موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي:: بيت الشعر بالقيروان .. عودة شعرية قوية ::التجــديد العــربي:: نصير شمة طلب الماجستير فحصد الدكتوراه ::التجــديد العــربي:: الريال يفوز على سوسييداد 3-1 في بطولة اسبانيا ويحتل المركز الرابع،، واشبيلية يحتل الوصافة برغم فوزه الصعب على جيرونا بهدف ::التجــديد العــربي:: التناول المفرط للمسكنات يجلب الصداع ::التجــديد العــربي:: الملح الزائد يضاعف خطر السكري ::التجــديد العــربي:: عقد باربعة مليارات دولار لبناء محطة للطاقة الشمسية في دبي ::التجــديد العــربي:: «المالية السعودية»: 24 مليار ريال طلبات الاكتتاب بالإصدار الثالث لبرنامج صكوك الحكومة ::التجــديد العــربي:: العبادي يحذر كردستان العراق من اللعب بالنار ::التجــديد العــربي:: صبرا وشاتيلا جرح في الذاكرة لم يندمل ثلث قرن بعد المجزرة ::التجــديد العــربي:: تثبيت الحكم بالمؤبد على مرسي في قضية التخابر مع قطر ::التجــديد العــربي:: اقتراح دولي للعدول عن استفتاء كردستان.. والعبادي يحذر من «اللعب بالنار ::التجــديد العــربي:: قمة بين السيسي وترامب الأربعاء على هامش الجمعية العامة ::التجــديد العــربي:: 29 مصاباً بانفجار عبوة ناسفة في مترو لندن وداعش يتبنى وتوقيف مشتبه به ثانٍ باعتداء لندن ::التجــديد العــربي:: 50 % خصومات من فنادق دبي للسعوديين بمناسبة اليوم الوطني ::التجــديد العــربي::

بعض ما كان.. في الطريق إلى بشكورستان

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

(أعزائي.. ألتمس منكم أن تسمحوا لي اليوم باستراحة معكم، أتحدث فيها عن شيءٍ من الماضي.. فقد أرهقني الحاضر، وتلفَّع المستقبل بمزيد من الضبابية ، بل العتمة.. على أن أعود إلى ذاتي الغارقة، هي والوطن والأمة، في سيل الدماء، وبؤس العيش، وأعاصير الشقاء.. فما ألتمسه مجرد غفوة بين كابوسين.. إذ لا يمكن مغادرة الذات، وهي في خضم المُهلكات: الحرب، والمؤامرات، وبؤس السياسات.. وكل ما يعادي العدل، والقيم، والأمن، والسلم، وحق الإنسان في الحياة.

 

فأستعيد بعض ما كان، في طريقي إلى بشكورستان.)

* * *

مضت ساعتان بالضبط على انطلاق القطار من موسكو في الساعة

(16.25) من يوم ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٠١، ولم أكد ألتقط أنفاسي، كأنما الخُنَّاق يضغط على حنجرتي، وعيناي في غير مكانهما.. كان ذلك بسبب السرعة والقلق والركض في محطة القطار، لأن انطلاقنا من المطعم في اتحاد كتاب روسيا كان متأخرًا، ومتأخرًا جدًّا. لم نتناول وجبتنا بانتظار أوليج وكان أوليج ينتظرنا حتى ننهي وجبتنا “الغذاء”.. تلك معادلة غير مستحبَّة.

الطريق إلى محطة القطار كان مزدحمًا بالسيارات، ووصلنا قبل دقائق أربع فقط، من موعد انطلاق القطار من المحطة، وركضنا، ونحن نحمل حقائبنا، حتى العربة السابعة، ثم صعدنا إلى القطار لنأخذ أماكننا في العربة الخامسة، ووصلنا تلك الأماكن عبر ممرات القطار، بعد أن تحرك بزمن، والحقائب تلازمنا ونلازمها.

