المفاوضات السرية و«التنسيق الأمني» والهبة

الأحد, 03 يناير 2016 12:09

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة


ثلاثة أشهر انقضت على الهبة الشعبية في فلسطين المحتلة، تجاوز فيها عدد الشهداء 140 شهيداً إلى جانب آلاف الجرحى والمعتقلين، دون أن تبدي السلطة الفلسطينية منزوعة السلاح، ولا الفصائل المسلحة حراكاً!

والأسئلة عن مواقف هذه وتلك تطرح ولا أحد يجيب إلا بالتأييد اللفظي والدعم بالبيانات، وإلا بما يقوله أولئك المكلفون بتبرير التخاذل والتخلي عن الشباب الذي يناطح الغول الصهيوني وحده! وفي بداية الأسبوع الحالي تحركت قوات اﻟ17، وهي قوات الحرس الرئاسي، لتمنع بالقوة المتظاهرين من الاقتراب من مستوطنة (بيت إيل) القريبة من رام الله، ما كشف مرة أخرى صورة من صور «التنسيق الأمني» ساري المفعول بين «قوات الأمن الوطني» وبين الأجهزة الأمنية “الإسرائيلية” والجيش “الإسرائيلي”!

 

والحقيقة أن مواقف السلطة وأجهزتها الأمنية لا تدهش أحداً، بل إنها بتصرفاتها تمارس ما صار معروفاً عنها ويتوافق مع الصورة التي أصبح المواطن الفلسطيني متيقناً منها، ليس فقط بسبب قيود «اتفاق أوسلو» بل وبسبب طبيعتها الاستسلامية والمتخاذلة في الأساس. وسلطة كهذه لا ينتظر منها مقاومة الاحتلال، أو الدفاع عمن يتصدى لمقاومته من الشباب الذين ملوا الكذب والتزوير والتفريط بالحقوق، وبالتالي ليس غريباً أن تلجأ للتآمر على الهبة الشعبية وهي لا تزال احتمالاً، وقبل أن تصبح حقيقة واقعة! وهو ما كشفته الإذاعة “الإسرائيلية” العامة مؤخراً وتم الاعتراف به من جانب المعنيين بالأمر!

فقد ذكرت الإذاعة “الإسرائيلية” يوم الأحد (2015/12/27)، أن الحكومة “الإسرائيلية” رفضت اقتراحاً قدمته السلطة الفلسطينية في اجتماع تم يوم 2015/7/24 بين صائب عريقات ووزير الداخلية السابق في حكومة نتنياهو، سلفان شالوم، الذي كان مكلفاً بملف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، في مقر المخابرات المصرية بالقاهرة. وذكرت الإذاعة أنه قبل هذا الاجتماع بثلاثة أسابيع كان قد تم لقاء آخر هو الأول، بين الرجلين في مقر المخابرات الأردنية في عمان. وكان موضوع الاقتراح البحث في رسم حدود الدولة الفلسطينية، وعلى أساس أن يشمل ذلك عدة لقاءات يتم بعدها الإعلان عن التوصل إلى اتفاق! الأهم في موضوعنا، هو أن الجانب الفلسطيني قدم اقتراحه، وفقا لمصدر فلسطيني «رفيع المستوى»، جاء على خلفية «حالة الغليان» التي بدأت تظهر مقدماتها في الشارع الفلسطيني في الضفة، وأن الجانب الفلسطيني حذر شالوم من هبة شعبية قادمة، وأن الهدف من الاقتراح كان منع التصعيد الأمني!! (عرب 48- 2015/12/27). ومثلما تدعي السلطة أن منع المتظاهرين من الوصول إلى نقاط التماس مع قوات الاحتلال، كما منعتهم في مطلع الأسبوع من الوصول إلى مشارف مستوطنة «بيت إيل» حرصا على حياة الشباب، تستطيع أن تدعي أن الاقتراح جاء منعا ل «المخاطر» التي يمكن أن تجرها الهبة الشعبية!!

هذا الكشف الذي رفعت الغطاء عنه الإذاعة “الإسرائيلية” يعيدنا إلى أكثر من قضية، أولها قضية «المفاوضات السرية» مع «الإسرائيليين». فبالرغم مما جره هذا النوع من المفاوضات على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية من ويلات، إلا أنها لا تزال أسلوباً معتمداً لدى السلطة الفلسطينية تلجأ إليه وهي تعلم جيدا أنها لن تتيح لها سوى فرصة تقديم مزيد من التنازلات، مما يكشف عن رغبة قوية وأصيلة في التفريط بالقضية وبحقوق الشعب فيها، خصوصا بعد أن أصبح واضحاً للجميع أن الموقف “الإسرائيلي” الرسمي كان ولا يزال ضد الاعتراف بأية حقوق، وتحديدا ضد قيام «دولة فلسطينية»، وخصوصاً في ظل موازين تزداد اختلالاً لصالح الاحتلال بما لا يخضع لنقاش.

والقضية الثانية في هذا الإطار، هي قضية التجاهل الكامل للشعب والمؤسسات التي تدعي تمثيله. فالمفاوضات السرية هي دائماً سرية بالنسبة للشعب الفلسطيني وليس بالنسبة لأية جهة أخرى. وهذا يعني أن السلطة بإصرارها ليس فقط على المفاوضات فقط بل على المفاوضات السرية يعني أنها لا تعير الشعب ورأيه أي اعتبار، وسلطة لا تحترم رأي الشعب ولا تلتزم بمطالبه هي سلطة معادية لا تمثل الشعب الذي تدعي تمثيله.

أما القضية الثالثة، فتتعلق بما وصلت إليه مصداقية القيادات الفلسطينية في نظر الجماهير الشعبية. فبالنسبة للخبر موضوع هذا المقال، والذي كشفت عنه الإذاعة “الإسرائيلية”، نعرف من الأرشيف أن أكثر من شخصية قيادية في منظمة التحرير كانت قد تحدثت عنه في حينه، لكن أحداً لم يعره الاهتمام بسبب «ضعف المصداقية» التي أشرت إليها. ويظهر من الأرشيف، أن تيسير خالد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كان قد أعلن أن مفاوضات فلسطينية- “إسرائيلية” تجري في عدة عواصم أوروبية وعربية، لكن مصادر السلطة، وبالذات صائب عريقات نفى ذلك (دنيا الوطن- غزة- 2015/7/28). من جهة أخرى، كان تيسير قبعة، نائب رئيس المجلس الوطني، قد تحدث عن لقاء عريقات- شالوم في عمان، وأيضا لم يثر ذلك أي غبار في الساحة الفلسطينية. وحتى صحيفة (“إسرائيل” اليوم) “الإسرائيلية” أكدت ما أعلنه تيسير قبعة دون أن يغير ذلك شيئاً! إن التصريحات والتصريحات المضادة وكثرة الذين يدلون بالتصريحات في الساحة الفلسطينية، دفع الفلسطينيين إلى عدم الثقة بأي شيء يسمعونه من أصحاب التصريحات مهما كانت مواقعهم القيادية. والنتيجة هي هذا الانفلات الذي نراه ونسمع عنه!

باختصار، المفاوضات السرية، والتنسيق الأمني، والموقف السياسي العام للسلطة وللفصائل، تترك الهبة الشعبية وحيدة في الميدان وعرضة للإجهاض.

***

awni.sadiq@hotmail.com

 

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق