الشعر الأبيض في الطابور

الأربعاء, 05 فبراير 2014 02:38

د. نيفين مسعد

قضايا ومناقشات
طباعة

 

الاختلاف بين الأجيال ظاهرة طبيعية وصحية لم نكتشفها مع ثورة 25 يناير فهي موجودة منذ الأزل طالما هناك جيل سابق له أفكاره وقيمه وعاداته وجيل لاحق له أفكار وقيم وعادات مختلفة. ومن رحم التفاعل بين الأجيال يتخلق التغيير الذي هو من صنع الشباب،

ويتحلى بالحكمة التي هي نتيجة تجربة الآباء والأمهات. وما من أحد له مصلحة في الدفاع عن الجمود ليس فقط لأنه غير ممكن لكن أيضا لأن إطالة أمده يؤدي إلى التدهور والانحدار، ولا من مصلحته أن يدافع عن التغيير لمجرد التغيير فهذا في حد ذاته كفيل بإثارة الحنين إلى الأوضاع القديمة حيث كان الاستقرار يسود.

 

*****

أن يظل الاختلاف بين الأجيال ظاهرة صحية فهذا محكوم بدرجة من التوتر المحسوب لا يتجاوزها، وإلا أصبح كل طرف يرى في الآخر عبئا على الوطن وخصما من مصلحته، وهذا ما يسير إليه الحال في مصر الآن. السبب المباشر الذي دفعني لكتابة هذا المقال رد فعل الشباب على إقبال كبار السن على التصويت في الاستفتاء على الدستور، ولا أتوقف هنا عند السباب فهذا لا يستحق الرد عليه لكنى أتوقف أمام حملة بالغة القسوة شديدة الإيلام. كتب أحدهم جملة على تويتر وتناقلها من بعده كثيرون: الشعر الأبيض في الطابور والشعر الأسود في القبور. قائل هذه الجملة من حقه أن يأسى لتساقط الشباب في الميادين والساحات بشكل شبه يومي لأسباب ليس تفصيلها هنا هو مربط الفرس، لكن ما ليس من حقه أن ينكر على أصحاب الشعر الأبيض أن يمارسوا حقهم في التصويت، أن يحولهم إلى ما يشبه خيل الحكومة الذي يطلق عليه الرصاص حين يكبر ويشيخ فلا يكون له صوت ولا يحق له الحضور. في البلدان التي نتغنى بديمقراطيتها يُطلق على صاحب الشعر الأبيض senior citizen تكون له أولوية في التعامل، ومقعد (محفوظ) في المترو، وموقع متقدم في الطوابير ومنها طوابير الاستفتاء. لا ينكر أحد عليهم مواطنتهم، ولا يجرؤ أحد إذا قرر مقاطعة التصويت أن يوجه لهم السؤال: لماذا تستخدمون حقكم الانتخابي؟

*****

أتفهم تماما مرارة الشباب الذي لم يتمكن من السلطة لا في عهد المجلس العسكري ولا في ظل الإخوان ولا بعد إطاحة محمد مرسي فيما هو الذي قاد بداية الثورة في 25 يناير. لكن بدايات التغيير لم تكن حكرا على الشباب بل إن عودة محمد البرادعي إلى مصر هي التي ألقت حجرا في المياه السياسية الآسنة، وظهور جورج إسحاق على رأس حركة كفاية هو الذي سلط الضوء على قضية التوريث وحملها إلى الواجهة، وقيادة محمد أبو الغار حركة 9 مارس هي التي فجرت كل قضايا الجامعة من أول وجود الحرس وحتى وضع الأساتذة. إن صنع التاريخ ليس حكرا على جيل محدد حتى وإن كان هذا الجيل يمثل نحو 40% من السكان وكان يمتلك حيوية لا تتوافر لسواه، وعندما نستعيد مشهد كعكة ميدان التحرير خاصة بعد 4 فبراير 2011 سنجد أن أبرز ما كان يميزها هو هذا الامتزاج الجيلي والنوعي والطبقي بين المصريين. ولا زالت شاهندة مقلد قادرة على أن ترفع صوتها وتجبر فحلا مفتول العضلات على أن يكمم فاها كي لا تهتف، في هكذا مشهد من الذي يصنع التغيير ومن الذي يقاومه؟

*****

من حق الشباب أن يحتل مواقع متقدمة ويتحمل المسئولية السياسية، ومن حقنا أن ننقد فيه تشرذمه وتشظي كياناته إلى مجموعات أصغر فأصغر، وأن نأخذ عليه أنه لا يصطف خلف وجه واحد يمثله وينطق باسمه ولو حدث هذا في انتخابات الرئاسة عام 2012 لفاز خالد على أو في القليل دخل جولة الإعادة، لكن الشباب توزع على حركات وأحزاب يتزعمها أصحاب الشعر الأبيض وأحيانا اللحى البيضاء أيضا.

قالت لي واحدة من الشباب الغاضب «أتمنى أن يحترق كل جيل عبدالناصر حتى يترك لنا الفرصة لنعيش»، ورددت عليها أن يكون جيل عبدالناصر قادرا على المنافسة وإثبات وجوده بعد ستين عاما أو يزيد فإن هذا يعني أن العيب ليس عيب هذا الجيل، وأظن الرسالة وصلت.

 

 

د. نيفين مسعد

أستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة

 

 

شاهد مقالات د. نيفين مسعد