موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
الحكومة العراقية: 355 ألف نازح منذ بدء العملية العسكرية في الموصل ::التجــديد العــربي:: مفاوضات غير مباشرة بين الأطراف السورية بجنيف ::التجــديد العــربي:: اعتقال مغاربي في بلجيكا بتهمة محاولة "دهس مارة بسيارته" ::التجــديد العــربي:: بريطانيا تكشف الاسم الأصلي لمنفذ هجوم لندن ::التجــديد العــربي:: المغرب والأردن يبحثان القضايا المشتركة قبل القمة العربية ::التجــديد العــربي:: مقتل 3 ضباط بارزين و7 جنود في سيناء ::التجــديد العــربي:: 400 ألف عراقي عالقون في البلدة القديمة بالموصل ::التجــديد العــربي:: المملكة ترحب بالحجاج والمعتمرين والزوار بمختلف جنسياتهم وانتماءاتهم ::التجــديد العــربي:: وزارة الدفاع الأميركية قد تنشر ما يصل إلى ألف جندي إضافي في شمال سوريا ::التجــديد العــربي:: لقاء مرتقب بين السيسي وترامب في واشنطن مطلع أبريل ::التجــديد العــربي:: معركة الموصل تبلغ مراحلها الأخيرة ::التجــديد العــربي:: تركيا تهدد بإلغاء اتفاق الهجرة مع الاتحاد الأوروبي ::التجــديد العــربي:: الاحتجاجات تجبر الحكومة اللبنانية على إلغاء زيادات ضريبية ::التجــديد العــربي:: مدينة صناعية ضخمة قرب طنجة بمئة ألف فرصة عمل تستقر فيها حوالي 200 شركة صينية في مشروع ضخم بقيمة عشرة مليار دولار ::التجــديد العــربي:: الإمارات تتصدر الشرق الأوسط في الاستثمارات الخارجية ::التجــديد العــربي:: وفاة المفكر المصري السيد ياسين بعد صراع مع المرض ::التجــديد العــربي:: 'البابطين الثقافية' تستعد لإطلاق مهرجان ربيع الشعر العربي العاشر ::التجــديد العــربي:: لبن الزبادي يخفف من أعراض الاكتئاب والقلق، ويساهم في تجنب الآثار الجانبية للأدوية الكيميائية، كما يقي من خطر الإصابة بالنوع الثاني من السكري ::التجــديد العــربي:: مكملات فيتامين 'هـ' تحارب القصور الكلوي الحاد ::التجــديد العــربي:: لاعب التنس السويسري فيدرر يتوج بطلا لدورة انديان ويلز للتنس ::التجــديد العــربي::

مواقعنا السياسية والفكرية بين الدينية واللادينية “١ ـ ٢”

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

العلمانية أي “اللادينية” أو “الدنيوية” secularism، نبتٌ غربي، بدأ هناك مع صلح أو “اتفاق” ويستفاليا ـ شمال الراين في ألمانيا” عام 1648 الذي أنهى حرب الثلاثين عامًا 1618 ـ 1648 والحروب الدينية الأخرى في أوروبا ، لا سيما بين الكاثوليكية والبروتستانتية: أي “اللوثرية والكالفنية”، نسبة إلى أتباع كل من مارتن لوثر 1483 ـ 1546 وجون كالفِن 1509 ـ 1564″، وجَرَّد البابوية من السلطة المدنية، وحيّد سلطتها الدينية في الحياة المدنية والسياسية، ورسّخ الإصلاح الديني والاكتفاء بالإيمان الفردي، تاركًا الالتزام بالممارسات الكنسية، لمن يريد أن يلتزم بها من الناس، وأنهى الإمبراطورية الرومانية وحكومات المقاطعات والمدن، وأسس لنشوء الدولة القومية في أوروبا، وهو صلح شارك فيه مندوبون من حكومات مدن ومقاطعات كثيرة في أوروبا. وفي ذلك تأسيس لنشوء العلمانية “الدنيوية، واللادينية”.

 

وقد ترسخ النهج العلماني، بعد الثورة الفرنسية وفي أحضانها. وتحولت فرنسا، “البنت الكبرى للكنيسة”، إلى “جمهورية علمانية تحترم كلّ المعتقدات. ونورد بعض الوقائع، والمعلومات، والمعطيات المتصلة بنشوء العلمانية الفرنسية وتطبيقاتها. وهي مستقاة من مصادر مستندة إلى الدستور والقوانين الفرنسية، ومما تتابعه لجنة النظر بتطبيق مبدأ العلمانية في فرنسا، السباقة عمليًّا إلى الأخذ بالعلمانية وتطبيقها.

(ـ طردت فرنسا اليسوعيين من المملكة عام 1762 لتقريرهم أولوية السلطة الروحية على السلطة الزمنية، وأحلَّت مكانهم معلمين زمنيين، في مؤسسات التربية التي كانوا يشرفون عليها.

ـ رفعت الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية العامة عن البروتستانت عام 1787، عندما أقرت مبدأ التسامح المذهبي، وأُقر ذلك المبدأ في بريطانيا تجاه الكاثوليك عام 1829، وتجاه اليهود عام 1842، وتجاه الملحدين عام 1888.

ـ استولت الثورة الفرنسية 1789على أملاك الكنيسة وأقرت قانونًا مدنيًّا يحكم الإكليروس.

ـ أقام روبسبيرRobespierre دين العقل وعبادة الكائن الأسمى، وجعل من كاتدرائية نوتردام في باريس مقرًّا له.

ـ أقرت كومونة باريس عام 1870، إلغاء كل الدعم المالي للكنيسة وفصلها عن الدولة بشكل قطعي لا عودة عنه.

ـ ورد في المادة 10 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789: “يمنع التعرّض لأي شخص بسبب آرائه وأفكاره، بما في ذلك الدينية منها، شريطة ألا يُخل التعبير عنها بالنظام العام الذي أرساه القانون”.

ـ قامت الجمعية التشريعية في 20 أيلول/سبتمبر 1792، بعلْمَنة الأحوال المدنية والزواج وبهذا لم تعد المواطنة مرتبطةً بالدين.

ـ ترسّخت العلمانية في المؤسسات الفرنسية مع اعتماد القانون الجمهوري 9 كانون الأول/ديسمبر 1905 القاضي بالفصل ما بين الدين والدولة. ولم تعد فرنسا أمة كاثوليكية المذهب. وأكد القانون “حيادية الدولة”، ونص على ضمانات: “تضمن الجمهورية حرية المعتقد. وتضمن الممارسة الحرة للشعائر الدينية، مع مراعاة القيود المنصوص عليها فيما يلي، وذلك لصالح النظام العام”.

ـ أدرجت العلمانية ضمن المبادئ الدستورية في عام 1946 وفي عام 1958، مما رسخ هذا التوجه.

ـ تم النص على أن “فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزئة، وهي علمانية وديمقراطية واجتماعية”. وأن الدولة تحمي “كل مواطنة ومواطن ضد أي ضغوط جسدية أو معنوية تمارس بذريعة الخضوع لأوامر روحية أو دينية ما”.

ـ “تفرض العلمانية بذل مجهود لشرح وتفسير كيفية التوفيق بين العقيدة الدينية والقوانين التي تحكم المجتمع، وذلك سعيًا لجعل العيش معًا، على الأقل، ممكنًا.” والإطار العلماني وسيلة لجعل الأفراد يتعايشون معًا، من دون أن يتقاسموا بالضرورة نفس القناعات أو المعتقدات”. والعَلْمَنة قاعدة من قواعد اللعبة المؤسساتية، وقيمة من القيم المؤسسة للميثاق الجمهوري، تمثل إمكانية التوفيق بين “العيش معًا” والتعدديّة، والتنوع. بعد أن انتهى زمن العلمنة التي تعتمد الكفاح، وحلّت مكانها علمنة مهادنة، تقرّ بأهمية الخيارات الدينية والروحية، وتهتم برسم حدود المساحة العامة المشتركة.

ـ المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان والحريّات الجوهرية، تنصّ في مادتها التاسعة على حماية الحرية الدينية لكنّ دون أن تجعل منها حقًّا مطلقًا. يجوز للدولة أن تضع لها قيودًا وفق ثلاثة شروط وهي: أن يكون هذا التدخل منصوصًا عليه في القانون، وأن يكون الهدف منه شرعيًّا، وأن يكون ضروريًّا في إطار مجتمع ديمقراطي. وهناك ثلاثة نماذج للعلمانية في بلدان الاتحاد الأوروبي:

الأول، البلدان التي تعترف بدين للدولة ـ الثاني يمزج بين صفة رسمية تمنح لبعض الديانات ومبدأ الفصل بين الكنائس والدولة ـ الثالث، وهو الغالب، يقوم على نظام فصل بسيط ما بين الكنائس والدولة، ويرتكز على أربعة مبادئ شبيهة بالمبادئ الفرنسية: لا تتدخل الدولة في محتوى العقيدة الدينية، ولا تهتم بشؤون تنظيم الديانات، وتُعامل على قدم المساواة الديانات والمذاهب الفلسفية. وليس هناك ثمة ديانات وجودها مكرّس ولا ديانات ممنوعة. وتحولت فرنسا، “البنت الكبرى للكنيسة”، إلى “جمهورية علمانية تحترم كلّ المعتقدات.”).