في المقصورة رقم (37/38). من العربة الخامسة من القطار، انكفأت على حقيبتي في الممر، واسترحت قليلًا، كنت أعتقد أن السكَّر قد انخفض في دمي لدرجة كبيرة، فاشتد علي الجهد والإرهاق، ولم أستطع أن أتمالك نفسي: ضغطٌ على الصدر، وضيقٌ في التنفس، وعَرَقٌ يتصبب من الجبين، واضطرابٌ عام…

كان القطار يزحف بين أشجار البتولا، وزميلاي قجة والحصني معي في المقصورة، والضيق رفيقي الرابع. التمسنا الشاي الأخضر ليخفض علينا ما نحن فيه.. كانت ابنتي قد أرسلته من باريس، وأنا أرتاح لهداياها، ولتذكّرها لي بما أحب.. وقلت في نفسي إنها تخفف علي هذا الضيق رغم بعدها عني. التمست القدَح الذي اشتريته لهذه الغاية فلم أجده… تذكرت أنه بين ما تركته في موسكو من أمتعة قليلة. رفيق الدرب قدم لي قدحًا، وبعد هنيهة صار لكل منا كأس من الشاي الأخضر، واستمتع معنا بالشاي السيد جانيتشيف، رئيس اتحاد كتاب روسيا، وزوجُه، وأوليج، وآخرون.

شعرت أنني أتنفس براحة.. بين فينة وأخرى كنت أنظر من النافذة إلى الغرب الذي تحجُب أشجار البتولا بعضًا من معالم نوره… لم أميّز معالم الريف الروسي إلا بعد أن بدت لنا أول مدينة فيها البيوت الروسية وصليب الكنيسة، إنها مدينة الأديرة والكنائس “كالومنا”، الشهيرة برومانسية شعرائها.. والقباب فيها، ذات طراز خاص، فكالومنا: مدينة الأديرة والكنائس على نهر أوكا بفرعيه، وهو أحد روافد نهر الفولجا. نهر أوكا الذي ينحدر إليه، نهرٌ متوسط العرض، كان في مقدمة هذا المنظر.. مشى القطار فوقه مرتين، كان لـه فرع آخر، أو سد أقيم عليه من ناحية أخرى. كنت أنتظر أن يتوقف القطار لكي نقرأ اسم المدينة مكتوبًا ونرى بعض ملامحها، لكن زحف القطار استمر وتجاوز النهر والمدينة. وأخذَت أسراب البتولا تمر كأنها أفواج من الصبايا المتماثلات في الطول، وبراقع اللّحاء تكشف عن سيقان، وخُمُرٌ فاتحة اللون يتلصص من بينها الضوء.

أخذْت أبحث عن نفسي بين أمتعتي وأصدقائي وذاتي… فتحت حقيبتي وأخرجت بعض لوازم السفر، وكتابًا، وأخذت أختلس النظر من النافذة إلى الشمس التي بدأت تنحدر نحو المغيب. أوراق الأشجار المصفرَّة وتلك التي أقرب إلى الاحمرار، ترسم مع الخضرة والنور وامتداد الأفق، لوحة بديعة تحث على أن يحصرها فنان في إطار.

في الساعة السابعة والنصف مساءً رُتِّب لنا عَشاء في مطعم القطار، وما إن جلسنا إلى المنضدة حتى بادرنا شخص سمين بقميص داخلي وبنطال بيجاما، بالكلام… أخذ يثرثر ويغني، وبدا أنه يجمع بين السكر والرغبة في اقتحام عالم الآخرين، وفي مقابله كان يجلس آخر أكثر تماسكًا ودماثة، أشيب قليلًا، تبين لي فيما بعد أنه في الخامسة والستين من العمر.

رحب الشخص الأول بكوننا عربًا ومسلمين، بعد صدمة لم تدم طويلًا، ذلك لأنه أراد أن يرحب بنا على طريقته، ويسقينا جميعًا من زجاجة الفودكا التي أمامه، ولكن جاينتشف قال لـه: إنهم مسلمون لا يشربون الكحول. لاكَ الرجل كلمات في فمه، ثم انطلق بتصميم نحوي، ثم نحو زميلي الأستاذ قجة الذي استجاب لـه قليلًا… بعد دقائق لم يجد الرجل عندنا ما يتطلع إليه، فانصرف باهتمامه إلى منضدة أخرى، بينما بدأت مصادفة لا يمكن تخيلها.. بدأ الرجل الثاني، الأشيب، حديثه معنا، كان أقرب إلى اللياقة والتحفظ، ولكن في داخله شيء عميق لا يجعله يهدأ… سألنا: هل تعرفون أسوان؟! قلنا نعم. قال من زار أسوان؟! قلت لـه: أنا. قال: أنا وضعت أول قضيب حديدٍ في أول عمودٍ لسد أسوان، وفي آخر عمود فيه، ومددت خط التوتر العالي (500) فولت من أسوان إلى القاهرة، وقد مشيت مصر كلّها في الصحارى والسهول، وكان هناك عطش وإرهاق، ولي في مصر أكثر من ألف صديق.. ثم بدأ يردد أغنية لمغنية مصرية غنت باللغات الأجنبية.. أظنها “حلوة يا بلدي..”.

توقف القطار في محطة ريزان الساعة 19.38 بتوقيت موسكو، وقبلها كان في مدينة أخرى قريبة منها، ومن الغريب أن يتوقف في محطتين متجاورتين، لا تبعد إحداهما عن الأخرى سوى دقائق قليلة.

عرَّفنا الرجل على نفسه: ألبيرت نيكولاييفتش، قضى في مصر سبع سنوات حتى عام 1967، وللمصادفة فإنني مررت من أسوان إلى النوبة وأبي سنبل قبل اقتلاعه ونقله، حيث كنت مع رحلة قبل إقامة السد، وقبل بدء التخزين في بحيرة ناصر، وذلك في عام 1963 وكان الرجل هناك في الوقت ذاته. أخذ الرجل يردد كلامه الذي ينم عن محبة وصدق وصداقة عميقة، ويستعيد كلمات عربية وتعابير، ويمتحن ذاكرته، ويجدد صداقاته، وكأنه يرى فينا الوجوه المصرية التي عرفها وأحبها. كانت تلك لحظة صدق مؤثرة استعدنا فيها جميعًا أيامًا للصداقة السوفيتية العربية. كادت دموع الرجل تنفر من عينيه وهو يحدثنا ويردد كلمات المودة على مسامعنا، ويذكر أم كلثوم، جواز سفر المرور إلى القلوب. كانت تلك لحظة مؤثرة وغريبة… إذ من كان يقدّر أن يلتقي ثلاثة من السوريين في قطار متجه من موسكو إلى أوفا عاصمة بشكورستان، بعاصفة من تاريخ يعود إلى بداية الستينيات من القرن العشرين، يثيرها رجل وضع أول قضيب حديد في عمود، وأقام آخر عماد في سد أسوان العالي؟!، وكان أول القادمين أو من أوائلهم، وآخر المغادرين في عملية بناء ذلك السد العظيم، الذي ترك تأثيرًا كبيرًا في السياسة والاقتصاد والعلاقات، وفي حياة المصريين؟!.. ومن كان يتوقع أن يجمعنا مطعم ذلك القطار، ذي الطاولات العديدة، في طاولتين متجاورتين، ليبدأ حديث وصل الأسماع وقرب القلوب وأعاد صور التعاون والصداقة، ليقرب بين العرب والروس، في أيام كان يحشد فيها الأميركيون عداء للعرب والمسلمين، ويكاد يتخلى كل أصدقاء العرب والمسلمين عنهم، بعد أحداث أيلول/ سبتمبر ٢٠٠١!؟.

أعادنا هذا المشهد إلى ساعات وصولنا الأول إلى موسكو حيث دعانا أوليج بافيكين مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد الكتاب روسيا إلى لقاء في اتحاد الكتاب. بعد لقاء قصير بجانيتشيف رئيس اتحاد كتاب روسيا، انتقلنا إلى قاعة متواضعة في الطبقة الثانية من مقر الاتحاد.

كان عدد من الكتاب يحتفون فيها بزميل لهم، هو رئيس تحرير مجلة “مُكاتِب روسيا”، نيكولاي داريشنكا… وفي هذا الجو الحميم الخالي من التكلف، كان ترحيب بنا من بعض الكتاب، وجاءت عبارة صادقة وشفّافة ومعبّرة للبروفيسور سيرغي نيبوليسين، أستاذ الأدب الروسي في جامعة موسكو، قال بلذع السخرية الروسية: إن ما يجمعنا نحن الروس والعرب السوريين على الخصوص هو محبتُنا للأميركيين”.. ولهذه الجملة مغزاها، بعد تدمير مبنى التجارة العالمي في نيويورك، والهجوم على البنتاجون في 11/9/2001. لقد فهمت المغزى البعيد والخلفية الشاملة لروسيا الشعب في موقفها مما حدث. جملة أخرى أغنت الدِّلالة ووسَّعتها، قالها الأستاذ ذاته: “بعض الأحلام… أو بعض المتخيلين قال إن عدد ضحايا الحادث بلغ ستة ملايين شخصًا”… وكان للرقم دِلالته في التذكير بابتزاز الصهاينة للآخرين عبر “الهولوكوست”. وكان لهذا الكلام في توقيته، وفي دلالته وقعه الشديد في نفسي، إذ ثبت أن العداء للولايات المتحدة الأميركية أوسع من الدائرة التي كنت أتخيلها، وأنه متأصل في نفوس كثيرين من بني البشر، نتيجة الممارسات الأميركية ضد الشعوب والدول.. ثم جاءت إضافة، أسجلها من دون أن أسوِّغها، قالها شخص من الحاضرين، في معرض الترحيب بنا، نحن العرب، قال: “يجمعنا معهم موسى”.. وربما كان يهوديًّا، وهو كذلك على الأرجح. عدت بذاكرتي إلى المطعم والقطار والشخصيات الروسية الغريبة التي صورها كبار الكتاب… إنها واقعية بدرجة كبيرة، وغريبة بدرجة كبيرة أيضًا.. وهي تعبر عن أبعاد في تكوين شعب.

كان مناخ مقطورة القطار “المطعَم” مضطربًا، ونادت امرأة لألبيرت أن يتركنا ويلتحق بطاولتهم… ظننت أنها أشفقت علينا لكثرة ما تكلم… واتضح لي أنها كانت تريد منه أن يذهب إليها ليضع حدًا لتطفل زميله الذي انتقل إلى طاولتهن أو طاولتهم.

خرجنا من العربة ـــ المطعم بعد أن التقطنا صورًا مع البيرت، وعانقنا بانفعال شديد…

لم أستطع أن أخذ راحتي في العربة. كان الليل قد بدأ يفرش ستاره على ما حولي من بلاد، وتُقت للراحة.. بعد وقت قيل لنا إنه في الساعة (10.30) سوف يتاح مكان أوسع. وكان على زميلي أن ينتظر، إذ إنه خصصت لنا مقصورة برقم (38/37) بسريرين أحدهما فوق الآخر، وحُدِّد لي السرير الأسفل، وحاول هو الصعود إلى السرير الأعلى، فبدا ذلك متعذرًا، لضخامة جسمه، وعدم وجود سُلّم. وكنت أفكر: ماذا لو هبط السرير والرجل فيه علي وأنا نائم؟.. ماذا لو تحرك؟.. ماذا لو وقف القطار فجأة وسقط؟! قال لي إنه سيذهب ملبيًا دعوة أوليج إلى سرير أرضي في مكان آخر، وكان الأمر ليس مؤكدًا.. قلت لـه سوف أنتظرك حتى الساعة العاشرة والنصف، لكي تتدبر أمرك أو تعود إلى سريرك.

خرج وبدأت أهيئ نفسي للنوم، أتيح لي أن أتوضأ وأن أصلي في مكان محشور، ولكنني وصلت إلى راحة روحية مقبولة، جعلتني آوي إلى فراشي باطمئنان… وبقيت على درجة من اليقظة حتى الساعة الثانية والنصف، أيقنت بعدها أنه استقر هناك فنمت حتى الساعة السابعة والنصف صباحًا، وخسرت ما كان يمكن أن يميزني الليل به من فكر ورؤية ومتعة، ولم يكن نومي خلوًا من يقظات مفاجئات، على صرخة هنا وصفقة باب هناك، وتوقفٍ مفاجئ للقطار ثم تحرك لـه، يوقظني من غفوة.. ولكن التعب كان يجعلني قادرًا على العودة إلى النوم بين “النَّتْع” والكبح والشد والجذب.

في الصباح بحثت عن الشاي، وأخذت شيئًا من الخبز الخاص بمرضى السكري الذي وضعته لي زوجي في الحقيبة، وقست نسبة السكر في دمي إنه (205) هذا شيء جيد جدًا فقد كان بالأمس وأنا ألهث في ممرات المحطة نحو عربات القطار المتجه إلى أوفا، أكثر من ثلاثمئة وتسعين، إنه شيء جيد.

