موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color

السوريون ومؤتمرهم العربي الأول عام 1913

إرسال إلى صديق طباعة PDF

مثلها مثل البلاد العربية عموماً تجتاز سورية اليوم منعطفاً تاريخياً نوعياً سوف تحدّد مساراته ونتائجه مصيرها وشقيقاتها لعشرات السنين القادمة. غير أنّ هذا المنعطف عالمي شامل، وليس سورياً/عربياً خاصاً صرفاً، حيث الخصوصية هنا لا تعني سوى المشاركة الإيجابية الفعالة (أو المشاركة السلبية الفعالة لصالح الغير!

) في الجهد البشري العام الذي سوف تشملها نتائجه شاءت أم أبت. إنّ ما نشهده هو نوع من الأحداث العالمية الخطيرة العظمى التي لا تقع كلّ يوم أو كلّ عام أو كلّ عقد، بل تفصل بينها عادة عقود طويلة. إنّ وقائع ما يحدث متصلة بعضها بالآخر اتصالاً مباشراً، مثل اتصال مياه المحيطات والبحار التي توحّد القارات.

 

بناءً على ما تقدّم، وانطلاقاً من الصلة الحميمة بين ما هو خاص وما هو عام في هكذا منعطفات بشرية تاريخية، ولأنّ هناك للأسف الشديد من لا يعير أهمية لهذه الصلة الحميمة، سوف نعود تحديداً إلى ذلك المؤتمر السوري/العربي الأول الذي انعقد في باريس، في الفترة 18 – 23 /6/1913 حيث كان العالم يجتاز منعطفاً مشابهاً، وحيث كان السوريون (بلاد الشام) والعراقيون لا يزالون جزءاً لا يتجزّأ من شعوب الرابطة العثمانية، وكانوا قد صعّدوا مطالبهم من مجرّد تحقيق إصلاحات داخلية في إدارة الدولة العثمانية إلى تحقيق اللامركزية في الإدارة، وإلى تحقيق تميّز الشخصية العربية، أو القومية العربية.

في ذلك العام، 1913، كان النظام الرأسمالي العالمي الاستعماري، الموحّد بمجمله بمراكزه القيادية الثريّة وأطرافه التابعة الفقيرة، قد دخل مرحلة الإمبريالية الأعلى. وكانت قياداته، المتحالفة ضدّ الشعوب والمتناحرة في ما بينها، تعدّ العدّة لإشعال نيران الحرب العالمية الأولى، التي لم يكن لها من هدف سوى اقتسام العالم في ما بينها، على أن تنتزع كلّ منها الحصّة التي تعتقد أنّها تستحقّها، وقد رأى السوريون وإخوانهم في ذلك المنعطف فرصة يمكن أن تساعدهم في تحقيق مطالبهم وأمانيهم الخاصة بمساعدة الحلفاء الغربيين.

كانت الأوضاع الداخلية للدولة العثمانية متفجرة بكل ما في الكلمة من معنى، فالاضطرابات تعصف بجميع شعوب الدولة، بما فيها الشعب التركي، إضافة إلى أن الحرب العالمية الأولى صارت وشيكة، وراحت تلقي بظلالها على أوضاع الدولة العثمانية وتزيدها قتامة. وقد انعقد المؤتمر العربي الأول (السوري) المشار إليه في تلك اللحظة، في باريس، في قاعة الجمعية الجغرافية بشارع سان جرمان، برعاية فائقة من الحكومة الفرنسية التي كانت تستعدّ سرّاً لإلحاق بلاد الشام كلّها بإمبراطوريتها، كما فعلت بالجزائر.

غير أنّ المؤتمرين السوريين بدو غير منتبهين (أو غير آبهين؟) لنوايا الحلفاء ضدّ بلادهم. لقد كانوا يتحدّثون عن قضيتهم الخاصة كأنّما هي منفصلة عن مجمل الوضع العالمي، ويتعاملون مع الحلفاء الغربيين كأنّما هم سوف يساعدونهم بنزاهة، بناءً على شعارات الثورة الفرنسية ولوجه الحرية فقط لا غير. وهكذا، في 21/6/1913، اتخذ المؤتمر العربي الأول (السوري) قرارات تضمّنت ما يلي:

1. إن الإصلاحات الحقيقية واجبة، وضرورية للدولة العثمانية، فيجب أن تنفّذ بوجه السرعة.

2. من المهم أن يكون مضموناً للعرب التمتع بحقوقهم السياسية، وذلك بأن يشاركوا في الإدارة المركزية للدولة مشاركة فعليّة.

3. يجب أن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة لا مركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها.

4. كانت ولاية بيروت قد قدّمت مطالبها بلائحة خاصة صودق عليها في 31/1/ 1913 بإجماع الآراء، وهي قائمة على مبدأين هما: توسيع سلطة المجالس العمومية، وتعيين مستشارين أجانب. فالمؤتمر يطلب تنفيذ وتطبيق هذين المبدأين.

5. اللغة العربية يجب أن تكون معتبرة في مجلس النواب العثماني، ويجب أن يقرر هذا المجلس كون اللغة العربية لغة رسميّة في الولايات العربية.

6. تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الظروف والأحيان التي تدعو للاستثناء الأقصى.

7. يتمنى المؤتمر على الحكومة السنيّة العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل تحسين ماليتها.

8. يصادق المؤتمر ويظهر ميله لمطالب الأرمن العثمانيين القائمة على اللامركزية.

9. سيجري تبليغ هذه القرارات للحكومة العثمانية السنيّة. وتبلغ هذه القرارات أيضا للحكومات المتحاربة مع الدولة العثمانية.

10. يشكر المؤتمر الحكومة الفرنساوية شكرا جزيلا لترحابها الكريم بضيوفها.(راجع كتاب "المشاريع الوحدوية العربية"/ د.يوسف خوري/ مركز دراسات الوحدة العربية/ بيروت).

لقد حضر ذلك المؤتمر العربي الأول (السوري أو الشامي) ثلاثة وعشرون مندوبا لبنانياً وسورياً وفلسطينياً .. وعراقياً أيضاً. ويلاحظ أن عدداً لا بأس به من الحضور كان من المهاجرين إلى الولايات المتحدة والمكسيك وأوروبا ومصر. كذلك حضر المؤتمر مراقبون عرب، من مصر مثلا، لم يشتركوا في مناقشات وأعمال المؤتمر. وكان الخرّيجون، الذين حضروا المؤتمر كأعضاء أصلاء، قد حصلوا جميعهم تقريبا على شهاداتهم العلمية من جامعات باريس. وقد تلا اللبناني أحمد مختار بيهم مداخلته باللغة الفرنسية. وألقى كلّ من شارل دبّاس وشكري غانم كلمتيهما بالفرنسية أيضا. ويلفت النظر في المناقشات إصرار مندوبي بيروت على تعيين مستشارين أجانب، يفترض أنّهم من فرنسا. وقد اعترض أحد المندوبين، وهو كسّاب أفندي، قائلا: نحن لا نريد أن يتداخل في أمورنا أجانب! فردّ سليم علي سلام أنّ البيروتيين أجمعوا على هذا الطلب!

وفيما يتعلق بالقرار الذي اتخذ تأييدا لمطالب الأرمن العثمانيين شرح رئيس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي أن حال إخواننا الأرمن كحالنا، وهم أشبه الناس بنا، يهاجرون كما نهاجر ويفكرون كما نفكر ويطلبون كما نطلب، فنحن نرغب في نجاحنا ونجاحهم، وإننا وإياهم سواء في المطالبة باللامركزية. وحول القرار العاشر المتعلق بإبلاغ قرارات المؤتمر لبعض الدول قال الزهراوي: إن بيننا وبين الدول ارتباطاً هو أعظم مما نتصور، ونحن إذا أطلعنا الدول العظمى على مطالب جزء عظيم من سكان السلطنة يكون ذلك خيراً من عدم إطلاعنا إيّاها عليها.. الخ.

وجدير بالذكر أنّ مقررات المؤتمر العربي الأول (السوري) لاقت استجابة من قبل الحكومة العثمانية، وتم التوصل إلى اتفاق بين مندوبين عن المؤتمر ومندوب عنها، وصدر قرار أو توجيه تركي تضمّن ما قررت الحكومة قبوله من الاتفاق، غير أن الحكومة التركية تباطأت في التصديق عليه، كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا، فساءت الظنون، ثم نشرت وكالة " رويتر " نبأ عن موافقة الحكومة التركية على الاتفاق، الأمر الذي دفع برفيق العظم رئيس حزب اللامركزية إلى نشر مواد الاتفاق ظناً منه أنه لم يبق مانع من نشرها، فاستاء الأتراك، وتنصّلوا من موافقتهم، وانهار كل شيء. أما سبب استيائهم فهو أن نشر قرارات المؤتمر أظهرهم كما لو أنهم رضخوا لمطالب غير رسمية، بينما هم أرادوا تنفيذ الاتفاق وكأنه مبادرة من الدولة وليس استجابة لطلب أحد.

بعد مرور حوالي العامين على انعقاد ذلك المؤتمر السوري/العربي، في أيّار/مايو 1915 والحرب تسير نحو الانتهاء لصالح الحلفاء، وقف رئيس الوزراء الفرنسي جورج ليغ خطيباً، في قاعة الجمعية الجغرافية في باريس نفسها، وخاطب الفرنسيين وحلفاءهم الغربيين، وليس العرب، فقال: "لن يكون البحر الأبيض المتوسط حرّاً في نظرنا، ولن نظلّ سادته، إلاّ إذا بقيت سورية ضمن منطقة نفوذنا. ويجب أن يفهم من ذلك أنّنا لا نعني سورية المشوّهة المجزّأة، بل سورية الكاملة التي يمكن لها أن تعيش سياسياً واقتصادياً وجغرافياً. سورية الحقيقية التي تمتدّ من العريش إلى طوروس، ومن الموصل الشرقية إلى شواطئ البحر المتوسط"!

في ما بعد، وتحت ضغط الأطراف الأقوى من الحلفاء، تنازلت الحكومة الفرنسية عن هدف السيادة على المتوسط، ورضيت أن تكون سورية الملحقة مشوّهة مجزّأة، وقد استمرّ الحال كذلك بعد "الاستقلالات" الناقصة وحتى يومنا هذا، وهاهم السوريون يهبّون الآن لمواجهة النتائج المروّعة التي ترتّبت على ما فعله الحلفاء بهم منذ حوالي قرن، وأيضاً لمواجهة مضاعفات مستجدّة قد تكون أعظم خطورة على وجودهم الأوّلي، لكنّ بعض نخبهم، في المؤتمرات والاجتماعات التي تعقد اليوم في باريس وفي غيرها من العواصم الأجنبية، يبدو غير منتبه (أو غير آبه؟) لوقائع التاريخ العظمى، ولما حدث في العام 1913 وما تلاه، فكأنّ ذلك التاريخ المأساوي يكرّر نفسه مرّة أخرى، إنّما كمهزلة! ومن يدري! فلعلّ الأمر لن يكون كذلك، بل العكس، بفضل المزايا الإيجابية للأجيال الصاعدة.

ns_shamali@yahoo.coma

 

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

هدنة عيد حذرة في قطاع غزة

News image

يعيش قطاع غزة أول أيام عيد الفطر هدنة لاتوافق رسميا عليها مشوبة بالحذر من تجد...

اجتماع استثنائي بين نصرالله وجنبلاط

News image

استقبل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله رئيس جبهة النضال الوطني النائب ولي...

غزة: مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف إطلاق نار فوري

News image

الأمم المتحدة -دعا مجلس الأمن الدولي في بيان أقره بالإجماع ليل الأحد الأثنين، إلى "وق...

عيد الفطر يوم الثلاثاء 29 يوليو حسب التوقعات

توقع الدكتور علي بن محمد الشكري المتخصص في الفيزياء الفلكية بقسم الفيزياء بجامعة الملك فهد...

القسام: 52 قتيلا من جنود الاحتلال

News image

كثفت فصائل المقاومة في غزة اليوم الثلاثاء عملياتها ضد قوات الاحتلال وقصفت المدن الإسرائيلية بعدد ...

أكثر من مائة شهيد بالقصف الإسرائيلي لغزة اليوم

News image

أفاد مراسل الجزيرة في غزة بأن أكثر من مائة فلسطيني استشهدوا يوم الاثنين في مجا...

مقتل وجرح 15 جنديا إسرائيليا بمعارك في غزة

News image

أفاد مراسل الجزيرة بمقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وإصابة 12 آخرين في معارك الساعات الأخيرة فيغ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

هل هناك حلول فردية للقضايا الاجتماعية؟

د. حسن حنفي

| الخميس, 31 يوليو 2014

  في الآونة الأخيرة، في القرار السياسي وفي الإعلام الموجه كثرت الحلول الفردية للقضايا الاجتماعية، ...

هل نستطيع التعلم من التاريخ؟

د. علي محمد فخرو

| الخميس, 31 يوليو 2014

  أدرك جيداً مقدار اختلاف المؤرخين والمفكرين حول مدى الاستفادة والتعلم من عِبَر وأحداث التاريخ. ...

إسرائيل..الدولة الفاشلة

محمد عارف

| الخميس, 31 يوليو 2014

  «احفرْ نفقاً بمسمارْ، ولا أنك تناقش واحد حمارْ». هذا المثل الفلسطيني يوضح ما يفعله ...

البحث عن التوازن المفقود

السيد يسين

| الخميس, 31 يوليو 2014

  بدأنا سلسلة من المقالات التي تحاول استكشاف الملامح الأساسية للشخصية القومية، بدأت بمقالنا «تحولات ...

في الذكرى اﻠ62 لثورة 23 يوليو المجيدة

زياد شليوط

| الخميس, 31 يوليو 2014

  القومية كانت وما زالت وستبقى الحصن المكين أمام التعصبات المذهبية تحل الذكرى اﻠ62 لثورة ...

استعادة الاستعمار

جميل مطر

| الخميس, 31 يوليو 2014

  يتحقق الآن أبشع ما جال في خاطر البعض منا في أعقاب حصول شعوبنا على ...

“الجرف الصامد” وماذا بعد؟

د. عبدالحسين شعبان

| الخميس, 31 يوليو 2014

  خلال ثماني سنوات شنّت "إسرائيل" أربع حروب على العرب والفلسطينيين، الحرب الأولى كانت حرب ...

مصر وفلسطين.. من يدافع عن من؟

فهمي هويدي

| الخميس, 31 يوليو 2014

  موقف مصر من الحاصل في غزة الآن نكأ جراحا كثيرة، وأعاد فتح ملف علاقتها ...

الحاضر والغائب في المواجهة مع إسرائيل

د. صبحي غندور

| الخميس, 31 يوليو 2014

  وضعت الحرب على غزّة الآن، جميع الأطراف الإقليمية والدولية أمام خلاصةٍ مهمة: لا إمكانية ...

غزة والمقاومة: ميزان الحق

د. مخلص الصيادي

| الخميس, 31 يوليو 2014

  من حق غزة أن ننحني أمامها إجلالا وتقديرا، ومن حق غزة أن نفخر بها ...

الحكومة والتطبيق الانتقائي للقانون

عبدالله النيباري

| الخميس, 31 يوليو 2014

  رحم الله «أبا سليمان»، حمود الزيد الخالد، عندما جادل بإصرار وقوة في اجتماعات لجنة ...

درسان كبيران من حرب غزة

فيصل جلول

| الخميس, 31 يوليو 2014

  لم يتم وقف النار في غزة لأسباب إنسانية إلا عندما قررت المقاومة الفلسطينية أن ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10
حاليا يتواجد 1649 زوار  على الموقع