بين العقل والإرادة!

الخميس, 28 ديسمبر 2017 09:33

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

الفلسطينيون في حاجة ماسة إلى انتفاضة ثالثة، شاؤوا أم لم يشاؤوا، فليس غير الانتفاضة الشاملة قادرة على الرد على ترامب ونتنياهو، والرد على تهويد القدس وعلى الاحتلال. هناك من يطالب بها، وهناك من يحذر منها، ولكن الانتفاضة ليست متوفرة عند الطلب! واللافت اختلاط الأوراق، فهناك من يطالبون بها ممن لم يعرف عنه التأييد، وهناك المحذرون منها ممن يعرف عنه التأييد! والمحذرون من أي جهة جاؤوا هم «العقلانيون» دائماً !

 

عندما رمى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره الخاص بالقدس في وجوه الفلسطينيين، كان يعرف أنهم سيردون عليه، وكان يتوقع كما لا بد أقنعه حبيبه نتنياهو، أن لا يطول الأمر حتى يعتادوا على القرار، وينتهي الأمر في أسبوع أو شهر أو حتى شهرين!

ثلاثة أسابيع انقضت حتى الآن على إعلان ترامب لم تهدأ فيها الجماهير الفلسطينية في الضفة والقطاع، وكانت الحصيلة أكثر من (15) شهيداً ومئات من المعتقلين وآلاف من الإصابات. وفي الوقت الذي حذر فيه رئيس جهاز (الشاباك) اليهودي أن الوضع يمكن أن يتدهور بشكل كبير، إلا أن الحراك مع ذلك لم يكن في المستوى المطلوب، ولا كان في حيوية ما سبق من هبات، ما جعل البعض يعتقد أن الأمور رغم ضخامة الحدث لن تصل حد التوقعات، وجعل «التنظير» للانتفاضة يغلب الفعل الانتفاضي، وكثر الحديث «العقلاني» عن «استدعاء الانتفاضة»، و«استعصاء الانتفاضة»، وفيما يشبه التأبين الذي يسبق الوفاة !

وبالرغم من أنه لا خلاف على الحاجة لدراسة الواقع ومعطياته والظروف المحيطة بالقوى المطلوب أن تشارك في الانتفاضة، وما يترتب عمله لاستمرارها وتوسعها وتطورها، إلا أن الروائح التي تشتم من معظم التنظيرات ترى «الظروف غير مواتية». ومع الاعتراف بأهمية الرؤية الواقعية للأمور، واستعمال العقل في تقدير الظروف، إلا أن المسألة ليست عقلانية بالمطلق أو بالكامل. فإلى جانب العقل، توجد دائماً الإرادة، وهي أهم من العقل في حركات الجماهير والشعوب. وحتى لا أقع في الحفرة التي أحذر من الوقوع فيها، وحتى لا أمارس ما أنتقده، سأوضح وجهة نظري بأمثلة.

فمثلاً، تدليلاً على أن الظروف لم تعد كما كانت في الانتفاضة الثانية، هناك من رأى أن «الجمهور الفلسطيني منهك»، وأن «الضفة الغربية تغيرت بعد السور الواقي، حتى مخيم جنين تحول إلى ما يشبه المنطقة الصناعية. أما رام الله فحدث ولا حرج. كذلك لا يمكن نسيان المشاريع طويلة الأمد التي عملت عليها السلطة في إلغاء مظاهر العسكرة والمقاومة، وتحويل الطبقة الوسطى إلى فئة متورطة في القروض والأزمات الاقتصادية»! ماذا نفهم من هذا الكلام؟ لا شك أن «الوقائع» التي ذكرت في الفقرة السابقة حقيقية إلى حد بعيد، وربما صحيحة بالقدر نفسه، ولكن ألا تستبطن الكلمات كلمات أخرى تقول: الوضع لا يسمح بالتفكير في انتفاضة؟!

وهناك من كان أكثر وضوحاً وهو يتحدث عن «استعصاء الانتفاضة»، فقال إنه ناجم عن:1) عزل القدس من خلال الأنشطة الاستيطانية. 2) بناء الجدار العازل الذي منع الوصول إلى القدس وقلل من فرص الاحتكاك مع الجنود والمستوطنين في المدينة. 3) اعتماد ربع مليون من الفلسطينيين على الرواتب التي تدفعها السلطة. هذه أيضاً «وقائع» حقيقية وصحيحة إلى حد بعيد، وهي توصل بكلمات صاحبها إلى أن «غياب قيادة حركة تحرر وطني، وترهل البنى الوطنية الفلسطينية، يجعلان من قيام انتفاضة ثالثة أمراً في غاية الصعوبة، أو يحتاج إلى ظروف فلسطينية ودولية أخرى»!

والأمثلة كثيرة، فهناك من هرب من الانتفاضة إلى فضاءات أخرى ودعا مثلاً إلى ضرورة «مراجعة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني». ومنها من دعا إلى «توحيد مؤسسة صنع القرار السياسي الفلسطيني ودعمها»، و«توفر البنية المجتمعية الداعمة والحاضنة للقرار السياسي». ومنها ما قفز إلى التفكير في «الدولة الواحدة»، والاستعداد للنضال من أجل «الحقوق المتساوية» في ظل «دولة «إسرائيل»»!

حديث «العقل» أوصل إلى انعدام الفرصة أمام الانتفاضة، ولكن ماذا عن الإرادة؟ لقد شهد التاريخ الفلسطيني منذ 1920 عدداً من الهبات والانتفاضات والثورات، وفي كل مرة كان الشعب يتجاوز ما يقوله العقل ويفاجئ أعداءه وخصومه بالإرادة وليس بشيء آخر.

إن الظروف «غير المواتية» التي تواجهها حركة الجماهير الفلسطينية، من قوة العدو وإجراءاته وممارساته الوحشية، هي نفسها التي تلعب دور الحافز والمحرض للإرادة والتصميم على المواجهة.

الجماهير لا تزال تتحرك وحركتها متواصلة، وكل ما تحتاجه قيادة ميدانية مصممة على المواجهة والمقاومة، تستطيع تأطير الجماهير، وتحديد الأهداف المرحلية، فتحافظ على استمرارية التحرك، وصولاً إلى الانتفاضة الشاملة، والعصيان المدني الشامل.

awni.sadiq@hotmail.com

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق