موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

أُمَّتنا العربية .. بين قوانين البناءِ ومَعاولِ الهَدْم

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة، والمعادلات والنظريات لتشكل بمجموعها بيئة متسعة متماسكة، لا يُمكن مخالفتها أو نقضها، ولا يجوز تخطي ما رسّخته من أسس ومعطيات، ولذلك يبني اللاحق من العلماء على هدي السابق منهم، إلا إذا نقضه بعلم متمكن، يقوم على البرهان والتجربة والمنطق الرياضي الصارم. وتنمو العلوم والمعارف، وتنتج عن نموها زيادة مذهلة في التطور التقني، والكشف العلمي، والتقدم في المنجزات الهائلة التي جعلت من العقل البشري عقلاً معجزاً، لما حققه من نتائج باهرة.

 

وقوانين الطبيعة، هي أيضاً قوانين بناء وبقاء، تفرض نفسها على الكائنات، وتعاقب بقسوة لا نظير لها، كل خروج عليها أو تجاهل لها. ويصطدم من يجافي منطقها بعقبات ترقى، في مجالات تخطيها، إلى مستوى المستحيلات. وقد تمكَّن الإنسان في صراعه من أجل البقاء والتطور والتقدم، يمكَّن من تطويع الطبيعة واستثمارها، من خلال اكتشاف قوانينها، والتعامل معها على أساس تلك القوانين والعلاقات، بمرونة وإصرار على بلوغ الغايات.. وكل مكسب وانتصار حققه الإنسان على الطبيعة وفيها، كان نتيجة اكتشاف تلك العلاقات والقوانين، وتطبيقها بإبداع، واحترامها، ومتابعة استجلاء خفاياها، في ضوء العلم والمنطق، اللذين أوصلته إليهما التجربة والممارسة والرؤية الحكيمة والاستنتاج المنهجي.

وفي الحياة الاجتماعية والسياسية، وأوجه تنظيمها، وتسيير أمور الناس فيها، يضع الإنسان القوانين، مستفيداً ممارسّخه غيره، عبر التجربة والعلم والمعرفة الإنسانية المتراكمة، ومن العلاقات والأعراف والتقاليد التي أسست لها وأنضجتها بيئات اجتماعية تفاعلية، وظروف تاريخية، ومعطيات عيش وعمل وتعامل، وتجارب تراكمية، وعقول بشرية ناضجة ومنتمية للحياة.. وكل تلك يستقرئها، ويضيف إليها ما تتطلبه أوضاع وحاجات وتطلعات جديدة متجددة. ويحرص على وضع قيم وأفعال وأشخاص أحياناً، في مرتبة القدوة، ويرفعهم نماذج يُحتذى بها..

ويحث الإنسان، عبر ذلك ومن أجله، على التقيد بالقانون، ووضع أسس ومعايير لتمييز الجيد من السيئ، والنافع من الضار، والمُجيد عن المسيء، فيستحسن، ويكافئ المجيد ويرفع شأنه، ويعاقب المسيء ويسفِّه فعلَه أو يدينه أو يعاقبه. وكل ذلك في سبيل إحياء المجتمع – الأمة، ورفع المثل الأحسن، والقدوة الأفضل، وترسيخ الأصول والقواعد والقوانين السليمة البناءة، وتطبيقها بدقة وموضوعية واحترام. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى شعور الإنسان بالحماية، وإلى أمنه وسعادته في سربه، وإلى رقي المجتمع، وإصلاح الفاسد، والحدٍّ من الإفساد.. وإلى نمو الخبرة الإنسانية، والاستفادة منطق الحياة والطبيعة، ومن تجارب البشر وخبراتهم الطويلة، لترسيخ القيم الإنسانية الخيرة.

ومن هنا تنشأ أعراف جيدة، وتقاليد عمل وتعامل سليمة، ومعايير يتواضع الناس عليها، ويعرضون عليها الأفعال والسلوك والأقوال والأشخاص. وتكون لأولي الرأي والحكمة والمعرفة فيها حكم ونظر، ويكون لهم قيمة في مجتمعاتهم، وكذلك للمبرزين من الناس في مجالات النهوض بالإنسان، سواء أكان ذلك في ميدان الخدمة، أو التضحية، أو البطولة، أو السلوك الحسن والفعل البناء، وفي مجالات العلم والإبداع بأنواعهما وأشكالهما، وفي مجالات السياسة البناءة. ويحتل الشخص الكفؤ مكانه بجدارة واحترام، وتأخذ القدوة الحسنة فعاليتها، وتؤدي دورها، ويكون للقانون احترام، ولمن يطبقه بدراية وموضوعية ومسؤولية واقتدار:”تقدير، وكلمة مسموعة، ورأي يؤخذ به، وتجربة يُستفاد منها”، ويسهم كل ذلك في إشادة البناء، المعنوي والمادي، على مستوى الوطن والأمة، وفي ترسيخ المعايير، وتنمية الوعي الاجتماعي المسؤول، والوعي الوطني والقومي والإنساني، وفي إشاعة مناخ مناخ صحي بناء، ليراقب الشخص ويشارك، وليرتقي عطاء ورأي موضوعي، وتنعكس ظلال ذلك كله على الأفراد والمجتمع، وفي أشكال الأداء الاجتماعي الخلاق، والسياسي البناء.

وهكذا تنتصب أمام الأجيال منارات تضيئ الآفاق، ويُقتدي بها، لا أصنام تصدأ في الرطوبة، ويحفّها العفن، وتُحْنى لها الهامات. وتحرص السلطات في الدول والمجتمعات التي تعرف ما تريد، وتحسِن السير في طريق الوصول إلى ما تريد.. تعرف كيف تطبق القواعد والأسس والمعايير الصحيحة السليمة، المنفتحة على التطور وعلى الآخر الذي تغتني به، وبمعطيات الحياة في تطورها، وبتفاعلات البشر في بواتق عيشهم.. كما تعرف كيف تجعل لذلك قيمة وسقفاً، وكيف تجعله ضابطاً للسلوك الشخصي للأفراد، وكيف تجعلهم يلمسون نتائج التطبيق السليم لذلك، في كل مراحل حياتهم،لا سيما عند قيامهم بكل فعل يفعلونه، السالب منه والموجب، وكيف يتبينون أوجه النفع وأوجه الضَّرر. وعلى السلطات في الدول، أن تجعل من وجود قوانين وقواعد ومقاييس ومعايير دقيقة وسليمة، ومن مثل وأعراف وتقاليد حساسة، مرعية التنفيذ ومحترمة.. أن تجعل من كل ذلك، وفي ضوء تطبيقه بموضوعية ومساواة وحزم.. روائز ومراجع ومؤشرات، تجعل الناس يشعرون بقيمة كل التزام وعمل، وبتأثيره على البنية الفردية والاجتماعية، وعلى المستوى الحضاري العام.. ويطمئنون إلى سلامة كل تقييم وتقدير لشخص أو فعل أو إنجاز أو إبداع، وأنه وُضِع في مكانه، ويلمسون ما يعكسه ذلك من قيمة وتأثير وارتياح.. حيث توضع الأفعال والانجازات، التضحيات والخدمات، الإبداعات والاختراعات، ويوضَع الأشخاص المعنيون بذلك، في الأمكنة التي وضعوا فيها بجدارة.. فلا يُنتقص فعل أو شخص، أو ييُحابى فعل أو شخص، لاعتبارات خارجة عن سلامة المعايير والضوابط والأحكام الموضوعية – الأخلاقية. وكل ما يمكن أن يتم، خارج حدود الموضوع، وسلامة التقييم والتقدير، وفق المعايير السليمة، يؤدي إلى انتكاسات وفساد وإفساد.

هكذا يشعر الفرد بقيمة الدولة والسلطة والجماعة، وبأنه مكفول ومنصَف ومراقَب ومسؤول وشريك، وهو ضمنها، وتحت نظرها، وفي مجال تطبيق القوانين والمعايير والضوابط فيها.. ويشعر أن له مثل ما عليه من حقوق وواجبات، وأن ما يقوم به من أفعال، وما ينجزه من أعمال، ويحققه من إنتاج، وما يبذله من جهود.. ليس ضائعاً أو غائماً أو مرتهناً لمزاج مريض أو علاقات مريضة، وأن هناك علاقة وتناسباً بين الإنجاز والقدرة والتضحية والإبداع والجهد من جهة، وبين المثوبة والتكريم والتقدم والاحترام والمكافأة والمكانة الاجتماعية والعلمية التي يقرها المجتمع، أو تقرّها الدولة باسم المجتَمع، من جهة أخرى.. وأن وضع غير المستحق، أو سارق الجهد والمدعي، في صف واحد ودرجة واحدة، مع المُستحق بجدارة يفسد ويكوي، وينعكس سلبياً، وبدرجات شتى..

كما يشعر الفرد والمجتمع، بأن للقوانين والمعايير والأعراف والعادات دور راسخ، في بناء المجتمع والعلاقات، وأن لكل رأي وإنجاز مكانة وقيمة، ولكل شخص مرتبة ومقدار. ويتمثل ذلك، أو ينبغي أن يتمثل، في السلطات التي تختار وتوجه وتتدخل، حيث يفترَض فيها أن تمثل سلامة تطبيق القوانين والمعايير والقواعد، وتراعي مصالح المجتمع وتحرص عليها، وترعى الحقائق بقوة وإنصاف، وتضع حوافز مادية ومعنوية للتنافس البنّاء، وتحافظ على سلامة مناخ الأداء والإبداع والإنجاز، ليبقى العطاء والبناء، في اندفاع حيوي، ينميه تنافس شريف، مُقدَّر بموضوعية تامة، يشعر به كل الذين يدخلون ميدان التنافس، خدمة للوطن والأمة والتقدم العلمي، والإبداع الحضاري والإنساني.

أما إذا ساء تطبيق القوانين والمعايير، وناقضت الأحكامُ الواقعَ والوقائع والمصالح العامة للناس، واختلت الموازين، وصار صوت الغوغائية أعلى من صوت العقل والمنطق، وفوق المجتمع والدولة والأمة .. وأصبحت الميليشيات هي الحاكمة، بوسائلها وأساليبها المريضة المدمرة التي تتعارض مع القانون، ويرفضها المنطق، وتجر على المجتمعات والدول دماراً وفساداً، في كل مجال من مجالات الحياة، يؤديان إلى المزيد من تدمير الأفراد والمُجتمعات، مادياً وروحياً، عقلياً ووجدانياً، معرفياً وتقنينياً.. فإن الخطورة تكون عظيمة على كل بنية وبِناء وبَنّاء، على العلم والأدب والفن، على الإبداع والثقافة والحضارية، على العدالة والدولة.. ويتهافت معها الإنسان القيمة، وتتهافت قيمة الإنسان.

تبدأ الأمور بالتهاون، و”ترتقي”إلى الاستهانة، وتنتهي بالاستهتار والدمار.. ويتم تسخير المصلحة العامة للمصلحة الخاصة، في مستويات حزبية وطائفية ومذهبية وشللية، بائسة وشخصية متورمة ومتخلفة.. وينتهي هذا بترسيخ “مدرسة”ومنهج تضيِّع كلُّقادر مخلص في عمله، وكلَّ متمسك بقانون وقيم مبادئ سليمة وخلق قويم .. حيث تسود قواعد رأس “الحكمة فيها”مخافة الطغيان، والقوة العمياء، ومَن لا يعرف الله والفضائل والقيم، ويتاجر بالوطن والشعب، ويحكم على كل ذي قيمة، وعلى كل مخلص كفؤ في عمله، أو قويم في سلوكه، أو مقتدر في أدائه وإبداعه، بأنه “لا يعرف كيف يدبِّر رأسَه”، بمعنى كيف يحتال، وكيف يسلك كل طريق عدا الطريق القويم.. وتحل مقاييس “الشّطارة والجَسارة”، بمعناهما السلبي المدمر، محل القوانين ومقاييس الأخلاق وقيم الإنتاج، وتحل العلاقات الشخصية المريضة محل المعايير والأسس السليمة.. وتتجلى النشوة الظالمة بأبهى حُللها، لتزدهي بأثواب الدم، وبما هو الأسوأ من الأفعال والأحكام والممارسات التي تراها انتصارات “للشطارة والجسارة”، على الأصول والعقول، فتُدخل الدنس إلى النفوس، وتستبيح ما حرمه القانون والعقل والضمير والدين ومنطق التقدم والبناء.. ويسير الفساد في البلدان ثملاً، يسخر من كل الأخلاق والأعراف والقيم والقوانين السليمة في المجتمع.. وتبدأ عملية التسابق بين الناس، للتلاؤم مع المعطيات الجديدة، والتلاوم مع التنازل عن المبدأ والكرامة، مع الكذب والافتراء والدجل، مع استخدام القوة الغاشمة، والتحايل على القانون، والأخذ بكل ما يمكِّن من الأسباب للوصول إلى الغايات، بعيداً عن سلامة القواعد والقيم والسلوك والمعايير..”الغاية تبرر الوسيلة؟!”، وإذا كانت الغايات دنيئة أو متدنية القيمة، فإن كل شيء يسقط في مستنقع ضحل ينتِج الوباء، وتصبح هناك قواعد سائدة، لا علاقة لها بأي نوع من السلامة والصحة والقدرة على البِناء.

