان نهباً بين الروحية المطلقة واندفاع الشاعر خلف المثل، وبين الواقع المر وقسوة الحياة.. تجربة أخلاقية وعملية في دنيا الأحياء، وتجربة فنية لكاتب مسرحي ناشئ، ولشاعر مرهف الحس، يعيش في مجتمع يساوم أفرادُه.. وتجربة مصلح اجتماعي يهمه بالدرجة الأولى أن يرتفع بشعبه إلى مراتب السمو. ويجب ألا نهمل بأي حال من الأحوال، نظرة إبسن لدور الدين والكنيسة في الحياة. تلك النظرة التي حاول صاحبها ألا يكون قاسياً متزمتاً مثل براند، ولا متهاوناً مساوماً مثل ممثل الكنيسة الحكومي الذي يرى الدين خادماً يؤيد مطالب الحاكم، ويؤمّن سلطته، ويقنع الناس بوجوب الخضوع لتلك السلطة وتقديس شرعيتها. إن إبسن يرى الله في المحبة، وأن كل ما يوافق الطبيعة الإنسانية ويرتفع بالإنسان روحياً هو خير.

وإبسن يوافق كيركجارد Kierkegaard إلى حدٍّ بعيد، في نظرته إلى الدين كعلاقة روحية ذاتية بين الإنسان والخالق، يصل إليها الفرد عن طريق المعاناة والكشف الذاتي، والتمرس الروحي بآلام التجربة، والتأمل في روعة الوجود. ولكنه لا يرضى أن ينصرف الإنسان كلياً إلى التصوف المطلق، ويهمل الجوانب الحيوية الدنيوية والمادية في الحياة.

كما أن إبسن لا يؤيد رأي براند، بل يرى رأياً مضاداً تقريباً. فرأي إبسن أن الكنيسة لا تمنح الدين أو تأخذه.. كما أنها، بوضعها الذي رآها عليه آنذاك، لا يمكن لها أن تهدى الناس إلى الله، وما على الإنسان إلا أن يقيم كنيسة في قلبه، ويعرف الله ويعبده عن طريقها، وبواسطة التواصل بين الله وذاته، عن طريق تجربته وألمه. وهذا الرأي، وإن كان فيه شيء كثير من كير كجارد، إلا أن إبسن صوّر في المسرحية المصير الذي يبلغه الإنسان، إذا طبق نظرية المتصوفة المغالين، ومنهم “كيركجارد”، بحرفيتها.

وبعد فإن إبسن قدم المثل الأعلى لأبناء بلاده في الخُلق والمثالية والصلابة في شخصية براند، وصور لهم السلبي، أو صورهم في شخصية بييرجنت، فأوضح السلبية والميوعة وعيش التفاهة على أحلام وأوهام يسبح بها الخيال، فينقل الفرد إلى عوالم الوهم، حيث لا تقابل رغباته بأي مانع، من أي نوع.

ومن هاتين المسرحيتين، ”براند، وبيير جنت”، نحس عنف معركة البناء الذاتي.. ومخاض النضج الذي عاشه إبسن، وهو على مشارف النضج، إذ كان يرى أمامه مثالين للرجل: المثال الصلب العنيد الأخلاقي الروحي الخالص، والمثال السلبي الفارغ المنحل. ولم يتح إبسن لأي من هذين النموذجين الحياة والبقاء، ولم يولِه ثقته، بل حطمهما تحطيماً، وانطلق عملاقاً يسير في الحياة، ويكشف عن خطوط سيرها، ويخط الطريق، والمثال، لرجل الحياة من وجهة نظره. وتصب وجهة النظر تلك في الوسطية.. ذلك النهج الذي دعانا الله، سبحانه وتعالى، لنكونه، ونتَّبعه:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴿143﴾ - سورة البقرة. وهذا النهج، والخيار، والمنحى.. هو المُنجي من الضلال، والمُخَلِّصِ من التَّطرف والغلوِّ بأنواعهما “السلبي والإيجابي”، ومن تبعات كل منهما. وقد دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاعتدال، ونهانا عن الغلوِّ، ففي حديث لابن عباس قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”. وهو ما اتبعه النبي، ودعانا إليه، وألح علينا باتباعه.. كيلا نسلك مسلك المُنْبَتِّ، الذي “لا أرضاً قطعَ، ولا ظهراً أبقي”.. فنُهْلِكَ، ونَهْلَك.

 

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

خادم الحرمين يأمر بتشكيل لجنة لـ«حصر جرائم فساد المال العام برئاسة ولي العهد

News image

أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز اليوم (السبت)، بتشكيل لجنة لـ«حصر الجرائم وال...

أمر ملكي: إعفاء وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله و عادل بن محمد فقيه وزير الاقتصاد والتخطيط و قائد القوات البحرية الفريق عبد الله السلطان

News image

  أصدر الملك سلمان، مساء السبت، أمرا ملكيا بإعفاء وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن ...

النيابة العامة الإسبانية تطلب مذكرة توقيف أوروبية لبيغديمونت

News image

طلبت النيابة العامة في إسبانيا إصدار مذكرة توقيف أوروبية في حق الرئيس المعزول لكاتالونيا كار...

قوات الدفاع الجوي تعترض صاروخًا بالستيًّا باتجاه الرياض

News image

الرياض- صرح المتحدث الرسمي لقوات تحالف دعم الشرعية في اليمن العقيد الركن تركي المالكي أنه...

الحريري يستقيل ويعلن عن مؤامرة لاغتياله ويرجع قراره لمساعي إيران 'خطف لبنان' وفرض الوصاية عليه

News image

بيروت - أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته السبت في كلمة بثها التلفزيون وقا...

الصين تبني سفينة ضخمة لبناء الجزر

News image

بكين - دشنت الصين سفينة ضخمة وصفت بانها "صانعة الجزر السحرية" وتعد أكبر سفينة تجر...

إنشاء قاعدة عسكرية تركية أولى في سوريا

News image

ذكرت مصادر سورية أن تركيا استكملت إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية الأولى لها من بين ثمانية ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

لويجي برانديللو.. الحقيقة والحياة ١ ـ ٢

د. علي عقلة عرسان

| الثلاثاء, 21 نوفمبر 2017

  في المسرح اليوناني القديم، كان الممثل يضع على وجهه قناعاً، عندما يقوم بالتمثيل، وكان ا...

صناعة الإنسان: بين أنبل المُثل وأنواع السقوط والفشل..!؟

د. عبدالله القفاري

| الاثنين, 20 نوفمبر 2017

  إننا إزاء أناس قادرين على أن تضم نفوسهم تناقضات تستدعي التساؤل، حيث ترنو بأبصار...

سلطة الإلزام بين التعاليم والآراء

د. عبدالاله بلقزيز

| الاثنين, 20 نوفمبر 2017

  للدين، عند المؤمنين، سلطةٌ معنويةٌ، ابتداءً، قبل سلطته المادية عليهم، وهي ممثَّلَة في ما قدّ...

رحلت بلادك في بلادي

محمد علوش | الأحد, 19 نوفمبر 2017

-1-   لست وحدك يا طفل المغارة...

خاتون بغداد في “رواية”

وليد الزبيدي

| الأحد, 19 نوفمبر 2017

  فرحت لفوز الكاتب العراقي الدكتور شاكر نوري في مسابقة كتارا للرواية العربية بالجائزة الأولى...

الأشواقُ تتضاعفُ في زنازينِ فردوسها

كريم عبدالله | الأحد, 19 نوفمبر 2017

كثيراً ما يقلقُ الصباح ألوانهُ الباهتة تفسدُ طمأنينة أجراس القصائد المدّخرةِ ﻟ يومٍ تشخصُ فيه...

وأجلسها مكانه

نايف عبوش | الأحد, 19 نوفمبر 2017

قصة قصيرة خرج من قاعة المحاضرات مرهقا.. حزم ملابسه المتسخة في حقيبته.. فاليوم الخميس نها...

تكريم جمعية “أسوار عكا” للثقافة في رام الله، هو تكريم لمؤسسيها يعقوب وحنان حجازي

شاكر فريد حسن | الأحد, 19 نوفمبر 2017

  كرم وزير الثقافة الفلسطيني د. ايهاب بسيسو في مدينة البيرة - رام الله، هذا ...

فصل من سيرتي- كيف فقدت عيني؟

جميل السلحوت | الأحد, 19 نوفمبر 2017

أثناء سهرة زفاف أخي الأكبر محمد، وابني عمّي اسماعيل موسى في ربيع العام 1955، بنو...

معادلة بحث عن العدالة

كرم الشبطي | الأحد, 19 نوفمبر 2017

شاهدت القمر بروح الأنثى جمال وسحر وبسمة لا تنسى ...

في المعتقل: محمد جلول كمال جلول...

محمد الحنفي | الأحد, 19 نوفمبر 2017

محمد جلول... في السحن... كمال جلول......

الكائنات السعيدة

فاروق يوسف

| الأحد, 19 نوفمبر 2017

  فجأة يقرر رفقي الرزاز، وهو رسام مصري، بأريحية وكرم خرافي أن يهديني عددا من لوح...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم12160
mod_vvisit_counterالبارحة31342
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع77704
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي223255
mod_vvisit_counterهذا الشهر812324
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1251282
mod_vvisit_counterكل الزوار47125994
حاليا يتواجد 2343 زوار  على الموقع