التنوّع الفكري وسط الوحدة الثقافية

الجمعة, 20 مايو 2016 12:36

د. صبحي غندور

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

حرص الدكتور كلوفيس مقصود، رحمه الله، على المشاركة والحديث في الأمسية الخاصة التي أقامها “مركز الحوار العربي” بواشنطن احتفالاً بالندوة الألف للمركز، وكان ذلك هو النشاط الأخير له قبل وفاته بأيامٍ قليلة.

 

وكان مردّ حرص الدكتور مقصود على الوجود في هذه الأمسية هو تقديره الكبير لأهمّية تجربة “الحوار” في العاصمة الأميركية منذ انطلاقتها الأولى كمطبوعة في العام 1989 ثمّ بعد تحوّلها إلى منتدى ثقافي عربي في العام 1994، حيث رافق الدكتور مقصود هذه التجربة الفكرية الحوارية في كلّ مراحلها، والتي كانت تعني بالنسبة إليه بناء خميرة جيّدة لما هو مطلوبٌ عربياً من تنوّعٍ وسط الوحدة، تنوّع في الأصول الوطنية والدينية، وفي الأفكار والمعتقدات والمهن والأعمار، لكن ضمن دائرة وحدة الثقافة العربية ووحدة الانتماء لهُويّة عربية مشتركة.

نعم، هكذا بدأت تجربة “الحوار العربي” في واشنطن، وبدورٍ مميّز لأشخاص ساهموا بحضورهم وبفكرهم في تأسيس لبناتها الأولى، كان في مقدّمتهم الدكتور كلوفيس مقصود، ومعه كان المرحوم الدكتور طه جابر العلواني الذي توفّي أيضاً منذ أسابيع قليلة، وآخرون ندعو لهم بالخير والعافية.

في شهر ديسمبر 1994، بدأت تجربة “مركز الحوار العربي”. ورغم إعجاب بعض العرب آنذاك بمشروع تأسيس “مركز الحوار”، فإنّهم كانوا حذرين من إمكان تطبيقه عملياً، ومن إمكان أن يتحوّل الحوار أو النقاش حول مواضيع جادّة إلى خلافاتٍ شخصية بين المشاركين فيه، كما هي العادة بمعظم حلقات الحوار العربية.

كان البعض عام 1994 يتساءل: كيف سيكون أسلوب الحوار بين العرب في منطقة واشنطن إذا كان أبناء الجالية العربية منقسمين على أنفسهم سياسياً ووطنياً، وأحياناً على أساس أصول مناطقية أو طائفية؟

وكيف يريد “مركز الحوار” حواراً هادئاً وهادفاً بين العرب إذا كان الانقسام في المنطقة العربية قد تحوَّل من صراع حكوماتٍ إلى صراعاتٍ أهلية؟!.

هكذا كانت الأجواء المحيطة بإطلاق فكرة تأسيس “مركز الحوار العربي” أواخر عام 1994، بل كان عام 1994 إضافةً لذلك، في صلب مرحلة الاتفاقات مع إسرائيل وبدء الحديث عن “الشرق أوسطية” كبديل للهويّة العربية، والتطبيع مع إسرائيل كبديلٍ عن العلاقات الطبيعية بين العرب أنفسهم.

لكن هذا الظلام القاتم في العلاقات والأوضاع العربية أكّد أهمية إشعال الشموع مهما كان حجمها.. وأينما كان مكانها. والحمد لله، نجحت تجربة “الحوار” في الاختبار، بل أصبحت الآن قيد التقليد في أماكن أخرى عديدة داخل أميركا وخارجها.

أمورٌ كثيرة أدركها المتفاعلون مع تجربة “مركز الحوار” في مسيرة السنوات ال21 الماضية، وفي ندواتٍ بلغ عددها حتّى الآن الألف ندوة. فقد قام المشتركون في المركز ببناء حالة نموذجية لما يحلمون به للمنطقة العربية، من حرصٍ على الخصوصيات الوطنية والدينية والإثنية لكن في إطار تكاملي عربي، وبمناخٍ ديمقراطي يصون حرّية الفكر والرأي والقول. بل جسَّدت تجربة المركز عملاً مختبريَّاً لِما هو منشودٌ للعرب جميعاً.

وإضافةً للندوات الدورية الأسبوعية في منطقة واشنطن، يصدر “مركز الحوار” منشورات دورية باللغتين العربية والإنجليزية تصل إلى جماعات وأسماء مهمّة داخل أميركا وخارجها. أيضاً، للمركز موقع على الإنترنت فيه توثيق لتجربة “الحوار” ولبعض ندوات المركز والكثير من المواضيع التي تساهم في طرحٍ سليمٍ للقضايا.

“مركز الحوار العربي” هو محاولة هادفة وجادّة اعترضتها وتعترضها صعوباتٌ مالية، لكنّها تستمرّ وتنمو في مضمونها، وتنتشر آثارها وفوائدها ومعانيها في بقاعٍ كثيرةٍ داخل أميركا وخارجها. وقد أفاد ويفيد وجود “مركز الحوار”، كمنتدى فكري/ثقافي، المؤسسات العربية كلّها في الولايات المتحدة، وشكّل لها رافداً لدعم بشري ومادّي ومعنوي، كما وفّر لها منبراً تصل من خلاله إلى بعض الفعاليات العربية.

إنّ تجربة “مركز الحوار العربي” بدأت عام 1994 عكس التيّار الذي كان سائداً آنذاك، تيّار الاستسلام لواقع الشرذمة العربية، وتيّار التخلّي عن الهويّة العربية، وتيّار التيئيس من الأمَّة ومن شعوبها ومن شبابها..

وبشكلٍ معاكس لكلِّ هذا التيّار كانت سباحة “مركز الحوار” وموضوعاته وأنشطته، والتي كان من ضمنها لقاءات خاصة بالشباب العربي في منطقة واشنطن، والتأكيد على الأمل بمساهمتهم في بناء مستقبلٍ عربيٍ أفضل.

هو هكذا تاريخ أكثر من 21 سنة من تجربة “الحوار”: تاريخُ سباحةٍ عكس التيّارات السائدة في المنطقة العربية أو في أميركا: الدعوة للحوار العربي في زمن الصراعات العربية. الدعوة للعروبة في زمن التخلّي عنها من قبل حكوماتٍ ومعارضات.

الدعوة للهويّة الثقافية العربية الواحدة في زمن الحديث عن الهويّات الطائفية والمذهبية والإثنية.

الدعوة لحوار الحضارات وتكاملها في زمن السعي لصدام الشرق والغرب وصراع الحضارات. الدعوة لنبذ أسلوب العنف والتطرّف في زمن يسوده التطرّف والعنف هنا وهناك.

إنّ حال العرب أينما كانوا (في داخل المنطقة العربية أو في دول المهجر) هو حالٌ واحد: معاناة من غياب العلاقات السليمة بين أبناء الوطن الواحد، وأيضاً بين أبناء الأمّة الواحدة القائمة على عدّة أوطان ممّا أدّى أحياناً إلى الصراع بين هذه الأوطان. والأساس في ذلك كلّه هو ضعف مفهوم “الهويّة العربية” وعدم الركون إلى أسلوب الحوار لمعالجة الأزمات.

وصحيحٌ أنّ على العرب في الخارج مسؤولية “إصلاح الصورة” المشوّهة عنهم وعن أوطانهم في المجتمعات الغربية التي يعيشون الآن فيها، لكنّ ذلك لا يلغي ضرورة “إصلاح الأصل أولاً”، والعمل على بناء الذات العربية بشكلٍ سليم، فإنّ “فاقد الشيء لا يعطيه”، وأبناء الأمّة العربية في أيّ مكان لديهم الكثير ليعطوه لأنفسهم ولأمَّتهم وللإنسانية جمعاء – كما هي أصول الثقافة العربية ومضمونها الحضاري – لكن العطاء يحتاج إلى أساليب سليمة وآلياتٍ صحيحة ووضوح في الانتماء والهويّة. فتعميق الهويّة الثقافية العربية ومضمونها الحضاري النابع من القيم الدينية، أساس لبناء أي دور عربي مستقبلي أفضل في أيِّ مكان.

لقد دعا “مركز الحوار” منذ تأسيسه إلى التكامل بين العرب بدلاً من التفرّق، وإلى صون التراث الحضاري والاعتزاز بالانتماء العروبي بدلاً من الفراغ والضياع الثقافي والروحي.. وانعكست هذه الدعوة على مرِّ السنوات الماضية تأثيراً إيجابياً واضحاً في أكثر من مجال ومع أكثر من شخصٍ ومؤسسة.

وقد أوجد “مركز الحوار” مناخاً حوارياً عربياً في واشنطن يخاطب فعل العقل لا انفعالات العواطف، ويحثّ العرب في كلِّ مكان على نبذ العنف فيما بينهم وعلى اعتماد أسلوب الحوار لحسم خلافاتهم، وإلى تفهّم الرأي العربي الآخر إذا تعذّر التفاهم معه!.

فالحوار العربي أينما كان، وليس فقط من خلال تجربة المركز، هو أمرٌ مهمٌّ لمسألتين متلازمتين معاً: هويّة للحاضر ودور للمستقبل.

فالحوار العربي/العربي، كما كان يحرص عليه ويشارك به الدكتور كلوفيس مقصود، هو حوار بين أبناء ثقافة واحدة لكنّهم ينتمون إلى دولٍ وكيانات متعدّدة. وبهذا يصبح الحوار بين العرب مدخلاً لتأكيد الانتماء لأمّةٍ واحدة وإنْ كانت قائمة على دولٍ متعدّدة. كذلك، بالنسبة للعرب، فإنّ أسلوب الحوار هو قاعدة أساسية مطلوبة لبناء مفاهيم تضمن وجود الرأي الآخر وحقّه بالتعبير وبالمشاركة في الحياة العامّة.

أيضاً، أسلوب الحوار يعني القناعة بأنّ وجود تعدّدية فكرية في أيِّ مجتمع تتطلّب أيضاً تعدّدية سياسية في حياته العامة. فوحدة الانتماء الحضاري، ووحدة الانتماء الثقافي، لا يجب أن تعنيا إطلاقاً وحدة الانتماء الفكري أو الانتماء السياسي.

Sobhi@alhewar.com

 

د. صبحي غندور

مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن

 

 

شاهد مقالات د. صبحي غندور