كان الصباح مشمسًا وجميلًا… والأشجار المنتشرة على جانبي الخط الحديدي تسمح لنظري بالانفلات من سياجها نحو المدى، ليلتقي أحيانًا بحيرات صغيرة، أكواخًا، نهرًا من روافد الفولجا. توقف القطار في سمارا التي يمر منها أو إلى جانبها رافد عظيم من روافد الفولجا، قال عبدالقادر بفرح طفولي: انظر إنه نهر الفولجا… وانصرف إلى الممر ليصافح النهر التاريخي بحرارة، ولكنه عاد بعد دقيقة ليقول لي: إنه نهر آخر… قال أوليج الذي كان وراءه: إنه من الروافد العظيمة للفولجا. أغرتني زرقة الماء.. وعندما توقف القطار نزلت من العربة واشتريت ثلاثة أكياس صغيرة من الفستق “الفول السوداني”، وعدت للقطار لألتهم بعض تلك الحبوب، وما تيسر لي من حبات البندورة واللبن وما اشتريته من محطة سابقة، وكانت تلك وكأس من الشاي الأخضر إفطاري ليوم الخميس السابع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2001 وأنا أتجه إلى أوفا، مع بداية تسلق القطار لهضاب تفضي إلى مرتفعات الأورال..

ثرثر أوليج عن تاريخ للمنطقة، ليس هو تاريخها بل التاريخ الذي قاله عنها، وأشار إلى أننا بدأنا ندخل أراضي لقبائل لم تكن شيئًا، منها قبائل تتارية، وكان ذلك منه ردًّا على سؤالي: هل تجاوزنا الآن الأرض التاريخية لروسيا قبل التوسع القيصري؟

نحن نصعد باتجاه الأورال… أوراق الشجر، بصورة خاصة، لفتت نظري. للخريف الذي كان يطرق الأبواب، وقع خاص على البصر في طبيعة هذه المنطقة. لم أستطع الكتابة… دخل زملائي وبدأنا الحديث، ثم تناولنا الشاي والقهوة، وأعلن أوليج بفرحه المصنوع أن العربة التي نحن فيها أصبحت تقريبًا لنا وحدنا، نحن السوريين والوفد الروسي المكون من ستة أشخاص، الذي يتجه إلى أوفا للاحتفال بالكاتب أكساكوف سيرجي تيموفييتش 10/1/1791 ـــ 25/9/1859 وباستضافة من المركز الإسلامي ومن دار الإفتاء ورئيس جمهورية أوفا.

وصلنا إلى أوفا في الساعة السادسة وخمس وعشرين دقيقة بتوقيت موسكو، الثامنة وخمس وعشرين دقيقة بتوقيت أوفا، وكان في استقبالنا شخص قصير القامة أشقر، شعره أشقر على أشيب، متوسط كثافة الذقن ومعه آخرون. تبينت البشكيريين من بينهم بلون الشعر الأسود والسمرة المائلة إلى البياض. ومن محطة القطار توجهنا إلى الفندق.

في الصباح التالي، صباح الجمعة 28/9/2001 تناولنا طعام الإفطار في الفندق ثم توجهنا إلى مدينة بليبي مسقط رأس أكساكوف. كان الصباح جميلًا مشمسًا، وأشجار البريوزا تنتشر أسرابًا وتمتد أحيانًا غابة. بعد ساعتين من السفر بحافلة متوسطة الحجم توقفنا للاستراحة على مقربة من غابة، دخلتها مثلهم، وفوجئت بشجرة الريبينا… لم أكن أعرفها ولكن ثمرها شدني إليه، استمتعت بمنظر الأشجار والزهور البرية في الغابة، وتعرفت على طبيعة جميلة جديدة علي، وعلى ثمر بزهر جميل هو من غذاء الذئب “الجيمالا” يشبه الأقراط الجميلة.. ولم تطل هذه الوقفة فقد استأنفنا السير قبل أن يدخل الهواء النقي إلى صدورنا. على مدخل أوفا توقفت الحافلة في الساعة 11.30 بتوقيت أوفا 9.30 بتوقيت موسكو 8.30 بتوقيت دمشق.. وبدأ الطقس الشعبي التقليدي الجميل: تقديم الخبز والملح، مع الأغاني الشعبية الترحيبية، بالملابس التقليدية.. في ذلك الموقع تقدمت نحونا مجموعة من الفتيات، يمثلن أبرز القوميات في المنطقة، بأزياء قومياتهن المميزة: (وفي بشكورستان ١٢٥ قومية أشهرها، أو أكبرها: البشكير، الروس، التتار، الجوفاش، القومية الأقل عددًا)، وكانت كل فتاة ترحب بنا على طريقة أهلها: تَناولنا الخبز والملح، وشربنا حليب الخيل، وبعضهم أخذ البيرة، وقُدمت إلينا حلويات من الصنف الشائع في البلد، لا أذكر اسمها.