وتأصلت العلمانية على الفكر التنويري، في ما يعرف بعصر الأنوار – الذي يحتاج منا إلى دراسة تبين ما له وما عليه، مما يتصل بنا وبالموقف منا، حضارة وعقيدة وممارسات، لتصحيح الموقف والنظرة – وانتشر ذلك النبت الغربي في بلداننا، مع سيطرة الاستعمار، وانتشار التبشير الديني، والاستشراق المرتبط بالاستعمار، في عقود الاستشراق الأولى، وبسبب تأثير الغرب ثقافيًّا وسياسيًّا، على الكثيرين من المفكرين والأدباء والمثقفين في عالمنا. ويذكر أن الياس بقطر وسليمان البستاني، هما أول من استخدم هذه الكلمة “العلمانية” ترجمة لـ”secularism”، في معجميهما. وهناك اعتراض على دقة ترجمة المصطلح إلى العربية، من مترجمين، وعلى اختياره بدلًا من “اللادينية”، التي هي الأقرب إلى المعنى والمدلول المقصودين.

إن مفهوم العلمانية عندنا، وفي هذا المجال على وجه التخصيص، يحتاج إلى فحص وتوضيح وتمحيص وتدقيق ومراجعة، لإزالة اللَّبس في الفهم والتطبيق من جهة، ولمواجهة تناقض بدأ يظهر، بعد أن توصل الكثيرون من القوميين، ومنهم بعثيون، إلى حقيقة أن إعطاء الظهر للإسلام خاصة والدين عامة، كان خطأ فادحًا، لا تستقيم معه الأمور. وبدأ حديث عن تكامل العروبة والإسلام.. العروبة جسد والإسلام روح، وأنه لا ينبغي وضع العروبة في مقابل الإسلام، أو العكس، وأننا مسلمون.

وقد أدى المنهج العلماني الذي أسفر عنه الصراع بين الكنيسة من جهة، ورجال السياسة والإقطاع من جهة أخرى.. إلى فصل الدين عن الدولة، بما يؤول إلى القول: “دعوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، كما أدى إلى تحييد النزعة أو النظرة الدينية نسبيًّا، في المعاملات المدنية “والدنيوية”، وإلى التفريق النسبي بين الحياة الخاصة للفرد، والحياة الأوسع للمجتمع، والابتعاد عن تطبيق الدين وأحكامه، وتحكيمه، وما/ ومن يتصل به، في الشأن المدني لتجمع بشري في دولة، سواء أكان أولئك البشر من أتباع دين واحد، أم من أتباع ديانات عدة. فتُرك أمر الدين في الشأن المدني جانبًا، ولم يعد للمؤسسة الدينية ولرجل الدين، ذلك “النفوذ” على السياسة، ولا تلك السيطرة على شؤون الناس ومعاملاتهم، وتم اتباع ما يمكن إيجازه بـ”الدين لله والوطن للجميع”، في حاكميّة سياسية، ودستورية، وقانونية، ذات مرجعيات مدنية صارمة ونهائية، وعدم الذهاب إلى الأخذ بأحكام المرجعيات الدينية في الشأن السياسي والمدني. وهذا، من وجهة نظر العلمانيين، مدخل إلى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية السليمة، في دولة ذات سيادة.

وشكلت العلمانية حضورًا واسعًا ومؤثرًا، في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي، لا سيما في القرن العشرين. ولم يقتصر تأثيرها على أحزاب وشرائح من المثقفين تبنتها واعتمدت منهجها، أو اعتمدتها منهجًا.. بل انتشرت في السياسة، وفي أنظمة الحكم وأساليبه، وفي التشريع، والتعليم، والتربية، والثقافة، والعلاقات الاجتماعية.. بكثافة ملحوظة. والتدقيق الموضوعي يوضِّح ذلك بما لا يدع مجالًا للشك. ولم تستطع الأحزاب الإسلامية، ولا الصحوة الإسلامية لاحقًا، المناهِضة للعلمانية، التصدي لها بنجاح، ولا الحد من حضورها المباشر وغير المباشر، في مجالات كثيرة، وبفاعلية واسعة.. وذلك لأسباب كثيرة، على الرغم من ارتفاع الصوت في هذا المجال، وحشد حجج وجهود. وما زال هذا الصراع قائمًا، وأصبحت له مرتسمات واقعية على أرض الواقع، وجبهات تلجأ أحيانًا إلى العنف.

وبصرف النظر عن التعاريف المعجمية والأكاديمية، وشمول بعضها أو قصوره، بشأن المصطلح والمنهج والمفاهيم والأبعاد.. فإن للعلمانية مستندَين رئيسين في التوجه النظري والتطبيق العملي: فصل الدين عن الدولة، وجعل الإيمان والاتباع الديني شأنًا شخصيًّا، هامشيّ التأثير، في أحوال وتوجهات اجتماعية وسياسية على الخصوص. ولا يشكل الدين، أو بالأحرى التَّدَيُّن، أساسًا يُبنى عليه إصدار حكم قيمة أو سواه، على أفكار وأشخاص وتنظيمات وتوجهات سياسية واجتماعية، في بعض البلدان والمجتمعات.

والعلمانية لم تنشأ أصلًا من مواقف ومواقع انتصر فيها العلم على الدين، بل من مواقف ومواقع انتصرت فيها السياسة على البابوية والكهنة والكهنوت، أو انتصر فيها البلاط الملكي على الكنيسة. فهي ليست موقف الدين من العلم، أو موقف العلم من الدين، بدرجة حاسمة، وإن كانت تتمسح بالعلم كثيرًا وتتخذ من كشوفه حججًا. فالعلم شيء والعلمانية شيء آخر. وعند ذوي الحجا والبرهان والعلم والإيمان، أنه كلما ازداد الإنسان معرفة وعلمًا، ازداد إيمانًا. وهذا راسخ في الإسلام، وهو مصداق قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧﴾ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴿٢٨﴾- سورة فاطر. وفي الإسلام دعوة فائقة القوة إلى التفكُّر، والتأمل، والتدبر، والمعرفة، والعلم، وفيه ما يتجاوز الحث على ذلك، وعلى الكشف والإبداع، لأنه يرى في مزيد العلم، مزيدًا من المعرفة والإيمان بالله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾- سورة الرحمن.

وعلى هذا فإنه لا بدَّ من التفريق بين النظرة العلمية للظواهر، والمعطيات، والإنجازات، والتقدم، في كثير من ميادين الحياة.. وبين التعامل مع الوقائع والمعطيات المؤثرة في المسارات البشرية والحياتية، التي استفادت من العلم، ودعت إلى تطويره والعمل به، ونَمَّت النزعةَ العقلانية التي فيها التدبّر والتفكّر والتأمل، وتعميق المعرفة، والإدراك، والتفسير.. تلك التي هي من أسس التقدم الفكري، بممارسة الجرح والتعديل، واحترام القواعد التي رسخها العلم، وقاد إليها العقل السليم ويقود إليها، وأيَّدتها التجارب، وأصبحت من البراهين، والحجج التي تنشُد اليقين وتدعمه.. إن بين هذا كله وبين العلمانية، من حيث هي منهج حكم واحتكام، ومعايير ومرجعيات وأساليب أداء، دنيوي لا ديني، لها وعليها الكثير.. موضوع جدل، بل موضوع صراع.

إن الأمر ينصرف، في العلمانية، إلى الفكر والتقدير والممارسة والسلوك المدني، الذي لا يحتَكِم إلى الدين ولا يحكّمه الدين ـ أي إلى المعاملاتي، العملياتي، الدنيوي، وليس إلى العلمي بمفهومه الراسخ ـ في القضايا السياسية والاجتماعية، وينصرف بدرجة كبيرة، إلى السياسيات المتصلة بأصول الحكم والاحتكام والأحكام: “دنيوية، قانونية، اجتماعية، سياسية”، مستندة إلى المعايير والقيم والمقومات التي يؤسَّس عليها الأداءُ المدني، في ظل حكم أو تسييس أو تنظير، يقوم على النظرة العلمانية ومعطياتها ومرجعياتها ووسائلها ومنظورها العام.

وأصحاب هذا “المذهب” أو الاتجاه في وطننا العربي، وفي عالمنا الإسلامي، شرائح واسعة، كما أسلفت، نواتُهم الصلبة اليسارُ المادي المتطرّف، “الشيوعي بالدرجة الأولى”، ومحيطها اللاصق بها الذي يمتد من الماركسيين إلى مَن أخذوا بالماركسية من القوميين بأحزابهم. فالنواة قدَّمت العلمانية على أنها: إلحادٌ، وإنكارٌ لوجود الله، واتهامٌ للدين ومحاربة له: “الدين أفيون الشعوب” كما قال ماركس، وملاحقة للمتدينين.. أمَّا محيط النواة اللصيق بها، فكان تابعًا لها بدرجات، أو منزاحًا عنها بدرجات، من حيث المفاهيم والتطبيقات. وقد أسفر التشدد والتطرف والتعصب عن ممارسات قاسية، حيث اتَّخذ الذين وصفتُهم بالنواة، موقفًا عدائيًّا من المؤمنين بدين، “أيّ دين”: فلاحقوهم، وضيقوا عليهم، وأغلقوا دور العبادة بوجههم.. واتخذ الذين وصفتُهم بمحيطها اللصيق بها، موقفًا أقل تشددًا، لكنه موقف سلبي، من المؤمنين بدين: فاتهموهم، وأبعدوهم، واستفزوهم بدرجة كبيرة وخطيرة. وقد اتخذ معظم العلمانيين من الماركسية “نهجًا تنظيريًّا عامًّا”، وجعلها الاتحاد السوفييتي منهجًا ومجالًا تطبيقًا شاملًا. واستمر ذلك إلى أن قامت روسيا الاتحادية بنبذ ما كانت اتخذته روسيا الشيوعية السوفييتية، في هذا المجال. والعلمانية، وفق المفهوم والتفكير والتدبير، الشيوعي ـ الإلحادي، استقطبت في وطننا العربي: أحزابًا حاكمة، وتيارات قومية بأطياف واسعة، ومثقفين، ولكل توجهات وسياسات ومواقع، لكنها لم تنقلب على تلك النظرة بجذرية، كما فعلت روسيا الاتحادية، ودول المنظومة التي كانت سوفييتية التوجه.

وإلى جانب هذا، وقف ليبراليون، “علمانيون تحريفيون”، في وطننا العربي، موقفًا ملتبسًا بعض الشيء، من مفهوم العلمانية، فيما يتعلَّق بالإسلام خاصة. فهم، على الرغم من فهمهم الصحيح للعلمانية، بوصفهم “متحررين ـ اتباعيين ـ تنويريين”، على الطريقة الغربية.. فقد أخذوا بعلمانية ذات ازدواجية عجيبة، فهم ينتمون “لليبرالية يمينية دينية متطرفة”، ويقفون ضد الإسلام بوصفه دينًا، وليس ضد أي دين آخر، فيدْعون إلى تغيير يدخل في باب التدمير، باسم علمانية تنقضُ معمار الدين وتتناقض معه، في الساحة العربية ـ الإسلامية. أمَّا في غيرها فلا. فهم هناك، في الساحات الدينية والاعتقادية الأخرى: “علمانيون ـ ليبراليون، بلا كراهية”، لا يحاربون الأديان والمعتقدات، ولا يلاحقون المتدينين والمعتقدين بفكر أقرب إلى الدين، بالاتهام والاستفزاز، وبمطلبية تغيير تدميرية؟! ومن الواضح أنهم يعملون وفق عقيدة، تتعامل مع الإسلام والمسلمين، انطلاقًا من منظور ديني ذي خلفيات عدائية، مبطَّنة بكراهية، خفية أو معلنة. ويشمل تعاملهم حقول الفكر والسياسة والثقافة والاجتماع. وقد ساهم أولئك، مع أتباع العلمانية الملحدة، في خلق مناخ غير صحي، في مناطق وفي أوساط عربية وإسلامية.. فكان من ردود الفعل على فعلهم، دفاع عن الذات والمعتقدات، دخل في بعض الحالات، دائرة التعصب والتطرف، ومارس ممارسات مدانة.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة العراقية: 355 ألف نازح منذ بدء العملية العسكرية في الموصل

News image

قالت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية إن عدد النازحين من مدينة الموصل، منذ بدء الحملة العسكرية ...

مفاوضات غير مباشرة بين الأطراف السورية بجنيف

News image

انطلقت في جنيف امس الخميس أعمال المفاوضات غير المباشرة بين أطراف الأزمة السورية في جول...

اعتقال مغاربي في بلجيكا بتهمة محاولة "دهس مارة بسيارته"

News image

اعتقلت الشرطة في مدينة أنتويرب البلجيكية فرنسيا من أصول مغاربية تشتبه بأنه تعمد دهس الم...

بريطانيا تكشف الاسم الأصلي لمنفذ هجوم لندن

News image

كشفت دائرة مكافحة الإرهاب في بريطانيا عن اسم منفذ هجوم لندن، وقالت إنه بريطاني اسم...

المغرب والأردن يبحثان القضايا المشتركة قبل القمة العربية

News image

الرباط – بحث العاهل المغربي الملك محمد السادس الخميس مع ضيفه العاهل الأردني الملك عبد...

مقتل 3 ضباط بارزين و7 جنود في سيناء

News image

استهداف الجماعات الإرهابية قوات الجيش المصري من شمال سيناء إلى وسطها، وأعلن الجيش «استشهاد 3 ...

المملكة ترحب بالحجاج والمعتمرين والزوار بمختلف جنسياتهم وانتماءاتهم

News image

رأس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- الجلسة، التي عقد...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

أطفال داعش

رضي الموسوي

| الجمعة, 24 مارس 2017

    قبل أيام عقدت ثماني وستون دولة مؤتمرا في الولايات المتحدة الأمريكية، ناقشت كيفية القضاء ...

الروهينجا…ضحايا الضمير الصامت

د. كاظم الموسوي

| الجمعة, 24 مارس 2017

    رغم كل ما تصدره منظمة الأمم المتحدة أو متفرعاتها من بيانات ومناشدات عن أوضاع ...

ممنوعٌ علينا، ولا يليق بنا

د. علي عقلة عرسان

| الجمعة, 24 مارس 2017

    متى يتوقف القتل في سوريا؟! سؤال يؤرقنا منذ ست سنوات مضت، ولا يزال، ولا ...

الرد السوري وتهديدات الكيان الوقحة

د. فايز رشيد

| الجمعة, 24 مارس 2017

    تصدت سوريا للاعتداء الأخير لطائرات العدو الصهيوني على أراضيها, بإطلاق صواريخ S-200 المعدلّة, الأمر ...

عندما يحتل الخبراء مكان السياسيين

د. علي محمد فخرو

| الجمعة, 24 مارس 2017

    عندما تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي عن محاولات تقزيم، أو حتى إماتة السياسة في ...

المسارب الداخلية للاختراق الأجنبي

د. عبدالاله بلقزيز

| الأربعاء, 22 مارس 2017

ما كان الاختراق الأجنبي للوطن العربي، في ما مضى، يسيراً على القوى الخارجية وطريقاً مفت...

التعليم ومشروع النهضة

أ. سامي شرف

| الأربعاء, 22 مارس 2017

التعليم أول خطوة لتطور الشعوب، وتقدمها في كثير من المجالات، فالتعليم يخلق مجتمعا منظما، ويط...

لكي لا ننسى… صور الماضي الجميل ومحنة الحاضر

هيفاء زنكنة

| الأربعاء, 22 مارس 2017

لا يمر يوم دون أن يستلم أحدنا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صورة، مضى على الت...

مستقبل المنطقة في ضوء الحرب على الإرهاب

د. حسن نافعة

| الأربعاء, 22 مارس 2017

تؤكد مؤشرات عديدة أن الإدارة الأمريكية الجديدة والحكومة الإسرائيلية الحالية توصلتا إلى رؤية تسمح ببل...

غرينبلت والتهويد

عبداللطيف مهنا

| الأربعاء, 22 مارس 2017

تحت ذات العنوان، هذا الذي تحت يافطته كان تحرُّك كافة مبعوثي الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى...

ترامب ونتنياهو القضية الفلسطينية

منير شفيق

| الأربعاء, 22 مارس 2017

حتى الآن يمكن القول إن أمريكا في عهد دونالد ترامب لم تحدّد استراتيجية دولية ذات...

صندوق البريد التركي- الأوروبي

د. نيفين مسعد

| الأربعاء, 22 مارس 2017

مثل كرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت على الأرض اتسعت الأزمة في العلاقات التركية- الأ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم4727
mod_vvisit_counterالبارحة42760
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع220458
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي246067
mod_vvisit_counterهذا الشهر947887
mod_vvisit_counterالشهر الماضي870155
mod_vvisit_counterكل الزوار39487662
حاليا يتواجد 2072 زوار  على الموقع