في ذكرى «النكسة».. استدخال الهزيمة

الخميس, 09 يونيو 2016 18:39

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

نصف قرن يوشك أن يكتمل على الانتصار «الإسرائيلي» في يونيو/حزيران 1967، شهد أحداثاً تاريخية في المنطقة والعالم، بعضها حمل نبوءات إيجابية وانطوت على آمال كبيرة، لكنها انتهت بالنسبة للفلسطينيين والعرب إلى أن تكون نقاطاً في الرسم البياني الهابط الذي أكد أن ما سمي «نكسة» كان أكبر نكبات العرب في العصر الحديث، وبقدر ما كان العدو الصهيوني يقترب من تحقيق مشروعه الاستعماري التوسعي، كان الفلسطينيون يقتربون من إغلاق ملف قضيتهم، وكان العرب ينحدرون إلى مهاوي الردى على طريق الاندثار! لا أقول هذا بدافع من اليأس والتشاؤم، بل بالتدقيق في كيفية التعامل مع ما وقع في حزيران «النكسة» ومخرجاته على الجانبين: الفلسطيني والعربي من جهة، والصهيوني من جهة أخرى!

 

لنبدأ بالجانب «الإسرائيلي»، في مقال له نشرته صحيفة (هآرتس- 3-6-2016) وفي مناسبة «حرب الأيام الستة»، وتحت عنوان (قصة المشروع الاستيطاني)، أنشأ المراسل العسكري للصحيفة يوسي ميلمان، كذبة تستحق أن تضاف إلى أكاذيب الصهيونية الكبرى حول عملية استيطان الضفة الغربية بعد احتلالها في حزيران 1967. ولن أتوقف عند تفاصيل هذه الكذبة، بل سأكتفي بالقول إنه جعل عمليات الاستيطان كأنها لم تكن في بال القيادة «الإسرائيلية»، بل كانت أحياناً ضدها، وإنما مجرد نشاطات فردية ومجموعات صارت أحزاباً على هامش الحياة السياسية «الإسرائيلية»، لكنها انتهت إلى الاستيلاء على 85% من أراضي الضفة واستيطان أكثر من نصف مليون مستوطن فيها (ميلمان يقدر عدد المستوطنين اليوم ب 750 ألف مستوطن)! وهكذا «جرت» القيادات «الإسرائيلية» إلى المواقف الأكثر تطرفاً في تاريخها، وأصبح من غير الممكن التخلي عن المستوطنات أو عن المستوطنين، وصار «السلام» يعني التسليم بما انتهت إليه «الوقائع على الأرض»، وصار مطلوباً من الأمم المتحدة أن تلحس بل أن تنسى قراراتها، ومن العرب أن يكونوا واقعيين، ومن الفلسطينيين أن ينسوا قضيتهم حتى يصار إلى «إحلال السلام في المنطقة»!

طبعاً لا يحتاج الفلسطينيون إلى الرد على هذه الأكاذيب، فهناك من «الإسرائيليين» من كتب مؤخراً معترفاً بأن من أوصل إلى هذا الوضع هي «إسرائيل» التي رفضت دائماً «كل وأي حل وسط» للصراع.

لكن القيادات «الإسرائيلية» التي رفضت في كل مراحل المبادرات الدولية والمفاوضات الثنائية المباشرة «كل وأي حل وسط»، لم تتخذ مواقفها بسبب الأطماع ولا بسبب الأمزجة المتغطرسة وحسب، بل بدافع المواقف الفلسطينية والعربية العاجزة والتي بدت متواطئة بشكل أو آخر مع تلك الأطماع والأمزجة «الإسرائيلية». فمنذ الأيام الأولى لما أسفرت عنه «نكسة حزيران»، بدأ العرب، بوعي أو بدونه، «استدخال الهزيمة» في نفوس الملايين من العرب والفلسطينيين، وكأنما سلموا بأنه لم يعد مفيداً الاعتقاد بأنه يمكن الانتصار على «إسرائيل». وفي مؤتمر قمة الخرطوم رفع شعار «إزالة آثار العدوان»، وهو ما انطوى على اعتراف ضمني «بدولة «إسرائيل» في حدود 4 حزيران 1967 والتنازل ضمنياً على 78% من فلسطين التاريخية»، وتم ترسيم ذلك بعد «حرب تشرين التحريرية» بالإعلان عنها باعتبارها «آخر الحروب» وفتح «أبواب السلام» مع العدو السابق! في ذلك الوقت لم يكن الفلسطينيون قد قبلوا هذا الأفق الذي بدأ العرب يتحركون فيه، فأعلنت الثورة الفلسطينية المعاصرة التي كانت رصاصتها الأولى قد انطلقت عام 1965 تحت شعار «تحرير فلسطين من البحر إلى النهر». وظل ذلك مرفوعاً حتى اندلعت الانتفاضة الأولى 1987 وحتى «الاعتراف المتبادل» 1988 الذي جاء ليلتحق بالموقف العربي المهزوم! لقد دل ذلك «الاعتراف» بأن الهزيمة قد استدخلت في عقل «الثورة الفلسطينية» أيضاً، وأنه وصلها موقف التنازل عن 78% من فلسطين التاريخية، وصار «حق عودة اللاجئين» قابلاً للنقاش. بعبارة أخرى أسقطت الهزيمة الموقف اللفظي العربي، و«الثوابت الوطنية الفلسطينية» على التوالي! وكان طبيعياً أن تتوالى التنازلات على المستويين العربي والفلسطيني، حتى أصبح التهافت على إقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني ظاهرة، وتحول العدو إلى «صديق» ولكن بزواج عرفي حتى تسنح ظروف تصديقه في المحكمة الشرعية!!

هكذا استدخلت الهزيمة في عقول ونفوس العرب والفلسطينيين. وظل على مستوى الكلام من يعيد بعض «أدبيات مرحلة التحرير»، لكن على المستوى العملي كانت الهزيمة تترسخ، نتيجة للسياسات العربية والفلسطينية من جهة، ونتيجة للسياسات «الإسرائيلية» وعمليات الاستيطان ومصادرة الأرض وتهويد المدن. ولم يكن ذلك مستغرباً، فمن يهزم من الداخل ليس له فرص في الانتصار!

لقد هزمتنا «نكسة حزيران»! حتى إشعار آخر... وأقصى الأمل أن يكون لنا «إشعار آخر»!

awni.sadiq@hotmail.com

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق