موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اصابات خلال مواجهات مع الاحتلال في "الاقصى" ::التجــديد العــربي:: السعودية والهند.. ميزان دقيق لمصالح اقتصادية مشتركة ::التجــديد العــربي:: علماء يحذرون من خطر الخبز المحمّص! ::التجــديد العــربي:: «الأوسكار» تعلن أسماء 13 نجماً سيشاركون في حفل توزيع الجوائز ::التجــديد العــربي:: مهرجان الجبل الثقافي الأول ينطلق في 24 يناير في الفجيرة ::التجــديد العــربي:: مانشستر يونايتد يخسر بهدفين أمام باريس سان جيرمان في ذهاب دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا ::التجــديد العــربي:: موسكو: المساعدات الأمريكية لفنزويلا ذريعة للتدخل العسكري ::التجــديد العــربي:: المبعوث الأممي إلى اليمن: طرفا الحرب في اليمن اتفقا مبدئيا على إعادة الانتشار بالحديدة ::التجــديد العــربي:: مصدر مصري: المتفجرات التي كانت بحوزة الانتحاري تكفي لتدمير حي بأكمله ::التجــديد العــربي:: بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية ::التجــديد العــربي:: محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: مستعدون للتعاون مع واشنطن لاستكمال القضاء على الإرهابيين في سوريا ::التجــديد العــربي:: تفجير الأزهر: مقتل 3 من أفراد الشرطة المصرية ::التجــديد العــربي:: ولي العهد يغادر إسلام آباد ويؤكد: نأمل في شراكات جديدة ::التجــديد العــربي:: البحرية الجزائرية تبحث عن مهاجرين قضوا في البحر ::التجــديد العــربي:: السلطة الفلسطينية تبحث عن دعم عربي في رفضها مؤتمر وارسو ::التجــديد العــربي:: عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة ::التجــديد العــربي:: مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا ::التجــديد العــربي:: الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع ::التجــديد العــربي:: 3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان ::التجــديد العــربي::

إبحار قهَّار.. في البؤس والدم والدمار

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، في التاريخ الآدمي، بدأ العنف، نتيجة للشر الكامن في نفس ابن آدم، حيث يلهبه الحسد، وتنميه الغيرة، وتحرض عليه طبيعة هي في صلب التكوين. إذ لولا الحسد، لما نما الحقد، ولما استنبت الكراهية في النفس البشرية ذات الاستعدادات المتنوعة، ومن ثمَّ، لما كان القتل، ولما تتالت الأعمال الإجرامية، بوسائل منها العدوان، والإرهاب، وأنواع الممارسات المُفضية إلى الرعب والظلم والقهر والفقر، وإلى ردود الفعل على ذلك. ومنذ آدم، بدأت الدعوة إلى تغليب الخير على الشر، ونبذ العنف، والتعامل بالحسنى.. ومنذ ذلك الزمن الأول الغارق في العتمة والتيه، والغارق بهما.. وآيات التخويف تتالى، والنُّذُر بالعقاب والعذاب تترى، وتُنذر مَن يختار طريق الشر، ومَن يفتك بأخيه الآدمي، ويسفك الدم، وينشر الرُّعب، وينمي الكراهية، ويلجأ إلى وحشية القوة ولغتها وأدواتها ليحكُم ويتحكَّم.. ومنذ ذلك الزمن تواكب النُذُر وعودٌ بجنة عرضها السماوات والأرض، لمن يختار طريق الخير، وينبذ فعل الشر، يحيي النفس البشرية ماديا ومعنويا. لكن على الرّغم من الوعد والوعيد، ومن ذلك التاريخ المديد، لتداول الخير والشر، وارتكاب الأفعال الإجرامية وانتهاك المحرمات والحُرمات، وإتيان المُنكَرات، والنهي المستمر عن ذلك.. وعلى الرغم مما حملته الديانات الإلهية، والدعوات البشرية، “الفكرية ـ والروحية” التي ترقى إلى الديانات، أو تتفاعل “أيديولجيات”.. بقي العنف، وتعدد وتنوّع وتطور، وبقيت الجريمة وتعددت أصولا وفروعا وأساليب وممارسات، واستمر الإرهاب بالجُمْلَة والمُفَرَّق، إرهاب الدول والجيوش والعصابات والأفراد والجماعات، واستمر صراع الخير والشر.. وسوف يستمر كل ذلك.. فتلك إحدى أكبر الثنائيات البشرية، وأقدمها، بل أكثرها قدرة على الرسوخ والتجدد، وعلى البطش، والتعبير عن الشدة، وممارسة التشدد، والتفنُّن في الأداء والإيذاء والادعاء.

 

وذانك الفعل ورد الفعل، المتصلان بالعنف والإرهاب، والمُعبران عنهما.. متوطِّنان في الطبيعة البشرية، ولا يخفيهما التطبع، ولا تلجمهما القوانين الوضعية العامة، بل هناك منها ما يتحايل ليقدم ما يسوغهما.. ولا سبيل لتلطيف حدتهما، أي تلطيف لجوء كل منهما إلى التعبير عن نفسه بالقوة وبالتوحش أحيانا، إلا بإبداع من نوعٍ مُعجِز، و”الإبداع خَلْقٌ على غير مثال”.. ونعني بذلك إبداعا إنسانيا مُعجِزا، في مجالات فهم المعتقدات وغاياتها، وفي تقديم نوع منقذ من الاعتقاد، وفي التربية الروحية، والتثقيف المُنتمي إلى وعي معرفي، وحرية مسؤولة، وعقل بناء، ومنطق واضح صارم.. ومن ثمَّ المُضي إلى مقاربة الحقيقة، وتَبيّنها ما أمكن إلى ذلك سبيلا، ومناصرتها والانتصار لها، بإقامة العدل، وحماية الناس له من كل من يتطاول عليه.. على أن يكون ذلك التوجه والفعل، غير مدخول بالحاجة، والطمع، والانحياز، والتعالي العنصري البغيض، ولا بالتعالم المُجرد من قيم العلم والمعرفة والأخلاق والوعي. ويضاف إلى ذلك الإبداع أيضا، إبداعٌ في توفير الكفاية، وتحرير الإنسان من شر الحاجة، ومن شرور الانتهازية والتزلف، وتحرير إرادته بالوعي والحماية من التغوُّل عليه.. واتباع سُبل، وإيجاد وسائل وبدائل، للحدِّ من شدة كلٍّ من القوة والقوة المضادة، في معادلة “الفعل ورد الفعل”، وما يجعلهما في أوضاع تحفّز وتوتر وتحدٍّ، تفضي إلى القهر، والصدام، وإراقة الدم.. ويشمل ذلك كل ما يتصل بالتعامل البشري، ذاك الثابت الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وهو تعامل ينطوي على مصالح، ويُنتج بالضرورة تحاكَّا قد يكون خشنا، وصداما قد يكون داميا، وقد ينتج ظلما وضيما وذلا، تقابلها مقاومة للظلم والضيم والذل.. ويُنسَب كل ذلك في نهاية المطاف، إلى صراع الخير والشر.. ويجعل الحياة ذاتها مجالا لصراع هذا الثنائي الأزلي ـ الأبدي.. الذي غالبا ما يفضي إلى العنف والإرهاب والحرب، وإلى استباحات متبادَلَة.. وهذا ينسحب على مجمل صراعات الثنائيات المتضادة المستظلة التي تنتج شيئا يدور في ذلك الفلَك.

وقد قالت الديانات الإلهية، والأفكار البشرية، بالكثير من التعاليم والأوامر والنواهي للتخفيف من الحدة والشدة، في كلِّ من الفعل ورد الفعل، المتسمين بالعنف.. والمفضيين إلى الإشقاء والرعب، ومن ثم إلى القتل والإرهاب والحرب، وإلى تأصيل العداوات وتفعيلها دمارا يولد دمارا.. لكن للأسف، لم تفلح تلك الديانات والأفكار، في زحزحة الشيطان “الشر”، عن صهوة الإنسان.. فلا التسامح المُفرط أجدى، ولا التشدّد المُفرط أجدى.. ونحن نعرف ما آلت إليه دعوة “من ضربك على خدك الأيمن، أدر له الأيسر”، من شن حروب كونية دامية، ظالمة ومُكلِفة.. فلا هي التزَمت نصها ومضمونها، ولا هي نفعت، ولا ردعت، ولا أجدت.. ولا هي أخلص أتباعها لها ولداعيها، ولا هي شفعت لنفسها عند أولئك الأتباع، ردتهم عن الشقاء والإشقاء، أو شفت لهم داء فيما مارسوه وما يمارسونه من عنف ظاهر وباطن.. وربما أسست لفعل نقيض، أي لاستباحة الآخر، واستعباده، واحتقاره.. بعنصرية بغيضة تستبيح الإنسان وما ملك.. أي إباحة الفتك بالآخر، تفعيلا لرؤية “التفوق العرقي”، أو “التعالي الرسولي”، والاختيار الربَّاني عند البعض.. وأخذت بقانون القوة، عملا بنظريات بشرية، تضاد التعاليم الإلهية.. منها تلك التي تقول بأن الغاية تبرر الوسيلة.. وهي ممارسة لنظريات وآراء وفلسفات، أخضعت أمما لأمم وأشقتها واستنفرتها، وأفسدت مناخ خلق الله في أرض الله.. ولم تحم أتباعها من الشرور، واستثارت ثائرة أمم اعقائدها، وكرامتها، وقتلاها.. وهكذا استمر الخروج، كل أشكال الخروج، إلى العنف والإرهاب والحرب.. في كثير من الحالات والأوقات والأماكن.. عند الاقتدار، أو عندما يطفح الكيل، ويصبح رد الفعل العنيف المُضاد نوعا من الضرورة، أو دفاعا عن النفس، وطلبا للحياة.. ولم تنج عقائد أخرى، ولا أمما أخرى، من أدواء كذاك الداء.. فعمَّ الوباء عالم الأحياء.

وأرى أن أفضل الدعوات التي لم تجرَّب بصبر وتبصّر، وبحسم وعزم.. أو لم تُتَّبَع بفقه وفهم لمضامينها وغاياتها.. هي الدعوة المستَنْبَتة في داخل الأنفس البشرية الخيِّرة، الآخذة بالإيمان والمطمئنة إليه ـ و”الإيمان يشمل المؤمنين من أتباع أي دين، ولا ينحصر في المسلمين، وهناك من أسلم وليس بمؤمِن، فقد قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴿١٤﴾”، سورة الحجرات ـ تلك التي تتجذَّر التقوى لديها في الروح والوجدان، ومن ثم في العمل والتعامل والسلوك، حيث الدين المُعامَلَة.. لكي يحاسِب الإنسان ذاته عما كسب واكتسب، وليسأل ذاته عن كل فكرة ونيّة وفعل، قام أو سيقوم به.. مختارا وسطيَّة هي العدل، وسعيا لتسييج لقيم والحريات، والحقوق.. بالمبادرات الخيرة، وقياما منه بالردع العقلاني ـ المنطقي ـ الواقعي، عن طريق المحاكَمة، وكما ينظر المرء إلى المرآة ليرى بعينيه صورة وجهه، عليه أن ينظر بعين العقل إلى نفسه ويرى صورتها.. ويصلح هذه كما يصلح تلك. ويفعل ذلك بـ”تقديم النماذج والنتائج والعواقب، لمن يلجأ للعنف، ويجور على حقوق الآخرين، ويزري بالعدالة”.

وهذا يدخل، ويُدخَلُ إليه، في/ ومن باب رؤية إنسانية للبشر، بوصفهم متساوين، ويجمعهم الشرط الإنساني والمصير الإنساني، على قاعدة رائعة رسَّخها الإسلام، فيها المحاسبة، والمبادرة والمساءلة، جمعتها الآية ٣٢ من سورة المائدة، وفيها ﴿.. أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..﴾ وقد عُرفت فينا الدعوة إلى الوسطيَّة، مقترنة بالعدل، وفي ذلك نهي عن الغلوِّ، والتطرف، والتعصب، والشطط، وعن كل ما يُفضي إلى ذلك، وما ينتُجُ عنه.. وكذلك النهي عن الإسراف بكل أشكاله وأنواعه وصوره، وعمل كل ما لا يعود بالنفع على الناس كافة.. لأن الدين/الإسلام، للناس كافة، من دون تمييز بين ذكر وأنثى، كبير أو صغير، في الجنس واللون والعِرق.

واليوم، وفي خضم الحرب التي تجتاح منطقتنا، وتهب رياحها المجنونة عواصف من الحقد والجهل والإثم.. وبينما يُسفَك الدّم، دمنا، بأيدينا، ويصمت العالم صمت القبور، حتى عن استغاثات الفارين من القتال.. وينتشر إرهاب منا، وإرهاب ينصبّ علينا، وتعم الفوضى، ويفرِّخ الرعب رعبا، وتولِّد الجراح جراحا، وتسكن الثارات النفوس، وترفع الفتنة المذهبية راياتها في عالمنا الإسلامي، ابتداء من بلادنا ومدن من مدننا، وقرى من قرانا، وتفرّخ في ديارنا.. ويجثم أعداء الأمتين العربية والإسلامية، والدين/الإسلام، على صدورنا جميعا، ويتم العبث بأوطاننا، وأرواحنا، ومصائرنا، وعِمراننا، وثرواتنا.. اليوم نشهد في أحشاء “الوسطيَّة”.. دعوة عجيبة، دعوة لـ”اعتدال”، متزامنة مع دعوة للحرب ومتضامنة معها، وتواكبها دعوة للاجتثاث والتهجير، والتشريد.. وينفخ في تلك النار ذوو أفواه شريرة، وحاقدة عمياء.. فهل تستوي الدعوتان، وهل تتماشيان وتنجحان؟! لا أقول “ربما لا.. بل قطعا لا.. ولا”. وهذا يوجب علينا أن نعلي ميزان العقل، بمسؤولية شاملة وعدل مُقام، في وطنٍ للجميع.. فلا يصادر مواطنا مواطنا، ولا يعلو رأس على قانون، ولا حياة هذا على حياة ذاك.. الدم يكتسح العقل، ويلجم الضمير، ويغرق الغارق فيه ومن لا ناقة ولا جمل له بإراقته.. ونتساءل: هل يبقى الحال هو الحال، والحل هو الحل “في معادلة” حرب تؤسس لحرب وتدعو إليها، ويُجيَّش لذلك، وتعنوا الرقاب للداعين للفتنة والقهر؟! هل خرجنا أصلا من دائرة العنف والإرهاب والقتل والتدمير والحرب، منذ سنوات وسنوات، لنقول إننا ندخل مرحلة جديدة من الدمار والتدمير، أمَّ أننا في حلقات الموت والدمار والجنون ندور، ونجدد العزم على الدوران في تلك الدوائر المُهلكة.. يطحننا رحى الحقد، مع فارق مرعب بين ما يدور الآن، وما سيدور في قابل الأيام، لا سمح الله، على أرضية التحالفات والتنازلات والمساومات التي ترمي إلى معالجة العنف والإرهاب، بالحرب شبه الشاملة، على الوطن والإنسان، تلك التي تتجاوز أخطارها ونتائجها وأوزارها كل ما شهدناه وعانيناه من من عنف وإرهاب وحرب ودمار، ومن استثمار في ذلك البؤس كله، وفي الرد عليه بمثله وبأشد بؤسا منه؟! وهل هذا الأسلوب هو الأجدى، أو أنه هو الذي سيجدي، ويفضي إلى الأمن المفؤود، والسلم المفقود، ويعلي شأن المعالجات “الاعتدالية”، في عالم دُعي إلى الوسطية المتواشجة عضويا مع العدل والسلم والأمن والحرية، ومع احترام حياة الإنسان، وحقوقه، ومواطنته، واستقراره في أرضه وداره، ومع حماية الروح البشرية، من حيث “عدم القتل والمبادرة إلى إحيائها، بالمفهوم الشامل والدقيق العميق للإحياء؟!”..

فيا أيها الكائن المعلق على غصن ضعيف يمتد بين الحياة والموت.. الإنسان الذي اختار، أو طلب إليه أن يختار تبني “الفعل القتل”، للرد على “الفعل القتل”،، أيهما تختار، ولماذا يُفرَض عليك أصلا أن تختار هذا الاختيار، وقد أكرمك الله بحياة هو مالكها؟!.. وهما، “الفعل والقتل” على هذه الصورة، “ثوب وبدَن في الإرهاب، وفي الحرب على الإرهاب”، وهما تأسيس للحروب التي هي ذرى الإرهاب؟! والنتيجة بؤس ودمار وشقاء وإشقاء، وتوريث لما يجعل الحياة عبئا ومَقتا. إن اختيار معالجة الفعل الإجرامي، برد فعل من نفس النوع والجنس، وبالشدة ذاتها أو أكثر، لإظهار القوة وترسيخ التغلُّب.. ليس هو رأس الحكمة، ولا هو المخرج المناسب من الكوارث، والتخلص من سيول الدم التي تنادي الدم.. وهو آخر ما يمكن أن يختاره إنسان، يحرص على حياة الإنسان، ويؤتمَن على شأن إنسان.. حيث إنه من المعروف المؤكد الموثق، أن الحروب تزهق أرواح أبرياء، ومدنيين عزَّلا، وبشرا لا هم طرف في الحرب، ولا مصلحة لهم فيها، ولا تحييهم ولا يحيونها.. أكثر بمئات المرات، مما تزهقه من أرواح المتحاربين المدربين على القتل والاقتتال.. فأي عدل، وأي أمن، وأي سلم.. في معالجات من هذا النوع من “اعتدال مسلح، أو عدل مسلَّح”، يلازم التطرف ويلاحقه بتطرف أشد، فلا يصيبه بمقدار ما يصيب ضحاياه، وينتصر في حرب تؤسس لحروب، أو لسلام ما بعده سلام؟! وهل التاريخ البشري، الذي يغصّ بالصراعات الدامية، وبأنواع العنف والإرهاب، يقدم نماذج ناجحة، لبيئة بشرية صالحة، تخلصت من العنف بالعنف؟! إن لدينا من تاريخ الحروب والصراعات الدامية، “الباردة والحامية”، ما تغص به السجلات، وما تعجُّ به الحياة، وما يضيق به البشر جميعا.

إن الوسطيّة، بمفهومها الصحيح، الصريح، المليح، المريح.. تُقدَّم اليوم بإزاحة لفظيّة، وبـ”إقواء عقلاني ـ وجداني”، وليس إقواء عَروضيا يصيب بيتا من الشِّعر في قصيدة، ويمكن أن يقوَّم بلفظ مناسب”، ومصابة بـ”زُحاف” متلاف، يصيب الدِّلالات بعلل.. لتحمل معنى “الاعتدال المسلَّح، وتتغاضى عن الجرح النازف المُملَّح”.. وربما كان في هذا فضل، إذ ينجيها من أن توصف بـأنها “أصولية”، وتنتمي لـ”الأسلمة السياسية”، فتلاحَق بالقول والفكر والفعل، أو بالطرد من القاموس، ومن سوق التداول، أو تُعالَج بالاجتثاث الإبادي، عملا برفض العلاج القائل بـ”آخر الطب الكي”.

إن مكافحة الإرهاب، والقضاء عليه، بكل صيغه، وأشكاله، وأنواعه.. واجب، وربما ارتقى إلى أن يتجاوز فرضَ الكفاية، ليصبح فرض عَيْن.. ولكن ما هو الموقف من الحرب الإرهاب، وممن يستثمر في الإرهاب، وممن يتسبب بالإرهاب، ومَن يعطي للإرهاب حماية، ومن يزور مفاهيمه، ومن.. ومن.. ومن..؟! ومن يجعل الحرب، أي حرب عادلة، وهي، بالنسبة للبشر ولنتائجها عليهم، وعلى الأبرياء والضعفاء والصغار منهم.. من أعلى ذُرى الإرهاب وأكثرها ضررا وتأسيسا لتبادل الضرر.. من حيث الكوارث، والاتساع، والشمول، والمآسي، وتبادل كؤوس العلقم؟ فهل يجوز السكوت على تلك الشرور، والتغاضي عنها، فضلا عن الدعوة إليها، والاستثمار فيها.. بل واتخاذها تجارة، ووسيلة من وسائل السيطرة، والحكم، والتحكم، والنهب، والعدوان، وتوسيع دوائر البؤس وتعميق القهر؟!

إن ما نعانيه في بلداننا العربية والإسلامية من الحروب بنا والحروب علينا، لا يمكن أن يقاس بأي مقياس، بذاك الإرهاب الإجرامي المُدان الذي أنهكنا وشوّه صورتنا وسبب ويتسبب في استمرار معاناتنا. وكلاهما، الإرهاب والحرب، ينطويان على جرائم. وهما يخضعان لمواصفات، وظروف، وشروط، تتقاطع مع قول الساسة، ومفاهيم السياسة، بأن الحرب “التي هي ذروة الإرهاب”، سياسة لكن بأسلوب آخر؟! وعليه فإن كل سياسة تسفر عن إرهاب أو عن حرب، وهي “إرهاب أو حرب”، ينبغي أن تُحاسَب عليها، وأن يُلاحق من يمارسونها، لا سيما لغايات وأهداف إجرامية، ولمنافع شخصية أو ضيقة وتضيق.. وذلك وفق قوانين نافذة، إن لم توجد، فينبغي أن توجد.

وإذا كان إرهاب اللصوص أو إرهاب الأباطرة، “اللص أو الإمبراطور، حسب تعبير تشومسكي”، يرمي إلى تحقيق أهداف، وجَني مكاسب، وإخضاع خصوم، وإلى تخويف، وترويع، وتجويع، وتركيع.. بهدف الابتزاز والنهب، أو الاحتلال، أو الاقتلاع.. ويمارِس، في سبيل تحقيق ذلك، إجراما بطرق عادية أو مبتَكَرَة، باتباع وسائل وأساليب عادية أو مطوّرَة، فإنه مما يُحرّم إنسانيا وقانونيا، ومما يُدان أخلاقيا، في كل الحالات والأزمان والأمكنة، وفي كل الديانات الإلهية، والعقائد البشرية السامية.. نظرا لما ينطوي عليه من جرائم، وما يسفر عنه من كوارث.. وإنه، ومَن يموله، ويستثمر فيه، ويمارسه، ويدعو إلى ممارسته، ويتذرع به لتحقيق أهداف لا تتسم بأية شرعية أخلاقية أو إنسانية أو مشروعية تامة ناجزة معافاة.. لمما ينبغي أن يكافَح كما يكافح الداء الفتاك، والجائحات التي تصيب البشر، وأن يلاحق أصحابه ويعاملوا، كما يلاحق المُجرمون ويعاملون.

لكن للأسف الشديد، نحن في منطقتنا خاصة، وكثيرون من البشر عامة، ما زلنا نخضع للقوة ومنطقها وإرهابها، وللذين يمتطون صهوات الشر بامتلاكهم لها، وخروجهم على كل ما عداها.. حيث يُمارَس علينا إرهابُ اللصوص، وإرهاب الأباطرة، وإرهاب من يستخدمونهم أو يدعمونهم أو يورطونهم في ممارسة الإرهاب.. ونخوض في الوحل والدم، نحو مصائرنا المرسومة، لا المحتومة.. لأن الله سبحانه، خلقنا أحرارا متساوين، وأعطنا العقل، وأمرنا بالتفكُّر والتأمُّل والتدبُّر.. ونهانا عن أن “نلقي بأنفسنا إلى التَّهْلُكَة”.. لكن قانون قابيل، وورثة قانونه من بعده، ومن سار على دربه، من أشباهه.. جعلونا ضحايا طيبتنا واختيارنا الحسَن، أو عدم ضحياي عدم تفقهنا وتدبرنا لأمور ديننا ودنيانا.. فصرنا مسلوبين، لكن مُسلمين أمرنا لله ربّنا، نردد قوله تعالى على لسان أبينا الضحيّة، هابيل: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾- المائدة.

صدق الله العظيم.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية

News image

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان عبد العزيز في مكالمة هاتفية نيت...

محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم

News image

أفادت وكالة "يونهاب" بأنه من المتوقع أن يجتمع المبعوثان النوويان الكوري الجنوبي والأمريكي في فيت...