وفي هذا المناخ تهون على أشخاص مبادئهم وكرامتهم، وتهون عليهم أوطانهم، ويغيرون جلودهم كل يوم كما يغيرون ملابسهم، ويمضغون الذل مرّة، ثم يستسيغون مضغه ويدمنونه، ويصبح ما يشين هو مما يرفع الرؤوس لديهم..؟!.. ويضيع، عبر هذا التيار، علم وأدب وفن وإنتاج وإنجاز ورجال ونساء ووطن، وتضيع أمَّة.. ويزحف خلق كثير على رؤوسهم، وتضيع مجتمعاتهم وليس حقوق الناس فيها فقط، ويختلط الحابل بالنابل.

والخطورة الأجدر بالالتفات إليها، عندما تصل الأمور في مجتمع ما إلى هذا الدرك.. تكمن في الكيفية التي سيكون عليها الآتي .. المستقبل .. إذ أن الأجيال تتربى في هذه الأوساط والبيئات – إن هي وجدت مدرسة وتربية ووسيلة – متخذة أسس عملها وسلوكها وتعاملها وقدوتها ومثلها وقيمها، ممن تراهم “مثال النجاح”في المجتمع.. و”أهلاً للقدوة”في الحياة، ممن يجسدون أمامها الواقع المريض المرفوع أنموذجاً، أو المفروض أنموذجاً يُتّبع… وتترسخ أساليب الحياة اليومية الكسيحة، وأساليب الوصول إلى اللقمة والمكانة وسواهما، مما هو ضروريّ أو كماليّ في الحياة،بأية وسيلة، ومن خلال ما يراه الأبناء في الآباء، ومَن يطلبون “النجاح” في الذين “بلغوه”، بصرف النظر عن الأساليب والوسائل، وعن سلامة الأحكام الخُلُقية والقيم الاجتماعية والثقافية والعلمية.. أما الأحكام والأفعال والصولات السياسية، فيبدو أنها اعتادت على أن تبقى خارج ذلك، وتريد أن تنشر ذلك سلوكاً وأصولاً وعقائد سياسية، فبذلك نوع من ربح، ونوع من خلود.؟!

وهكذا ينذر المستقبل، بقسوة وسقطات ومخاطر، تكمن شدتها وشِرَّتُها في أنها غير منظورة، لمن يعيشون حاضراً بائساً يلفهم بالقِمَاط، ولا يرون إلا بعيون الفساد والإفساد. ولا يتوقف الأمر عند فساد الذوق والحكم والقيم والمعايير، بل تفسُد الجِبلَّة ذاتُها، ويتردى الإنسان، في تكوينه العام، ولا يتوقف الأمر عند حدود تردي الساسة السياسات والعلاقات، بل تتهاوى الأوضاع أبعد فأبعد.

وما ينطبق على الأفراد والمجتمعات، في مثل هذه الأوضاع في دولة، ينطبق على دول في أمة، صلاح كل عضو “دولة”فيها من صلاح أمرها.. وكل الأمم الحية، تحرص بقائها وقدراتها وحيويتها، وعلى فضائلها وقيمها وأخلاقها ومعاييرها، وعلى سلامة الإنسان والقيمة في بنيتها البشرية والخلقية، وتحرص أيضاً على أن ترى ذلك يتجسد في سلوك ومواقف وأحكام من كل نوع، وفي كل مجال، وقد ترى في ذلك كله هُويتها.. وتلقن الأجيال الموقف الحضاري المتصل بأخلاق، وعلم، وبناء، ومقومات خصوصية ونهضة متكاملة، وفي أحكام ومناهج حكم على الأشخاص والأفعال والإنتاج، تبقى قويمة وسليمة.. والأمة هي شخصيتها البارزة المؤثرة المُتجلية في فعل حضور حيوي كريم، وفي وجود حضاري متكامل، يتفاعل مع حضارات العالم، ومع العقل والوجدان والقيمة الروحية، ومع المعطيات المادية والضرورات والمصالح الحيوية في الحياة التي تشارك بها البشر.. كل البشر. ومما يؤسفني ويؤلمني، أنني في بعض اللحظات، يساورني الشك بقدرة الثقافة والسياسة على تحقيق نقلة نوعية عميقة، في لباب التكوين البشري الذي يتكشَّف، في لحظات ومواقف وحالات، عن جوانب وحشية وهمجية، لا يحكمها منطق وضمير ودين، ولا تنم عن عقلانية، ويعيق بعضها المكونات الروحية عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال. وفي الشارع العربي الذي لا يبدو أنه تنازل فقط، عن حقه في المعرفة، وعن دور الوعي المعرفي في حياته وقراراته وأحكامه.. بل يبدو أنه استقال من مسؤولياته وواجبات القومية، ومن المُواطَنة ذاتها، ومن مسؤولياتها، واستقال أيضاً من دوره الاجتماعي والسياسي البناء، على صعد عدة، ومستويات كثيرة، لأسباب شتى منها: التسلط والقمع والتغييب والتبعية، وتحكم الطَّفاوة البشرية الزئبقية والغوغائية المريضة بالعمق الحياتي والروحي والمادي للناس وشروط معيشتهم، وبتوجهاتهم ومناحي إبداعهم ومقومات الحكم عليهم..إلخ، مما يشكل معوقات لا تعفي أحداً أبداً، من المسؤوليات والواجبات والتَّبعات، ولا ترحمه أو ترحم سواه، لا الآن، ولا في قادم الأيام.

