موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مواضيع اجتماعية وسياسية ووجودية في جائزة الرواية العربية ترعاها البوكر ::التجــديد العــربي:: افتتاح معرض القصيم للكتاب ::التجــديد العــربي:: تونس تستعد لاستقبال ثمانية ملايين سائح ::التجــديد العــربي:: الإسراع في تناول الطعام يزيد الوزن ::التجــديد العــربي:: عقار يصد ضغط الدم ينجح في كبح السكري من النوع الأول ::التجــديد العــربي:: قمة تشيلسي وبرشلونة تنتهي تعادلية وميسي يزور شباك البلوز ::التجــديد العــربي:: بايرن ميونخ يسحق بشكتاش بخماسية ويقترب من التأهل ::التجــديد العــربي:: زوما يستقيل من رئاسة جنوب أفريقياو انتخاب سيريل رامابوسا رئيسا جديدا ::التجــديد العــربي:: نجاة وزير الداخلية المكسيكي بعد تحطم طائرة هليكوبتر كانت تقله ::التجــديد العــربي:: الجيش المصري يقضي على ثلاثة مسلحين ويدمر 68 هدفًا في عملية سيناء 2018 ::التجــديد العــربي:: مجلس الأمن الدولي يوافق على تعيين مارتن غريفيث مبعوثا خاصا إلى اليمن ::التجــديد العــربي:: لافروف يسخر من اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية غداة توجيه الاتهام إلى 13 روسيا في هذه القضية ::التجــديد العــربي:: طرح أرامكو يجذب المستثمرين الروس ::التجــديد العــربي:: الذهب يرتفع بسبب مخاوف التضخم ::التجــديد العــربي:: نصف مليون عنوان في مسقط الدولي للكتاب و 70 فعالية متنوعة وبرنامج عروض مسرحية وأمسيات شعرية وورش وحفلات توقيع ::التجــديد العــربي:: معرض الكتاب بالدار البيضاء يحتفي بـ 'مدن السور' ::التجــديد العــربي:: اكثروا من تناول الزبادي لصحة قلوبكم ::التجــديد العــربي:: الهلال ينفرد بالصدارة إثر فوز مثير على الشباب في الوقت القاتل ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين للسيسي: المملكة حريصة على أمن واستقرار مصر ::التجــديد العــربي:: موناكو يثبت أقدامه في وصافة بطولة فرنسا بفوز كبير على ديجون ::التجــديد العــربي::

نحو خِطابٍ عربيٍّ منقذٍ بنَّاء

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

حين نقارب موضوع الخطاب العربي في أبعاده القومي والسياسي والديني والوطني، وفي توجهه نحو الداخل والخارج، وفي تعامله مع معطى الصراع مع العدو وما نتج عنه من اتفاقيات ، ومع العدو وأعوانه وحلفائه على أرضية تلك الاتفاقيات.. حين نقاربه في واقعه وأساليبه وأدواته ومستوياته ومتطلبات العصر، وفي ضوء المبدئية القومية ومخاطر التطبيع مع العدو الصهيوني، وآثاره البعيدة، فإنما نسعى من خلال الحوار البناء، إلى تلمس أفضل سبل الأداء الإعلامي والثقافي العربي، العلمي العملي، الذي يمكننا من التعامل مع الرأي الآخر، ومع وسائل الاتصال الحديثة ومتطلباتها، ومع الكتلة الجماهيرية التي قد تكون مغلقة أو مستلبة أو متكلسة حول موقف واقتناع وأيديولوجيا، أو محاصرة على نحو ما، بشكل من أشكال الحصار؛ فإنما نفعل ذلك بهدف خدمة الحقيقة والجمهور، وبيان الموقف، وتحريك الراكد، والوصول إلى حيوية التحاور والتواصل، وتفعيل القدرات والإمكانيات، وزجها في تيار الحياة، لتساهم في تكوين الوعي المسؤول عن حق وعدل ومستقبل،عن أرواح وأرض ومصير. حول أمور نراها من أكثر ما يؤثر سلبًا أو إيجابًا، في صراعاتنا الدموية، وخلافاتنا المزمنة، وقضيتنا المركزية العادلة، قضية فلسطين، وصراعنا الرئيس مع العدو الصهيوني حولها.. وكذلك في توجه الكتلة الجماهيرية العربية الضخمة، في مساحة الأرض العربية كلها، وتحركها المجدي، خدمة لحقوقها ومصالحها ونهضتها ووحدتها وتواصلها مع العصر، وهي محصنة بالوعي والمعلومة والمنطق والحجة، حيال ما يفتك بها، وما يستهدفها، وجعلها تنتعش وتفكر وتتحرك، بعيدًا عن التقوقع والجمود والتكلس من جهة، وعن الاستلاب والقهر والتبعية والغوغائية، والرّغائية الجماعية، وأشكال الإعاقة والتغييب والمصادرة، من جهة أخرى.

 

ولذا فإننا بأمس الحاجة إلى أن يكون الخطاب العربي:”عصريًّا، موضوعيًّا، علميًّا.. واعيًا لأهدافه ووسائله، متمكنًا من أدواته، قادرًا على الوصول والإقناع، مؤثرًا في الوجدان محييًا له، قوي الحجة والمنطق، مستندًا إلى واقعية وتاريخ وقيم ومرجعية “قومية ـ أخلاقية ـ إنسانية”، تشكل سندًا للحق، ودافعًا للعمل بحماسة ودأب، ومسوغًا للاستمرار في النضال والأداء، من أجل الإنسان، والحقيقة، والأهداف الوطنية والقومية والإنسانية العادلة… أن يكون الخطاب العربي عصريًّا هو هدف كبير، وهدف قومي وإنساني مشروع.

وأن يكون الخطاب مالكًا للمعلومة الدقيقة الصحيحة أو متعلقًا بها، وقادرًا على توظيفها بما يخدم الأمة العربية، ومالكًا للبنية والبيان والشجاعة، والقدرة على تفنيد ما يطرحه العدو وعملاؤه وحلفاؤه وأدواته، ومواجهة ما تضخه وسائل الإعلام المعادي في الرأي العام العربي، وما استقر في الوعي العربي ذاته على أنه نهائي، أو أنه الاختيار الوحيد الذي لا بديل له، مما قدمه نهج الاستسلام، والانتقال من حالة الانفعال بما يقدم، إلى التفاعل الخلاق، ومن موقع رد الفعل على الهجوم المتجدد على الأمة وهويتها وعقيدتها وقيمها، إلى حالة المبادرة في الطرح والتقويم والتقديم، وإلى الهجوم من موقع المعرفة والقوة والثقة بالنفس والقدرة على التعامل مع الهجمات والحملات المنظمة باقتدار.. وهذا هدف من أهدافنا القومية وهو هدف مشروع، وعمل مرغوب فيه… حتى لا نبقى أسرى لغيرنا، ونُغزى في عقر دارنا، ونقوم بالصد دون الرد، وبردات فعل لا ترقى إلى مستوى الفعل، ولا تتجاوز السلب إلى الإيجاب.

وأن يكون خطابنا متمسكًا بالثوابت والحقوق، باعثًا على الأمل، ومقاومًا للتطبيع مع العدو الصهيوني، ولمصطلحاته ومفاهيمه وأشكاله وأنواعه وأساليبه كافة، تلك التي غدت على نحو ما راسخة، لا سيما في المجال الإعلامي. وأن يكف عن ترويج المصطلحات والمفاهيم من دون نظرة نقدية، حتى لا ينزلق، ولا يكون داعية للانزلاق باتجاه تسويقه، والبقاء في وضع تبعية له وانفعالية استيرادية على نحو ما.. على أرضية الانبهار والمجاراة السالبة.. وأن يكف عن تقديم صورة للعدو وتكرار تقديمها، بهدف جعل الناس يألفونها، ثم يُقبلون عليها، ويسوغون الاستسلام لمنطقه في أي حوار معه، ويعطونه كل الحق في البطش، والإرهاب، والتوسع، بذريعة الدفاع عن النفس، وممارسة أفظع أنواع الإرهاب، لإبادة مقاومة الاحتلال التي يسميها إرهابًا.. فضلًا عن قبوله “صاحب حق؟!”، في العيش والأمن والاستقرار، في أرض فلسطين العربية، كأمر واقع، مع نسيان العربي الضحية، المشرد أو المقيم تحت القهر والحصار والقتل.. إن الكفّ عن ترويج المصطلحات والمفاهيم والأفكار المعادية وتسويقها، هدف حيوي وثابت من أهدافنا المشروعة، لأن التعايش بين الضحية والجلاد غير ممكن، وتسويغ ذلك يقع في ساحة العدوان على الحق، ويجافي الحقيقة، ولا يجوز أن يُسوّغ.

لقد قدم الإعلام العربي رموز الصهاينة، وإرهابييهم، وأعلامَهم، ودعاةَ التهويد والتوسع الاستيطاني والاحتلال والتطرف منهم، في مناسبات كثيرة، وبعضه ناصر منطقهم ونال من أصحاب الحق ومن الأمة التي تناصرهم.. وهناك من وقف مع من ولغوا في الدم الفلسطيني والعربي من الصهاينة، ومَن استباحوا كل ما يتصل بالفلسطيني وحياته ومستقبله وحقوقه، وبالقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عند المسلمين كافة، وقدمهم بصور متعاطفة، أو محايدة فيما ندر، وأفسح في المجال لآرائهم ومنطقهم العنصري الإرهابي ـ تذكروا الحروب العدوانية على غزة في القرن الحادي والعشرين، وحصارها المستمر، بمشاركة عربية، منذ عقد من الزمن ـ وهناك من أدخلهم إلى بيوت عربية بوصفهم أصدقاء، ومن تحالف معهم، ودافع بعض الإعلام العربي عن ذلك كله.. وهناك من يشاركهم في تقديم ما يساعدهم على وضع استراتيجيات لتدميرنا، ولا يلاقي ما يستحق من شجب في وسائل إعلام عربية ـ مؤتمرات هرتسيليا ومن يشارك فيها مثلًا ـ وبعض الإعلام العربي لا يربط الوجه الصهيوني الذي يقدمه بصور جرائمه، وما يمثله من عنصرية عنصرية شعب، وإرهاب دولة.. ومن لا يربط آراء تلك العناصر بعدوانيتها وفاشيتها واستمرارية مشروعها العدواني وتصاعده.. ومعظم من يفعلون ذلك، أو كلهم، لا يربطون أولئك بممارساتهم المستمرة ضد الفلسطينيين، وحرقهم أحياء، وقتلهم على الشبهة، وزجهم في المعتقلات، والاستيلاء على أراضيهم، وطردهم من ديارهم.. ولا يفعلون ذلك فيما يتعلق بنتائج أفعالهم العدوانية ضد شعب ما زال يعاني من سرقة وطنه، وإغفال حقوقه، وتشويه قضيته ونضاله، وملاحقته بإبادة صهيونية منظمة، مادية ومعنوية؟!

بل ذهب إعلام عربي في الاتجاه المعاكس، فساهم بإضفاء صورة الإرهابي على من يقاوم الاحتلال الصهيوني والأميركي، ورسخ في الذهن أن من يتصدى للمعتدي والمحتل، حتى بلحمه ودمه، تحت أي شعار، هو إرهابي، مجرم، يرفع شعار التحرير باسم العروبة أو الإسلام، لكي يخفي توجهاته السياسية؟! والعجب العجاب هنا يكمن في الوقائع والنتائج، حيث يوجه المقاوم جهده وجهاده نحو المحتل الصهيوني والمعتدي من الخارج، ويموت مضحيًا على طريق الحرية والتحرير، ويصنف إرهابيًّا، من دون أن يجني لنفسه أو لمن هم معه أية مكاسب.. بينما يصنف من يجنون المكاسب ويتاجرون بأرواح الناس، ويتحالفون مع المعتدين والمحتلين.. يصنّفون مناضلين، وجهابذة في السياسة، والنجاسة، ويكرسهم أعلام، قادة فوق الأنام؟!

إن إعلامًا عربيًّا لا يخرج من دائرة التبعية، ويقوم بترديد ما تقوله وسائل إعلام صهيونية، وغربية، وأخرى تتبع خطاهما.. يفعل ذلك ببغائية، هو إعلام لا يمثلنا، ويردد آراء معادية لنا، ومعادية للحقيقة ذاتها التي تشرف الإعلام.. وهو في هذه الحالات: ملتزم، على نحو ما، بخدمة القوى العدوانية والعنصرية، حتى لو لم يقصد ذلك.. فالعمى بأنواعه لا يميز بين الأشياء والمسالك، وحين يكون حسن النية هو المرجع والمشجب، فإنه يعيد إلى الذاكرة القول المعروف: “إن الطريق إلى جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة”. وإعلام بهذه المواصفات، لم يقدم ولا يُرتجى منه أن يقدّم، مشروعية المقاومة، أية مقاومة لأي شعب، ضد الاحتلال والعدوان، بوصفها حقًّا مشروعًا لكل من احتلت أرضه، ووقع عدوان عليه.! وحين يضع ذلك موضع نقاش، في أفضل الحالات، فإنه لا يكون عادلًا، لأنه يضع الضحية والجلاد في موضع واحد، وموقف واحد.. ولا ينتصر للحق الأبلج.. حيث يضع المقاوَمة موضع تساؤل وتشكيك ومساءلة، وأخذ ورد.

وقد شارك خطابُ ثقافيٌّ عربيّ، خطابًا إعلاميًّا من ذاك النوع السالف الذكر، فقامت بينهما شراكة سلبية المردود بصورة عامة، فلَمَّع إعلاميٌّ ثقافيًّا، وسكت ثقافيٌّ عن إعلاميٍّ، خوفًا وطامعًا.. وفي الحالين، في الموقفين.. كان الإعلامي والثقافي الذي المشاكه له، في خدمة الخطابِ السياسي العربي الذي تنازل للمحتل وللمعتدي، وسالمَهما، واستسلم لهما، ونسّقَ معهما، واستعان بهما، بل استدعاهما لنُصرَته، ضد كل من لا يوافق على سياسته، وتوجهه، وقراره، وعبقريته… فتنمر أكثر، وأوقع الكارثة بكثيرين، لكي يبقى هو خارج الكارثة محميًّا بأنواع الحمايات، ولقي، وهو في هذه الحالة، إعلامًا غويًّا، وغواة للإعلام.. استجابوا له ووالوه، وجافوا الحقيقة بل عادوها وناصروه.. وكانت النتيجة مشاركته في ظلمه وإثمه وفي المنطق والتوجه والأهداف والخيارات، والنتائج والتبعات.. و.. تلك التي لم تبق مخفية فقط، بل استدلت بما هو النقيض لها.؟! وسواء أراد ذلك، الذين أرادوه واختاروه طريقًا، عن وعي تام منهم وإرادة حرة، أم انخرطوا في خضمه سعيًا وراء أموال ومكاسب ومناصب، أم ليبقوا في المركب السائر، أم ساروا في مساره تأثرًا بتبعية تاريخية، أو انسحاقًا تحتها.. تبعية خطاب الإعلام لخطاب السياسية وتعبيره عنها، وتلميعه لها، أو مشاركتها “التواطؤ”؟!.. وصدور الخطاب السياسي عن امتلاك القوة، أو التبعية لها.. أخذًا بمنطقها وقوانينها، وبالتسلط، والنزوة، والشهوة، والحرص على البقاء حيث رؤية السلطة بقاءً، حتى لو أزال الراغب في ذلك النوع من البقاء: الدساتير والقوانين والناس والقيم، من طريقه.. فـ”أنا ومن بعدي الطوفان”؟! يحكم كثيرًا من الساسة، والسياسات.. ويشق أهله طريقًا فوق رؤوس الناس ومقومات البقاء، وقيم الحياة.

