موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اندماج مصارف خليجية لإنجاز مشاريع وتحقيق التنمية ::التجــديد العــربي:: مخاوف اقتصادية تدفع بورصات الخليج إلى المنطقة الحمراء ::التجــديد العــربي:: «اليابان» ضيف شرف معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي يقام بين (31 أكتوبر - 10 نوفمبر 2018). ::التجــديد العــربي:: بعد إغلاق دام 3 سنوات.. فتح معبر "نصيب-جابر" الحدودي بين سوريا والأردن ::التجــديد العــربي:: كيف يمكن أن تؤثر العادات الغذائية على الأجيال المستقبلية؟ ::التجــديد العــربي:: نفاد تذاكر مواجهة الارجنتين والبرازيل المقامة مساء يوم الثلاثاء على أستاد مدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة ::التجــديد العــربي:: بيتزي: قدمنا مواجهة قوية أمام البرازيل.. ونعد بالمستوى الأفضل أمام العراقضمن مباريات بطولة سوبر كلاسيكو حيث كسبت البرازيل لقاءها مع السعودية بهدفين نظيفين ::التجــديد العــربي:: حي استيطاني جديد في قلب الخليل يتضمن بناء 31 وحدة ::التجــديد العــربي:: إدارة ترامب قد تشهد استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس قريبا! عندها، سيصل عدد المستقيلين من إدارة ترامب وحكومته إلى 29 ::التجــديد العــربي:: الاحتلال يدق طبول الحرب ضد قطاع غزة.. ::التجــديد العــربي:: السعودية ترفض التهديدات والضغوط: سنرد على أي إجراء بإجراء أكبر ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين في اتصال للرئيس التركي: لن ينال أحد من صلابة علاقتنا ::التجــديد العــربي:: السلطات في أندونيسيا تعلن انتشال 1944 جثة وتبحث عن 5000 «مفقود» في (تسونامي) بجزيرة سولاويسي ::التجــديد العــربي:: أربع قضايا عالقة بعد سحب السلاح من إدلب ::التجــديد العــربي:: ولي العهد : صندوق السعودية السيادي "سيتجاوز 600 مليار دولار في 2020" ::التجــديد العــربي:: مجمع بتروكيميائيات بين «أرامكو» «وتوتال» يمهد لاستثمارات بقيمة تسعة مليارات دولار ::التجــديد العــربي:: نصير شمة يستعد لثلاث حفلات في المملكة تستمر لثلاثة أيام في ديسمبر المقبل، وذلك على مسرح مركز الملك عبدالعزيز الثقافي "إثراء" بمدينة الظهران ::التجــديد العــربي:: الروسي حبيب يحطم رقما قياسيا في إنستغرام بعد هزيمته لماكغريغور ::التجــديد العــربي:: تحذير من تناول القهوة سريعة الذوبان! ::التجــديد العــربي:: جائزة نوبل للطب لأمريكي وياباني توصلا لعلاج جديد للسرطان ::التجــديد العــربي::

أُمَّتنا العربية .. بين قوانين البناءِ ومَعاولِ الهَدْم

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة، والمعادلات والنظريات لتشكل بمجموعها بيئة متسعة متماسكة، لا يُمكن مخالفتها أو نقضها، ولا يجوز تخطي ما رسّخته من أسس ومعطيات، ولذلك يبني اللاحق من العلماء على هدي السابق منهم، إلا إذا نقضه بعلم متمكن، يقوم على البرهان والتجربة والمنطق الرياضي الصارم. وتنمو العلوم والمعارف، وتنتج عن نموها زيادة مذهلة في التطور التقني، والكشف العلمي، والتقدم في المنجزات الهائلة التي جعلت من العقل البشري عقلاً معجزاً، لما حققه من نتائج باهرة.

 

وقوانين الطبيعة، هي أيضاً قوانين بناء وبقاء، تفرض نفسها على الكائنات، وتعاقب بقسوة لا نظير لها، كل خروج عليها أو تجاهل لها. ويصطدم من يجافي منطقها بعقبات ترقى، في مجالات تخطيها، إلى مستوى المستحيلات. وقد تمكَّن الإنسان في صراعه من أجل البقاء والتطور والتقدم، يمكَّن من تطويع الطبيعة واستثمارها، من خلال اكتشاف قوانينها، والتعامل معها على أساس تلك القوانين والعلاقات، بمرونة وإصرار على بلوغ الغايات.. وكل مكسب وانتصار حققه الإنسان على الطبيعة وفيها، كان نتيجة اكتشاف تلك العلاقات والقوانين، وتطبيقها بإبداع، واحترامها، ومتابعة استجلاء خفاياها، في ضوء العلم والمنطق، اللذين أوصلته إليهما التجربة والممارسة والرؤية الحكيمة والاستنتاج المنهجي.

وفي الحياة الاجتماعية والسياسية، وأوجه تنظيمها، وتسيير أمور الناس فيها، يضع الإنسان القوانين، مستفيداً ممارسّخه غيره، عبر التجربة والعلم والمعرفة الإنسانية المتراكمة، ومن العلاقات والأعراف والتقاليد التي أسست لها وأنضجتها بيئات اجتماعية تفاعلية، وظروف تاريخية، ومعطيات عيش وعمل وتعامل، وتجارب تراكمية، وعقول بشرية ناضجة ومنتمية للحياة.. وكل تلك يستقرئها، ويضيف إليها ما تتطلبه أوضاع وحاجات وتطلعات جديدة متجددة. ويحرص على وضع قيم وأفعال وأشخاص أحياناً، في مرتبة القدوة، ويرفعهم نماذج يُحتذى بها..

ويحث الإنسان، عبر ذلك ومن أجله، على التقيد بالقانون، ووضع أسس ومعايير لتمييز الجيد من السيئ، والنافع من الضار، والمُجيد عن المسيء، فيستحسن، ويكافئ المجيد ويرفع شأنه، ويعاقب المسيء ويسفِّه فعلَه أو يدينه أو يعاقبه. وكل ذلك في سبيل إحياء المجتمع – الأمة، ورفع المثل الأحسن، والقدوة الأفضل، وترسيخ الأصول والقواعد والقوانين السليمة البناءة، وتطبيقها بدقة وموضوعية واحترام. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى شعور الإنسان بالحماية، وإلى أمنه وسعادته في سربه، وإلى رقي المجتمع، وإصلاح الفاسد، والحدٍّ من الإفساد.. وإلى نمو الخبرة الإنسانية، والاستفادة منطق الحياة والطبيعة، ومن تجارب البشر وخبراتهم الطويلة، لترسيخ القيم الإنسانية الخيرة.

ومن هنا تنشأ أعراف جيدة، وتقاليد عمل وتعامل سليمة، ومعايير يتواضع الناس عليها، ويعرضون عليها الأفعال والسلوك والأقوال والأشخاص. وتكون لأولي الرأي والحكمة والمعرفة فيها حكم ونظر، ويكون لهم قيمة في مجتمعاتهم، وكذلك للمبرزين من الناس في مجالات النهوض بالإنسان، سواء أكان ذلك في ميدان الخدمة، أو التضحية، أو البطولة، أو السلوك الحسن والفعل البناء، وفي مجالات العلم والإبداع بأنواعهما وأشكالهما، وفي مجالات السياسة البناءة. ويحتل الشخص الكفؤ مكانه بجدارة واحترام، وتأخذ القدوة الحسنة فعاليتها، وتؤدي دورها، ويكون للقانون احترام، ولمن يطبقه بدراية وموضوعية ومسؤولية واقتدار:”تقدير، وكلمة مسموعة، ورأي يؤخذ به، وتجربة يُستفاد منها”، ويسهم كل ذلك في إشادة البناء، المعنوي والمادي، على مستوى الوطن والأمة، وفي ترسيخ المعايير، وتنمية الوعي الاجتماعي المسؤول، والوعي الوطني والقومي والإنساني، وفي إشاعة مناخ مناخ صحي بناء، ليراقب الشخص ويشارك، وليرتقي عطاء ورأي موضوعي، وتنعكس ظلال ذلك كله على الأفراد والمجتمع، وفي أشكال الأداء الاجتماعي الخلاق، والسياسي البناء.

وهكذا تنتصب أمام الأجيال منارات تضيئ الآفاق، ويُقتدي بها، لا أصنام تصدأ في الرطوبة، ويحفّها العفن، وتُحْنى لها الهامات. وتحرص السلطات في الدول والمجتمعات التي تعرف ما تريد، وتحسِن السير في طريق الوصول إلى ما تريد.. تعرف كيف تطبق القواعد والأسس والمعايير الصحيحة السليمة، المنفتحة على التطور وعلى الآخر الذي تغتني به، وبمعطيات الحياة في تطورها، وبتفاعلات البشر في بواتق عيشهم.. كما تعرف كيف تجعل لذلك قيمة وسقفاً، وكيف تجعله ضابطاً للسلوك الشخصي للأفراد، وكيف تجعلهم يلمسون نتائج التطبيق السليم لذلك، في كل مراحل حياتهم،لا سيما عند قيامهم بكل فعل يفعلونه، السالب منه والموجب، وكيف يتبينون أوجه النفع وأوجه الضَّرر. وعلى السلطات في الدول، أن تجعل من وجود قوانين وقواعد ومقاييس ومعايير دقيقة وسليمة، ومن مثل وأعراف وتقاليد حساسة، مرعية التنفيذ ومحترمة.. أن تجعل من كل ذلك، وفي ضوء تطبيقه بموضوعية ومساواة وحزم.. روائز ومراجع ومؤشرات، تجعل الناس يشعرون بقيمة كل التزام وعمل، وبتأثيره على البنية الفردية والاجتماعية، وعلى المستوى الحضاري العام.. ويطمئنون إلى سلامة كل تقييم وتقدير لشخص أو فعل أو إنجاز أو إبداع، وأنه وُضِع في مكانه، ويلمسون ما يعكسه ذلك من قيمة وتأثير وارتياح.. حيث توضع الأفعال والانجازات، التضحيات والخدمات، الإبداعات والاختراعات، ويوضَع الأشخاص المعنيون بذلك، في الأمكنة التي وضعوا فيها بجدارة.. فلا يُنتقص فعل أو شخص، أو ييُحابى فعل أو شخص، لاعتبارات خارجة عن سلامة المعايير والضوابط والأحكام الموضوعية – الأخلاقية. وكل ما يمكن أن يتم، خارج حدود الموضوع، وسلامة التقييم والتقدير، وفق المعايير السليمة، يؤدي إلى انتكاسات وفساد وإفساد.

هكذا يشعر الفرد بقيمة الدولة والسلطة والجماعة، وبأنه مكفول ومنصَف ومراقَب ومسؤول وشريك، وهو ضمنها، وتحت نظرها، وفي مجال تطبيق القوانين والمعايير والضوابط فيها.. ويشعر أن له مثل ما عليه من حقوق وواجبات، وأن ما يقوم به من أفعال، وما ينجزه من أعمال، ويحققه من إنتاج، وما يبذله من جهود.. ليس ضائعاً أو غائماً أو مرتهناً لمزاج مريض أو علاقات مريضة، وأن هناك علاقة وتناسباً بين الإنجاز والقدرة والتضحية والإبداع والجهد من جهة، وبين المثوبة والتكريم والتقدم والاحترام والمكافأة والمكانة الاجتماعية والعلمية التي يقرها المجتمع، أو تقرّها الدولة باسم المجتَمع، من جهة أخرى.. وأن وضع غير المستحق، أو سارق الجهد والمدعي، في صف واحد ودرجة واحدة، مع المُستحق بجدارة يفسد ويكوي، وينعكس سلبياً، وبدرجات شتى..

كما يشعر الفرد والمجتمع، بأن للقوانين والمعايير والأعراف والعادات دور راسخ، في بناء المجتمع والعلاقات، وأن لكل رأي وإنجاز مكانة وقيمة، ولكل شخص مرتبة ومقدار. ويتمثل ذلك، أو ينبغي أن يتمثل، في السلطات التي تختار وتوجه وتتدخل، حيث يفترَض فيها أن تمثل سلامة تطبيق القوانين والمعايير والقواعد، وتراعي مصالح المجتمع وتحرص عليها، وترعى الحقائق بقوة وإنصاف، وتضع حوافز مادية ومعنوية للتنافس البنّاء، وتحافظ على سلامة مناخ الأداء والإبداع والإنجاز، ليبقى العطاء والبناء، في اندفاع حيوي، ينميه تنافس شريف، مُقدَّر بموضوعية تامة، يشعر به كل الذين يدخلون ميدان التنافس، خدمة للوطن والأمة والتقدم العلمي، والإبداع الحضاري والإنساني.

أما إذا ساء تطبيق القوانين والمعايير، وناقضت الأحكامُ الواقعَ والوقائع والمصالح العامة للناس، واختلت الموازين، وصار صوت الغوغائية أعلى من صوت العقل والمنطق، وفوق المجتمع والدولة والأمة .. وأصبحت الميليشيات هي الحاكمة، بوسائلها وأساليبها المريضة المدمرة التي تتعارض مع القانون، ويرفضها المنطق، وتجر على المجتمعات والدول دماراً وفساداً، في كل مجال من مجالات الحياة، يؤديان إلى المزيد من تدمير الأفراد والمُجتمعات، مادياً وروحياً، عقلياً ووجدانياً، معرفياً وتقنينياً.. فإن الخطورة تكون عظيمة على كل بنية وبِناء وبَنّاء، على العلم والأدب والفن، على الإبداع والثقافة والحضارية، على العدالة والدولة.. ويتهافت معها الإنسان القيمة، وتتهافت قيمة الإنسان.

تبدأ الأمور بالتهاون، و”ترتقي”إلى الاستهانة، وتنتهي بالاستهتار والدمار.. ويتم تسخير المصلحة العامة للمصلحة الخاصة، في مستويات حزبية وطائفية ومذهبية وشللية، بائسة وشخصية متورمة ومتخلفة.. وينتهي هذا بترسيخ “مدرسة”ومنهج تضيِّع كلُّقادر مخلص في عمله، وكلَّ متمسك بقانون وقيم مبادئ سليمة وخلق قويم .. حيث تسود قواعد رأس “الحكمة فيها”مخافة الطغيان، والقوة العمياء، ومَن لا يعرف الله والفضائل والقيم، ويتاجر بالوطن والشعب، ويحكم على كل ذي قيمة، وعلى كل مخلص كفؤ في عمله، أو قويم في سلوكه، أو مقتدر في أدائه وإبداعه، بأنه “لا يعرف كيف يدبِّر رأسَه”، بمعنى كيف يحتال، وكيف يسلك كل طريق عدا الطريق القويم.. وتحل مقاييس “الشّطارة والجَسارة”، بمعناهما السلبي المدمر، محل القوانين ومقاييس الأخلاق وقيم الإنتاج، وتحل العلاقات الشخصية المريضة محل المعايير والأسس السليمة.. وتتجلى النشوة الظالمة بأبهى حُللها، لتزدهي بأثواب الدم، وبما هو الأسوأ من الأفعال والأحكام والممارسات التي تراها انتصارات “للشطارة والجسارة”، على الأصول والعقول، فتُدخل الدنس إلى النفوس، وتستبيح ما حرمه القانون والعقل والضمير والدين ومنطق التقدم والبناء.. ويسير الفساد في البلدان ثملاً، يسخر من كل الأخلاق والأعراف والقيم والقوانين السليمة في المجتمع.. وتبدأ عملية التسابق بين الناس، للتلاؤم مع المعطيات الجديدة، والتلاوم مع التنازل عن المبدأ والكرامة، مع الكذب والافتراء والدجل، مع استخدام القوة الغاشمة، والتحايل على القانون، والأخذ بكل ما يمكِّن من الأسباب للوصول إلى الغايات، بعيداً عن سلامة القواعد والقيم والسلوك والمعايير..”الغاية تبرر الوسيلة؟!”، وإذا كانت الغايات دنيئة أو متدنية القيمة، فإن كل شيء يسقط في مستنقع ضحل ينتِج الوباء، وتصبح هناك قواعد سائدة، لا علاقة لها بأي نوع من السلامة والصحة والقدرة على البِناء.

وفي هذا المناخ تهون على أشخاص مبادئهم وكرامتهم، وتهون عليهم أوطانهم، ويغيرون جلودهم كل يوم كما يغيرون ملابسهم، ويمضغون الذل مرّة، ثم يستسيغون مضغه ويدمنونه، ويصبح ما يشين هو مما يرفع الرؤوس لديهم..؟!.. ويضيع، عبر هذا التيار، علم وأدب وفن وإنتاج وإنجاز ورجال ونساء ووطن، وتضيع أمَّة.. ويزحف خلق كثير على رؤوسهم، وتضيع مجتمعاتهم وليس حقوق الناس فيها فقط، ويختلط الحابل بالنابل.

والخطورة الأجدر بالالتفات إليها، عندما تصل الأمور في مجتمع ما إلى هذا الدرك.. تكمن في الكيفية التي سيكون عليها الآتي .. المستقبل .. إذ أن الأجيال تتربى في هذه الأوساط والبيئات – إن هي وجدت مدرسة وتربية ووسيلة – متخذة أسس عملها وسلوكها وتعاملها وقدوتها ومثلها وقيمها، ممن تراهم “مثال النجاح”في المجتمع.. و”أهلاً للقدوة”في الحياة، ممن يجسدون أمامها الواقع المريض المرفوع أنموذجاً، أو المفروض أنموذجاً يُتّبع… وتترسخ أساليب الحياة اليومية الكسيحة، وأساليب الوصول إلى اللقمة والمكانة وسواهما، مما هو ضروريّ أو كماليّ في الحياة،بأية وسيلة، ومن خلال ما يراه الأبناء في الآباء، ومَن يطلبون “النجاح” في الذين “بلغوه”، بصرف النظر عن الأساليب والوسائل، وعن سلامة الأحكام الخُلُقية والقيم الاجتماعية والثقافية والعلمية.. أما الأحكام والأفعال والصولات السياسية، فيبدو أنها اعتادت على أن تبقى خارج ذلك، وتريد أن تنشر ذلك سلوكاً وأصولاً وعقائد سياسية، فبذلك نوع من ربح، ونوع من خلود.؟!

وهكذا ينذر المستقبل، بقسوة وسقطات ومخاطر، تكمن شدتها وشِرَّتُها في أنها غير منظورة، لمن يعيشون حاضراً بائساً يلفهم بالقِمَاط، ولا يرون إلا بعيون الفساد والإفساد. ولا يتوقف الأمر عند فساد الذوق والحكم والقيم والمعايير، بل تفسُد الجِبلَّة ذاتُها، ويتردى الإنسان، في تكوينه العام، ولا يتوقف الأمر عند حدود تردي الساسة السياسات والعلاقات، بل تتهاوى الأوضاع أبعد فأبعد.

وما ينطبق على الأفراد والمجتمعات، في مثل هذه الأوضاع في دولة، ينطبق على دول في أمة، صلاح كل عضو “دولة”فيها من صلاح أمرها.. وكل الأمم الحية، تحرص بقائها وقدراتها وحيويتها، وعلى فضائلها وقيمها وأخلاقها ومعاييرها، وعلى سلامة الإنسان والقيمة في بنيتها البشرية والخلقية، وتحرص أيضاً على أن ترى ذلك يتجسد في سلوك ومواقف وأحكام من كل نوع، وفي كل مجال، وقد ترى في ذلك كله هُويتها.. وتلقن الأجيال الموقف الحضاري المتصل بأخلاق، وعلم، وبناء، ومقومات خصوصية ونهضة متكاملة، وفي أحكام ومناهج حكم على الأشخاص والأفعال والإنتاج، تبقى قويمة وسليمة.. والأمة هي شخصيتها البارزة المؤثرة المُتجلية في فعل حضور حيوي كريم، وفي وجود حضاري متكامل، يتفاعل مع حضارات العالم، ومع العقل والوجدان والقيمة الروحية، ومع المعطيات المادية والضرورات والمصالح الحيوية في الحياة التي تشارك بها البشر.. كل البشر. ومما يؤسفني ويؤلمني، أنني في بعض اللحظات، يساورني الشك بقدرة الثقافة والسياسة على تحقيق نقلة نوعية عميقة، في لباب التكوين البشري الذي يتكشَّف، في لحظات ومواقف وحالات، عن جوانب وحشية وهمجية، لا يحكمها منطق وضمير ودين، ولا تنم عن عقلانية، ويعيق بعضها المكونات الروحية عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال. وفي الشارع العربي الذي لا يبدو أنه تنازل فقط، عن حقه في المعرفة، وعن دور الوعي المعرفي في حياته وقراراته وأحكامه.. بل يبدو أنه استقال من مسؤولياته وواجبات القومية، ومن المُواطَنة ذاتها، ومن مسؤولياتها، واستقال أيضاً من دوره الاجتماعي والسياسي البناء، على صعد عدة، ومستويات كثيرة، لأسباب شتى منها: التسلط والقمع والتغييب والتبعية، وتحكم الطَّفاوة البشرية الزئبقية والغوغائية المريضة بالعمق الحياتي والروحي والمادي للناس وشروط معيشتهم، وبتوجهاتهم ومناحي إبداعهم ومقومات الحكم عليهم..إلخ، مما يشكل معوقات لا تعفي أحداً أبداً، من المسؤوليات والواجبات والتَّبعات، ولا ترحمه أو ترحم سواه، لا الآن، ولا في قادم الأيام.

في الشارع العربي شيء لا يُفهَم ولا يُقبل، ولا ينبغي أن يستمر.. دول تخلت عن مظلة الأمة، واستظلت بغيرها، ومجتمعات تبحث عن خلاص في فضاءات هي انعدام كل خلاص، وأفراد ينهشون أمتهم ودولهم ومجتمعاتهم، ويساهمون في تشويه هويتهم وصورتهم، وحتى عقيدتهم البهية.. وهناك تآكل بالغ، وتهافت وتواكل، في الأمة والأقطار، ناشئ عن خوف وفقر وجوع وترويع وانسداد آفاق، وعن تسليم بسيطرة منطق الميليشيات والعملاء والمغامرين والغوغاء، ومنطق مَن يسيطرون على كثير من المَواقع والمرافق الحساسة والثروات، ومن يسيطرون على المسيطرين.. وهناك إقبال على الأخذ بالأحكام البعيدة عن الموضوعية والنضج، المبنية على ترويج “إعلاميـ إشاعي شفوي ـ دعائي سلباً أو إيجاباً”، وتسميم سياسي ومخابراتي أجنبي، متنوع المذاهب والمشارب والأهداف..وتدفق باتجاه الهبوط، من دون إطلاع وتمحيص وتدقيق ومحاكمة، تردع، وتقود باتجاه ذلك جهات تحكمها، وتوجه ترويجها أمراض فتاكة، منها الفتن المذهبية والطائفية.. ومعظم من يقودون في هذه الاتجاهات، ومَن يتبنونها بأساليب وصيغ ومواقف كثيرة.. يخرج عن دائرة المُحكَّم المؤهل النزيه،وعن الموضوعية والأهلية والاستحقاق بجدارة.. ويحكم بعض أولئك ويقود،بتأثير الهالة المصنوعة بالدعاية والتبعية.. فهو يدمر ولا يبني، ويقود إلى التهلكة. وهذا يناقض حركة الحياة واحتياجات الناس، وما يبني الدول والمجتمعات.. ويؤدي إلى تدمير مباشر أو غير مباشر لما يبني المجتمعات والدول، ولما يؤسس لسلامة البقاء والتقدم والنهوض.

