حول التسوية في اليمن

الثلاثاء, 06 نوفمبر 2018 13:57

د. أحمد يوسف أحمد

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

دعا وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيين، الأربعاء الماضي، إلى وقف لإطلاق النار في اليمن في غضون ثلاثين يوماً، على أن تعقب ذلك مفاوضات، على أساس أن المناخ بات مواتياً أكثر من أي وقت مضى لإيجاد تسوية. وبعدها أعلن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن أنه سيعمل على إطلاق مفاوضات جديدة بين أطراف النزاع في غضون شهر أيضاً.

 

وفيما يتعلق بمضمون هذه المبادرة، أشار مطلقوها إلى ضرورة توقف الحوثيين عن استهداف دول التحالف وانسحابهم من المناطق الحدودية مع السعودية، مقابل توقف التحالف عن مهاجمة المناطق ذات الكثافة السكانية العالية حيث يتحصن المقاتلون الحوثيون.

وثمة ملاحظتان أساسيتان على هذه المبادرة، تتعلق أولاهما بالمضمون، وتتعلق الثانية بالتوقيت.

أما المضمون، فإن ما رشح من تصريحات أصحاب المبادرة يوضح أنها فارغة من المحتوى على نحو يذكّرنا بالمبادرة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي في آخر أيام ولاية باراك أوباما. ويشير خبراء تسوية الصراعات إلى أن هذا قد يكون مقصوداً، لأنه لو تم الإفصاح عن المضمون قبل بدء المحادثات، لما قبِل أحدٌ الجلوسَ على مائدة التفاوض، لأن المضمون سوف ينطوى بالتأكيد على تنازلات مؤلمة، بينما يُراد من المفاوضات إيجاد حلول وسط مُرضية للأطراف كافة. وقد يكون هذا صحيحاً، لكن عدم الإشارة إلى المرجعيات الأساسية للحل يعني أن المفاوضات سوف تبدأ دون حد أدنى من الاتفاق لتنتهي من حيث بدأت. ولنا في المفاوضات المتعلقة بتسوية القضية الفلسطينية درس وعبرة، فمنذ اتفاقية كامب ديفيد الخاصة بإطار السلام في الشرق الأوسط عام 1978 وحتى الآن، ومضمون هذه المحاولات لا يشير إلى حلول أو مرجعيات محددة وإنما يكتفي بالأمور الإجرائية، مع النص على مرحلة انتقالية تُجرى أثناءها مفاوضات لحل قضايا الوضع النهائي.. فكانت النتيجة في كل الأحوال صفراً كبيراً.

ومتابعة مجريات الصراع اليمني ومحاولات تسويته، توضح أن بعض الأطراف الدولية، إن لم يكن كلها، تتعامل مع طرفي الصراع بـ«مساواة» خاطئة، وكأن أحداً لم يغتصب الشرعية هناك، وكأن قراراً من مجلس الأمن لم يصدر منحازاً للشرعية اليمنية في الشهر التالي لعاصفة الحزم، وكأن الشعب اليمني لم يتوصل بطريقة ديمقراطية إلى حلول شاملة لمشكلاته لا يتطلب الأمر لحل الصراع الراهن سوى العودة إليها.. لذلك لا نجد في المبادرة الأخيرة، شأن سابقاتها أيضاً، كلمةً واحدةً عن الخروج على الشرعية في اليمن وضرورة استعادتها! إنه من دون التأكيد على الشرعية، يتعذر على أي مبادرة أن تنجح.

وتتعلق الملاحظة الثانية بتوقيت المبادرة؛ فلماذا الآن وقد اقترب الصراع في اليمن من إكمال سنته الرابعة، كما قاربت إدارة ترامب (صاحبة المبادرة) إكمال سنتها الثانية في السلطة؟ لقد تعددت الاجتهادات في هذا الصدد؛ فذهب البعض إلى تفسيرها بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن، وهو تفسير قاصر بالتأكيد، وإلا كان العالم قد انقلب رأساً على عقب بسبب أزمة اللاجئين في الصراعات الراهنة في العالم العربي وخارجه. فالصراع الدائر في اليمن هو أخطر الصراعات العربية الراهنة، من حيث تداعياته على أمن الدول المجاورة لليمن، لأن انتصار الخارجين على الشرعية هناك يعنى سقوطها في براثن فئة تُعَد ذراعاً لمشروع الهيمنة الإيرانية. ومثل هذا الصراع لا يتأثر بحوادث جزئية مهما كانت تداعياتها، لأنه صراع يتعلق بأمن الدول وبقائها.

أما الاجتهاد الثالث فربط توقيت المبادرة بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي، وهو في تقديري الاجتهاد الأقرب للصحة. فمن المعروف أن ثمة انتقادات ديمقراطية حادة لسياسات ترامب، ومنها سياسته تجاه الصراع اليمني، لذا فهو يريد بهذه المبادرة وغيرها أن ينتزع أوراقاً من أيدى الديمقراطيين. وخطورة هذا التفسير، لو صح، أنه يعني أن مصير هذه المبادرة سوف يكون رهناً بنتائج تلك الانتخابات.

 

د. أحمد يوسف أحمد

- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

- مدير معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

- متخصص في العلاقات الدولية والشؤون العربية.

- أشرف على تحرير عدد من المؤلفات من أهمها: سياسة مصر الخارجية في عالم متغير، التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي.

 

 

شاهد مقالات د. أحمد يوسف أحمد