كانت تلك لحظات طيبة قضيناها مع مستقبلينا، تابعنا بعدها طريقنا إلى وبليبي. بقي طعم حليب الخيل في فمي، وأخذت أستذكر لحظة ما شربت فيها حليب الخيل… نعم.. نعم.. كان ذلك في منغوليا. وقفزت إلى ذاكرتي السهول المنغولية الفسيحة، والخيول الصغيرة الحجم، والجمال بسنامين، والأيام القاسية التي قضيناها في المناقشات الحادة في أولان باتور، عاصمة منغوليا، بشأن استضافة مقر اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا في دمشق… تلك أيام تعود إلى خمس وثلاثين سنة خَلَت.. عادت فجأة بمرارة لحظات وحلاوة لحظات. كان في سربنا يومها في منغوليا: أناتولي سوفرانوف ومعين بسيسو وألكس لاغوما وعبدالرحمن الخميسي وشفيق الكمالي وفيض أحمد فيض من باكستان، “عُرف عندنا باسم فايز أحمد فايز”، وأسيفا هايلي مريام من أثيوبيا.. مؤسف ومؤلم موقف البعض، لكن المناقشات كانت عالية المستوى: دقة لغة، واعتداد بالتاريخ والحضارة والمكانة بين الأمم، وإبداء للاستعداد التام لتقديم ما يحتاج إليه اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، الذي جمعنا، من خدمات، والانغماس في الفكر السياسي.. كانت تلك الجلسة في أولان باتور شديد الحدة في كل شيء، لدرجة أن تلك اللحظات بقيت وستبقى محفورة في ذاكرتي، لأنها الأصعب من بين الجلسات الكثيرة التي شهدت حوارًا لنا، حول هذا الموضوع امتد في لقاءاتنا لسنوات، وتكرر في عواصم عدة.

تركت منغوليا وخيولها وسهولها التي شدتني في لحظة تذكر، وعدت إلى الجمع الذي أنا معه نشرب حليب الخيل، ونأكل الخبز والملح، ونستمع إلى الغناء الشعبي الترحيبي على مدخل أوفا. إن لقاءات الشعوب على المودة والاحترام، تفتح السجل المقابل لصراعات الشعوب على أرضية الحقد والاستغلال والاستعمار، والعداوات الطائفية والمذهبية والعرقية، وتزري به. كانت تضغط علي كلمات جورج بوش الابن: “من ليس معنا فهو ضدنا”، و”سنشن حربًا صليبية مقدسة طويلة”، و”إننا نعلن حملتنا تحت اسم: “العدالة المطلقة”؟

من ينسى ذاك الكلام العنصري البغيض، ووقعه على “المتخلفين”،؟! ومن ينسى “حرب العادلين” ووقعها على المظلومين”؟ وحرب “الحرية على العبودية بأنواعها، لا سيما العقلية والروحية”؟ ومن ينسى تلك الشعارات الطنانة؟ نحن لا ننساها، ولن ننساها، لأننا نعرف حقيقة الإدارات الأميركية وممارستها القمعية، التي تقوم بها وهي تضع على وجهها قناعًا يخفي الوجه البشع، والعمق المظلم، لمن يقولون بشيء ويقومون بعكسه، ولمن ينادون بشعار ويوظفون كل ما يتصل به لخدمة أغراضهم ومصالحهم الخاصة، وماديتهم المتوحشة، وعنصريتهم البغيضة.

ومن أسف أننا اليوم، نجد في الحرب المجنونة التي تستهدف بلدنا، وأقطارًا في أمتنا العربية، وهويتنا، وديننا، ووجودنا.. نجد شراكات أوسع الإجرام، ودخولًا لدول وقوى كبرى، في حرب تدميرية مجنونة، وفتنة مذهبية وعرقية مأفونة.. لا يقف الروس والأميركيون خارجها، على نحو يميز الدول العظمى، من حيث المسؤولية الأخلاقية، والسياسية، والإنسانية.

عذرًا.. يبدو أنني استيقظت بسرعة من “غفوة بين كابوسين”، قبل أن تنتهي الاستراحة، وعاودت الانغماس في خضم المُهلكات: الحرب، والمؤامرات، وبؤس السياسات.. إذ ما باليد حيلة.. فعذرًا.. عذرًا.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة

News image

رام الله (الضفة الغربية) - دعت حركة حماس الاثنين الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمدالله إلى...

القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور

News image

تمكنت القوات السورية من السيطرة على ضاحية الجفرة الاستراتيجية وتأمين محيط مطار دير الزور، بحس...

أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس

News image

مانيلا (رويترز) - أدت الأمطار الغزيرة إلى حدوث سيول في بعض مناطق العاصمة الفلبينية وال...

صبرا وشاتيلا جرح في الذاكرة لم يندمل ثلث قرن بعد المجزرة

News image

بيروت –تحل السبت الذكرى الـ35 لمجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت في 16 من أيلول/سبتمبر عام...

تثبيت الحكم بالمؤبد على مرسي في قضية التخابر مع قطر

News image

القاهرة - قالت مصادر قضائية إن محكمة النقض المصرية أصدرت السبت حكما نهائيا على الر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

أسئلة استشكالية ثقافية فى مواجهة الإرهاب

د. يوسف الحسن

| الثلاثاء, 19 سبتمبر 2017

(1)   كيف يمكن للثقافة العربية الراهنة ممارسة سلطتها فى مواجهة الإرهاب؟ للإجابة على هذا ال...

كــرة الــقــدم .. الــحــاجــة إلــي الــبــطــولــة

د. أحمد الخميسي

| الثلاثاء, 19 سبتمبر 2017

  أصارح القارئ، وأنا أتصدى للكتابة عن كرة القدم، أنني لا أفقه أي شيء في كرة...

مطاردة في منيابولس

عادل سالم

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  قصة قصيرة انتبه سائق الباص العمومي في أحد شوارع منيابولس أن سيارة تلاحقه، وكلما ...

جديد جميل السلحوت للأطفال

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

القدس: 15-9-2017 عن منشورات الزّيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في بيتونيا - رام الله- فلسطين، صدر...

الحُبُّ كلبٌ من النار

نمر سعدي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

في القطارِ الذي يقطعُ الليلَ قالَ غريبٌ لآخرَ: تلكَ التي في الوراءِ تحدِّقُ مثلَ الم...

روج ون (1) (2016): قصة حرب النجوم!

مهند النابلسي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

"... فهذه حقيقة الحروب، حيث يظهر الطيبون كأشرار، والأشرار يظهرون كأخيار"! (تقديم نمط جديد فري...

التضليل باسم الفن

فاروق يوسف

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  لا رسم ولا نحت ولا موسيقى ولا غناء ولا سينما ولا مسرح، بالرغم من أن ...

أدوار اجتماعية - تربوية تتراجع

د. عبدالاله بلقزيز

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  لم تكُنِ العولمة، غبَّ ميلادها، متعددةَ الأقطاب، كانت أمريكيةً، في المقام الأول، ولم تبدأ ا...

من "الغاط" إلى "صنعاء"!!

د. عبدالله القفاري

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  في قريته "الغاط" وحتى بلوغه التاسعة عشرة، كان قدره أن يكون فلاحاً في مزرعة ...

العرب وسؤال الهوية الجديد

د. السيد ولد أباه

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  ثمانون سنة تقريباً مرت على صدور كتاب طه حسين الشهير «مستقبل الثقافة في مصر» ا...

قمر ونسمات

زياد جيوسي | السبت, 16 سبتمبر 2017

بقلم وعدسة: زياد جيوسي في أمسية من أمسيات عمَّان عاصمة الأردن الجميل، وخلال زيارتي الت...

ثقافة الهبل وتقديس الجهل وتقبّل الرأي الآخر

عبدالله دعيس | السبت, 16 سبتمبر 2017

قراءة في كتاب (ثقافة الهبل وتقديس الجهل) للكاتب المقدسي الشيخ جميل السلحوت. الصادر عن مكت...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم21236
mod_vvisit_counterالبارحة37770
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع97540
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي236450
mod_vvisit_counterهذا الشهر658139
mod_vvisit_counterالشهر الماضي927688
mod_vvisit_counterكل الزوار44657509
حاليا يتواجد 3241 زوار  على الموقع