بوغدانوف: مستعدون للتعاون مع واشنطن لاستكمال القضاء على الإرهابيين في سوريا

News image

أعرب المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف عن استعداد موسكو للت...

تفجير الأزهر: مقتل 3 من أفراد الشرطة المصرية

News image

قتل 3 من أفراد الشرطة المصرية، بينهم ضابط، وجرح 6 آخرون لدى تعقب "إرهابي" في ...

ولي العهد يغادر إسلام آباد ويؤكد: نأمل في شراكات جديدة

News image

غادر ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد...

عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة

News image

أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل/ نيسان، على الر...

مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا

News image

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس رئاسة الاتحاد الأفريقي في أول رئاسة دورية مصر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في مدارات

روسيا والمصالحة الفلسطينية

مــدارات | مُحمد فُؤاد زيد الكيلاني | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  فلسطين دولة محتلة من قبل عدو أزلي للعرب والمسلمين، ويعتقد انه فارض السيطرة الكاملة ...

استمرارية القرارات والبرامج والالتزامات من استمرارية المرفق العمومي

مــدارات | مصطفى المتوكل الساحلي | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  .. المرافق العامة، تعرف بطبيعة وموضوع أنشطتها وخدماتها.. وفق اهداف واضحة ومحددة تقدم للعموم ...

خطيئةُ مقاطعةِ حركةِ الجهاد الإسلامي

مــدارات | د. مصطفى يوسف اللداوي | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  في سابقةٍ خطيرةٍ وغريبةٍ أعلنت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" عبر عضو لجنتها المركزية ...

حوار إسرائيلي فلسطيني بشأن خصم الأموال

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  من خلال الحوار الذي أجرته الإذاعة العبرية مع عدد من قادة الكيان، ومن خلال ...

واقع التقييم والتقويم في النظم التربوية العربية ومشكلاتهما

مــدارات | د. عادل عامر | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  إن تطوير التقويم ضرورة بقاء؛ فالتقويم هو أحد عناصر المنظومة التعليمية، والموجه الرئيس لنموِّها ...

على هامش انعقاد المؤتمر الوطني السادس ﻟﻟ“ك. د. ش”:

مــدارات | محمد الحنفي | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  هل يتم الحد من سطوة الانتهازيين في الأجهزة المختلفة؟... 4...

طبيعة الأشياء

مــدارات | حسن علي آل جميعان | الاثنين, 18 فبراير 2019

    طرح الصديق الدكتور علي الرباعي في صفحته على الفيس بوك اشكالية مهمة وهي: جاءت ...

ما بعد مؤتمر وارسو

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الاثنين, 18 فبراير 2019

  انتهى مؤتمر وارسو، وبدأت مرحلة ما بعد المؤتمر الذي لا يختلف كثيراً بأهدافه وأفكاره ...

واقع المناهج التربوية في الوطن العربي ومشكلاتها

مــدارات | د. عادل عامر | الاثنين, 18 فبراير 2019

  كما ظهرت عناية كبيرة بالمدرسة كمؤسسة ونشطت البحوث التي تهتم بشروط تحويل المدارس إلى ...

على هامش انعقاد المؤتمر الوطني السادس ﻟﻟ“ك. د. ش”:

مــدارات | محمد الحنفي | الاثنين, 18 فبراير 2019

  هل يتم الحد من سطوة الانتهازيين في الأجهزة المختلفة؟... 3 الشروط الذاتية والموضوعية لتأسيس ...

ممكن لافروف أم مستحيله؟

مــدارات | د. حسن مدن | الأحد, 17 فبراير 2019

  في ختام كلمته المذاعة أمام كاميرات التلفزيون قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، مبتسماً، ...

جريمة الاعتداء على حرية العمل الوظيفي

مــدارات | د. عادل عامر | الأحد, 17 فبراير 2019

  يوجد كثير من الحقوق والحريات العامة الحماية الجنائية من خلال تجريم ومعاقبة الاعتداء عليها، ...

المزيد في: مــدارات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم32586
mod_vvisit_counterالبارحة34185
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع258803
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي351400
mod_vvisit_counterهذا الشهر1040515
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65194968
حاليا يتواجد 3208 زوار  على الموقع