موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
البرلمان الكوبي يختار ميغيل دياز-كانيل المسؤول الثاني في السلطة الكوبية مرشحا وحيدا لخلافة الرئيس المنتهية ولايته راوول كاسترو ::التجــديد العــربي:: عودة 500 لاجئ سوري طوعا من بلدة "شبعا" جنوبي لبنان إلى قراهم وخصوصاً بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن ::التجــديد العــربي:: "خلوة" أممية في السويد حول سوريا ::التجــديد العــربي:: روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية ::التجــديد العــربي:: اردغان يفاجى المعارضة: الاعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران المقبل ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: التحضير للقاء أستانا التاسع حول سوريا مستمر ::التجــديد العــربي:: الخارجية الأمريكية: لا نسعى للمواجهة مع روسيا في سوريا لكننا مستعدون لاستخدام القوة حال تطلب الأمر ::التجــديد العــربي:: النفط عند أعلى مستوى منذ نهاية 2014 ::التجــديد العــربي:: صفاقس التونسية تشهد العديد من الفعاليات الثقافية ::التجــديد العــربي:: مهرجان دبي السينمائي يعدّل موعد تنظيمه الدوري ::التجــديد العــربي:: النشاط الجسدي يحمي المسنين من السقوط أكثر من الفيتامينات ::التجــديد العــربي:: الفيفا يعتزم إلغاء كأس القارات والاستعاضة عنها بمونديال الأندية ::التجــديد العــربي:: تحديد موعد إقامة كلاسيكو إسبانيا بين الغريمين برشلونة وريال مدريد في السادس من مايو المقبل على ملعب "كامب نو" معقل الفريق الكتالوني ::التجــديد العــربي:: الجنائية الدولية تجري استقصاء مبدئيا حول أحداث غزة ::التجــديد العــربي:: لبنان يستعد لانتخابات برلمانية بتحالفات جديدة ::التجــديد العــربي:: 'يوم الأسيرالفلسطيني' : 6500 سجين يقبعون في الاعتقال من ضمن مليون فلسطيني مروا من سجون الاحتلال، نحو خمسون منهم مر اكثر من خُمس قرن على أسرهم ::التجــديد العــربي:: السودان ينسف جهود التهدئة مع مصر بشكوى في مجلس الأمن يأتي ردا على تنظيم القاهرة اقتراع الرئاسة في مثلث حلايب المتنازع عليه ::التجــديد العــربي:: الجيش المصري يعلن القضاء على أمير تنظيم داعش في عملية مداهمة لعدد من المناطق الجبلية الوعرة وسط سيناء ::التجــديد العــربي:: كوبا تستعد لانتخاب بديل لعهد كاسترو ::التجــديد العــربي::

هنريك إبسن.. وأنموذجان بشريان

إرسال إلى صديق طباعة PDF


أنموذجان بشريان مُتضادان عَرضهما الكاتب النروجي الشهير هنريك ابسن، في مسرحيتين قدم فيهما صورة عن أبناء عصره، ودعوة عامة للناس، وهو الذي عاش حياته الممتدة بين عامي 1828- 1906،

في حرب مع التقاليد والعادات والمعتقدات والظروف السيّئة في بلاده، وأمسك معول الهدم من أجل البناء، فهدم وبنى.. تزوج، وأنجب أطفالاً، وارتكب أخطاء، وأتى أعمالاً حسنة، وذاق البؤس والسعادة، وتألم وفرح.. وذهب كل ذلك أدراج الرّياح.. لكن بقي لنا منه ما لا يذهب به الموت، بقي لنا الإحساس الإنساني المنبثق من ضمير حي، ومن روح مثالي يسعى إلى الكمال، ومن التزام بمجتمع سوي.. وبقي لنا إبسن الشاعر والأديب والمسرحي اللامع، والمصلح الاجتماعي.

