موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
عائلة الشهيد صالح البرغوثي تخلي منزلها تحسّبًا لهدمه ::التجــديد العــربي:: بومبيو يرحب بنتائج المشاورات اليمنية ويعتبرها خطوة محورية ::التجــديد العــربي:: مقتل جنديين للاحتلال واستشهاد 4 فلسطينيين بنيران إسرائيلية بعد عمليات طعن واستهداف مستوطنين ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين ورئيس الحكومة التونسية يحضران توقيع اتفاقيتين ومذكرة تفاهم ::التجــديد العــربي:: الضفة: 69 إصابة برصاص الاحتلال الخميس ::التجــديد العــربي:: العراق: الحكم غيابياً على وزير المال الأسبق بالسجن 7 سنوات بعد إدانته بقضية فساد ::التجــديد العــربي:: عالم الفضاء المصري فاروق الباز: الصحراء الغربية بها مياه جوفية تكفي مصر 100 عام ::التجــديد العــربي:: 11.72 بليون ريال تحويلات الأجانب العاملين في السعودية خلال أكتوبر ::التجــديد العــربي:: البنك الدولي: 715 بليون دولار تحويلات المغتربين عام 2019 ::التجــديد العــربي:: السعودية أميمة الخميس تحصد جائزة نجيب محفوظ في الأدب ::التجــديد العــربي:: لجنة تحكيم «أمير الشعراء» تختار قائمة الـ 20 شاعراً ::التجــديد العــربي:: زيارة المتاحف تخفف الألم المزمن ::التجــديد العــربي:: قائمة الفرق المتأهلة لدور الـ 32 من الدوري الأوروبي ::التجــديد العــربي:: تيريزا ماي تنجو من "سحب الثقة" في حزب المحافظين ::التجــديد العــربي:: ترامب يختار الناطقة باسم الخارجية لخلافة هايلي لدى الأمم المتحدة ::التجــديد العــربي:: اصطدام قطار سريع في أنقرة يقتل تسعة أشخاص على الأقل وأصيب 47 آخرون ::التجــديد العــربي:: مطاردة ضخمة لمنفذ هجوم ستراسبورغ ومقتل 3 واصابة 13 ::التجــديد العــربي:: السلطات الفرنسية تناشد "السترات الصفراء" عدم تنظيم احتجاجات يوم السبت القادم ::التجــديد العــربي:: تحذير أمريكي عقب إعلان تركيا عن عملية جديدة ضد الأكراد في سوريا ::التجــديد العــربي:: السعودية: اتفاق لتأسيس كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن ::التجــديد العــربي::

غيابُ المعاييرِ السَّليمَة.. مخاطرٌ وضرورات

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

نحن والمَرارة على وفاق، كأسها الدّهاق ينسكب في الحلوق، وينساب في أرجاء القلوب انسياب ريق الأراقم، وتتجدد دونما انقطاع، وتُشيع في الخلايا تعباً لا يُخلِف ميعاده، على غير المعهود في طبع “الحِسان”.. فهي معنا كلِّ صباح، تنتظرنا مع رغيف الخبز عند شرائه ومضغ لُقيماته، ومع فنجان القهوة عند احتسائه، وتتلطى لنا في الأسعار التي يعبث بها تجار الحروب والأزمات، وفي أشكال الخراب والدمار، وفي زحمة المرور، وتفاصيل العمل، وتلاحقنا دون كلل ونحن نقرأ أو نفكر أو نكتب، وحين نتابع نزيف الدم، وعبثيات من يتآكلهم الحقد، أو يستولي عليهم الوهم، ومن يستبد بهم الطمع وتغازلهم أحلام الاستعمار الجديد.. فيضعوننا، وجغرافيتنا الوطنية، وأحلامنا القومية على طاولة التشريح، ويُشبعوننا بحثاً اقتسامياً ،”لنا هذا ولكم ذاك”، فنغدوا نهباً بين نفوذ ونفوذ. والبحث عن صبر وسلوى في هذا المناخ، ومع دفق تلك المرارة في الشرايين والأوردة.. مطلبٌ عسير، بل شبه مستحيل، وقد صرنا مع هذا الذي نحن فيه، لا نجد حتى في قلب أيوب الزمان، قطرة صبر تخفف عنا وطأة زماننا. وهذه التي عَلِقتنا، هي ابنة شرعية لوقتنا الذي أمرعت فيه الفتنة، واستشرت فيه الفوضى، وتكاثرت فيه الدِّمَن، وتعاظمت فيه شَمْرَخة الاخضرار بلا خضار، وازدهت رؤوس الشر، وتراقصت طرباً بما حملت، مُصَعِّرة خدودها للخلق،غير آبهة بالحق ولا بخالق الخلق.