في الشارع العربي شيء لا يُفهَم ولا يُقبل، ولا ينبغي أن يستمر.. دول تخلت عن مظلة الأمة، واستظلت بغيرها، ومجتمعات تبحث عن خلاص في فضاءات هي انعدام كل خلاص، وأفراد ينهشون أمتهم ودولهم ومجتمعاتهم، ويساهمون في تشويه هويتهم وصورتهم، وحتى عقيدتهم البهية.. وهناك تآكل بالغ، وتهافت وتواكل، في الأمة والأقطار، ناشئ عن خوف وفقر وجوع وترويع وانسداد آفاق، وعن تسليم بسيطرة منطق الميليشيات والعملاء والمغامرين والغوغاء، ومنطق مَن يسيطرون على كثير من المَواقع والمرافق الحساسة والثروات، ومن يسيطرون على المسيطرين.. وهناك إقبال على الأخذ بالأحكام البعيدة عن الموضوعية والنضج، المبنية على ترويج “إعلاميـ إشاعي شفوي ـ دعائي سلباً أو إيجاباً”، وتسميم سياسي ومخابراتي أجنبي، متنوع المذاهب والمشارب والأهداف..وتدفق باتجاه الهبوط، من دون إطلاع وتمحيص وتدقيق ومحاكمة، تردع، وتقود باتجاه ذلك جهات تحكمها، وتوجه ترويجها أمراض فتاكة، منها الفتن المذهبية والطائفية.. ومعظم من يقودون في هذه الاتجاهات، ومَن يتبنونها بأساليب وصيغ ومواقف كثيرة.. يخرج عن دائرة المُحكَّم المؤهل النزيه،وعن الموضوعية والأهلية والاستحقاق بجدارة.. ويحكم بعض أولئك ويقود،بتأثير الهالة المصنوعة بالدعاية والتبعية.. فهو يدمر ولا يبني، ويقود إلى التهلكة. وهذا يناقض حركة الحياة واحتياجات الناس، وما يبني الدول والمجتمعات.. ويؤدي إلى تدمير مباشر أو غير مباشر لما يبني المجتمعات والدول، ولما يؤسس لسلامة البقاء والتقدم والنهوض.

