المواطنة الاقتصادية والسوق الخليجية المشتركة

الأربعاء, 02 نوفمبر 2016 15:39

د. حسن العالي

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

مع قرب انتهاء السنة التاسعة منذ إطلاق السوق الخليجية المشتركة عام 2008، نحن نعتقد أن تحقيق المزيد من المكاسب والإنجازات الرامية لتعميق المواطنة الخليجية يعتبر حجر الزاوية في نجاح هذه السوق. وقد شهدت المسيرة الخليجية الممتدة أكثر من 35 عاما الآن العديد من الخطوات التي تترجم مفهوم المواطنة الاقتصادية الخليجية. فعلى سبيل المثال، أنشأت دول المجلس الشبكة الخليجية لربط الشبكات الوطنية للصرف الآلي.

 

كما تم السماح لمواطني دول مجلس التعاون من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين المملوكين لمواطني دول مجلس التعاون باستئجار وتملك العقارات المبنية والأراضي؛ لغرض السكن أو الاستثمار في أي دولة عضو بإحدى طرق التملك المقررة قانونا (نظاما) أو بالوصية أو الميراث ويعاملون في هذا الشأن معاملة مواطني الدولة التي يقع فيها العقار.

كما تم السماح لمواطني دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين بممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية والمهن دون تحديد وفقا للضوابط التي أقرها المجلس الأعلى في دورته الثامنة لممارسة الأنشطة الاقتصادية والمهن باستثناء أنشطة محدودة. تتم مراجعة هذه القائمة سنويا من قبل لجنة التعاون المالي والاقتصادي؛ بهدف تقليصها ومن ثم إلغاؤها، مع مراعاة ألا يخل ذلك بأي وضع أفضل يتمتع به مواطنو دول المجلس في أي من الدول الأعضاء.

وفي دورته الثالثة والعشرين التي عقدت بالدوحة عام 2002، قرر المجلس الأعلى لقادة التعاون بأن يتم تطبيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في مجال تملك وتداول الأسهم وتأسيس الشركات وإزالة القيود التي قد تمنع من ذلك، وذلك في موعد أقصاه نهاية عام 2003م، كذلك تم السماح للمؤسسات والوحدات الإنتاجية في دول المجلس بفتح مكاتب لها للتمثيل التجاري في أي دولة عضو بناء على قرار المجلس الأعلى لمجلس التعاون في دورته الثانية عشرة التي عقدت بدولة الكويت.

كما قررت قمة المنامة التي عقدت يومي 20 و21 ديسمبر 2004 بمد المظلة التأمينية لمواطني دول المجلس العاملين في دول المجلس الأخرى بغرض مساواة المزايا التأمينية لكافة دول المجلس.

وقد تلاحقت الإنجازات بعد ذلك، وبالذات في مجال فتح الاستثمار أمام المستثمر الخليجي في العديد من المجالات التجارية والصناعية، وفتح فروع للبنوك الخليجية في الدول الأخرى، وتوسيع قاعدة الأنشطة المسموح للمستثمر الخليجي التملك فيها وغيرها من الخطوات.

وعلى الرغم من جميع هذه الإنجازات، فإن المواطن الخليجي لا يزال يشعر بالحاجة إلى إنجاز الكثير من الخطوات في مجال المواطنة الاقتصادية الخليجية؛ لكي يترجم هذا المفهوم على أرض الواقع. ونحن نرى أنه من بين الخطوات المطلوب تنفيذها لتعميق المواطنة الاقتصادية وبالتالي بناء الأساس المادي لنجاح السوق الخليجية المشتركة هو العمل الجاد على تحقيق قفزات ملموسة في مجال التكامل الإنتاجي والصناعي الخليجي، تضاف إلى ما صدر من قرارات: كحرية التملك والاقتراض عبر الحدود الخليجية لتستطيع بموجبه جميع عناصر الإنتاج التحرك عبر حدود الدول الأعضاء تحت مسمى وشعور خليجي موحد. فالمواطن الخليجي يرى أن ما تحقق على الساحة الأوروبية في هذا المجال على الرغم من المعوقات الهيكلية كاختلاف الديانات والأعراق واللغات، أمر يجب أن يتحقق على الساحة الخليجية التي لا وجود فيها لمثل هذه المعوقات، وبالتالي فإنه لا بد من الإسراع في تحقيق هذا التطلع الذي سوف يساهم وبشكل قوي في تقوية شعور المواطن الخليجي بأهمية المجلس.

ومن الخطوات الهامة الأخرى هي تنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول الأعضاء وبالشكل الذي يساهم في زيادة فرص التبادل التجاري بينها، ويقضي على الصبغة التنافسية لاقتصادياتها. فالنظام الأساسي للمجلس أشار إلى هذه الغاية في أكثر من موقع، إلا أن المواطن الخليجي ما زال يلاحظ تنافس الدول الأعضاء على تنفيذ مشاريع استثمارية متشابهة تساهم في زيادة التنافس وتقلل من فرص التبادل التجاري. وبالتالي فإن الأمانة العامة للمجلس مطالبة بضرورة طرح تصور متكامل يهتم بتفعيل دور المشاريع المشتركة على الساحة الخليجية وبالشكل الذي يحقق مصالح الدول الأعضاء ويقضي على الحالة التنافسية السائدة.

كذلك المطلوب تنسيق السياسات البترولية بين الدول الأعضاء، خاصة وأن هذه الدول مجتمعة تمثل القوة الرئيسية على الساحة النفطية، سواء في مجال الإنتاج أو مجال المخزون النفطي. ولعل الجولات التنسيقية التي تمت في هذا الاتجاه بين الدول الاعضاء في الآونة الأخيرة خير برهان على قدرة هذه الدول على تحقيق الكثير على الساحة النفطية مما يزيد من ثقة المواطن الخليجي بدوله وقادته.

وتحتل مسألة توحيد أسواق العمل مكانة مفصلية هنا، حيث يتحتم وضع آلية محددة المعالم لتحقيق المواطنة الكاملة أو شبه الكاملة لفرص العمل المتاحة في سوق العمل الخليجي.

إن المواطن الخليجي الذي يستشعر بوضوح المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول الخليجية نتيجة لاعتمادها على العمالة الأجنبية، يتطلع إلى عمل خليجي يحفظ حقه المشروع في الحصول على فرصة عمل مناسبة تكفل له حياة كريمة على أرضه الخليجية. ولعل ارتفاع معدلات النمو السكاني في الدول الخليجية وتزايد تحديات خلق فرص العمل المتاحة في سوق العمل الخليجي تساهم في قيام المسؤولين في الأمانة العامة بطرح تصور متكامل على القادة الخليجيين يحقق الخلجنة المنشودة.

ويمكن من خلال إطلاق حرية التنقل لعناصر الإنتاج المختلفة عبر الحدود الخليجية مع ادخال تعديلات جوهرية على أنظمة العمل والعمال، وبشكل يضمن المعاملة المتماثلة لعنصر العمل في جميع الدول الأعضاء أن نحقق مرونة فائقة في مواجهة النقص في الطلب أو الزيادة في العرض التي قد تطرأ في سوق عناصر الإنتاج الخليجي. بالإضافة إلى إمكانية تحقيق التساوي في الأجور في جميع الأسواق الخليجية، حيث إن الزيادة في الأجر المعطى في سوق العمل في هذه الدولة أو تلك سيقابله زيادة في تدفق عنصر العمل من الأسواق الخليجية الأخرى ويستمر هذا التدفق حتى ينتهي سببه المتمثل في وجود فارق في الأجر.

 

د. حسن العالي

الأمين العام للتجمع القومي الديمقراطي بالبحرين

 

 

شاهد مقالات د. حسن العالي