الصندوق الخيري المسيّس

الأربعاء, 09 مايو 2018 02:58 د. حسن مدن قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

لسنا ضد العمل الخيري، وكلنا نتمنى وندعو أن يقوم المقتدرون من الناس بالمساهمة فيه. وما أجمل أن نرى مراكز صحية أو دوراً لرعاية العجزة أو مكتبات عامة وما إلى ذلك تشيد بأموال خاصة ، من رجال أعمال أو بنوك ومؤسسات مالية وما إلى ذلك، ويعهد إلى الدولة أن تشرف عليها وتديرها، لتغدو مرافق حكومية قام القطاع الخاص بواجبه في تشييدها، مساهمة منه في تعميم الخدمات الضرورية للناس، ومشاركة الحكومات في تحمل الأعباء.

 

ونعرف أن من رجال الأعمال مَن يتعهدون بتأمين منح دراسية، أو خدمات سكنية وغيرها من أوجه الرعاية للفقراء والمحتاجين، والكثيرون من هؤلاء يعملون ذلك بصمت، بدون دعاية أو إعلام، فهم لا يبتغون من ورائه مجداً شخصياً لهم، وإنما ينطلقون من القناعة بأن هذا جزء من واجبهم تجاه أوطانهم ومواطنيهم.

لكن على صلة بما أتينا عليه أكثر من مرة، في الأيام الأخيرة، حول الانتخابات التي جرت أو ستجرى في بعض البلدان العربية، وبتفحص مخرجات هذه الانتخابات نكتشف أن ما تديره بعض قوى «الإسلام السياسي» من مشاريع تطلق عليها «خيرية»، ليست بخيرية، في أي صورة من الصور، وإنما هي مشاريع ذات أغراض ومرامٍ سياسية نجد تجلياتها واضحة أشدّ الوضوح في الحملات الانتخابية، حين تجري «رشوة» الناخبين ببعض الخدمات التي هم في أمسّ الحاجة إليها بالفعل، لقاء «شراء» أصواتهم في صناديق الاقتراع.

ليست الغاية هنا خيّرة ونبيلة. إنها، في أشدّ التعبيرات تهذيباً، براجماتية سياسية، تصب في مصلحة القوى التي تتبرع، ولكن ليس لوجه الله، حتى لو ادّعت ذلك، وإنما لخدمة أغراضها وأجنداتها الموجهة نحو تحقيقها المزيد من التمكين في المجتمع وفي هيئات الدولة، بما فيها البرلمانات والمجالس البلدية، ناهيك عن النقابات والاتحادات وسواها.

أخطر ما في هذه الصناديق والمشاريع «الخيّرية» هو أنها تتحول، مع الوقت، إلى مؤسسات رديفة، لا بل بديلة للدولة، تنافسها على أداء مهامها، وتجيّر ما تحققه من مكاسب سياسية، لإضعاف سلطة الدولة، لتضع ما تستقطعه من هذه السلطة فائض قوة أو نفوذ لها هي، وبالتالي تضع المواطنين أمام معادلة صعبة حين يجدون أنفسهم إزاء دولة عاجزة عن تلبية الضروري من احتياجاتهم، فيما تقوم هذه القوى بتغطية بعض أو جانب من هذه الاحتياجات.

منهجٌ مثل هذا لن يؤدي، بأي حال من الأحوال، إلى بناء الديمقراطية ونشرها، بل سيعطي أُكلاً مضاداً، حين تكون «التعددية» المزعومة حكراً على قوة أو قوتين، فيما تسحق البقية تحت الأقدام، وحين تخلق مزاجاً من اليأس والإحباط لدى الجمهرة الواسعة من الناس فيصلون إلى قناعة بعدم جدوى العملية الانتخابية، طالما ظلت مخرجاتها مجرد «تجديد» صوري للوجوه ذاتها، المطمئنة، بفعل كل ذلك، إلى أنها باقية في مواقعها.

madanbahrain@gmail.com

 

د. حسن مدن

تعريف بالكاتب: كاتب ورئيس جمعية المنبر البحرينية
جنسيته: بحريني

 

 

شاهد مقالات د. حسن مدن