وأخال أنه يتوجب علينا نحن العرب، في واقعنا الراهن ومحنتنا الدامية، وامتحاناتنا اللامتناهية، وتبعيتنا المهينة، وضياع حقنا على دروب الأقوياء، أن نخلّص أجيالنا من فتك التبعية وحروبها الوكالاتية، ومِن الفساد والإفساد في كل ميدان، لا سيما في الميدان السياسي الآمر الناهي وتوابعه، ومِن الذين ينشرون الفتن الأوبئة، في حياتنا المادية والروحية، في ثقافتنا وأدبنا وفننا وإعلامنا ومجتمعنا وسياستنا. إن أمتنا العربية تقع منذ زمن، بين قوانين البناء ومعاول الهدم.. وعلينا أن نضعها على طريق البناء، ونحول دور معاولنا من الهدم إلى البناء.. علينا أن نضع أمتنا على طريق استقلالية القرار، وسلامة الاختيار، واستعادة السيادة، والتقارب البناء .. إن مصلحتها العليا هي مصلحة كل دولها وشعوبها.. وليس مصلحة قطر على حساب الأمة، إن خلاص أقطار وحكام، بقتل الهوية والانتماد ونشر وباء التبعية، وإضعاف الذات العربية، وترسيخ الإمَّعية وأشكال الاحتلال.. هو هلاك وإهلاك.. وعلينا أن نتوجه إلى نقيض الهلاك والإهلاك.. إلى بناء الأمة باستقلالة، وقوة ذاتية.. إلى سلامة التفكير والحكم والاحتكام، وفق مناهج تحترم العقل ومصلحة الأمة وحياة الإنسان، إلى الأخذ بتدابير تعلي شأن الانتماء العربي العام، وترفعه فوق الرُّقَع والمِزَق القطرية والطائفية والعشائرية و.. التي غدت هوية، وأسست لفتك الفتاكين، ونهب النهابين، من كل جنس ولون.. وأن علينا أن نصون القيم والمعايير والقوانين والقيم الروحية المنقذة، جوهر هُويتنا، وقِماشة جلدنا.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

«سلطة أوسلو» تقوم بدورها الوظيفي!

عوني صادق

| السبت, 23 يونيو 2018

    لا يهم إن كان توقيع الجانب الفلسطيني على «اتفاق أوسلو» قد جاء بحسن نية ...

«العدالة والتنمية» يجدد ولا يتجدد

جميل مطر

| السبت, 23 يونيو 2018

    أن يفوز «حزب العدالة والتنمية» في انتخابات الرئاسة والبرلمان، المقرر لها يوم 24 الجاري ...

استيقظوا.. استيقظوا.. وكفى

د. علي عقلة عرسان

| السبت, 23 يونيو 2018

    الولايات المتحدة الأميركية، في عهد ترامب وإدارته العنصرية الصهيونية: تنسحب من اليونيسكو من أجل ...

الانتخابات التركية.. الاحتمالات والتداعيات

د. محمد نور الدين

| السبت, 23 يونيو 2018

  تذهب تركيا غداً إلى انتخابات مبكرة مزدوجة نيابية ورئاسية، ومجرد إجرائها قبل موعدها يعكس ...

ترامب وكيم و"السلام النووي"!

عبداللطيف مهنا

| الجمعة, 22 يونيو 2018

غطى الحدث السنغافوري بحد ذاته، مع الاستعراضية الزائدة التي رافقته، على جوهر ما تمخَّض جبل...

من نتائج التهميش الاجتماعي

د. عبدالاله بلقزيز

| الجمعة, 22 يونيو 2018

    من أشدّ الظواهر التي يعانيها العمل السياسيّ وطأةً عليه، تناقُص جمهوره المباشر، من العاملين ...

واشنطن والملفّ الفلسطيني

د. صبحي غندور

| الجمعة, 22 يونيو 2018

    ما الذي تريد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحقيقه من جولة فريقها المعني بالملفّ ...

المرتعدون من الرصاص

د. فايز رشيد

| الجمعة, 22 يونيو 2018

    إنهم فئة من الفلسطينيين لا يعترفون بحقائق التاريخ, ويريدون قلب حقائقه وفق عجزهم ورؤاهم ...

تباينات إسرائيلية نحو غزة

د. أسعد عبد الرحمن

| الجمعة, 22 يونيو 2018

    الأزمة في قطاع غزة ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية أيضاً. لذا، منذ انتهاء حرب ...

دلالات تظاهرة حيفا

عوني فرسخ

| الجمعة, 22 يونيو 2018

    شهدت حيفا قبل ثلاثة أسابيع تظاهرة شعبية حاشدة؛ انتصاراً لحق العودة، وعروبة القدس، شارك ...

الاتجاه شرقاً

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 22 يونيو 2018

    نحن العرب في الشرق ومن الشرق، وكل المحاولات التي أراد من خلالها بعض الساسة ...

عن الحركات الاحتجاجية الشعبية العربية

د. كاظم الموسوي

| الخميس, 21 يونيو 2018

    الحراكات الشعبية التي هزت الوطن العربي منذ أواخر عام 2010 وبدايات عام 2011 واحدثت ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم16386
mod_vvisit_counterالبارحة36532
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع16386
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي218240
mod_vvisit_counterهذا الشهر715015
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54727031
حاليا يتواجد 2702 زوار  على الموقع