 

وأرانا في هذا المناخ الفاسد المُفسِد، كفاقد يأوي إلى فاقد.. نذوي ونحن نحسُّ دبيب الفساد والرعب، في أحشاء السكون المُلَغَّم من حولنا، وفي تفاصيل السلوك، وجوهر القيم، وأصلاب الناس، عدا عدو الأعداء بكل سلاح وداء. فالمعايير تختل وتسقط، مخلِّفة بسقوطها فَراغاً اجتماعياً وروحياً، يسمح لكل حاطب في هذا الليل، بقتل العباد، ويقوم بإعمال أدوات الفتك في العقول والجهات، ويستنفد طاقاته في الترهيب والتخريب، وفي التنكيل بالكل، وسجرهم بأنواع القهر، على الصعد كافة. والحاطبون في ليل أمتنا، يوغلون في الغِي، ويَلِغون في “الدم”، ويرتكبون الإثم بعد الإثم، ولا يعنيهم ما يُفتَرَض فيه أن يجدد الحياة في البشر، وينشر أشرعة الأمل، ويبعث الروح في القيم، ويعزز مواقع الانتماء والأصالة، والهوية الثقافية والحضارية، لأمة تستحق ذلك. وهم يفعلون ما يفعلون ليفسدوا ذلك كله، ويستنزفوه، ويقذفوه في وجوه أهله حطاماً بلا قيمة، ومن ثم يحيلون كل بناء وحيوية وجودة وقوة، إلى أثر بعد عين. وهم يعملون بكل الجد والحرص على استمرار هذا المناخ الفتَّاك، مع تمويه متقَن للغايات الخبيثة، يصل حدود الإبداع..ويتركنا لهاثاً وراء سراب، وأوهاماً تولد أوهاماً.. بينما تعزز قوى العدوان وجودها القتَّال في خلايا جسمنا، مستنزفة الطاقة والهوية والسيادة والاستقلال، والأَعْمار والآمال .. مستثمرة بسخاء في أن يدْلَهم ليل الفساد والرعب والإرهاب والقتتال والفوضى والتشرذم، في فضاءتنا، لأن في ذلك مسوِّغات للتدخل والانتهاك والسيطرة والتمزيق، وكل ما يعني لهم مكاسب، وترسيخ وجود، وتزيين الاحتلال بلافتات براقة.. ولأن لهم في امتداد هذا الليل، وسدل ستره الكثيفة على العقول والضمائر والعيون، مصالح شتى، منها أن نضيع، وألَّا يُكشَف الغطاء عن حقيقة ما يبيتونه لنا .. وهم يحرصون على ألَّا يسفر لنا صبح، وألا يرسخ فينا معيارُ قيمة صحيح أثيل مكين، وألَّا ترتفع راية واحدة تستظل بظلها البلاد، وأمة دفعت من دماء أبنائها، وخيراتها، ماهو فوق التصور والاحتمال .. لأنه إذا ما سادت قيمة سليمة، وتراتب الناس على أسس من صلاح أمرٍ ورأي ونهج ومعيار، ودقة مقاييس، وحسن تقويم وحكم وتحكيم، وتراتب حسب العلم والكفاءة والقدرة والخلُق القويم .. اقترب الناسُ من مخرج لهم من التيه الذي أدخلوا فيه، وصفا لهم مجال الاختيار وسلم، وصار لهم هدف يجمعون عليه، وفعل منقذ يقومون به، وموقف بنَّاء ينطلقون منه، وسعي صالح، وإنتاج وإبداع.؟! وهذا ما لا يروق لهم، وما لا يريدونه لنا بحال من الأحوال.

وإذا استمر هذا التخبط الذاتي، وتفاقم اختلال المعايير، وسقوطها في مجالات السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع عموماً، وفي ميادين الثقافة والإبداع والتربية خصوصاً، فإن كل ثقة معرضة للاهتزاز، وكل أمل معرَّضٌ لاضمحلال، وكل بناء يمكن أن يؤول إلى سقوط، وكل وجود يغدوا إلى هزال .. إذ كيف يُحكم في ظل غياب المعيار أو فساده على شخص أو فعل أو سياسة أو..؟! وكيف يطمئن الناس إلى أقوال أو فعال أو قيم أو أحكام، وهم يرون الفصام بين المنطق والحكمة والحكم، بين المعيار والقيمة، بين القول المعلن والفعل المبثوث ألغاماً بكتمان، ويقفون صباح مساء، على اختلال واضح بين ما يُقدَّم لهم أو ما يتم تصويره، وبين حقيقة ذلك الذي يقوم فعلاً، ويستقر في الوعي وممارسة على أرض الواقع؟! وكيف لا يداخِلهم الشك وصولاً إلى انعدام الثقة، وبلوغ حدِّ القنوط، وهم يرون المواقف والأحكام والآراء تتغير مائة وثمانين درجة، حسب هوية الأشخاص، وتبعيتهم الخارجية أو الداخلية، وارتمائهم في هذا الحضن أو ذاك، واهتمامهم بأنفسهم، وبما يخدم فيهم مبدأ عصر التدهور الجماعي “أنا أولاً”، ومن بعدي الطوفان.. ذاك الذي غدا معيار المعايير، وترك كل ما عدا ذلك لعاديات الزمن، وما أكثرها وأخطرها وأرهباها .. ورفع الاهتمام بالمصلجة الضيقة، وبالطائفة أو المذهب أو..إلى ما فوق الاهتمام بالوطن والأمة.. وجعل الانتماء “للعشيرة القديمة أو الحديثة”، غاية ووسيلة، وجعل الحكم على الأشخاص وقدراتهم وكفاءاتهم وإخلاصهم، مستمداً من مدى القرب أو البعد، من الشخص “المعيار”، الذي حل محلَّ القيمة والمعيار؟! وأصبح الدار وصاحب القرار.؟!

إن كل هذا بعض توصيف الداء، ويا لها من محنة يعجز الكلام عن وصفها.. إذ متى بحق الله كان هوى الشخص، أي شخص وفي أي مجال، “معياراً”سليماً وحيداً سديدا؟! أليس الأشخاص والأفعال والسلوك هي التي تُعرَض على المعيار، الذي رسخ عبر التجارب وبجهد جماعي وتضحيات، وباتفاق أو وفاق، ليأخذ قيمة،ويصدر بموجبه حكمُ قيمة، وفق قاعدة ومنطق وقانون وحجة وبرهان؟! أليس الأشخاص، لاسيما في فترة فساد الزمان وفقدان الأمان، عُرضة لأقصى ما يمليه الهوى، وتجر إليه المصلحة الضيقة، من زيغ في الرأي والرؤية والحكم.. إذا لم تكن هناك معايير واضحة وسليمة ومحترمة ومستقرة، يستندون إليها، تعصمهم من الزلل نسبياً، وتعصم غيرهم من الظلم والخطَل والاستبداد؟! إن كل شخص عُرضة لتغير الأهواء، أياً كان الشخص، بينما المعيار لا يتغير إلا بتغير معطيات موضوعية، وحسب أصول يتفق عليها أولو القدرة والحكمة والعلم والخبرة والمَكانة من الناس،ويرون رأياً، بتبصر وبصيرة، يقتضي تغيير تطوير المعايير أو تحسينها وتعديلها وتغييرها، حسب أصول مرعية الاحترام، ويكون ذلك لتحقيق مزيد من العدل والدقة والسلامة والصلاح والشمول والفاعلية للمعيار، الذي يستند دائماً إلى قيم وقواعد وأصول وقوانين ومصالح عامة عليا للناس، ثبت صلاحُها للحياة وصلاحُ أمر الحياة والناس، وصلاح شؤونهم وإبداعهم بها.

لقد كان قول أرسطو وما زال، سليماً وصحيحاً، حيث قال: “خير للناس أن تحكمهم شرائع جيدة جداً من أن يحكمهم أشخاصٌ جيدين جداً”. وإذا كنا نعاني الأمرين من خلل المعايير والقيم أو غيابها، في كثير من مناحي حياتنا وعملنا وتعاملنا، ونعلق أهمية على دور العلم والكلمة والثقافة والأدب والفن، في إشاعة المعرفة وترسيخ الوعي بأهمية المعايير والقيم وسلامتها، وبمركزية الوعي المعرفي وضرورته، ليقوم به وعليه التجديد والتطوير، وفق أسس معيارية ومعرفية وخُلقية سليمة، فإن غياب المعايير والقيم والأحكام والأخلاق السليمة، في مجالات السياسة والثقافة عموماً، وفي مجالات الأدب والفن خصوصاً، يغدو أشد شيء خطراً على الإبداع والإنسان، على المجتمع والدولة، على الحق والخلق في الدنيا والدين، ومن ثمة على الحياة.. لأن قيمة المعيار وسلامته وحسن تطبيقه واحترامه، خلال هذه الفعاليات البشرية، التي تؤثر في تكوين الفرد والجماعة والحضارة، يوازي سلامة القضاء، وصلاح الحكم، وعدل الدولة .. من حيث الضرورة والأهمية، لمجالات الحياة العامة، وللناس كافة، في دولة تستحق هذا الاسم، وتقوم بواجبها حيال الناس. وحين نجد هذا الداء، داء فساد المعيار، يستفحل في المجالات السياسية والاجتماعية، الأدبية والفنية، في السلوك والعمل والتعامل، ونراه يُفسح في المجال أمام تقديم أحكام وآراء وتقويم وحكم قيمة، على أرضية مَرَضيَّة، أو مرَيضة، أو غير ناضجة ولا سوية، ويعطي تصوراً تراتبياً غير دقيق للإنتاج وقيمته ومكانته، ومن ثم للأشخاص وقدراتهم وكفاءاتهم، ويسيء فَهمَ الغايات والأهداف، وأبعاد المضامين ووضوحها، وسبل إيصالها،، عن قصد أو عن غير قصد.. ولا يُحسن تقديم مسوِّغات الرأي، ومستندات الحُكم المُقْنِعَة.. نشعر كم هي مشوَّهة صورتنا، لدينا ولدى الآخرين، وكم هي بحاجة إلى إعادة صوغ على أساس سليم، ليقوم لدينا بناء متين، ووطن آمن، وشعب على قلب رجل واحد، وأمة تحمي وتبني وتبدع.

إننا، حيثما وأينما توجهنا، نجد أولئك الذين يهمهم أن يسود الضياع، وأن يدْلَهم ليل يحتطبون فيه..ونجدهم أحرص ما يكونون على استمرار الفوضى والتشتت والصراع الدامي، لأنهم أعجز من أن يجدوا مكاناً لهم، حين يسفر الصبح وتصحّ الرؤية .. ومما يزيد في الطنبور نغماً، أنهم يمارسون التقويم والنقد أو ينطلقون في ذلك بشمولية، وبشيئ من ادعاء العصمة، من أرضية “حكم”يمليه الهوى والجهل والمصلحة الخاصة، والانتماء الضيق.. وتبدو هشاشة ذلك، وفساد قيمه ومعاييره وتقاليده،من سوء نتائجه، وهبوط مستوى الأداء الذي ينتج عنه، ويتَّبع للوصول إلى غاياته.. ونرى المعنيين بذلك أو القائمين عليه، يمارسون طقوس التعظيم والتقزيم، الإنارة والتعتيم، التشويه والتشويش، وكل ما يرون أنه يفيدهم في فرض مَن وما يمت لأدائهم ولانتمائهم الضيق، الذي لا يكف عن أن يضيق، على الساحة السياسية والثقافية والاقتصادية، دونما تفريق بين وسيلة ووسيلة.. فالغاية لديهم تبرر الوسيلة، وخير الأداء عندهم “ما نجَح” في الضيق والتضييق، بصرف النظر عن النتائج والعدالة والتفاعلات اللاحقة، والانعكاسات على الناس، بأشكالها وأنواعها؟!.

وعندما يكتفي المؤهَّلون القادرون، بالتفرج على هؤلاء “البُناة”على فساد، وعلى زعزعة كل أساس لبناء سليم.. فإننا عندها لا نقف على أعتاب الكارثة بل نزحف إليها زحفاً، ولا نكون أمام عبث ضائعين، بل أمام أخبث صنف من صنوف الناس المُخربين.. وهو ذلك الصنف الذي يساوي بين المَحاسن والمساوئ، ويخلط الأوراق لتضيع الحقائق، وتتشوش الرؤى، وتتناقض أحكام القيمة.. فيرفع المُحسن والمسيء ممن يهمه أمرهم، ويمتون إليه بصلات، ليست هي بالضرورة صلات الدم والعرق، فيرفعهم إلى مرتبة الاعتبار القصوى، ويهبط بالمُحسن وبالمسيء من غير المفيدين له،”بصرف النظر عن القرب والبعد”، إلى “الحضيض”الأقصى من وجهة نظره. وموقفه هذا يجر الآخرين، من أبناء عشائر العصر الحديث الأخرى – وما أكثرها- إلى مواقف وآراء وأحكام وتصرفات مماثلة، وينعكس كل هذا سلبياً على المعايير والقيم والإنتاج والأشخاص والأوضاع، ومن ثمَّ على الأوطان والشعوب. وفي ذلك ضياع الأمور، واضطراب الأحكام، إذ كيف يصلح بغير الصالح، شأن السياسة، وشأن المجتمع، وشأن الاقتصاد، وشأن الأدب والفن، وكيف تغدو الكلمة منقذة وبانية، وهادية، حينما تُستنبَت في دِمَن النفوس، وفي تشوّهات الواقع والمواقعَ والمواقفَ، وفي أنفسٍ هي الدِّمَن؟! إن الفاسد لا يُصلح نفسه، ويحتاج إلى من يصلحه، وهذا ينطبق على الأحكام والآراء والأشخاص، كما ينطبق على النظريات والمعايير والتيارات والمعلومات والمؤسسات..إلخ

لقد أثر فساد المعايير، بل غيابها عن حياتنا السياسية والثقافية والروحية، تأثيراً سلبياً كبيراً في فعالية الكلمة ومستوى الإبداع، وأصبحت الدعاية”الإعلامية – الإعلانية”التي تمارس نوعاً من أحكام القيمة، دون مستند من معرفة أو أهلية أو قيمة خلُقية ومهنية، أو حتى من دون اطلاع متدنٍّ في حالات .. أصبحت “تعلي”شأناً و”تحطّ” شأناً، تحجب “شمسَاً”أو تجعلها تشرق، على أساس من هوى ومصلحة وانتماءات ضيقة مريضة، “طائفية أو عرقية أو عشائرية، حديثة وقديمة معاً، وعلى أسس أكثر ضيقاً وأشد بؤساً من ذلك أحياناً”.. وأضحى أشخاص كثر لا يتهيبون من الافتراء والاختلاق والتشويه، ويصل ببعضهم الأمر، بكل بساطة، إلى حد حذفك، وحذف أقوالك وما أنت، ووضع أقوال لك ورسم صورة، لتغدو ما يريدون منك ولك أن تكون؟! كل ذلك يتم في وضح النهار، وتحت سمع الناس وبصرهم.. ويمارَس بعض أبناء تلك الأوساط، رقابة من نوع تبدو معها الديكتاتوريات الفكرية غاية في الديمقراطية والحرية، في حِمى تعود السيادة فيه شكلاً إلى “رقابة”، تنسب إلى الدولة، و”تُجرَّم”من قبلهم بسببها، بينما يقومون هم بالفعل الناجز ذاك، ويمسحون أفعالهم بها، وينفذون في أحيان كثيرة ما هو ضار بمصلحة الثقافة القومية والشخصية الثقافية، والهوية، والانتماء لأمة في تربة تاريخ وجغرافية، ومقومات شخصية ثقافية متمايزة.. ويمارسون الغزو والقتال والقتل والفتك في الداخل، ومن الداخل.. ويقبعون تحت ستار من الأمن والأمان والاطمئنان، حيث يتربعون في حضن السلطة، ويضربون بسيفها، ويأكلون خيرها، ويصفون سواهم بأنه من “أزلامها”، وينتفون ذقنها، ويدّعون أنهم ضدها، ويضحكون بعد ذلك كله، وقبل ذلك كله عليها، بل على أنفسهم وعلى سواهم، ممن يخاف أو يستكين أو يجهل أو يخضع لجاهلية أشد فتكاً بالعقل من كل جهل. وذلك الصنف من الفُتَّاك، يفترضون : غباء السلطة، وغباء الذين يستهدفونهم ويعبثون بهم، والذين يوجهون إليهم الخطاب، ويمثلون أمامهم الأدوار، بخبث يعززه التواطؤ أو الخوف أو ما في بعض الأنفس مما لا تكشفه المرايا؟!. ومن عجب أو رَهب أو “رَغَبة”، أن يسير الجميع في هذه “الزَّفة”المزيفة، التي انعكست على مصداقية القول والعمل والعقل والضمير، والإنسان الإنسان، وعلى مصداقية الأدب والفن والثقافة والإعلام، وحتى على السياسة التي تريد أن تعبَث فيُعْبَث بها.. ومن ثم على تربية تنكرت للأخلاق والقيم والأصول والأصالة، فأنتجت مرارات، وأصبحت وطأتها ثقيلة، ونتائجها وبيلة،ووجودها هم وغم وخطر على حياتنا وحيويتنا، وعلى معاني الصحة والسلامة والنقاء، في كل ما نريده، وما نحققه، وما نكونه، وما نتطلع إليه.

إن الوجه (الإعلاني- الإعلامي- الحزبي ـ العشائري ـ الطائفي ـ المذهبي ـ التآمري..إلخ) الذي يعاني من تورّم خبيث، وتطرف مقيت، ومن أمراض منها التعصب بجهل.. ويقدم أدبنا وفننا وثقافتنا وإعلامنا، بل وحياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وتاريخنا وقيمنا وديننا.. أصبح زائفاً ومضحكاً ومدمراً بشكل لا يُحتمل، وتستدعي ظروف الإنقاذ والاستنقاذ، وظروف مواجهتنا لواقعنا، وللتحديات المطروحة علينا، وللأعداء الذين يتمترسون في أرضنا وفي بعض أنفس أناس منا.. تستدعي العمل في إطار جبهة ثقافية، لثقافة المواجهة، والمواجهة الثقافية، بوعي، وعمق ومسؤولية واقتدار معرفي، وتستدعي انتماء أصيلاً للأمة، أمتنا العربية، وحمل هويتها باعتزاز، داخلياً وخارجياً.وذلك يرتب علينا أن نرفع الأقنعة والزيف، ونعيد النقاء لكل شيء، وأن يلبس كل منَّا الثوب الذي يريد.. لكن بوضوح وعلنية وشفافية وشرف، ومن دون تمويه وأقنعة وتلون حربائي.. حتى يأخذ الرأي والموقف، ومن ثمّ المِعيار، مكانته واحترامه ودوره، ويُعرَض عليه القولُ والعمل والموقف والاختيار، ومن ثم الإنجاز والإنتاج والإبداع، برضى وثقة، في ظل استقرار القيمة واحترامها والإخلاص لها، والاطمئنان لدى الاحتكام إليها.. وفي ضوء الانتماء السليم للأمة وقضاياها ونضالها ومعاناة جماهيرها، ولعقيدتها وثقافتها، ولهويتها في مقوماتها الرئيسة، وذلك كله في ظل احترام لحريات الإنسان وحقوقه وممارسته التامة لتلك الحقوق، على أرضية مواطَنة ووطنية صحيحة وسليمة.. الاحتكام فيها للحقيقة الثابتة عبر التاريخ، ألا وهي أنه “لا وطنية خارج حدود التاريخ والجغرافية والهوية، لأمة من الأمم”.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

مقتل جنديين للاحتلال واستشهاد 4 فلسطينيين بنيران إسرائيلية بعد عمليات طعن واستهداف مستوطنين

News image

شهدت الضفة الغربية غلياناً أمنياً واستنفاراً عسكرياً للاحتلال بعد مقتل جنديين أمس في هجوم بسل...

خادم الحرمين ورئيس الحكومة التونسية يحضران توقيع اتفاقيتين ومذكرة تفاهم

News image

بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ورئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، جرى...

الضفة: 69 إصابة برصاص الاحتلال الخميس

News image

رام الله - - أصيب 69 مواطنًا، الخميس، خلال مواجهات مع جيش الاحتلال ومستوطنيه في ...

العراق: الحكم غيابياً على وزير المال الأسبق بالسجن 7 سنوات بعد إدانته بقضية فساد

News image

أعلنت «دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة» العراقية أن محكمة الجنايات المتخصصة بقضايا النزاهة اصدرت احك...

عالم الفضاء المصري فاروق الباز: الصحراء الغربية بها مياه جوفية تكفي مصر 100 عام

News image

كشف عالم الفضاء المصري وعضو المجلس الاستشاري العالمي برئاسة الجمهورية في مصر فاروق الباز، عن ...

السلطات الفرنسية تناشد "السترات الصفراء" عدم تنظيم احتجاجات يوم السبت القادم

News image

حثّ الممثل الرسمي للحكومة الفرنسية، بنيامين غريفو، أعضاء حركة "السترات الصفراء" على التعقل وعدم تنظ...

تحذير أمريكي عقب إعلان تركيا عن عملية جديدة ضد الأكراد في سوريا

News image

حذرت الولايات المتحدة من القيام بأي إجراء عسكري أحادي الجانب في شمال سوريا، وذلك بعد...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

نحن وضرورة استحضار البطل الجمعي

عدنان الصباح

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    باستمرار تتكرر الأحداث البطولية الفردية لأبناء شعبنا في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه ويوميا يبادر الاحتلال ...

عبر من استشهاد نعالوة والبرغوثي

د. عبدالستار قاسم

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    استفاقت فلسطين يوم الخميس الموافق 12/كانون أول/2018 على يوم صعب إذ استشهد ثلاثة من ...

هل الوضع يتوجه نحو انتفاضة فلسطينية جديدة..؟!

شاكر فريد حسن | الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    تصاعدت حدة المواجهات في الضفة الغربية بعد الاعدامات التي نفذتها قوات الاحتلال، وعقب عملية ...

حتى لا يفسر الدستور وفق الأهواء السياسية

حسن بيان

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    بعد حوالي سبعة أشهر على تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة، ما تزال المحاولات تتعثر، ...

ليلة كانت باريس على وشك الاحتراق

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    منظر غير مألوف ولا متوقع، ذلك الذي شهدته الملايين عبر التلفاز، لباريس وهي تحترق، ...

حتى لا نتحول إلى «مجتمعات خطر»

د. محمد السعيد ادريس

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    لا أستطيع أن أستبق الأحداث، وأقرر بقناعة شخصية إلى أي مدى استطاعت «مؤسسة الفكر ...

ربيع إسرائيلي في أفريقيا

د. أسعد عبد الرحمن

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    منذ سنوات، أنجزت إسرائيل وما زالت، الكثير من المشاريع في أفريقيا من خلال مجالات ...

حول المسالة الفلسطينية

د. سليم نزال

| الخميس, 13 ديسمبر 2018

    يمكن تعريف النشاط السياسى الى مستويات اساسيية الاول المستوى الوطنى و الثاني المستوى الدولى ...

هل توجد خطة اسمها «صفقة القرن» ؟

عوني صادق

| الخميس, 13 ديسمبر 2018

    منذ سنتين يدور حديث يعلو ويهبط، وأحياناً يتوقف عن «خطة سلام» مزعومة تعود حقوق ...

ماذا بعد هزيمة الجماعات الإرهابية؟!

د. صبحي غندور

| الخميس, 13 ديسمبر 2018

    ما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل مشرق الأمة العربية ...

الأنماط الحياتية القابعة وراء الأشخاص

د. علي محمد فخرو

| الخميس, 13 ديسمبر 2018

    أبدا، يعيد التاريخ نفسه المرة تلو المرة فى بلاد العرب. مما يتكرر فى مسيرة ...

ماكرون وتيريزا ماى: المصير الغامض

عبدالله السناوي

| الخميس, 13 ديسمبر 2018

  «أتوقف اليوم عن ممارسة مهامى رئيسا للجمهورية الفرنسية».   هكذا فاجأ «شارل ديجول» الفرنسيين والعالم ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم49503
mod_vvisit_counterالبارحة55445
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع300929
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي293133
mod_vvisit_counterهذا الشهر637210
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1360833
mod_vvisit_counterكل الزوار61782017
حاليا يتواجد 4484 زوار  على الموقع