«الكارثة».. محطات تأسيسية

السبت, 09 يونيو 2018 15:21

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

51 حزيران مرت علينا حتى الآن منذ وقعت «الكارثة» العام 1967. في كل حزيران نقف، نفتح «سوق عكاظ» ونتذكر، نندب ونتفجّع، نكذب ونحلم، ثم نغلق السوق للعام التالي. وإذا كانت «الذكرى تنفع المؤمنين»، فالمؤكد أننا لسنا منهم بدليل أن «الذكرى» لم تنفعنا بعد مرورها (51) مرة، بل أضرت بنا، وذلك المعنى الآخر الذي يخص «غير المؤمنين»! ومن السهل التأكد من ذلك إذا نظرنا في صيرورة «الكارثة» بعد نصف قرن من وقوعها. من جهة أخرى، وبالرغم من عدم جدوى هذه «الذكرى»، نحن مجبرون على التوقف والتذكر وممارسة كل الطقوس الخاصة بها، وإن كنا نلاحظ أن الاهتمام بها يضعف يوماً بعد يوم! مجبرون لأن «الكارثة» لا تزال تعيش فينا، تتوالد وتفرخ كوارث جديدة في حياتنا العربية عموماً، بينما توشك فلسطين على الضياع الكامل والنهائي !

 

المراجع لتاريخ القضية الفلسطينية، يمكن أن يغرق في تفاصيلها الكثيرة جداً، فتاريخها يكشف عن «مؤامرة» طويلة الأمد ومستمرة، شارك ولا يزال يشارك فيها الأجنبي والعربي والفلسطيني، البعيد والقريب، من لا تعني له القضية وصاحب القضية، العمالة والاستبداد، العجز والفساد. لكن في هذا التاريخ «محطات وتواريخ تأسيسية»، أصبحت كذلك لارتباطها وترابطها، وكان يمكن لكل تاريخ وحده ألا يكون لو تمت مواجهته بصدق وجدية افتقدت على طول التاريخ! هذه المحطات والتواريخ هي: وعد بلفور 1917، قرار التقسيم 1947، هزيمة حزيران 1967.

في المحطة الأولى، درجنا على القول وإعادة القول: «من لا يملك أعطى لمن لا يستحق»، فماذا فعلنا في مواجهة ذلك الوعد غير الحق؟ بدأت المؤامرة من اللحظة الأولى، وكان الأمر طبيعياً، ولم يكن منطقياً أن تفعل «كيانات سايكس- بيكو» إلا ما فعلت: الخضوع لمن أوجدها والتآمر معها، ولو على «الذات» التي هي أصلاً «ذوات»! في المحطة الثانية، ولأنها استمرار للمحطة الأولى، جاء قرار التقسيم ترجمة حرفية لمقولة «من لا يملك أعطى لمن لا يستحق»، فأعطى من له (5%) من الأرض (54%) من مجموع الأرض، وكان من الطبيعي أن يرفض أصحاب الأرض هذه القسمة الظالمة. وفي مسرحية حرب 1948، وبالتآمر المشترك بين الأطراف، كان فصل جديد من المؤامرة. وفي المحطة الثالثة، وفي ظل «النهوض الوطني والقومي» وقعت «الكارثة» الحزيرانية واستولت القوات «الإسرائيلية» في «ستة أيام» على ثلاثة أضعاف ما استولت عليه في حرب 1948، وكأن الكون يخلق من جديد!

«الأنظمة الوطنية» العربية المهزومة في «حرب الأيام الستة»، لم يكن أمامها إلا أن تدخل في «لعبة المفاوضات»، بالرغم من قرار مؤتمر قمة الخرطوم الذي عقد بعد الهزيمة ونص على أن «لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات»! هذه الأنظمة، بالرغم من الهزيمة التي فتحت الطرق أمام الغزاة إلى العواصم العربية، لم يكن يهمها إلا بقاء أنظمتها «الوطنية» المهزومة، ورأت في ذلك «انتصاراً» لم يؤثر فيه ولم يقلل من أهميته احتلال الأراضي التي تخص ثلاث دول عربية! وبعد (51) سنة من «حزيران الكارثة» نجد من يدافع عن تلك الأنظمة، ولا يجد غضاضة أن يعلن أن «كل شيء كان على ما يرام، لولا بعض الثغرات»! ثغرات كانت المسؤولة عن «الكارثة» التي كانت السبب في كل ما لحق بها من كوارث! وبفضلها تقدّمت المفاوضات ثم تعثرت وطالت، ثم جاءت (معاهدات السلام) التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم من فرقة وعجز واستسلام!

اليوم، ونحن ننتظر الإعلان رسمياً عن «صفقة القرن»، تترسخ نتائج الهزيمة الحزيرانية، وتتكاثر مظاهر الضعف العربي، وتتأكد نوايا الاستسلام، ويتضاعف عدد الذين يرجمون فلسطين وشعبها بالحجارة. والأسوأ من ذلك كله، انقسام الفلسطينيين، واختلافهم حول مصيرهم وقضيتهم، وتمكين الأعداء منهم. لكن الشعب باق، وحقوقه تنتظر، ونضاله مستمر!

awni.sadiq@hotmail.com

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق