موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
عائلة الشهيد صالح البرغوثي تخلي منزلها تحسّبًا لهدمه ::التجــديد العــربي:: بومبيو يرحب بنتائج المشاورات اليمنية ويعتبرها خطوة محورية ::التجــديد العــربي:: مقتل جنديين للاحتلال واستشهاد 4 فلسطينيين بنيران إسرائيلية بعد عمليات طعن واستهداف مستوطنين ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين ورئيس الحكومة التونسية يحضران توقيع اتفاقيتين ومذكرة تفاهم ::التجــديد العــربي:: الضفة: 69 إصابة برصاص الاحتلال الخميس ::التجــديد العــربي:: العراق: الحكم غيابياً على وزير المال الأسبق بالسجن 7 سنوات بعد إدانته بقضية فساد ::التجــديد العــربي:: عالم الفضاء المصري فاروق الباز: الصحراء الغربية بها مياه جوفية تكفي مصر 100 عام ::التجــديد العــربي:: 11.72 بليون ريال تحويلات الأجانب العاملين في السعودية خلال أكتوبر ::التجــديد العــربي:: البنك الدولي: 715 بليون دولار تحويلات المغتربين عام 2019 ::التجــديد العــربي:: السعودية أميمة الخميس تحصد جائزة نجيب محفوظ في الأدب ::التجــديد العــربي:: لجنة تحكيم «أمير الشعراء» تختار قائمة الـ 20 شاعراً ::التجــديد العــربي:: زيارة المتاحف تخفف الألم المزمن ::التجــديد العــربي:: قائمة الفرق المتأهلة لدور الـ 32 من الدوري الأوروبي ::التجــديد العــربي:: تيريزا ماي تنجو من "سحب الثقة" في حزب المحافظين ::التجــديد العــربي:: ترامب يختار الناطقة باسم الخارجية لخلافة هايلي لدى الأمم المتحدة ::التجــديد العــربي:: اصطدام قطار سريع في أنقرة يقتل تسعة أشخاص على الأقل وأصيب 47 آخرون ::التجــديد العــربي:: مطاردة ضخمة لمنفذ هجوم ستراسبورغ ومقتل 3 واصابة 13 ::التجــديد العــربي:: السلطات الفرنسية تناشد "السترات الصفراء" عدم تنظيم احتجاجات يوم السبت القادم ::التجــديد العــربي:: تحذير أمريكي عقب إعلان تركيا عن عملية جديدة ضد الأكراد في سوريا ::التجــديد العــربي:: السعودية: اتفاق لتأسيس كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن ::التجــديد العــربي::

إطلالة على أفغانستان في حرب من حروب الأفغان 2 ـ 2

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

هذه استعادة ذات مغزى، تطمح إلى التذكير بأهمية قراءة ذات مغزى.. لتاريخ قريب..وإنَّ في التاريخ لعبرة.

 

“عندما نخرج سوف نترك كل هذه المنشآت التي بناها الجنود السوفييت بأيديهم ، إلى الرفاق الأفغان، ونكون قد أدينا رسالتنا وحققنا الهدف الذي دخلنا من أجله، فها هي أفغانستان مستقلة والثورة قادرة على حماية نفسها بنفسها، وقد تكون الجيش وتكونت الكوادر، وتم تنظيم الحزب بشكل قوي. إننا لم نأخذ شيئًا من الأفغان لقاء ذلك، فنحن نحصل على كل شيء من بلادنا، وكل ما أقمناه وعمرناه هنا هو من عندنا، وسوف نتركه لهم، إننا لا نستخدم في أفغانستان مما هو أفغاني، إلا الهواء والماء أحيانًا”.

 

هذا ما يقوله الناطق باسم الجنود السوفييت، ولكن هل يقول الأفغان غير ذلك؟ لم أسمع شيئًا إلا أنني أحسست بوطأة وجود الأجنبي في العيون والوجوه، ولا يمكن أن نعزو ذلك إلى أن السوفييت يأخذون من المواطنين شيئًا، إلا أن ابن الوطن ـ مهما كان الأمر ـ يحس بثقل الغريب، ولا سيما إذا كان موجودًا فوق أرضه بقوة السلاح.

ومن جانب آخر فإن الشعور الذي يواجهك في الشارع التجاري، يجعلك تدرك بأن المواطنين الأفغان يحددون سعرين لحاجاتهم: سعر للأفغاني، وسعر للأجنبي، ويقولون لك إننا نعطي السائح السوفييتي أو الأميركي بسعر أغلى بكثير مما نعطيه لك، لأنك أخٌ لنا. وهذا بحد ذاته دليل غير مباشر، على عدم الرضا عن الغرباء، أو على عدم التجاوب معهم.

أسئلة السلطة الأفغانية تختلف، وهي منوطة بالسؤال الرفاقي من جهة؟ ومدفوعة بالاعتماد على النفس من جهة أخرى، وتسلك طريقًا آخر لتقديم حلول وإيجاد سُبل، على رأسها موضوع الاعتماد على النفس.

اتجاه يريد المصالحة، وصولًا بالبلاد إلى حلول دائمة وطنية ونظيفة، وهو يبدي استعدادًا للتنازل والتفاهم، بواقعية صادقة، من أجل الأمة والبلاد. واتجاه يريد السيطرة بالقوة، مع بقاء السوفييت الذين “لا ينبغي أن يخرجوا الآن”؟ وفي ظل تلك المظلة يفعل هذا الفريق ما يريد ويمسح بسواه.

أما الأسئلة خارج أفغانستان، فهي من مصادر متعددة أيضًا.

فهناك أسئلة الشعب السوفييتي، والأمهات السوفييتيات اللواتي يقلن باختصار شديد: نريد أبناءنا معنا. والشعب السوفييتي يختصر موقفه في أمرين:

ـ لا نريد أن نكون هناك، فالأمر مكلف إنسانيًّا وأخلاقيًّا وماديًّا.

ـ نشعر أن الشعب هناك لا يريدنا أن نكون في بلاده، ومن ثم فإلى متى؟ ها هي تسع سنوات قد مرت، ونريد أن نخرج من هذه الورطة.

فخ ـ قلت لمحدثي السوفييتي ـ إنه الفخ الذي لا يريد الأميركيون لكم أن تخرجوا منه، وربما نُصب لكم. فقال محدثي السوفييتي: نعم وسيعملون على ألا نخرج منه، سيعملون بكل الوسائل، وقضية جنيف كما أشرت مطاطة.

ـ والحكومة السوفييتية لا بد أن تضع مع اعتبارات أخرى الوضع الأخلاقي، وهو ذو حدين في هذا المجال:

ـ وضع يرتبط فيه الموقف الأخلاقي مع البلدان والأحزاب الشيوعية الأخرى، التي ترتبط مع الاتحاد السوفييتي بروابط متعددة، وستوجه اللوم سرًّا، بكل تأكيد، إلى السوفييت الذين لم يقفوا مع رفاقهم.

ولكن هذا الاحتمال ضعيف، لأن الاتحاد السوفييتي قدم كثيرًا، ووقف طويلًا، وألحق بسمعته الأذى، من جراء موضوع أفغانستان.

ـ اللوم الآخر يأتي من طرف السياسات المناهضة لسياسة الاتحاد السوفييتي، وعلى رأس ذلك السياسة الأميركية، التي تشهّر بهذا “التدخل البشع”، وبالاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وهي تشعر الآن بنشوة ما، فقد آن الأوان لتردّ شيئًا من الحساب القديم أيام فيتنام.

وهناك لوم ملفّع بالابتسام الساخر، وهو ذلك الذي تبديه أوساط مختلفة، ليست على وفاق مع سياسة الاتحاد السوفييتي، وإن كانت ليست معادية لها، وهي ترى أن الأخ الأكبر يبتلع أخوته، وما زال يفعل ذلك تحت شعارات براقة، على الرغم من أن الأمور غدت مكشوفة تمامًا.

والاتحاد السوفييتي قبل هذا كله، وبعد هذا كله، حريص على أفغانستان وعلى سمعته أيضًا. وهو لا يريد أن يفرط بمكسب على حدوده، دفع من أجله الكثير، وخاض في سبيله الدم والوحل حتى الكاحل والمرفقين، ويريد أيضًا أن يبرهن على صدق نواياه في سياسة الوفاق، وفي التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، من أجل التعايش ونزع السلاح النووي، والحد من التسلّح، كما يريد أن يغير مداخله إلى العالم المعاصر، وصورته القديمة، ليس فقط لدى العالم الخارجي، وإنما لدى مواطنيه أنفسهم .. وهو يعطي الحرية والعلنية والديمقراطية مكانة كبيرة، ويريد أن يركز على ذلك في جميع المجالات، وقد أعلن عن اقتناع ربما، أنه مضى عهد التدخل في شؤون الآخرين، ولا بد من البحث عن وسائل أخرى للتعاون والتفاهم الدوليين تجعل الآخرين، شعوبًا ودولًا، يقررون مصائرهم بحرية. وتنفيذًا لاتفاق واشنطن فإنه سيتقيد بالمقولة الصريحة: “بأن الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يرفضان أن يكونا وصيين على الآخرين، وأن يلعبا دور الدولتين المسؤولتين عن كل ما يجري في العالم”. ربما كان هذا التوجه واجهة للدولتين، وربما شعرتا أيضًا بالعبء، وبعدم الجدوى من التسابق. وعلى أية حال فإن هذا التوجه سوف يبحث عن مرتسمات له في الواقع السياسي، وفي جغرافيا الأحداث والوقائع السياسية.. فكيف العمل وأفغانستان عزيزة وقريبة ورفاقية، وفوق ذلك فحربها وحبها قريبا عهد لا يمكن تخفيف حدة الشعور بهما؟

لا شك في أن مخرجًا ما سيتم إيجاده، ولن تعجز السياسة عن إيجاد المخارج، ولكن الجانب الأخلاقي ـ إذا ما كانت هناك مراعاة جديّة له ـ سيرتب أفعالًا معينة والتزامات معينة.

ـ ففي حالة الانسحاب، لا بد أن يبقى الاتحاد السوفييتي على صلات متميزة مع أفغانستان، وأن يقدم إعانات متميزة لها ويحميها. وقرب حدوده من حدودها، ووجود جيش “رفاقي” فيها ـ تبلغ نسبة الشيوعيين الذين يخدمون في الجيش الأفغاني 70% من مجموع التنظيم الحزبي ـ كل ذلك سيمكنه من السيطرة وتأمين النفوذ.

ولا خشية على الإطلاق من تغير الأوضاع بسرعة، فهناك جبهة وطنية تُرتب، وأحزاب أخرى تُحدث في أفغانستان بروية، ويبدو أنها ستكون مدروسة بعناية ومرتبة بعناية أيضًا، عند خروجه العلني.

ـ فيما إذا خرج ـ ذلك لأن الحياة الحزبية غير موجودة في أفغانستان أصلًا والأحزاب الجديدة التي رخصت وسيتم تأسيسها تكاد تكون ـ بل هي كذلك فعلًا ـ من تأسيسه أو أسست بإيحاء منه، وتوزَّع زعاماتها بتنسيق، ويُوحي للزعامات أن تقود لتشكل في النهاية جبهة أحزاب اليسار الوطنية.. وأن كان يطرح على الآخرين، ومنهم الحزب الإسلامي أو الأحزاب الإسلامية، أن تلقي السلاح وتمارس التنظيم الحزبي في البلاد.

لا خشية من ذلك لأن الأحزاب ستكون تحت رقابة، وتحت العين الساهرة، لحزب جيد التنظيم، وجيش تام التسليح، كبير العدد/نصف مليون/، وحراسة دقيقة من الأصدقاء، وبوق النفير العام الإعلامي الإعلاني جاهز للعزف، عند أدنى تجاوز لبعض الخطوط، وأبسط مبررات التدخل، هي: “هناك إعانات وتدخلات خارجية”. و”من الذي يستطيع أن يثبت غير ذلك؟!”.

إن من مصلحة الحكومة الأفغانية والحكومة السوفييتية والحزب الديمقراطي في أفغانستان، البحث عن حل يستر العري العام ويحفظ ماء الوجه. فبقاء السوفييت في أفغانستان محرج لتوجه سياستهم الجديدة، وعليه، فهم يحاولون بشتى الوسائل، إقناع الرفاق الأفغان بإيجاد حل، وبالوصول إلى تطبيق المصالحة الوطنية، تلك التي تكاد تكون من صنعهم، أو من إيحاءاتهم الناجحة. ومن ذا الذي يقف بوجه المصالحة وحقن الدماء؟! وعلى الرغم من ذلك فهناك معارضة ورفض، حتى لنداء المصالحة وحقن الدماء؟ فهذه السياسة تلقى رواجًا كما تلقى عقبات، فهي مقبولة لدى الشعب لأنها ترفع شعار وقف الحرب، ووقف التقسيم، وعودة المشردين، وجمع الشمل، والتفاهم العام بين أبناء الشعب على حكم ديمقراطي جمهوري حر، يشارك فيه الجميع، تحت ظل الدستور والبرلمان والقوانين، وسياسة الجبهة، في إطار حكومة ائتلافية تضم فعاليات من جميع الأطراف.

وهي مرفوضة من أطراف حزبية “كارمال وأعوانه وبعض الكوادر ـ والقواعد الحزبية” الذين يعارضون سياسة نجيب الله ويقولون: ماذا نربح من تقديم تنازلات، ونحن في الحكم،؟! إننا نفرط بالمنجزات؟! وهو يقول لهم: على الأقل سنخسر الحرب، وسنكسب شعبنا وأنفسنا، والسلام لوطننا ومواطنينا.

ويبدو أنهم يرفضون تمامًا، التنازل عن مكتسباتهم الشخصية. وقد أعلن ذلك هو بوضوح تام، ولذلك يريد أن يكسب قاعدة شعبية، ودعائم حزبية، ورضا السوفييت، وأن يُقبَلَ عالميًّا، اعتمادًا على ذلك، وأن يُخرِج نفسَه من دائرة الذين سلموا “وطنهم للاحتلال”. وهو يطرح ذلك بجرأة، مدركًا لما ينتظره من مصاعب، ولذلك يردد بيتًا من الشعر الأوردي، معناه:

“إذا كان المطلوب رأسنا، فنحن نعطي رأسَنا، ولكن من هو الرجلُ الذي يستطيعُ أن يقطعَ هذا الرأس؟”؟!

وأنا الذي سألته واستمعت إليه، وقرأت في نظراته الكثير، وكان هذا البيت من الشعر الأوردي، في معرض رده على أسئلتي..أنا على ثقة من أن ما ينتظره ليس سهلًا،”فالكوادر”الحزبية، والمنتفعون من العهد “الكارمالي”، والذين اعتادوا على التسلط في ظل الحرية السوفييتية، والذين تدفعهم العقائدية إلى النداءات بديكتاتورية الحزب، انطلاقًا من “ديكتاتورية البروليتاريا” التي سقطت وما يدركون ذلك بعد.. أولئك سيسببون المشاكل أكثر من “الدُّوشمان”.

إنه يحاول أن يكسب ثقة الجميع، ولكنه فيما يبدو، بدأَ يتوصل إلى اقتناعات تعلن عن نفسها. ففي الحزب لا بد من تصفية الأمور، وهناك انقسام واضح الآن، ولكن هل سيقف عند حد الاختلاف غير المسلح، أم سيتعداه إلى استعمال السلاح؟! وعندها تسيل دماء الرفاق بسلاح الرفاق؟!

إن أنصار كارمال ليسوا قلة، والمتضررون بطروحات المصالحة الوطنية ليسوا قلة كذلك، وهناك منتفعون كانوا يستفيدون من مراكز ووظائف ونفوذ، تحت المظلة العسكرية السوفييتية في المرحلة السابقة لفترة جورباتشوف، وعندما تنتشر الآن العدوى الجورباتشيفية ـ وأثرها واضح في أفغانستان، حتى أن طروحات المصالحة ثمرة لها ـ أقول عندما تنتشر على الصعد المختلفة، فإن تيارها سيجرف أشخاصًا، وهم يدركون ذلك، ولذا فقد اتخذوا مواقع الدفاع، ويريدون المحافظة لا على وجودهم فقط، وإنما على مكاسبهم أيضًا. وفي أفغانستان يستظلون الآن بالدفاع عن “المكتسبات”، وينظرون إلى طروحات: المصالحة الوطنية وإلى ما تقدمه من التنازلات، على أنه نوع من التفريط بتلك المكتسبات. إنهم كما أسلفت يريدون الديكتاتورية الحزبية والوجود الحزبي المطلق، في ظل الحماية العسكرية السوفييتية، ويريدون أن يفرضوا على الآخرين رأيهم، وإلا فهناك القهر والموت الذي تساعد على تحقيقه القوات السوفييتية لصالح بقاء الرفاق في الحكم!! هكذا يفكر المتعصبون المتشددون. ليس المهم الآن أن نناقش لماذا تكوّن هذا التآلف، وكيف سيكون مصيره، فالأمر مرتبط كليًّا بالمرحلة السابقة لعهد جورباتشوف، وانسحاباتها على الدول، وعلى مناطق النفوذ التابعة، والتغيير يشمل التفكير والتابعين أينما وجدوا.

وهكذا فإن يخوض نجيب الله صراعًا حادًّا، أو هو يخوضه الآن، وربما يفضي إلى نزاع مسلح، إلا إذا لم يرد السوفييت ذلك. ويبدو حتى الآن أنهم يدعمون سياسة المصالحة، وما يطرحه نجيب الله، ويريدون أن يفهم الآخرون، من المتشددين الحزبيين على الخصوص أن السوفييت جادون في تطبيق سياسة الوفاق الدولي، وفي طروحات الانسحاب من أفغانستان، ومن ثمَّ لا بدَّ من أن يرتب “الرفاق” أوضاعهم، بما يؤمن لأفغانستان “الشيوعية” أو الاشتراكية، بقناعة وسلامة، أو بما يضمن حياة الرفاق وقوتهم وبعض النفوذ لهم.

ولكن طمع الرفاق لا يقف عند حدود مقبولة، “فالرفاق” يدركون جيدًا أن الاتحاد السوفييتي لن يتركهم نهائيًّا، وأنه قريب عند اللزوم، حتى لو خرج شكليًّا، وأنهم لا بد أن يحتموا بمظلته لمدة أطول، حتى تستتب الأمور لهم على نحو تام وشامل، وحتى يأمنوا ـ فيما يبدو ـ شر أمور منتظرة من داخل البلاد، وربما من داخل الحزب، فالممارسات التي قاموا بها لم تكن مرضية فيما يبدو، وأنصار المصالحة الوطنية يعتبرون أن الفرصة التي يقدمونها الآن، هي بالدرجة الأولى للحزب ولأنفسهم، وهم يفهمون تلميحات الاتحاد السوفييتي، ويشعرون بتململه، ويريدون أن يصفوا الحساب مع العارضين في الحزب، وأن يصلوا إلى نوع من الوفاق، يؤمن لاعتدالهم قيادة البلاد في طريق الوفاق الوطني، وفي إطار جبهة أحزاب يسيطر عليها حزبهم، دون أن يعلن ذلك جهارًا منذ البداية. ولذلك فهم يسلكون طريقًا تعبِّدها لهم التجربة السوفييتية في البلدان الأخرى، وينفذون سياسة وضعوها بالتعاون والتنسيق مع السوفييت، ولديهم الرغبة في الاستفادة التامة من تجربة الجبهة الوطنية في سورية مثلًا، أو في سواها من البلدان التي نهجت هذا النهج. ولكن ما يواجهه نجيب الله في أفغانستان، لا ينحصر في رفاقه وفي طلبات السوفييت، إنه يلاحظ أيضًا ما يريده الناس، وما يفرضه وضع الاستنزاف، وما يريده المعارضون وما يدعون إليه.

إن حالة الحرب المستمرة وصلت، فيما يبدو، إلى حدود غير محتملة، لا من قِبَل السوفييت ولا من قبَله، ولا يسهم الوضع الدولي باستمرارها.

مشكلة عهد المصالحة أنه يريد أن يقنع الداخل والخارج بنفسه، ويريد أن يزيل ما لحق بسمعة الحزب من عطب في الخارج والداخل، فعملية الربط مستمرة بين الوجود السوفييتي وحكم الحزب، وأنه هو، وبنظر كثير من الأفغان، الذي سلم البلاد “للاحتلال”. وهذا الحزب، لكي يصبح مقبولًا في الداخل لا مفروضًا، لا بد أن يتخذ خطوات تحسن صورته عند الجمهور.

أما في الخارج، فيريد تيار المصالحة الوطنية أن يقنع المناهضين له، بجدية طروحاته، وأن يعيد جسور الثقة بينه وبينهم. ولا بد من أن يكسب جيرانه أيضًا، لأن حياة الحكم مرتبطة بعلاقات جوار حسنة، ولا بد أن يعطي صورة عن استراتيجيته الواضحة في المستقبل، حيال قضايا رئيسة منها:

ـ قضية الديمقراطية.

ـ قضية الدين والموقف منه.

ـ قضية الوجود السوفييتي ومستقبل العلاقة مع السوفييت.

ـ مستقبل دور الحزب في الجبهة وفي البلاد، ودور الآخرين في الحكم.

ـ النظرة إلى مكانة أفغانستان ودورها الدولي، وإلى توجه البناء في الداخل.

وهذه القضايا ليس من اليسير حلها، إلا في ظل الحوار الهادئ والمنطقي، والرؤية الشمولية لتاريخ الشعب وتاريخ البلد، والمسؤولية الأخلاقية التاريخية عن ذلك بوعي واستقلال تامين. والخشية واردة جدًّا من المواجهات المسلحة على صعد جديدة.

لقد كلفت الحرب الأفغانية الكثير من التضحيات بالأرواح والدم والمال والعمران. والظروف الدولية والداخلية والجغرافية والسكانية القبَلية في البلاد، تقدم مؤشرات على ضرورة توقفها، ولا بد أن بعض القادة الأفغان يشعرون بذلك، ولكن ليس من اليسير إنهاء حريق مستمر منذ تسع سنوات، وأحقاد ودماء ودمار ولدت في النفوس مناخًا يصعب تجاوزه.. بمجرد الرغبات والنوايا الحسنة. وإذا أضفنا إلى ما مر حالة الوضع الثقافي العام في أفغانستان، وما تواجهه قضايا التعليم والتثقيف، والأوضاع الاجتماعية، لوجدنا أنفسنا بمواجهة أشمل وأوضح للوضع العام، وتعرّف أتم على الصورة التي أنتجتها حرب أنتجت حروبًا.

والحرب، أية حرب، هي شر وكارثة ونقمة، إذ لا تنتج الحرب إلا الموت والمآسي والدمار والأحقاد والفتن. ألا هل نتعلم من تجارب الآخرين، ومن دروس التاريخ، أم أن ذلك مما يمرّ السمع والبصر، مرورَ غيوم الصيف، بلا أدنى أثر؟!

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

مقتل جنديين للاحتلال واستشهاد 4 فلسطينيين بنيران إسرائيلية بعد عمليات طعن واستهداف مستوطنين

News image

شهدت الضفة الغربية غلياناً أمنياً واستنفاراً عسكرياً للاحتلال بعد مقتل جنديين أمس في هجوم بسل...

خادم الحرمين ورئيس الحكومة التونسية يحضران توقيع اتفاقيتين ومذكرة تفاهم

News image

بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ورئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، جرى...

الضفة: 69 إصابة برصاص الاحتلال الخميس

News image

رام الله - - أصيب 69 مواطنًا، الخميس، خلال مواجهات مع جيش الاحتلال ومستوطنيه في ...

العراق: الحكم غيابياً على وزير المال الأسبق بالسجن 7 سنوات بعد إدانته بقضية فساد

News image

أعلنت «دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة» العراقية أن محكمة الجنايات المتخصصة بقضايا النزاهة اصدرت احك...

عالم الفضاء المصري فاروق الباز: الصحراء الغربية بها مياه جوفية تكفي مصر 100 عام

News image

كشف عالم الفضاء المصري وعضو المجلس الاستشاري العالمي برئاسة الجمهورية في مصر فاروق الباز، عن ...

السلطات الفرنسية تناشد "السترات الصفراء" عدم تنظيم احتجاجات يوم السبت القادم

News image

حثّ الممثل الرسمي للحكومة الفرنسية، بنيامين غريفو، أعضاء حركة "السترات الصفراء" على التعقل وعدم تنظ...

تحذير أمريكي عقب إعلان تركيا عن عملية جديدة ضد الأكراد في سوريا

News image

حذرت الولايات المتحدة من القيام بأي إجراء عسكري أحادي الجانب في شمال سوريا، وذلك بعد...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

مجتمعات بلا هوية !

د. سليم نزال

| الأحد, 16 ديسمبر 2018

    فى كل مجتمعات الدنيا يوجد اتفاق على هوية جامعة .سواء برز ذلك فى الدستور ...

إيران ولعبة أستلاب وتوظيف الرموز

د. قيس النوري

| الأحد, 16 ديسمبر 2018

    دأبت السلطة الإيرانية كل عام عقد مؤتمر تحت عنوان عريض (الوحدةالإسلامية) وقد اختارت لفاعليات ...

حول معنى الدولة (2)

الفضل شلق

| الأحد, 16 ديسمبر 2018

    مفهوم الدولة هو العيش سوية. هذا يقتضي التعاون والتعاضد. هو أن تكون الدولة انتظاماً ...

شهداؤنا أقمار يسبحون في فضاء فلسطين

د. فايز رشيد

| الأحد, 16 ديسمبر 2018

    استشهد أربعة من أبناء شعبنا في القدس ونابلس ورام الله والبيرة برصاص قوات الاحتلال ...

سليم الحص الإنسان ورجل الدولة وحكْم القانون

د. عصام نعمان

| الأحد, 16 ديسمبر 2018

    إن حق الدكتور سليم الحص (*) علينا، في زمن الإنحطاط والفساد والفوضى، ان نشهد ...

فرنسا

نجيب الخنيزي | الأحد, 16 ديسمبر 2018

    الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها باريس والعديد من المدن في فرنسا منذ يوم 17 نوفمبر ...

من لبنان إلى العراق: نماذج بائسة

د. محمد نور الدين

| السبت, 15 ديسمبر 2018

  أجريت الانتخابات النيابية في لبنان في شهر مايو/أيار الماضي، أي منذ حوالي سبعة أشهر. ...

نحن وضرورة استحضار البطل الجمعي

عدنان الصباح

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    باستمرار تتكرر الأحداث البطولية الفردية لأبناء شعبنا في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه ويوميا يبادر الاحتلال ...

عبر من استشهاد نعالوة والبرغوثي

د. عبدالستار قاسم

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    استفاقت فلسطين يوم الخميس الموافق 12/كانون أول/2018 على يوم صعب إذ استشهد ثلاثة من ...

هل الوضع يتوجه نحو انتفاضة فلسطينية جديدة..؟!

شاكر فريد حسن | الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    تصاعدت حدة المواجهات في الضفة الغربية بعد الاعدامات التي نفذتها قوات الاحتلال، وعقب عملية ...

حتى لا يفسر الدستور وفق الأهواء السياسية

حسن بيان

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    بعد حوالي سبعة أشهر على تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة، ما تزال المحاولات تتعثر، ...

ليلة كانت باريس على وشك الاحتراق

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    منظر غير مألوف ولا متوقع، ذلك الذي شهدته الملايين عبر التلفاز، لباريس وهي تحترق، ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم13508
mod_vvisit_counterالبارحة48576
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع62084
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي352757
mod_vvisit_counterهذا الشهر751122
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1360833
mod_vvisit_counterكل الزوار61895929
حاليا يتواجد 4283 زوار  على الموقع