موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
قائد الشرطة الاندونيسية: تفجير محطة الحافلات عمل انتحاري واسفر التفجير عن مقتل رجل شرطة ::التجــديد العــربي:: أميركا تعتزم فرض عقوبات إضافية على إيران وكوريا الشمالية ::التجــديد العــربي:: ترامب يلتقي البابا فرانسيس لأول مرة ::التجــديد العــربي:: الشرطة البريطانية تتعقب "شبكة" تقف وراء هجوم مانشستر ::التجــديد العــربي:: الرئيس المصري يؤكد عدم تدخل بلاده في السودان ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تطالب المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال للاستجابة لمطالب الأسرى ::التجــديد العــربي:: استثمارات بـ30 مليار دولار لأرامكو في موتيفا الأميركية ::التجــديد العــربي:: أكبر متحف للآثار بالعالم يستعد لتنشيط السياحة في مصر ::التجــديد العــربي:: الذرة تحتوي على سكريات وتؤدي الى الاصابة بالسكري، ومن مزاياها التقليل من إحتمالات الاصابة بسرطان القولون ومشاكل الهضم ::التجــديد العــربي:: مانشستر بطلاً للدوري الأوروبي للمرة الأولى بالفوز الثمين 2 / صفر على أياكس ::التجــديد العــربي:: لقاء لوزراء الدفاع والخارجية في روسيا ومصر لبحث الملفين السوري والليبي ::التجــديد العــربي:: الشرطة البريطانية: المشتبه به في هجوم مانشستر يدعى سلمان عبيدي والقبض على شخص أخر له علاقة بالانفجار ::التجــديد العــربي:: تفجيران «انتحاريان» في دمشق وحمص ::التجــديد العــربي:: 22قتيلا و59 جريحا باعتداء داخل قاعة ارينا للحفلات في مانشستر بريطانيا ::التجــديد العــربي:: مقتل شاب في احتجاجات تونس دهسته سيارة شرطة "بالخطأ" ::التجــديد العــربي:: ترامب يعلن التزامه بالتوصل إلى اتفاق سلام بعد لقاء عباس ::التجــديد العــربي:: "إعلان الرياض": الاستعداد لتوفير ٣٤ ألف جندي لمواجهة الإرهاب في سورية والعراق ::التجــديد العــربي:: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يزور الاراضي المحتلة وسط إجراءات أمنية مشددة ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين: نرفض استغلال الإسلام غطاء لأغراض سياسية ::التجــديد العــربي:: إضراب عام في الأراضي الفلسطينية تضامناً مع المعتقلين ::التجــديد العــربي::

هنريك إبسن.. وأنموذجان بشريان

إرسال إلى صديق طباعة PDF


أنموذجان بشريان مُتضادان عَرضهما الكاتب النروجي الشهير هنريك ابسن، في مسرحيتين قدم فيهما صورة عن أبناء عصره، ودعوة عامة للناس، وهو الذي عاش حياته الممتدة بين عامي 1828- 1906،

في حرب مع التقاليد والعادات والمعتقدات والظروف السيّئة في بلاده، وأمسك معول الهدم من أجل البناء، فهدم وبنى.. تزوج، وأنجب أطفالاً، وارتكب أخطاء، وأتى أعمالاً حسنة، وذاق البؤس والسعادة، وتألم وفرح.. وذهب كل ذلك أدراج الرّياح.. لكن بقي لنا منه ما لا يذهب به الموت، بقي لنا الإحساس الإنساني المنبثق من ضمير حي، ومن روح مثالي يسعى إلى الكمال، ومن التزام بمجتمع سوي.. وبقي لنا إبسن الشاعر والأديب والمسرحي اللامع، والمصلح الاجتماعي.

والنموذجان اللذان عَرضهما ابسن في مسرحيتيه: “براند” و“بيير جنت”، هما نموذجان موجودان في كل بلد، وفي كل عصر. أحدهما غاية في التّشدد والتطرف الديني “الأخلاقي”، الذي لا يسمح لنأمة تدعو إلى سلوك يستظل بالاعتدال، ليفضي إلى الانحلال.. هو القس براند الذي يضحي بأفراد أسرته، فضلاً عن “مسرَّات الحياة”، لكي يكون أنموذج المسيحيّ المتديّن، المتَّبع بصرامة وإخلاص للسيد المسيح، حسب رأيه ورؤيته.. وليقدِّم قدوة في الزهد، والاستقامة، والإصرار على بلوغ الغاية، مهما كانت الصعوبات، والتحديات، والتضحيات. والآخر “بيير جَنت”، أنموذج المتهالك، المتهافت، المتآكل القيم والإرادة والروح، الذي هو أقرب ما يكون إلى الانحلال منه إلى التحلل من كل قيد ديني وأخلاقي واجتماعي.. وسلوكه واهتمامه، بنظري، يكادان يُرْهِصان بسلوك العبثيين، والهيبيين، الذين ظهروا في الأوساط الأوروبية خاصة، والغربية عامة، في عقود زمنية لاحقة. فقد كتب ابسن مسرحيته “بيير جنت”، قبل أن يكتب ألفرد جاري مسرحية “أوبو الملك”، التي تعتبر من أوائل المسرحيات التي أرهصت بمسرح العبث واللامعقول.

أتوقف اليوم عند هذين الأنموذجين، وفي هذا الزمن بالذات، الذي تمر به منطقتنا، وأمتنا، ونعيش أحداثه، وتناقضات سلوك الناس فيه، وذهاب بعض الناس في التشدد والتطرف والغلوِّ إلى مدى بعيد، من جهة.. وذهاب البعض الآخر منهم إلى التحلل من الدين، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، ومن المسؤوليات بأشكالها وأنواعها، حيث يصل أولئك، أو بعضهم، إلى حدود رفض الدين، والخلُق، والقيم الاجتماعية، والعيش في الوهم والخرافة، والتهتُّك، وتتدنّى المستويات والغايات والاهتمامات، والهمم، والعزائم، والتفكير، عندهم، ومن ثم يبلغ البعض منهم حدَّ الابتذال والانحلال. وفي مثل هذا المجتمع، وفي مثل هذا المناخ.. يغيب الاعدال، وتضمُر الوسطية، وتضمحل فعالية الناس “الوسط”، ويتعرَّضون للتآكل والتواكل والمعاناة.

في مسرحية “بييرجنت” يحملك إبسن على أجنحة الخيال، ويطوف بك الدنيا، في رحلة تكشف الحياةَ نفسها. كان بطلها “بييرجنت”، مثالاً للسلبية.. شخص فارغ تافه، يحلم ويحقق كل ما يريد عن طريق الحلم، ولا يبني في الحياة أو من أجلها شيئاً بالعمل.. طاف العالم وذهب إلى مصر، وتزوج الفتاة التي أحبها، حيث خطفها كالفارس العنيد من حضن زوجها، ليلة الزفاف، وعاش منعّماً.. فعل كل هذه الأشياء بشطحات خياله.

وبعد أن رسم إبسن لنا هذه الشخصية الفارغة، جعل حَداداً يتقدم من بييرجنت وبيده مطرقة عظيمة ومغرفة ويقول له: “بييرجنت إنك لا تستحق شيئاً في الحياة.. بل أنت لا تستحق الحياة نفسها، فماذا أفعل بك؟ سأطرقك بهذه المطرقة حتى أحيلك إلى عدم، لأنك عبء على الحياة والأحياء.”. ويعيش بييرجنت مع هذا الحَدّاد حلماً مرعباً، كأنه كابوس مهلك، ويرى خلال هذه المقابلة، ويعرف، من هو، وماذا يستحق.

ويكفي أن يقول بيرجنت، في مرحلة من هذه المسرحية، حين يعطيه الحَدَّادُ، الذي يمثل له عزرائيل، “فرصةً” أخرى، ليحضر فيها شاهداً يستفيد منه بعد الموت: “الوقت من ذهب هكذا يقول الكاتب الطبيب.. لو قد عرفت فقط، أين يقع مفترق الطريق؟ قد يكون قريباً، وقد يكون بعيداً. الأرض تحترق كالحديد الأحمر. شاهد.. شاهد. أين أجدُ شاهداً؟ ألن أجد شاهداً هنا في أعماق العامة. إن عالماً يضطر المرء فيه إلى إثبات حقوقه، وهي واضحة كالشمس، لهو عالم خَرِب.. سيء الإدارة”.. يكفي أن يقول لك “بييرجنت” ذلك، حتى يشعرك بخلاصة تجربته في الحياة، التي بدأت بالخيال، وبناء قصور فوق جبال الأحلام، وأراد الإنسان بيير أن يحقق فيها كل ما يريد، من خلال اندفاع انفعالي عاطفي، معتمداً أساليب الجان، والكذب، والادعاء، والمغامرة، والغدر، والتضليل، و.. و… إلى أن يعود، وقد تقدمت به السن، يعود إلى أرض الواقع والانتماء، بعد جولات في مدن التاريخ القديم، وفي الماضي الحضاري للإنسانية.. يعود منهكاً، ليلقي الموت من دون أن يقدم لنفسه الزاد الكافي للآخرة. إنه يريد أن يهرب.. ولكن إلى أين، ولات حين مناص. فقد واجهه الحَدَّادُ الذي يريد أن يصهَرَه، لأن طبيعته تلِفَت، ولا بد من إعادة صوغه مع آخرين، لإيجاد بشر أكثر جدة وقدرة وحيوية، يخوضون لعبة الحياة من جديد، بسلامة واقتدار.

وبهذه اللفتة البارعة يعطي إبسن، بكل عنف شخصيته وعمقها، درساً لشباب النرويج الذين عجزوا عن أن يكونوا شيئاً في الحياة بنظره في ذلك الوقت، وأحجموا عن مساعدة إخوانهم في الدانمرك، ولم يهبوا لنجدتهم حينما اعتدى عليهم معتد. ولهذا لقَّنهم إبسن درساً، برسمه شخصية بييرجنت.. فأوضح لهم أن السلبي الحالم الفارغ، لا يستحق حتى أن يُطرق بمطرقة حَدَّاد عامل.

ويمكن أن نعتبر مسرحية بيير جنت وشخصيته، الوجه النقيض لمسرحية براند وشخصيته. فإبسن يعرض النقيضين في الحياة، ويضرب الاثنين، براند وبييرجنت، ويلطمهما، لأنه يرى أن كليهما لا يصلح للحياة، وأن على الإنسان أن يكون معتدلاً ليعيش.. فلا السلبية والميوعة وعيش الوهم يصنع رجلاً يبني الحياة، ولا الصلابة المطلقة والمثالية الخالصة تؤهلان الإنسان للحياة، بسعادة واتزان وأمان.

في مسرحية “براند” نحن أمام مواقف، وآراء، ومواجهات فكرية، تتصل بالحياة، والممارسات، والتوجهات، وبنظريات دينية وفلسفية، ويرد عليها، أو يتعامل معها إبسن، باقتدار. لقد تأثر إبسن بالفيلسوف الوجودي المؤمن سورين كيركغارد Kierkegaard ونهل من فلسفته كثيراً، ولكنه ناقشه ورد على جوانب من فلسفته، بمسرحية “براند”، وأنا أرى أن هذه المسرحية رد قاس على التزمت الروحي والتصوف القاسي الخالص، وعلى التطبيق الحرفي المتطرف، لفهم قد يكون مغلوطاً، لمبادئ الدين المسيحي، التي كان ينادي بها كيركجارد، فيلسوف الدانمرك.

براند قسيس متزمت.. أخلاقي روحي.. لا يقبل المساومة في مبادئه، يؤمن بالخير والحق والسماء، ويريد أن يجعل الناس كلهم ملائكة على الأرض، ويدعو إلى تطبيق المبادئ المسيحية بكل صلابة، من خلال تصرفاته.. فهو الفرد الفريد المثالي الإيجابي. أخذ براند يدعو إلى نبذ كل ما هو دنيوي، وإلى التنسك والزهد، وابتذال الحياة الدنيا بوصفها عَرضاً زائلاً، ودعا إلى العمل والسعي وراء الآخرة، التي هي الجوهر والخلود، وحثّ الناس على أن يسيروا معه ليبحثوا، وليصلوا إلى ما وصل إليه المسيح، من عذاب وتطهر. ولم تجد المقاومة التي لقيها براند من قبل ممثل الكنيسة الحكومي الذي كان يدعو إلى أن يوازن الإنسان بين الدين والدنيا، ويقبل المساومة ويرضى بأنصاف الحلول.

ولم تجدِ معارضة أصحاب الحِرَف ومختار القرية ومقاومتهم لبراند، ومحاولة صدِّه عن غايته ودعوته، فسار وسارت خلفه جموع الشعب ينشدون الله والعمل الفاضل في الجبال والصحارى.. يعيدون بمسيرتهم إلى الأذهان طريق الآلام.. والصليب الثقيل الدامي.. وجبل الجلجلة.. والمسيح المضحي. وصبروا جميعاً.. وكانت تلوح أمام براند بين الفينة والفينة “غورد” الفتاة التي تشبه حمامة تحط على المرتفعات - وهي تمثل بنظري كل خبرات التصوف في الشرق- تحدوه وتشحذ همته للسير قدماً، حتى يبلغ الغاية المنشودة، وهي: معرفة الحقيقة، وكشف المجهول، والوصول إلى سرِّ الخالق، والذوبان في الله.

ولكن الناس لم يواصلوا السير وراء براند، بعيداً عن الدنيا ومتاعها الزائل، وفضلوا العودة إلى الحياة، إلى منازلهم. وساروا وراء ممثل الكنيسة الذي يستغل الدين وتعاليم الكنيسة في توطيد دعائم الحكم وإخضاع الناس لسلطة الحاكم.. الشيء الذي نبذه براند وخرج عليه.

وواصل براند سيره وراء لَمْعِ البرق، لكي يصل إلى الحقيقة.. ولكن الطريق لم تصل به، فما لبث أن أنحدر عليه انهيار ثلجي حطمه تحطيماً. وقبل ذلك رأى طائراً ينثر ريشه الأبيض في الهواء، وكأنه يمثل الفراغ وجدب المسعى، وسمع براند من وراء الأفق صوتاً عظيماً يردد: “إن الله هو المحبة.. إن الله هو المحبة”.

وقد أكدت رحلة براند الصعبة، في نفس إبسن، أشياء ظهرت فيما بعد، ولكن براند هذا الذي يقول عنه جورج برناردشو “إن براند يموت قديساً، بعد أن سبب بقداسته عذاباً أشد عنفاً، مما سببه أعظم آثم مطبوع على الشر، لو سنحت له ضعف الفرص التي تأتت لبراند“، براند هذا أكد في نفوسنا رداً مقنعاً، على عقم الروحية المطلقة، وعقم التمسك بحرفية الأخلاق والتزمت أو التطرف الديني.

كان براند في نضاله الصلب، ونظامه القاسي الذي فرضه على نفسه وعلى أتباعه، يشعر في بعض الأحيان بخوَر العزيمة، وبأنه يفرض على نفسه شيئاً لا يرضاه الله، ولكن هذا التفكير لم يكن ليدوم في ذهن براند أكثر مما يدوم ومض البرق في الأفُق.. فما تلبث الإرادة المصممة، والروحية المغالبة، والأخلاق المعالية، أن تشد براند إلى عالم العمالقة، فيسير غير آبه بحياته أو حياة ذويه وتابعيه. فقد مات ابنه وماتت زوجته، ولم يحاول أن يبتعد بهما عن طريق الآلام، ويجنبهما المرض، خوفاً من أن يقال إن براند أخذته المنافع، وحرص على خصوصياته، فترك الشعب.

كان يقضي أوقاته ذهاباً إياباً من بيت إلى بيت ليساعد الناس ويهديهم.. قطع نهراً متجمداً خطراً كي يصلي على روح ميت، في حين جبن أقرب الناس للميت عن مرافقة براند في رحلته الخطرة عبر النهر. وعادى براند أمه، ولم يحضر وفاتها إلا بشرط واحد، وهو أن تتخلى عن كل ما تملك في سبيل الله، وتوزعه على الفقراء. وهكذا كان شديداً على نفسه ليضرب المثل الحي، للذين يناديهم ويدعونهم للسير خلفه.

يرى بعض النقاد مسرحية براند وشخصية براند بالذات في المسرحية، مثالاً على الرجولة والصلابة وقوة الإرادة، ضربه إبسن لأبناء أمته كي يتخذوه قدوة، وأميل إلى النظر إلى هذه المسرحية على أنها رد منطقي على فلسفة كير كغارد الفردية، وعلى فلسفة هيغل الاوتوقراطية، وأنها تجربة عاشها إبسن في شبابه، حين كان نهباً بين الروحية المطلقة واندفاع الشاعر خلف المثل، وبين الواقع المر وقسوة الحياة.. تجربة أخلاقية وعملية في دنيا الأحياء، وتجربة فنية لكاتب مسرحي ناشئ، ولشاعر مرهف الحس، يعيش في مجتمع يساوم أفرادُه.. وتجربة مصلح اجتماعي يهمه بالدرجة الأولى أن يرتفع بشعبه إلى مراتب السمو. ويجب ألا نهمل بأي حال من الأحوال، نظرة إبسن لدور الدين والكنيسة في الحياة. تلك النظرة التي حاول صاحبها ألا يكون قاسياً متزمتاً مثل براند، ولا متهاوناً مساوماً مثل ممثل الكنيسة الحكومي الذي يرى الدين خادماً يؤيد مطالب الحاكم، ويؤمّن سلطته، ويقنع الناس بوجوب الخضوع لتلك السلطة وتقديس شرعيتها. إن إبسن يرى الله في المحبة، وأن كل ما يوافق الطبيعة الإنسانية ويرتفع بالإنسان روحياً هو خير.

وإبسن يوافق كيركجارد Kierkegaard إلى حدٍّ بعيد، في نظرته إلى الدين كعلاقة روحية ذاتية بين الإنسان والخالق، يصل إليها الفرد عن طريق المعاناة والكشف الذاتي، والتمرس الروحي بآلام التجربة، والتأمل في روعة الوجود. ولكنه لا يرضى أن ينصرف الإنسان كلياً إلى التصوف المطلق، ويهمل الجوانب الحيوية الدنيوية والمادية في الحياة.

كما أن إبسن لا يؤيد رأي براند، بل يرى رأياً مضاداً تقريباً. فرأي إبسن أن الكنيسة لا تمنح الدين أو تأخذه.. كما أنها، بوضعها الذي رآها عليه آنذاك، لا يمكن لها أن تهدى الناس إلى الله، وما على الإنسان إلا أن يقيم كنيسة في قلبه، ويعرف الله ويعبده عن طريقها، وبواسطة التواصل بين الله وذاته، عن طريق تجربته وألمه. وهذا الرأي، وإن كان فيه شيء كثير من كير كجارد، إلا أن إبسن صوّر في المسرحية المصير الذي يبلغه الإنسان، إذا طبق نظرية المتصوفة المغالين، ومنهم “كيركجارد”، بحرفيتها.

وبعد فإن إبسن قدم المثل الأعلى لأبناء بلاده في الخُلق والمثالية والصلابة في شخصية براند، وصور لهم السلبي، أو صورهم في شخصية بييرجنت، فأوضح السلبية والميوعة وعيش التفاهة على أحلام وأوهام يسبح بها الخيال، فينقل الفرد إلى عوالم الوهم، حيث لا تقابل رغباته بأي مانع، من أي نوع.

ومن هاتين المسرحيتين، ”براند، وبيير جنت”، نحس عنف معركة البناء الذاتي.. ومخاض النضج الذي عاشه إبسن، وهو على مشارف النضج، إذ كان يرى أمامه مثالين للرجل: المثال الصلب العنيد الأخلاقي الروحي الخالص، والمثال السلبي الفارغ المنحل. ولم يتح إبسن لأي من هذين النموذجين الحياة والبقاء، ولم يولِه ثقته، بل حطمهما تحطيماً، وانطلق عملاقاً يسير في الحياة، ويكشف عن خطوط سيرها، ويخط الطريق، والمثال، لرجل الحياة من وجهة نظره. وتصب وجهة النظر تلك في الوسطية.. ذلك النهج الذي دعانا الله، سبحانه وتعالى، لنكونه، ونتَّبعه:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴿143﴾ - سورة البقرة. وهذا النهج، والخيار، والمنحى.. هو المُنجي من الضلال، والمُخَلِّصِ من التَّطرف والغلوِّ بأنواعهما “السلبي والإيجابي”، ومن تبعات كل منهما. وقد دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاعتدال، ونهانا عن الغلوِّ، ففي حديث لابن عباس قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”. وهو ما اتبعه النبي، ودعانا إليه، وألح علينا باتباعه.. كيلا نسلك مسلك المُنْبَتِّ، الذي “لا أرضاً قطعَ، ولا ظهراً أبقي”.. فنُهْلِكَ، ونَهْلَك.

 

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

قائد الشرطة الاندونيسية: تفجير محطة الحافلات عمل انتحاري واسفر التفجير عن مقتل رجل شرطة

News image

أعرب صفى الدين نائب قائد الشرطة الوطنية الاندونيسية اليوم الاربعاء عن اعتقاده بان الانفجار الذ...

أميركا تعتزم فرض عقوبات إضافية على إيران وكوريا الشمالية

News image

واشنطن ـ قال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين لمشرعين الأربعاء إن وزارته ستعمل على تكث...

ترامب يلتقي البابا فرانسيس لأول مرة

News image

التقى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في الفاتيكانالبابا فرانسيس في الفاتيكان، في ثالث محطة خلال جول...

الشرطة البريطانية تتعقب "شبكة" تقف وراء هجوم مانشستر

News image

ألقت السلطات البريطانية القبض على 6 أشخاص، من بينهم امرأة، يعتقد أن لهم صلة بهج...

الرئيس المصري يؤكد عدم تدخل بلاده في السودان

News image

قال الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، إن مصر تلتزم بعدم التدخل في شؤون الآخرين وعدم انت...

الشرطة البريطانية: المشتبه به في هجوم مانشستر يدعى سلمان عبيدي والقبض على شخص أخر له علاقة بالانفجار

News image

قالت الشرطة البريطانية إن المشتبه به في الهجوم الانتحاري الذي وقع في مدينة مانشستر يدع...

تفجيران «انتحاريان» في دمشق وحمص

News image

شهدت مدينة حمص أمس تفجيراً وُصف بأنه «انتحاري» أوقع ما لا يقل عن 4 قتل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

في المرأة يكتمل ظهور الحقيقة

د. أحمد الخميسي

| الأحد, 28 مايو 2017

  يقول محيي الدين بن عربي ” في المرأة يكتمل ظهور الحقيقة” ويالها من عبارة ...

نَافِذَتَانِ على الفكرِ والفَن

محمد جبر الحربي

| السبت, 27 مايو 2017

النَّوَابِت 1. الفارَابي وحْدَهُ يَبْنِي، ويرسُمُ في فضَاءِ الله مشروعَ الولادَةْ. وحْدَهُ الآتي   ط...

على طريق القدس.. مهرجان فني في فضاءات عربية

زياد جيوسي | الأربعاء, 24 مايو 2017

القدس زهرة المدائن كانت وستبقى، المدينة التي باركها الله وما حولها، المدينة التي كانت ولم...

رواية "الحنين إلى المستقبل"

عبدالله دعيس | الأربعاء, 24 مايو 2017

إلى أيّ مستقبل يحنّ الكاتب عادل سالم؟ هل يتوق إلى الحريّة والعيش الرغيد في قاد...

مقاهي نجيب محفوظ

د. حسن مدن | الأربعاء, 24 مايو 2017

هل كان أدب نجيب محفوظ سيكون بالثراء الذي هو عليه، لولا مقاهيه؟ ونعني بمقاهيه تلك...

بأي القصائد سنرثيك يا مروان البرغوثي؟

د. فايز أبو شمالة | الأربعاء, 24 مايو 2017

بأي القصائد سنرثيك يا مروان البرغوثي؟ وبأي كلمات التمجيد والبطولة ستصدح مكبرات الصوت؟ وهي تقو...

بين المسار والطريق... كان أحمد شعلة...

محمد الحنفي | الأربعاء, 24 مايو 2017

بعد انفراز ثامن مايو... ثلاث وثمانين... وبعد مغادرة سجن النظام......

الأبُّ الفيلسوف... المجموعة الخامسة

إبراهيم أمين | الأربعاء, 24 مايو 2017

1- أبي.. هل شاهدتَ جنازة آلان كُردي؟ بني، لا،.. بلْ شاهدتُ بزوغ العار العربي في ...

قراءة في رواية “الحنين إلى المستقبل”

مهند الصباح | الاثنين, 22 مايو 2017

كاتب الرواية ولد وعاش شبابه في القدس وتحديدا في البلدة القديمة، ممّا أثرى عمله الأ...

رواية “الحنين إلى المستقبل” والإبداع

نزهة أبو غوش | الاثنين, 22 مايو 2017

غمس الكاتب ريشته الأدبيّة في مداد الألم والقهر والمعاناة، ورسم لنا صورة فنيّة للإنسان الف...

رواية "الحنين الى المستقبل" والهجرة

محمد عمر يوسف القراعين | الاثنين, 22 مايو 2017

بعد نكبة فلسطين، انحلت الحكومة، ولم يعد موجودا مجلس التعليم العالي الفلسطيني، الذي يشرف على...

كلّما أُقبّلكِ.. تشرقُ الشمس

كريم عبدالله | الاثنين, 22 مايو 2017

كنزي صرخةٌ تملأُ شدقيّ هذا الأفق ألأبله يشتمها الطغاةُ أنضجها حنظلٌ فصولهُ مؤامرةٌ تنتهكُ حرم...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم12679
mod_vvisit_counterالبارحة41262
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع53941
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي264731
mod_vvisit_counterهذا الشهر958198
mod_vvisit_counterالشهر الماضي710051
mod_vvisit_counterكل الزوار41328398
حاليا يتواجد 2579 زوار  على الموقع