محمد حرب الحاج حسن : إرهاصات التغيير

الجمعة, 05 أغسطس 2016 16:27

معن بشور

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

(- يقام في الخامسة من مساء يوم الاحد 31/7/2016 في مطرانية الروم الكاثوليك في مدينة بعلبك احتفال خطابي بمناسبة صدور كتاب عن الراحل الشهيد محمد حرب الحاج حسن (اغتيل في صيف 1971) وسيتحدث في الاحتفال إلى الاستاذ معن بشور كل من الشاعر المناضل د. عمر شبلي والاستاذ علي الحاج حسن وشقيق الفقيد عبد الله حرب.)

 

حين اختار المناضل الراحل محمد حرب الحاج حسن "الحديثة" اسماً لمدرسته التي خرّجت أجيالاً من خيرة شباب بعلبك – الهرمل، كان مسكوناً بالتربية والحداثة معاً...

فقد كان محمد حرب البعثي النهضوي التقدمي ورفاقه، الراحل حسين سعيد عثمان (رئيس بلدية بعلبك المنحلة قبل أسابيع من اغتيال راحلنا المغدور)، والصيدلي الصادق حبيب زغيب، والمدّرس المتفاني حمد الحاج سليمان، وكل أبناء ذاك الرعيل من رجال إعلام بارزين كالشهيد النقيب رياض طه، وكالأستاذ طلال سلمان – أطال الله عمره – والعديد من المنتمين إلى أحزاب وحركات وطنية وقومية، يدركون أن لا خروج لمنطقتهم من حرمان مزمن فُرض عليها، ومن تخلّف سقيم تغلغل في مكوناتها، إلاّ بالتعليم المقترن بالنضال وروح العصر...

وكانت "الحديثة"، حسبما كان يسميها أبناء المنطقة، صرحاً تربوياً في إمكاناته، لكنها كانت صرحاً نضالياً شامخاً في طموحاته، فلم تكن تمرّ مناسبة وطنية أو قومية أو مطلبية إلاّ وتنطلق منها مسيرات تهدر بشعارات الوحدة والتحرر، وهتافات العدل والحرية...

ولم يكن ترشيح محمد حرب الحاج حسن إلى المقعد النيابي في دورة 1968، طموحاً إلى موقع في البرلمان كان يدرك استحالة تحقيقه لأن تحالف "التقليد" مع الأجهزة الأمينة يشكّل سداً منيعاً بوجه أمثاله (لاسيّما أن صناديق الاقتراع كانت تحمل من الأوراق ما يزيد عن عدد المسجلين في لوائح الاقتراع)، كما لم يكن ذالك الترشيح يعتمد فقط على عشيرة كبرى ينتمي إليها وتمتد في كل جهات المنطقة من شمسطار إلى الهرمل مروراً ببعلبك وشعث ورسم الحدث وحوش النبي ووادي الرعيان وغيرها، بل كانت تلك المعركة الانتخابية، حسب الراحل المغدور، امتحاناً لقدرة تلك المنطقة على تحطيم قيود كبلتها لعقود، وفتحاً لآفاق غير محدودة في ميادين التحرر والتقدّم والتنمية.

لذلك فوجىء الكثيرون بعدد الأصوات التي نالها محمد حرب الحاج حسن المرشح منفرداً وفي وجه لوائح تضم أقطاباً وزعماء ملأوا البلاد شهرة وقوة وسطوة...

ورأى كثيرون في معركة هذا الشاب المحروم من الحد الأدنى من الإمكانات التي تحتاجها المعارك الانتخابية في بلد كلبنان (الذي إذا أفلت فيه الناخب من سوط السلطة وأجهزتها فلن يفلت من سطوة المال وإغراءاته)... بداية لإرهاصات التغيير في لبنان بأسره.

ورأى كثيرون في الآف الأصوات التي انتخبت هذا المناضل والمربي والخادم لشعبه تأسيساً لحراك شعبي متنام، وتباشير تغييرات قادمة حتماً.

صحيح إن رصاصات الثأر ، ولكن وعد محمد حرب الحاج حسن التغييري بقي مستمراً في منطقته في الدورة الانتخابية التالية من خلال لائحة الوعي الشعبي بأركانها الراحلين حسين عثمان وزكريا رعد وجميل صلح التي حصدت الآف الأصوات وكادت تنافس "اللوائح المحظية" في تلك المنطقة.

ومع السنوات، بدا وكأن خزان المناضلين الذي رعاه محمد حرب الحاج حسن في المدرسة "الحديثة" وخلايا العمل الوطني والقومي في بعلبك – الهرمل، وخصوصاً في عرسال والفاكهة ورأس بعلبك، قد تجدّد في خزان المقاومين والمجاهدين في صفوف المقاومة الإسلامية، خصوصاً أن انشغال الراحل المغدور بالتربية والتعليم والنضال الاجتماعي والمطلبي والوطني لم يحل دون أن يواكب مع رفاقه انطلاقة الثورة الفلسطينية مع بدايات 1965، فكانوا يدعمونها ويمدوّنها بالمقاتلين، مثلما كان يسهلون انتقال هؤلاء المقاتلين بين الجبهات الأردنية والسورية واللبنانية رغم كل ما يواجهه هذا الانتقال من عوائق وصعوبات واستعصاءات...

لا أنسى كيف أنه في جلسة حميمة مع راحلنا الغالي في أواخر ستينيات القرن الفائت، قال لي بحيائه المعروف: أرجو يا رفيقي أن لا تستخدموا في أدبياتكم كلمة "العشائرية" كمصطلح سلبي، فالعشائر تحمل شهامة ونخوة وكرماً وشجاعة وأباء ورفضاً للظلم خارجياً كان أم داخليا.

وجين سألته عن عادة "الثأر" أهي "فضيلة" أيضاً؟، لمعت دمعة في عين الرجل الفارس الشجاع الذي اجتمعت في شخصه صلابة الجرد، وبساطة السهل، وقال: إن الثأر لعبة خبيثة لها جذورها القديمة في مجتمعاتنا، وربما في مجتمعات أخرى، لكن الأيدي الاستعمارية والطبقة التي ورثت الاستعمار وتعهدت برعاية مصالحه، قد أعادت تأجيج نيرانها وأدارت بدهاء توجيهها لتعميق الانقسام في مجتمعاتنا.

وأضاف المناضل والمربي قائلاً: إن تجاوز هذه العادة الخبيثة لا يتحقق إلاّ حين ينتشر الوعي والثقافة والروح الوطنية والقومية في مجتمعنا، بل حين يتعمّق الإيمان في النفوس خصوصاً مع قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "لا تزر وازرة وزر أخرى".

سكت يومها الصديق الصدوق وفي عينيه قلق، ربما كان يحس وهو الابن الوفي لعشيرته المخلص لوطنه المدافع عن حقوق أمّته أنه سيكون ضحية تلك العادة الخبيثة التي حصدت خيرة الرجال وهذا ما حصل بالفعل.

رحم الله محمد حرب الحاج حسن بعد 44 عاماً على اغتياله.

 

معن بشور

المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية

 

 

شاهد مقالات معن بشور