الحرملك المقالي

الأربعاء, 14 سبتمبر 2016 01:04

أميمة الخميس

ثقافة وفنون
طباعة

 

هل تخلق داخل مقالة الرأي العام حرملك؟. يطوق القلم النسائي داخل حيز قضايا محددة بعينها، تقصيها عن الانفتاح على جميع الإشكاليات التي من الممكن أن تهم الرأي العام ، ويحجزها بدلاً عن هذا في هموم الأقليات والهامش. لا أملك مرجعية احصائية في هذا الشأن، ولكن أزعم بأنني متابعة لا بأس بها لما ينشر من مقالات في الصحافة المحلية، بالشكل الذي يجعلني أتبين ذلك الخط الرهيف الخفي الذي يشطر مواضيع المقالات التي تتناولها كل من الأقلام النسائية والرجالية.

 

فحدود الحرملك المقالي باستطاعتنا رصد تضاريسه بوضوح، على مستوى التناول والطرح واختيار الموضوعات.

الكتابة في الشأن العام حدث شكل منعطفاً محورياً في تاريخ النساء، وهو ما تشير له الناقدة يمنى العيد بـ"تقويض فكرة التمركز حول الذكورة وإنتاج خطاب يعيد للمرأة كينونتها عبر الكتابة، بحيث عبر ممارسة الخلق والإبداع تصبح المرأة ذاتاً فاعلة ومنتجة".

لكن في نفس الوقت نخشى هنا أن تقوم الثقافة بحركة التفاف ماكرة لتطويق هذه التجربة الغضة، وتفريغها من زخمها وحماسها، عبر حصر القلم النسائي في حيز المظلوميات والحقوق النسائية الغائبة والمغيبة، وهو الحيز الذي قد يسهم القلم النسوي بشكل غير واع في تكريسه، بحيث يضيق الأفق الواسع للقضايا والأفكار التي تمور في المجتمع وتنشغل بهموم النوع/الأقلية.

تندر المقالات والتحليلات النسائية المتخصصة، أو تلك التي تتناول تاريخ الأفكار والمعتقدات، أو التحليلات السياسية أو الفاعليات الاقتصادية، لتظل المقالة النسائية على الغالب تتحرك داخل قوائم المطالب الشاكية، في حيز محدود ينسجم مع المساحة المتاحة لها في المدينة -لا نغفل هنا باقة من الأقلام النسائية استطاعت القفز على هذا النوع من الحواجز وانطلقت في المضمار بكل تحدياته؛كالفرس النجيبة-.

المرأة الكاتبة بعدما اقترفت الكتابة وامتشقت القلم، انتقلت من البحث عن مقعد لها داخل الخطاب، إلى إعادة صناعة الخطاب، واشتبكت مع منطق توزيع الأدوار داخل المجتمع، وانتقلت من الهامش إلى المتن، ولكن ما برح المكان الذي يصنع السلطة ويوزع الأدوار داخلها بعيداً موصداً دونها، فهي من ناحية تدعمه، وأحياناً أخرى تعلق عليه، دون أن تقترب منه. ولربما هذا هو جزء من إشكاليات المرأة وغموض أدوارها في المجتمع.

فالمرأة الكاتبة تحمل مسؤولية تجاوز حدود الحرملك الخفي الذي يؤطرها في مواضيع تتعلق بنضالاتها ومعاركها اليومية المجهدة من أجل التحقق الإنساني فقط، لتمد يدها إلى الأرفف العليا، وتبدأ المشاركة في إعادة كتابة المدونات، التي بها ومن خلالها تأسست أفكار العالم من حولها.

وهذا النوع من الكتابة هو ما وصفته الأديبة التونسية زهرة الخلاصي "مشاكسة التلقي التي تعمق صدمة المنطق الذكوري من أوهام أيديولوجية البُعد الواحد،الذي حافظ على تماسكه بالحراسة الأسطورية والدينية لقِيَمِه، ومنعه للآخر من الاقتراب من بؤرة المعنى لاقتناص المتعدد والمتشظّي الذي يحمل في طيّاته ديمومة الاختلاف ومشروعية الأنثى في الحضور كذات وكينونة".

ابتعاد المرأة/الكاتبة عن الشأن العام ببعده السياسي الاقتصادي الفكري، من شأنه أن يرسخ حدود الحرملك بجميع تمثلاته ومظاهره، والذي يحاول الخطاب أن يعيد إنتاجه ويعيدها إليه ويحصرها داخله.

 

أميمة الخميس

كاتبة وروائية سعودية

 

 

شاهد مقالات أميمة الخميس