رؤية استراتيجية متكاملة أم مبادرات سياسية مزعومة؟

الجمعة, 15 أبريل 2016 16:14

السيد يسين

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

حاولنا فى المقال الماضى «التوازن المفتقد فى الحوار المجتمعى» (الأهرام 10 مارس 2016) تشريح ظاهرة التردى فى أداء النخب المصرية سياسية كانت أو ثقافية أو إعلامية. وقلنا إنه مما يدل على هذا التردى الانصراف عن الاهتمام الجدى بالأمور الكبرى للوطن، وخصوصا فى المرحلة الحاسمة بعد 30 يونيو التى شهدت سقوطا مدويا لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وبداية عصر سياسى جديد يقوم على أساس الأهداف الأصيلة لثورة 25 يناير وأبرزها تحقيق الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والحفاظ على الكرامة الإنسانية.

 

وقد شهد الوطن تحقيق الخطوة الأولى من خريطة الطريق التى أعلنت فى 3 يوليو وهى إعداد دستور جديد والخطوة الثانية وهى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وقد تم انتخاب الرئيس السيسي بمعدلات قياسية وآخر هذه الخطوات هى انتخاب مجلس نواب جديد.

وكان المفروض بعد ذلك أن تعمل كل أطراف النظام السياسى ونعنى رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى والنخب السياسية والثقافية على الإسهام الإيجابى فى رسم برامج التنمية المستدامة التى ستوضع وفقا لرؤية استراتيجية متكاملة.

وقد وجهت بعد الأصوات السياسية النقد للرئيس «السيسى» على أساس أنه بدأ - باعتباره قائدا للدولة التنموية الجديدة- تنفيذ مشروعات قومية كبرى مثل مشروع قناة السويس وزراعة 3 ملايين فدان وكذلك إنشاء عاصمة جديدة وذلك دون أن يعلن الرؤية الاستراتيجية للدولة والتى ستنفذ فيها هذه المشروعات فى ضوء توجهاتها التنموية.

وها نحن اليوم -وخصوصا بعد أن أعلن الرئيس «السيسى» يوم 2 مارس الماضى الرؤية الاستراتيجية لمصر 2030- أمام موقف جديد يستدعى تضافر كل أطراف النظام السياسى على المناقشة النقدية المسئولة لهذه الرؤية وأهدافها ووسائلها، مع التركيز على كفاءة هذه الاستراتيجية التنموية فى مجال إشباع الحاجات الأساسية للجماهير العريضة.

ومن الأهمية بمكان أن نطالع التقديم الذى صدر به الرئيس «السيسى» وثيقة رؤية مصر 2030.

يقول الرئيس أن الوطن يمر بمرحلة فارقة من تاريخه العريق تحتم علينا جميعا كمصريين مخلصين له عاشقين لترابه متطلعين لرؤيته بين مصاف الدول المتقدمة وفى المكانة الدولية التى يستحقها أن نكون يدا واحدة رئاسة وحكومة وبرلمانا وشعبا لنرسم معا حاضرا باسما تستحقه الأجيال الحالية ومستقبلا مشرفا وحياة أفضل للأجيال القادمة. فلقد شاهد العالم أجمع كيف تلاحم هذا الشعب العظيم فى ثورتين عظيمتين مطالبا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وبالفعل بدأنا فعلا هذه المسيرة وأوشك الوطن على تنفيذ جميع استحقاقات خريطة طريق المستقبل التى توافقت عليها جميع القوى الوطنية. فقد شكلنا معا دستورا متكاملا وأجرينا الانتخابات الرئاسية بنزاهة وشفافية شهد لها القاصى والدانى وتم انتخاب البرلمان الحقيقى للثورة المصريةب.

وينبغى أن ألفت النظر فى هذه الفقرة المهمة التى صدر بها الرئيس «السيسى» تصديره للوثيقة بأنه ركز على مفهوم «التنمية المستدامة» لأنه ركز على حق الأجيال القادمة فى حياة أفضل. ومن ناحية أخرى أكد أهمية تعاون كل أطراف النظام السياسى فى تحقيق التنمية الرئاسة والحكومة والبرلمان والمجتمع ككل.

وهكذا يمكن القول إن استراتيجية التنمية المستدامة رؤية «مصر 2030» تم وضعها على مدى عامين متواصلين التى شهدت صياغتها -كما قرر الرئيس فى تقريره- كانت ثمرة تعاون ممثلى الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدنى والأكاديميين والخبراء لتحديد الملامح الأساسية لمصر المستقبل.

وفى تقديرنا أن صدور هذه الوثيقة حدث تاريخى بالغ الأهمية، وذلك لأنه سبقتها من قبل جهود ممتازة قامت بها فرق بحثية وطنية أبرزها المخطط العمرانى الذى أشرف عليه الدكتور «فتحى البرادعى» وزير الإسكان السابق، ووثيقة «مصر 2030» التى أشرف على إعدادها المرحوم الدكتور «محمد منصور» المدير السابق لمركز الدراسات المستقبلية التابع لمركز دعم القرار بمجلس الوزراء، ولكن كلتا الوثيقتين لم يتح لهما التفعيل الفعلى لأسباب متعددة.

ومن هنا تأتى الأهمية القصوى لاستراتيجية التنمية التى أعلنها الرئيس «السيسى» لأنها تعد أول رؤية استراتيجية تتبناها الدولة بعد ثورتى 25 يناير و 30 يونيو.

ومن هنا ضرورة أن تناقش الوثيقة مناقشة نقدية مستفيضة من قبل الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدنى والنخب السياسية والثقافية وتجمعات النشطاء السياسيين. وينبغى أن يكون هدف هذه المناقشة النقدية التأكد من سلامة التوجهات التنموية للوثيقة، وقدرتها على تحقيق المعدلات المرغوبة للارتفاع بجودة الحياة فى المجتمع المصرى فى ضوء معايير ومؤشرات الأداء المتضمنة فى الوثيقة.

ولنأخذ -على سبيل المثال- الرؤية الاستراتيجية للعدالة الاجتماعية حتى عام 2030.

وتقرر الوثيقة بهذا الصدد «تهدف هذه الرؤية الاستراتيجية إلى وضع بعض المحددات على التوجه الاقتصادى للدولة لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية كما تحدد أيضا دور الدولة وكذا دور كل من القطاع الخاص والمجتمع المدنى فى تحقيق العدالة الاجتماعية وآليات تحقيق التوازن بين العمل الخيرى والعمل التنموى وبين أولويات الحاضر والاعتبارات المستقبلية».

وحددت الوثيقة الأهداف الاستراتيجية للعدالة الاجتماعية فى عام 2030 فى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة.

الهدف الأول: تعزيز الاندماج المجتمعى وتعريفه بأنه «رفع مستوى الإنتاج المجتمعى وترسيخ شراكة فعالة بين شركاء التنمية والدولة والمجتمع والقطاع الخاص».

والهدف الثاني: تحقيق المساواة فى الحقوق والفرص وتعريفه «تحفيز فرص الحراك الاجتماعى من خلال نظام مؤسسى يحقق المساواة فى الحقوق والفرص الاقتصادية والاجتماعية والسياسية».

والهدف الثالث: تحقيق الحماية للفئات الأولى بالرعاية وتعريفه «بضمان عدالة التوزيع وتقليص الفجوات الطبقية من خلال مساندة شرائح المجتمع المهمشة وتحقيق الحماية للفئات الأولى بالرعاية».

ويلفت النظر حقا اهتمام الوثيقة بالنص على ثمانية مؤشرات كمية دقيقة لقياس التقدم فى تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية. ومن أمثلتها مؤشر الفجوة الجغرافية فى مؤشر التنمية البشرية، ومؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالي، ومؤشر توزيع الدخل والاستهلاك، ومؤشر الفجوة فى الترتيب الدولى بين الجنسين، ومؤشر الثقة فى الحكومة. الفجوة الجغرافية فى مؤشر استكمال التعليم الأساسي.

هذه مجرد أمثلة لاهتمام الوثيقة بتحديد أهداف استراتيجية العدالة الاجتماعية وقياس نتائجها على أرض الواقع.

هذه الوثيقة التاريخية ألا تستحق أن تتفرغ الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدنى والنخبة السياسية بوجه عام لمناقشتها مناقشة نقدية بدلا من المبادرات العقيمة التى أعلن عنها أخيرا عن «جمعية لتفعيل الدستور» وأخرى «لصنع بديل مدنى»؟ أم أن البحث عن أدوار سياسية -حتى لو كانت هامشية- هى الهاجس الأساسى للنخبة السياسية التى استقالت من أداء وظائفها التنموية الأساسية؟

 

السيد يسين

كاتب مصري

 

 

شاهد مقالات السيد يسين