الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسة الخارجية

الخميس, 24 مايو 2018 07:41

جميل مطر

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

استسلمت لمدة طويلة لمسلَّمة، لم أدرك وقتها أنها زائفة، غرست لدي الاقتناع بأن عقلي الذي نشأ ونضج وحقق ما حقق من أعمال وإنجازات معقولة غير مجهز لإتقان علوم الكمبيوتر وفنون الذكاء غير الطبيعي ، وغير مستعد ولا متحمس للمشاركة في تجارب لفهم بعض أو كل ما يندرج هذه الأيام تحت عنوان الذكاء الاصطناعي.

 

على ضوء هذا الاقتناع ترددت في قبول دعوة وصلتني من المسؤولين عن تحرير ونشر صحيفة «الخليج» للمشاركة في أعمال ندوة ينظمها مركز دراسات الخليج تناقش مدى النجاح الذي تحقق حتى الآن في استخدامات الذكاء الاصطناعي في مجالات التنمية والإدارة المحلية وعلوم التواصل. ومن باب الفضول، وقبل أن أرسل اعتذاري، لجأت إلى من هو أقدر مني على استرجاع المعلومات والدراسات السابقة عن الموضوع مركزاً على طلب الاطلاع على نبذة محدودة للمعلومات والتحليلات التي تعرضت للدور الذي يفترض أن يقوم به الذكاء الاصطناعي في خدمة القائمين على صنع السياسة الخارجية وهؤلاء المكلفين بتنفيذها. فعلت هذا وأنا واثق أن صنع السياسة الخارجية وتنفيذها لا يمكن أن يتحققا على الوجه المأمول إلا اعتماداً على عقول بشرية وطبيعية. سألت السؤال الخطأ، سؤال أغلب أبناء جيلي سألوه فتأخروا عن خوض غمار علم جديد. كنا نسأل: هل يمكن لجهاز كمبيوتر أن يفكر؟ .

عبارة منقولة عن عالم الفيزياء ستيفين هوكنجز ساهمت إيجابيا في توجيهي نحو محاولة فهم أبعاد ثورة الذكاء الاصطناعي. نقلوا عنه خشيته من يوم يستفيق فيه الإنسان فلا يجد سبباً أو مبرراً لوجوده. .

أكرر زعمي أننا بصدد مستقبل يكاد يكون على مرمى النظر العادي. أكرر الزعم أيضاً بأنه ليس بيننا من لا يعرف أن القطب الأعظم في عالم الغد القريب جدا هو تلك الدولة التي سوف تملك خلال عقد أو عقدين النسبة الأكبر من المعلومات وتبدع في توظيفها. أذكر أن الرئيس فلاديمير بوتين وقف يخطب في مليون طفل ليقول لهم، إنه كان هناك ذات يوم في أمريكا رئيس يدعى ليندون جونسون تنبأ بأن من يفوز في سباق علوم الفضاء سوف يصبح قائداً لهذا العالم. وقد كان. هذا معيار. المعيار الآخر للقيادة في رأيي هو السرعة. الدولة الأسرع في الحركة واتخاذ القرارات وتطوير السياسات وتحديث طبقتها السياسية ونظم التعليم هي الدولة التي أسرعت وسبقت غيرها في صنع كائنات اصطناعية أكثر وأذكى، وتبنت مناهج الذكاء الاصطناعي هي الدولة التي سوف تقود.

قرأت، وسمعت من وزراء في أوائل العشرينات من أعمارهم، دفاعا عن الذكاء الاصطناعي وتقدمه المذهل واختراقه لعديد شؤوننا الخاصة جدا وشؤوننا العامة بطبيعة الحال. يقولون عن الذكاء الاصطناعي إنه «آمن» أكثر من الذكاء الطبيعي. الذكاء الطبيعي يصدر عن مخ بشري، أي ذكاء يتصف بصفة تتصف بها أغلب منتجات هذا المخ وهي العشوائية. أما الذكاء الاصطناعي فيصدر متسماً بالدقة لأنه تشكل عبر عملية رقمية معقدة نادرا ما تخطئ.

أتصور أنه في عصرنا الراهن تستعد الدول الحصيفة بكل طاقاتها ليكون لديها خلال عامين أو ثلاثة على الأكثر طواقم بشرية وإلكترونية مدربة تدريبا عاليا على التعامل مع أساليب وآليات الذكاء الاصطناعي المستخدم في دول جارة أو بعيدة ومع أدوات هذا الذكاء المتوافرة لدى بيروقراطيتها العاملة في مجال إدارة علاقات الدولة الخارجية. أتصور مثلا أن تتطور مناهج تدريب شباب الدبلوماسيين على التعمق في دراسة وتطبيق أفكار الذكاء الاصطناعي في النواحي التالية وهي الأبسط والأكثر إلحاحاً مثل وظائف جمع المعلومات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتصنيفها وتشفيرها وتزييفها وإعداد بعضها لمهام المواجهة مع خصوم أو منافسين أو أعداء. مهم أيضا التدريب وبخاصة الدبلوماسيين الأقدم على استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية صنع السياسات الخارجية وإقامة الأحلاف وصناعة عقد المؤتمرات وتنظيمها، وفي مجال المعونات الخارجية والهجرة ومكافحة الإرهاب وكشف مصادر التمويل ومواقع التدريب.

سيكون صعباً للغاية على أجهزة أمن قومي ودبلوماسية لم تتسلح بعد بأدوات الذكاء الاصطناعي بل والتفوق في استخدامها الصمود في وجه المحاولات اليومية من جانب دول ليست بالضرورة من الأعداء لاختراق عقل المواطن في الدولة. هذا من ناحية. من ناحية أخرى سيكون صعبا على أفرادها الفوز في مفاوضات معقدة مع دبلوماسيين وسياسيين أجانب إذا لم يذهبوا إلى هذه المفاوضات مزودين بأجهزة مكشوفة أو مخفية تمد المفاوض بجميع التفاصيل المتعلقة بشخص المفاوض الأجنبي، نقاط قوته ونقاط ضعفه، قدرات الاحتمال، حالة الصحة النفسية والجسمانية، بيئة التفاوض في دولة الخصم وتطوراتها دقيقة بدقيقة.

عشت مرحلة كنا كغيرنا من طلاب العلوم الاجتماعية نحلم بيوم يستطيع فيه العلم تزويدنا بأدوات تساعدنا على التنبؤ بالظواهر الاجتماعية قبل حدوثها، وبسلوك الإنسان وقراراته في مواقف معينة قبل اتخاذها. أظن أن أحد أحلامنا نحن أبناء هذه المدرسة السلوكية في العلوم الاجتماعية نراه اليوم يتحقق أمامنا بدون جهد منا أو من النظريات السلوكية.

gmf.club@gmail.com

 

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري

 

 

شاهد مقالات جميل مطر