وأخال أنه يتوجب علينا نحن العرب، في واقعنا الراهن ومحنتنا الدامية، وامتحاناتنا اللامتناهية، وتبعيتنا المهينة، وضياع حقنا على دروب الأقوياء، أن نخلّص أجيالنا من فتك التبعية وحروبها الوكالاتية، ومِن الفساد والإفساد في كل ميدان، لا سيما في الميدان السياسي الآمر الناهي وتوابعه، ومِن الذين ينشرون الفتن الأوبئة، في حياتنا المادية والروحية، في ثقافتنا وأدبنا وفننا وإعلامنا ومجتمعنا وسياستنا. إن أمتنا العربية تقع منذ زمن، بين قوانين البناء ومعاول الهدم.. وعلينا أن نضعها على طريق البناء، ونحول دور معاولنا من الهدم إلى البناء.. علينا أن نضع أمتنا على طريق استقلالية القرار، وسلامة الاختيار، واستعادة السيادة، والتقارب البناء .. إن مصلحتها العليا هي مصلحة كل دولها وشعوبها.. وليس مصلحة قطر على حساب الأمة، إن خلاص أقطار وحكام، بقتل الهوية والانتماد ونشر وباء التبعية، وإضعاف الذات العربية، وترسيخ الإمَّعية وأشكال الاحتلال.. هو هلاك وإهلاك.. وعلينا أن نتوجه إلى نقيض الهلاك والإهلاك.. إلى بناء الأمة باستقلالة، وقوة ذاتية.. إلى سلامة التفكير والحكم والاحتكام، وفق مناهج تحترم العقل ومصلحة الأمة وحياة الإنسان، إلى الأخذ بتدابير تعلي شأن الانتماء العربي العام، وترفعه فوق الرُّقَع والمِزَق القطرية والطائفية والعشائرية و.. التي غدت هوية، وأسست لفتك الفتاكين، ونهب النهابين، من كل جنس ولون.. وأن علينا أن نصون القيم والمعايير والقوانين والقيم الروحية المنقذة، جوهر هُويتنا، وقِماشة جلدنا.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

حي استيطاني جديد في قلب الخليل يتضمن بناء 31 وحدة

News image

صادقت حكومة الاحتلال في جلستها الأسبوعية أمس، على بناء حي استيطاني جديد في قلب مدي...

إدارة ترامب قد تشهد استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس قريبا! عندها، سيصل عدد المستقيلين من إدارة ترامب وحكومته إلى 29

News image

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في مقابلة تلفزيونية، أن وزير دفاعه جيم ماتيس قد يغا...

الاحتلال يدق طبول الحرب ضد قطاع غزة..

News image

خلافاً للتهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، الأحد، بتوجيه ضربات مؤلمة إلى حما...

السعودية ترفض التهديدات والضغوط: سنرد على أي إجراء بإجراء أكبر

News image

أعلنت المملكة العربية السعودية أنه إذا فُرِض عليها أي إجراء سترد عليه بإجراء أكبر، مؤك...

خادم الحرمين في اتصال للرئيس التركي: لن ينال أحد من صلابة علاقتنا

News image

أجرى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود اتصالاً هاتفيًا بأخيه فخامة الر...

استقالة نيكي هيلي المفاجئة؟ وترامب يقبل استقالة المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة موضحا أنها ستترك منصبها رسميا أواخر العام الجاري

News image

أكد رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، أنه وافق على قبول استقالة المندوبة الأمريكية الدائمة لدى...

الاحتلال يكثّف البحث عن منفذ هجوم بركان

News image

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس، ملاحقة شاب فلسطيني نفّذ هجوماً في منطقة «بركان» الصناعية الت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

دعونا نتعلم من تجارب قرن كامل!

د. سليم نزال

| السبت, 20 أكتوبر 2018

    قرن كامل مر و العرب يسعون ان يكون لهم كيان فى هذا العالم .مروا ...

صاروخان ورسالة!

عبداللطيف مهنا

| السبت, 20 أكتوبر 2018

    مطلق اشتباك هو قابل لأن يتطور إلى حرب لا يريدها الطرفان، وسيميل مجلسهم الوزاري ...

نحو خصخصة حرب أفغانستان

د. عصام نعمان

| السبت, 20 أكتوبر 2018

    الحرب ظاهرة بشرية قديمة. البشر أفراداً وجماعات، تحاربوا منذ فجر التاريخ وما زالوا يتحاربون. ...

- الله وكيلك يا أبي صرنا فرجة -

عدنان الصباح

| السبت, 20 أكتوبر 2018

    قد لا يكون هناك من يدري كيف وصل بنا الحال الى ما وصلنا اليه ...

من غزة والقدس إلى برانسون!

د. محمد نور الدين

| السبت, 20 أكتوبر 2018

    لم تتردد تركيا في يونيو/حزيران 2017، في إبرام صفقتين خارجيتين مهمتين. الأولى تطبيع العلاقات ...

الجيوش الافريقية في العهدة الإسرائيلية

حسن العاصي

| الجمعة, 19 أكتوبر 2018

    يحتل الجزء العسكري والأمني الصدارة في أولويات العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، إذ بدأت المساعدات العسكرية ...

غزةُ لا تريدُ الحربَ والفلسطينيون لا يتمنونها

د. مصطفى يوسف اللداوي | الجمعة, 19 أكتوبر 2018

    مخطئٌ من يظن أن الفلسطينيين في قطاع غزة يسعون للحرب أو يستعجلونها، وأنهم يتمنونها ...

ملتقى فلسطين.. علامات على الطريق

د. محمد السعيد ادريس

| الجمعة, 19 أكتوبر 2018

    في الوقت الذي وصل فيه الاحتلال الصهيوني إلى ذروة استعلائه، اعتماداً على فجوة القوة ...

هل اقتربت الساعة في الضفة؟

عوني صادق

| الخميس, 18 أكتوبر 2018

    أكثر من 200 شهيد، وآلاف من الإصابات، حصيلة مسيرة العودة منذ بدايتها في 30 ...

العالم يتغير والصراع على المنطقة يستمر

د. صبحي غندور

| الخميس, 18 أكتوبر 2018

    الأمة العربية هي حالة فريدة جداً بين أمم العالم، فهي صلة وصل بين «الشمال» ...

في القدس...نعم فشلنا في تحقيق المناعة المجتمعية

راسم عبيدات | الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

    نعم الإحتلال يشن علينا حرباً شاملة في القدس،يجند لها كل إمكانياته وطاقاته ومستوياته واجهزته...ويوظف ...

غزةُ تستقطبُ الاهتمامَ وتستقبلُ الوفودَ والزوارَ

د. مصطفى يوسف اللداوي | الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

    غدا قطاع غزة اليوم كخليةِ نحلٍ لا تهدأ، وسوقٍ مفتوحٍ لا يفتر، ومزارٍ كبيرٍ ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم30899
mod_vvisit_counterالبارحة51978
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع351850
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي396707
mod_vvisit_counterهذا الشهر1066240
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1061896
mod_vvisit_counterكل الزوار59205685
حاليا يتواجد 4335 زوار  على الموقع