إن أحد الأهداف الأساسية، التي يمكن أن نعمل عليها، هو التركيز على نوعية خطاب عربي بَنَّاء خلاق، متجذر في تاريخنا والواقع الذي نعيشه، ومتطلع بثقة إلى مستقل نكون فيه على حال أفضل بكثير مما نحن عليه الآن من حال. وربما كان المطلوب في هذه المرحلة على الخصوص، لا سيما إعلاميًّا وثقافيًّا، خطاب يمهد لذلك النوع من الخطاب الشامل، خطاب من ذلك النوع بل أغنى بكثير.. على أن يكون حرًّا، متحررًا من التبعيات، ومن أمراض النفاق والانتهاز والارتزاق، مالكًا للوعي المعرفي، مجسِّدًا الانتماء للأمة ببعدها الإنساني، وللالتزام بالحقيقة والقيم، وبمصلحة الشعب، معليًا شأن الإنسان، الذي من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، في وطن حر كريم مستقل مستقر، لا يحكمه الاستبداد، ولا يتفشّى فيه الفساد، ولا يُقتل فيه العباد بفنون جنون، ولا تعشش فيه تبعية من أي نوع، لا سيما التبعية للقوة العمياء، وللأيديولوجيات المفلسة، ولمَن هم من خارج بيتنا، وهويتنا، وثقافتنا، وعقيدتنا.. إننا لا نريد أن نغلق على أنفسنا أبواب الذات، ففي ذلك تحجر وتخلف ونوع ممات.. وحيوية الأمة، بهوية حضارية وخصوصية وذات، تحتاج إلى التفاعل الإيجابي مع الآخرين، مع الذوات الأخرى.. ولكن لا نريد أن نكون إمَّعات بلا خصوصية ولا هوية ولا ذات.

وينبغي أن يركز خطابنا المنشود، على التحليل العميق بموضوعية تتجاوز النزوات والعنتريات والثارات والأمراض، ويعيد النظر بالخطاب التربوي، ويركز على مواقع الخلل والاختراق الثقافي والإعلامي والاجتماعي والاقتصادي، ويحاول تشخيص الأدواء بدقة، وتحديد سبل التصدي للأمراض وأعراضها، بعلمية ومنهجية.

إن ذاكرة أمتنا العربية ووجدانها المتصلين بالصراع العربي ـ الصهيوني ومعطياته وأهدافه، بوصفه صراع وجود وليس نزاعًا على حدود، هما من بين ما يستهدفه الخطاب الصهيوني المعادي، والغربي المناصر له، والعربي السائر في ركابه، المعبر عن ذاته في خطاب التطبيع، والدعوة للتحالف مع الصهيوني وحلفائه الغربيين وغير الغربيين، لزجنا في حروب، فيما بيننا، هي كوارث كاملة، للأمتين العربية والإسلامية، لتستمر الفتنة المذهبية والطائفية والعرقية التي أشعلتها حروب “الربيع العربي المزعوم؟!”، في عملية انسياق عبثي كارثي.. هو مما ينبغي على الخطاب المنشود أن يتصدى له.

ولأننا نؤمن بعروبة فلسطين، وبحقنا التاريخي فيها، وبالبعد القومي لقضية فلسطين، وبكونها قضية عربية مركزية عادلة، نرى أنه لا بد من المحافظة على سلامة الذاكرة والوجدان العربيين وحيويتهما، وعدم السماح بتشويه محتوياتهما أو تشويش تلك المحتويات، ومقاومة كل أشكال اجتثاثهما من الراهن وحجبهما عن التأثير في المستقبل، بغسلهما واستبدال محتواهما بثقافة استسلام، تحت مسمى “السلام”..

والسؤال المطروح هو: هل على الأمة العربية أن تقبل ذلك وتهيئ أجيالها للقبول به والاستسلام له، ومن ثم تفرض أن ينحو الخطاب الإعلامي والثقافي منحىً واحدًا ليرسخ ذلك تربويًّا واجتماعيًّا في المدى البعيد؟! أم أن الأمة بطلائعها الفكرية والنضالية، رفضت، وينبغي أن ترفض منطق الهزيمة والاستسلام والخضوع، بدونية مستمرة التأثير، لمطالب الصهيونية والاستعمار الغربي الحديث وللخطاب السياسي العربي الذي يكرس ذلك ويخدمه بأشكال مختلفة منها: تغييب المواطن، واستلاب الحرية، وتقويض بنى المنطق والعقل والقيم والوجدان، وتحويل الناس إلى شرائح قطعانية تأكل وتعمل وتقبل بما يقوله الراعي… أو فالمسلخ أمامها، وحروب على مدِّ النظر، لا تبقي منها ولا تذر؟!

الذي يختار هو الإنسان الحر الواعي، السياسي ذو الرؤية والحكمة والمستوى العالي في التفكير والتدبير.. والمثقف ذو الرؤية والموقف والانتماء والتاريخ والعقيدة، المؤتمن على تاريخ ووجدان وحقائق وحقوق.. والإعلامي الذي لا يرخص ذاته، ولا يتخلى عن الحقيقة وينقلها وينصرها ولا يساهم مطلقًا في التزوير والتشويه والتجني على آخر، لغاية في نفس يعقوب أخفاها.. والاختيار التزام واعٍ لأهدافه ووسائله وتبعاته، وهو يرتِّب ثمنًا، ولكل اختيار ثمن.

المثقف الذي يختار رفض الاعتراف بالعدو الصهيوني، ومقاومة تطبيع العلاقات معه، ورفض انهيار الأمة واستسلامها، عليه أن يختار سلاحه/خطابه/وميدان المواجهة، وألا ينسى أن معركته تتركز في جبهتين رئيسيتن: جبهة مواجهة الخطاب المعادي بكل ألوانه، أساليبه وقدراته ـ ولهذا استراتيجيته وأساليبه ـ والخطاب العربي الداخلي والموجه إلى الخارج، بأغراضه وأورامه وأعراضه… مواجهة إنشائيته وشعاراتيته وانفعاليته وطوباويته وزَوَغانه عن الحق والمجابهة.. وتكسّبيته وانتهازيته وتبعيته لخلافات الأنظمة وللحكام، ولتبعية قطرية ضيقة غدت صيغة اعتراضية على القومية، ولولوجه في سوق الكلام الذي تفتحه أجهزة معادية وأنظمة لا تريد أن ترى في المثقفين إلا حاشية من الطبالين والزمارين تسير في ركاب الحاكم، يلجمها الإعلام، أو يدفعها، يظهرها أو يخفيها، يلمّعها أو يعتم عليها، يقزمها أو يضخّمها حسب الطلب، والتبعية والسبب.. ولا يخلو البيت الثقافي من مثل هذه الممارسات الإعلامية المسيَّسة، بل قد يكون فيه من هم أقدر على الضلوع في ذلك.. وكل هذا بنية في القلب وللقلب من الأمة ينبغي أن تعالج، وتواجه، وتسلم من التبعية والأذى، ولا تتكلف ما لا تطيق إن هي أرادت اختيار طريق الحرية، والحقيقة، والشعب.

إن الخطاب الذي نتطلع إليه، ونراه منقذًا وخلاقًا.. خطاب يرفض هزائم الأعماق، وتكريس الدونية، والمنطق الذي يريد أن يقدم الأوضاع العربية والدولية الحالية، على أنها أوضاع نهائية أبدية، لن يطولها التغيير… إن منطق الحياة القائم على الحركة لا يعرف هذا النوع من الحتميات، والحركة تحمل التغيير، وعلينا أن نعرف كيف نوظف جهودنا بعلم وإيمان، لنكون فاعلين في رسم تيار ذلك التغيير وصنعه، من خلال خطاب مبدع خلاق.

إن الخطاب المقاوم للسقوط بأشكاله، هو خطاب مناصر للوعي المعرفي، للعدالة والحرية، للعلم وتطبيقاته، ولحرية الإنسان العربي وحقوقه الأساس، ومنها الممارسة الديمقراطية بمسؤولية ووعي، والدفاع عن حقوق الأمة التاريخية باقتدار وانتماء ورؤية ونَفَسٍ طويل وروح نضالية خلاقة، تبدع أساليبها وأدواتها، وتتفوق في مواجهة كل ما يشيع الإحباط واليأس، وكل ما يرمي إلى تفتيت الإرادة، وقتل الحلم، وإضعاف الأمل، وتدمير الحس الوطني والقومي والإنساني، وتشويه المسؤولية أو إعدامها.

إننا بحاجة للدفاع عن التاريخ الذي لقّناه لأجيالنا، وعن الجغرافية التي درسناها ودرّسناها لأبنائنا، وبحاجة للدفاع عن المناهج والتربية القومية والدينية، وعن منظومات القيم، وحقائق التاريخ، وما قدمه الشهداء على طريق فلسطين والأمة، منذ بدأ النضال من أجل فلسطين ونهضة الأمة.

ونحن بحاجة لمفاتيح في الخطاب العربي، هي مفاتيح أصلية أصيلة وعصرية في آنٍ معًا… فالخطاب المتورم مرفوض، والخطاب الضعيف المهزوم مرفوض، والخطاب الذي يروج للعداوة والكراهية، والفتنة، مرفوض.. والخطاب الذي يروّج للعدو المحتل، والغازي المعتدي، ورموزهما، ولمصطلحاتهما ومفاهيمهما وفكرهما مرفوض، والخطاب المنغلق على أوهامه، المتورِّم بأنيَّته وأنانيته، المشبع بشعاراتية خاوية، والدائخ في دوامة نزوع تعصبي من أي نوع: قومي أو أيديولوجي أو ديني أو طائفي أو قطري.. خطاب مرفوض.

ربما كان في تطلعنا إلى ذلك، نوع من التوهم، بل نوع من تبن لواقعية الحلم.. فهل ترانا نحلم بأكبر مما يستحقه تاريخنا، وما يتسع له واقعنا، وما تمتد إليه رؤانا، وما يليق بأمتنا!؟‍ إن الحلم يبقى أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع.. وتبقى أرض الفكر والثقافة هي حوض الاستنبات الأمثل، لكل ما يصنع الوعي والتقدم والنهضة، ويعزز الحرية والإبداع.. والخطاب الذي يصنع ذلك، وينهض بالأمة، ويقاوم ما يضعفه، ويكشف ما يغشاه من ظلال وظلام وطغيان ووهن وقنوط، هو الخطاب العربي المطلوب في الراهن العربي الدامي الكئيب..

والخطاب الأجدى هنا، هو الموجه للقادرين على صنع الخطاب الملائم للإنقاذ والتقدم والتحرير والنهضة، بحرية وعلم وعمل، وانتماء عربي متين مبين، ومسؤولية قومية إنسانية تعمل بأمل، دون وهن أو كلل.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

زوما يستقيل من رئاسة جنوب أفريقياو انتخاب سيريل رامابوسا رئيسا جديدا

News image

أختير سيريل رامابوسا رئيسا لجمهورية جنوب إفريقيا بعد يوم واحد من اضطرار الرئيس جاكوب زوم...

نجاة وزير الداخلية المكسيكي بعد تحطم طائرة هليكوبتر كانت تقله

News image

تحطمت طائرة هليكوبتر عسكرية كانت تقل وزير الداخلية المكسيكي الفونسو نافاريتي وحاكم ولاية واهاكا الو...

الجيش المصري يقضي على ثلاثة مسلحين ويدمر 68 هدفًا في عملية سيناء 2018

News image

تمكنت القوات المسلحة المصرية من القضاء على ثلاثة مسلحين وتدمير 68 هدفًا تستخدم في تخز...

مجلس الأمن الدولي يوافق على تعيين مارتن غريفيث مبعوثا خاصا إلى اليمن

News image

وافق مجلس الأمن الدولي الخميس على تعيين البريطاني مارتن غريفيث مبعوثا أمميا خاصا إلى الي...

لافروف يسخر من اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية غداة توجيه الاتهام إلى 13 روسيا في هذه القضية

News image

ميونخ (ألمانيا) - وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف السبت اتهام روسيا بالتدخل في الا...