والنموذجان اللذان عَرضهما ابسن في مسرحيتيه: “براند” و“بيير جنت”، هما نموذجان موجودان في كل بلد، وفي كل عصر. أحدهما غاية في التّشدد والتطرف الديني “الأخلاقي”، الذي لا يسمح لنأمة تدعو إلى سلوك يستظل بالاعتدال، ليفضي إلى الانحلال.. هو القس براند الذي يضحي بأفراد أسرته، فضلاً عن “مسرَّات الحياة”، لكي يكون أنموذج المسيحيّ المتديّن، المتَّبع بصرامة وإخلاص للسيد المسيح، حسب رأيه ورؤيته.. وليقدِّم قدوة في الزهد، والاستقامة، والإصرار على بلوغ الغاية، مهما كانت الصعوبات، والتحديات، والتضحيات. والآخر “بيير جَنت”، أنموذج المتهالك، المتهافت، المتآكل القيم والإرادة والروح، الذي هو أقرب ما يكون إلى الانحلال منه إلى التحلل من كل قيد ديني وأخلاقي واجتماعي.. وسلوكه واهتمامه، بنظري، يكادان يُرْهِصان بسلوك العبثيين، والهيبيين، الذين ظهروا في الأوساط الأوروبية خاصة، والغربية عامة، في عقود زمنية لاحقة. فقد كتب ابسن مسرحيته “بيير جنت”، قبل أن يكتب ألفرد جاري مسرحية “أوبو الملك”، التي تعتبر من أوائل المسرحيات التي أرهصت بمسرح العبث واللامعقول.

أتوقف اليوم عند هذين الأنموذجين، وفي هذا الزمن بالذات، الذي تمر به منطقتنا، وأمتنا، ونعيش أحداثه، وتناقضات سلوك الناس فيه، وذهاب بعض الناس في التشدد والتطرف والغلوِّ إلى مدى بعيد، من جهة.. وذهاب البعض الآخر منهم إلى التحلل من الدين، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، ومن المسؤوليات بأشكالها وأنواعها، حيث يصل أولئك، أو بعضهم، إلى حدود رفض الدين، والخلُق، والقيم الاجتماعية، والعيش في الوهم والخرافة، والتهتُّك، وتتدنّى المستويات والغايات والاهتمامات، والهمم، والعزائم، والتفكير، عندهم، ومن ثم يبلغ البعض منهم حدَّ الابتذال والانحلال. وفي مثل هذا المجتمع، وفي مثل هذا المناخ.. يغيب الاعدال، وتضمُر الوسطية، وتضمحل فعالية الناس “الوسط”، ويتعرَّضون للتآكل والتواكل والمعاناة.

في مسرحية “بييرجنت” يحملك إبسن على أجنحة الخيال، ويطوف بك الدنيا، في رحلة تكشف الحياةَ نفسها. كان بطلها “بييرجنت”، مثالاً للسلبية.. شخص فارغ تافه، يحلم ويحقق كل ما يريد عن طريق الحلم، ولا يبني في الحياة أو من أجلها شيئاً بالعمل.. طاف العالم وذهب إلى مصر، وتزوج الفتاة التي أحبها، حيث خطفها كالفارس العنيد من حضن زوجها، ليلة الزفاف، وعاش منعّماً.. فعل كل هذه الأشياء بشطحات خياله.

وبعد أن رسم إبسن لنا هذه الشخصية الفارغة، جعل حَداداً يتقدم من بييرجنت وبيده مطرقة عظيمة ومغرفة ويقول له: “بييرجنت إنك لا تستحق شيئاً في الحياة.. بل أنت لا تستحق الحياة نفسها، فماذا أفعل بك؟ سأطرقك بهذه المطرقة حتى أحيلك إلى عدم، لأنك عبء على الحياة والأحياء.”. ويعيش بييرجنت مع هذا الحَدّاد حلماً مرعباً، كأنه كابوس مهلك، ويرى خلال هذه المقابلة، ويعرف، من هو، وماذا يستحق.

ويكفي أن يقول بيرجنت، في مرحلة من هذه المسرحية، حين يعطيه الحَدَّادُ، الذي يمثل له عزرائيل، “فرصةً” أخرى، ليحضر فيها شاهداً يستفيد منه بعد الموت: “الوقت من ذهب هكذا يقول الكاتب الطبيب.. لو قد عرفت فقط، أين يقع مفترق الطريق؟ قد يكون قريباً، وقد يكون بعيداً. الأرض تحترق كالحديد الأحمر. شاهد.. شاهد. أين أجدُ شاهداً؟ ألن أجد شاهداً هنا في أعماق العامة. إن عالماً يضطر المرء فيه إلى إثبات حقوقه، وهي واضحة كالشمس، لهو عالم خَرِب.. سيء الإدارة”.. يكفي أن يقول لك “بييرجنت” ذلك، حتى يشعرك بخلاصة تجربته في الحياة، التي بدأت بالخيال، وبناء قصور فوق جبال الأحلام، وأراد الإنسان بيير أن يحقق فيها كل ما يريد، من خلال اندفاع انفعالي عاطفي، معتمداً أساليب الجان، والكذب، والادعاء، والمغامرة، والغدر، والتضليل، و.. و… إلى أن يعود، وقد تقدمت به السن، يعود إلى أرض الواقع والانتماء، بعد جولات في مدن التاريخ القديم، وفي الماضي الحضاري للإنسانية.. يعود منهكاً، ليلقي الموت من دون أن يقدم لنفسه الزاد الكافي للآخرة. إنه يريد أن يهرب.. ولكن إلى أين، ولات حين مناص. فقد واجهه الحَدَّادُ الذي يريد أن يصهَرَه، لأن طبيعته تلِفَت، ولا بد من إعادة صوغه مع آخرين، لإيجاد بشر أكثر جدة وقدرة وحيوية، يخوضون لعبة الحياة من جديد، بسلامة واقتدار.

وبهذه اللفتة البارعة يعطي إبسن، بكل عنف شخصيته وعمقها، درساً لشباب النرويج الذين عجزوا عن أن يكونوا شيئاً في الحياة بنظره في ذلك الوقت، وأحجموا عن مساعدة إخوانهم في الدانمرك، ولم يهبوا لنجدتهم حينما اعتدى عليهم معتد. ولهذا لقَّنهم إبسن درساً، برسمه شخصية بييرجنت.. فأوضح لهم أن السلبي الحالم الفارغ، لا يستحق حتى أن يُطرق بمطرقة حَدَّاد عامل.

ويمكن أن نعتبر مسرحية بيير جنت وشخصيته، الوجه النقيض لمسرحية براند وشخصيته. فإبسن يعرض النقيضين في الحياة، ويضرب الاثنين، براند وبييرجنت، ويلطمهما، لأنه يرى أن كليهما لا يصلح للحياة، وأن على الإنسان أن يكون معتدلاً ليعيش.. فلا السلبية والميوعة وعيش الوهم يصنع رجلاً يبني الحياة، ولا الصلابة المطلقة والمثالية الخالصة تؤهلان الإنسان للحياة، بسعادة واتزان وأمان.

في مسرحية “براند” نحن أمام مواقف، وآراء، ومواجهات فكرية، تتصل بالحياة، والممارسات، والتوجهات، وبنظريات دينية وفلسفية، ويرد عليها، أو يتعامل معها إبسن، باقتدار. لقد تأثر إبسن بالفيلسوف الوجودي المؤمن سورين كيركغارد Kierkegaard ونهل من فلسفته كثيراً، ولكنه ناقشه ورد على جوانب من فلسفته، بمسرحية “براند”، وأنا أرى أن هذه المسرحية رد قاس على التزمت الروحي والتصوف القاسي الخالص، وعلى التطبيق الحرفي المتطرف، لفهم قد يكون مغلوطاً، لمبادئ الدين المسيحي، التي كان ينادي بها كيركجارد، فيلسوف الدانمرك.

براند قسيس متزمت.. أخلاقي روحي.. لا يقبل المساومة في مبادئه، يؤمن بالخير والحق والسماء، ويريد أن يجعل الناس كلهم ملائكة على الأرض، ويدعو إلى تطبيق المبادئ المسيحية بكل صلابة، من خلال تصرفاته.. فهو الفرد الفريد المثالي الإيجابي. أخذ براند يدعو إلى نبذ كل ما هو دنيوي، وإلى التنسك والزهد، وابتذال الحياة الدنيا بوصفها عَرضاً زائلاً، ودعا إلى العمل والسعي وراء الآخرة، التي هي الجوهر والخلود، وحثّ الناس على أن يسيروا معه ليبحثوا، وليصلوا إلى ما وصل إليه المسيح، من عذاب وتطهر. ولم تجد المقاومة التي لقيها براند من قبل ممثل الكنيسة الحكومي الذي كان يدعو إلى أن يوازن الإنسان بين الدين والدنيا، ويقبل المساومة ويرضى بأنصاف الحلول.

ولم تجدِ معارضة أصحاب الحِرَف ومختار القرية ومقاومتهم لبراند، ومحاولة صدِّه عن غايته ودعوته، فسار وسارت خلفه جموع الشعب ينشدون الله والعمل الفاضل في الجبال والصحارى.. يعيدون بمسيرتهم إلى الأذهان طريق الآلام.. والصليب الثقيل الدامي.. وجبل الجلجلة.. والمسيح المضحي. وصبروا جميعاً.. وكانت تلوح أمام براند بين الفينة والفينة “غورد” الفتاة التي تشبه حمامة تحط على المرتفعات - وهي تمثل بنظري كل خبرات التصوف في الشرق- تحدوه وتشحذ همته للسير قدماً، حتى يبلغ الغاية المنشودة، وهي: معرفة الحقيقة، وكشف المجهول، والوصول إلى سرِّ الخالق، والذوبان في الله.

ولكن الناس لم يواصلوا السير وراء براند، بعيداً عن الدنيا ومتاعها الزائل، وفضلوا العودة إلى الحياة، إلى منازلهم. وساروا وراء ممثل الكنيسة الذي يستغل الدين وتعاليم الكنيسة في توطيد دعائم الحكم وإخضاع الناس لسلطة الحاكم.. الشيء الذي نبذه براند وخرج عليه.

وواصل براند سيره وراء لَمْعِ البرق، لكي يصل إلى الحقيقة.. ولكن الطريق لم تصل به، فما لبث أن أنحدر عليه انهيار ثلجي حطمه تحطيماً. وقبل ذلك رأى طائراً ينثر ريشه الأبيض في الهواء، وكأنه يمثل الفراغ وجدب المسعى، وسمع براند من وراء الأفق صوتاً عظيماً يردد: “إن الله هو المحبة.. إن الله هو المحبة”.

وقد أكدت رحلة براند الصعبة، في نفس إبسن، أشياء ظهرت فيما بعد، ولكن براند هذا الذي يقول عنه جورج برناردشو “إن براند يموت قديساً، بعد أن سبب بقداسته عذاباً أشد عنفاً، مما سببه أعظم آثم مطبوع على الشر، لو سنحت له ضعف الفرص التي تأتت لبراند“، براند هذا أكد في نفوسنا رداً مقنعاً، على عقم الروحية المطلقة، وعقم التمسك بحرفية الأخلاق والتزمت أو التطرف الديني.

كان براند في نضاله الصلب، ونظامه القاسي الذي فرضه على نفسه وعلى أتباعه، يشعر في بعض الأحيان بخوَر العزيمة، وبأنه يفرض على نفسه شيئاً لا يرضاه الله، ولكن هذا التفكير لم يكن ليدوم في ذهن براند أكثر مما يدوم ومض البرق في الأفُق.. فما تلبث الإرادة المصممة، والروحية المغالبة، والأخلاق المعالية، أن تشد براند إلى عالم العمالقة، فيسير غير آبه بحياته أو حياة ذويه وتابعيه. فقد مات ابنه وماتت زوجته، ولم يحاول أن يبتعد بهما عن طريق الآلام، ويجنبهما المرض، خوفاً من أن يقال إن براند أخذته المنافع، وحرص على خصوصياته، فترك الشعب.

كان يقضي أوقاته ذهاباً إياباً من بيت إلى بيت ليساعد الناس ويهديهم.. قطع نهراً متجمداً خطراً كي يصلي على روح ميت، في حين جبن أقرب الناس للميت عن مرافقة براند في رحلته الخطرة عبر النهر. وعادى براند أمه، ولم يحضر وفاتها إلا بشرط واحد، وهو أن تتخلى عن كل ما تملك في سبيل الله، وتوزعه على الفقراء. وهكذا كان شديداً على نفسه ليضرب المثل الحي، للذين يناديهم ويدعونهم للسير خلفه.

يرى بعض النقاد مسرحية براند وشخصية براند بالذات في المسرحية، مثالاً على الرجولة والصلابة وقوة الإرادة، ضربه إبسن لأبناء أمته كي يتخذوه قدوة، وأميل إلى النظر إلى هذه المسرحية على أنها رد منطقي على فلسفة كير كغارد الفردية، وعلى فلسفة هيغل الاوتوقراطية، وأنها تجربة عاشها إبسن في شبابه، حين كان نهباً بين الروحية المطلقة واندفاع الشاعر خلف المثل، وبين الواقع المر وقسوة الحياة.. تجربة أخلاقية وعملية في دنيا الأحياء، وتجربة فنية لكاتب مسرحي ناشئ، ولشاعر مرهف الحس، يعيش في مجتمع يساوم أفرادُه.. وتجربة مصلح اجتماعي يهمه بالدرجة الأولى أن يرتفع بشعبه إلى مراتب السمو. ويجب ألا نهمل بأي حال من الأحوال، نظرة إبسن لدور الدين والكنيسة في الحياة. تلك النظرة التي حاول صاحبها ألا يكون قاسياً متزمتاً مثل براند، ولا متهاوناً مساوماً مثل ممثل الكنيسة الحكومي الذي يرى الدين خادماً يؤيد مطالب الحاكم، ويؤمّن سلطته، ويقنع الناس بوجوب الخضوع لتلك السلطة وتقديس شرعيتها. إن إبسن يرى الله في المحبة، وأن كل ما يوافق الطبيعة الإنسانية ويرتفع بالإنسان روحياً هو خير.

وإبسن يوافق كيركجارد Kierkegaard إلى حدٍّ بعيد، في نظرته إلى الدين كعلاقة روحية ذاتية بين الإنسان والخالق، يصل إليها الفرد عن طريق المعاناة والكشف الذاتي، والتمرس الروحي بآلام التجربة، والتأمل في روعة الوجود. ولكنه لا يرضى أن ينصرف الإنسان كلياً إلى التصوف المطلق، ويهمل الجوانب الحيوية الدنيوية والمادية في الحياة.

كما أن إبسن لا يؤيد رأي براند، بل يرى رأياً مضاداً تقريباً. فرأي إبسن أن الكنيسة لا تمنح الدين أو تأخذه.. كما أنها، بوضعها الذي رآها عليه آنذاك، لا يمكن لها أن تهدى الناس إلى الله، وما على الإنسان إلا أن يقيم كنيسة في قلبه، ويعرف الله ويعبده عن طريقها، وبواسطة التواصل بين الله وذاته، عن طريق تجربته وألمه. وهذا الرأي، وإن كان فيه شيء كثير من كير كجارد، إلا أن إبسن صوّر في المسرحية المصير الذي يبلغه الإنسان، إذا طبق نظرية المتصوفة المغالين، ومنهم “كيركجارد”، بحرفيتها.

وبعد فإن إبسن قدم المثل الأعلى لأبناء بلاده في الخُلق والمثالية والصلابة في شخصية براند، وصور لهم السلبي، أو صورهم في شخصية بييرجنت، فأوضح السلبية والميوعة وعيش التفاهة على أحلام وأوهام يسبح بها الخيال، فينقل الفرد إلى عوالم الوهم، حيث لا تقابل رغباته بأي مانع، من أي نوع.

ومن هاتين المسرحيتين، ”براند، وبيير جنت”، نحس عنف معركة البناء الذاتي.. ومخاض النضج الذي عاشه إبسن، وهو على مشارف النضج، إذ كان يرى أمامه مثالين للرجل: المثال الصلب العنيد الأخلاقي الروحي الخالص، والمثال السلبي الفارغ المنحل. ولم يتح إبسن لأي من هذين النموذجين الحياة والبقاء، ولم يولِه ثقته، بل حطمهما تحطيماً، وانطلق عملاقاً يسير في الحياة، ويكشف عن خطوط سيرها، ويخط الطريق، والمثال، لرجل الحياة من وجهة نظره. وتصب وجهة النظر تلك في الوسطية.. ذلك النهج الذي دعانا الله، سبحانه وتعالى، لنكونه، ونتَّبعه:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴿143﴾ - سورة البقرة. وهذا النهج، والخيار، والمنحى.. هو المُنجي من الضلال، والمُخَلِّصِ من التَّطرف والغلوِّ بأنواعهما “السلبي والإيجابي”، ومن تبعات كل منهما. وقد دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاعتدال، ونهانا عن الغلوِّ، ففي حديث لابن عباس قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”. وهو ما اتبعه النبي، ودعانا إليه، وألح علينا باتباعه.. كيلا نسلك مسلك المُنْبَتِّ، الذي “لا أرضاً قطعَ، ولا ظهراً أبقي”.. فنُهْلِكَ، ونَهْلَك.

 

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية

News image

طرحت روسيا أثناء جلسة خاصة في مجلس الأمن الدولي عقدت اليوم الثلاثاء، خطة شاملة تضم...

البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية

News image

الخرطوم - قالت وكالة السودان للأنباء الخميس إن قرارا جمهوريا صدر بإعفاء وزير الخارجية ابر...

اردغان يفاجى المعارضة: الاعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران المقبل

News image

حالة من الجدل خلفها قرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بإجراء انتخابات رئاسية وبرل...

بوغدانوف: التحضير للقاء أستانا التاسع حول سوريا مستمر

News image

أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، اليوم الخميس، أن التحضير مازال جاريا لعقد لقا...

الخارجية الأمريكية: لا نسعى للمواجهة مع روسيا في سوريا لكننا مستعدون لاستخدام القوة حال تطلب الأمر

News image

أكدت الخارجية الأمريكية، اليوم الأربعاء، أن الولايات المتحدة لا تسعى للمواجهة مع روسيا في سور...

'يوم الأسيرالفلسطيني' : 6500 سجين يقبعون في الاعتقال من ضمن مليون فلسطيني مروا من سجون الاحتلال، نحو خمسون منهم مر اكثر من خُمس قرن على أسرهم

News image

القدس- أحيا الفلسطينيون الثلاثاء "يوم الاسير الفلسطيني" في مسيرات تضامنية في مدن وقرى الضفة الغ...

السودان ينسف جهود التهدئة مع مصر بشكوى في مجلس الأمن يأتي ردا على تنظيم القاهرة اقتراع الرئاسة في مثلث حلايب المتنازع عليه

News image

الخرطوم - أعلن وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، الأربعاء، أن بلاده تقدمت بشكوى لمجلس الأ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

الصحفي جابرييل ماركيز

د. حسن مدن | الاثنين, 23 أبريل 2018

  أمر يُسعد كتاب الصحافة، وأنا أعد نفسي واحداً منهم، في صورة من الصور، أن مبد...

رأي ابن رشد في القضاء والقدر أو (التجويز)

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  لقد كان للفيسلوف العربي العقلاني ابن رشد, موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر...

قصة واقعية من قصص النكبة :أبطالها من مدينة اللد - آخر مدن الصمود

دينا سليم

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  التقيت به في أمريكا أواخر سنة 2016 وتحديدا في سان فرنسيسكو عندما قام بزيارة...

مراجعة كتاب: "كيف تقول وداعاً"

بشارة مرهج

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  اشهد أن هذا الكتاب "كيف تقول وداعاً" جذبني ثم أسرني ثم قيدني بخيوط غير مر...

نسيم الشوق: أحبها لكنها من دين مختلف

سامي قرّة | الأحد, 22 أبريل 2018

لا تقل الحرية من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية أهمية عن الحرية من الظلم والاحتلال. هذه هي ...

أنَا أُحِبّكِ

د. عزالدين ابوميزر | الأحد, 22 أبريل 2018

أنا أحبّكِ لا تَسأليني فقد مَزّقتُ أشرعتي وَبينَ كَفّيكِ ق...

حين هبت رياح حبك

شاكر فريد حسن | الأحد, 22 أبريل 2018

لا أذكر كيف تعانق القلبان ولكني أذكر عندما...

بورتريه عربي لماركيز

د. حسن مدن | الأحد, 22 أبريل 2018

  حكى جابرييل ماركيز أنه كان لاجئاً، بمعنى من المعاني، في باريس فترة حرب التحرير ...

الإضراب...

محمد الحنفي | الأحد, 22 أبريل 2018

الإضراب... ما تقتضيه الشروط... وما تفرضه......

قمر الليلات

سعيد لعريفي

| الأحد, 22 أبريل 2018

للقمر.. زورات... . يقبلني مرة... ويغيب مرات.....

فيسبوك.. ماله وما عليه

عبده حقي

| الأحد, 22 أبريل 2018

إذا كنت من مستخدمي أو بالأحرى من مدمني مواقع التواصل الاجتماعي، هل سبق وطرحت على...

افتتاح معرض "رسوم الحجاز والصين" للفنان القدير أحمد نوار

| الأحد, 22 أبريل 2018

مساء الأحد، يحتفي الفنان القدير ا. د. أحمد نوار بافتتاح معرضه "رسوم الحجاز والصين" وذل...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم16512
mod_vvisit_counterالبارحة26265
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع79101
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي215791
mod_vvisit_counterهذا الشهر825575
mod_vvisit_counterالشهر الماضي972375
mod_vvisit_counterكل الزوار52958007
حاليا يتواجد 2161 زوار  على الموقع