الجيش المصري يحقق في " الوثائق المخفية" لذا سامي عنان حسب تصريح لهشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات واحد المقربين للمرشح المستبعد من ال

News image

القاهرة - أعلن الجيش المصري مساء الاثنين أن جهات التحقيق ستتخذ اجراءات بحق رئيس الا...

400 من سيناء بينهم أجانب في قبضة القوات المصرية

News image

القاهرة - قال الجيش المصري في بيان بثه التلفزيون الرسمي الثلاثاء إن قوات الأمن قتلت عش...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

أسئلة مطروحة على الإسلام السياسي

د. علي محمد فخرو

| الجمعة, 23 فبراير 2018

    منذ عدة سنوات والمجتمعات العربية تشاهد بروز ظاهرة متنامية ولافتة للنظر. إنها ظاهرة تحليل ...

سوريا مشروع لحرب باردة أمريكية ـ روسية

د. محمد السعيد ادريس

| الجمعة, 23 فبراير 2018

    ربما لا يكون نجاح إحدى منظمات المعارضة السورية فى إسقاط مقاتلة روسية حدثاً محورياً ...

صراعات مراكز القوى: تجربة مبارك

عبدالله السناوي

| الجمعة, 23 فبراير 2018

  قبل سبع سنوات ـ بالضبط ـ تخلى الرئيس «حسنى مبارك» مضطرا عن سلطة أمسك ...

لم لا يذهبون إلى المعارضة

فاروق يوسف

| الجمعة, 23 فبراير 2018

  ما تفعله التيارات السياسية المدنية في العراق أمر يثير الاستغراب فعلا بسبب ما ينطوي ...

«نتنياهو المرتشي».. هل بدأ السقوط؟!

د. أسعد عبد الرحمن

| الجمعة, 23 فبراير 2018

    في يوم الاثنين الماضي تسارعت الأمور بخصوص الاتهامات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ...

ترامب والحقيقة

د. مليح صالح شكر

| الجمعة, 23 فبراير 2018

  أمتهن دونالد ترامب قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الامريكية، مهنة بناء العمارات والفنادق ...

مبادئ جديدة في تسوية النزاعات الدولية

د. أحمد يوسف أحمد

| الخميس, 22 فبراير 2018

    تتحفنا الدبلوماسية الأميركية تباعاً بالجديد في مبادئ تسوية النزاعات الدولية، فقبل مدة وجيزة أجاب ...

ترامب متهم يصعب إثبات براءته!

د. صبحي غندور

| الخميس, 22 فبراير 2018

    عاجلاً أم آجلاً، ستصل التحقيقات التي يقوم بها المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر إلى ...

جنون العظمة.. وتآكل الردع!

عوني صادق

| الخميس, 22 فبراير 2018

الدول كالأفراد، يمكن أن تصاب بمرض «جنون العظمة»! وليس دائماً يحدث ذلك لأن الدولة، أو ...

عصر الإنذارات الكبرى

محمد خالد

| الأربعاء, 21 فبراير 2018

    القوي لا يخاف، الضعيف هو الذي يخاف، فالخائف لا يخيف، وللأسف الشديد إن واقعنا ...

مراحل محو الذاكرة بالعراق

هيفاء زنكنة

| الثلاثاء, 20 فبراير 2018

تراجع الاهتمام الإعلامي العربي والدولي، بالعراق، بلدا وشعبا، في السنوات الأخيرة، إلى حد لم يعد...

آفلون وتحوُّلات... ولصوص يمكِّنهم انهزاميون!

عبداللطيف مهنا

| الثلاثاء, 20 فبراير 2018

نتنياهو مرتشٍ وفاسد. هذا هو ما توصَّلت إليه تحقيقات شرطة كيانه الاحتلالي وأوصت به لنا...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم7948
mod_vvisit_counterالبارحة60872
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع256215
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي307548
mod_vvisit_counterهذا الشهر1048816
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1321188
mod_vvisit_counterكل الزوار51025467
حاليا يتواجد 4546 زوار  على الموقع