الهبة الشعبية و«لا جديد» الفصائل

الخميس, 17 ديسمبر 2015 14:17

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة


عبرت الهبة الشعبية الفلسطينية النصف الثاني من شهرها الثالث وهي مستمرة، وحتى خبراء الأمن “الإسرائيلي” يتنبأون بأنها ستستمر لمدة طويلة قد تمتد لسنوات، وهي على هذا الأساس قد تتحول إلى «حرب استنزاف» للعدو، فيما يعترف بأنه لا يملك وسيلة تضع لها حداً!


 

لقد تحقق ذلك كله نتيجة لتضحيات الشباب، بل والأطفال الفلسطينيين، لكنه حتى الآن لم يكن كافياً لإقناع الفصائل الفلسطينية، الكبيرة منها خصوصاً، بالانخراط في الهبة التي اتفقت جميعها على اعتبارها «انتفاضة» وليست مجرد هبة. وجميل أن تتفق الفصائل على شيء، ولو كان اسماً لحالة!! لكنه بالتأكيد يظل، كما يقال باللغة الدبلوماسية، «ليس كافياً»!

وبطبيعة الحال عندما نذكر «الفصائل»، نقصد الفصائل الكبرى التي «تتقاسم» ادعاء تمثيل الشعب، وتعلن مسؤوليتها عن مصيره واسترداد حقوقه، ولا نقصد تلك «الفصائل» الموجودة كحمولة زائدة تملأ الساحة بلا مبرر! وفي الأساس نقصد (حركة فتح)، (حركة حماس)، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ومع أن المنظمات الكبرى الثلاث تراوحت مواقفها قبل الهبة، لكنها في المحصلة لم تتجاوز «التحليل» الذي ينتهي بعدم التشجيع على الانتفاضة بسبب «الظروف المحلية والإقليمية والدولية»، كالعادة! فهل تجاوزت هذا الموقف بعد الهبة؟ لنعرف ذلك لا بد أن نلقي نظرة على ما صدر عنها من مواقف.

فبينما كانت السلطة الفلسطينية تصمت، أو تحجم عن الحديث الصريح عن الهبة، كانت تتجمع شواهد ومؤشرات على أنها تتخذ على الأرض إجراءات لوقفها. وعلى هذه الخلفية أدلى محمد اشتيه، عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح)، بتصريحات لصحيفة (القدس العربي- 2015/12/11)، جاء فيها قوله: إن القيادة الفلسطينية وحركة (فتح) «تشجعان» الهبة الشعبية، ولا يمكن بأي حال أن تعملا على وقفها، وهما تعملان على دعمها صراحة! لكن اشتيه اعترف بأن «هناك فجوة بين الشارع والقيادة، لكن العمل جار لرأب الصدع»! وقد أرجع اشتيه أسباب الهبة إلى «الظروف الاقتصادية المعقدة التي نمر بها، والأفق السياسي المسدود، وتداعيات الانقسام وملف المصالحة»!

إذاً موقف (فتح) والقيادة، كما جاء في تصريحات اشتيه، ما زال غير مؤهل لدعم الانتفاضة، بل الانخراط فيها. فالاتفاق مع التشخيص “الإسرائيلي” لدوافع الهبة وأسبابها، والاعتراف ﺑ«الفجوة» القائمة بينهما وبين الشارع الفلسطيني، يفسران مواقفهما. وبالرغم من قول اشتيه إن الموقف “الإسرائيلي” يتبع «استراتيجية اللاحل»، فإنهما لا يريان غير اللجوء إلى الأمم المتحدة، وحتى المفاوضات لم ينفيا إمكانية العودة إليها! فكيف يمكن أن ينخرطا في «الانتفاضة»، أو حتى أن يقدما لها الدعم الحقيقي المطلوب؟! بعبارة واحدة، ليس لدى السلطة الفلسطينية، ولا حركة (فتح) أي جديد، كما تشي المؤشرات، إلا ربما العمل على وقف الهبة!!

من جهتها، وبالضد من حركة (فتح)، اعتادت حركة (حماس) منذ سنوات على الحث على إشعال «انتفاضة ثالثة» في الضفة الغربية، وعند اندلاع الهبة الحالية أيدتها ولكن سياسياً دون المساهمة الفعلية في مواجهاتها، والذين شاركوا من أعضائها وأنصارها شاركوا بصفتهم الشخصية ودون اعتبار لانتماءاتهم التنظيمية. وكانت الحجة دائماً تتمثل في دور «التنسيق الأمني» وما جره على الحركة وأعضائها في الضفة. وهكذا ظلت «البيانات المؤيدة» هي شكل الدعم الذي تقدمه الحركة. في الوقت نفسه، لم يكن أحد يطالب فصائل المقاومة في غزة بالانخراط في الهبة رسمياً حتى لا يجر ذلك حرباً “إسرائيلية” جديدة عليها. لكن الحركة كانت تستطيع أن تطلب من أعضائها أن ينخرطوا في المواجهات دونما إشارة إلى انتمائهم التنظيمي، وهو ما لم تظهر شواهد عليه حتى الآن! وهكذا، لم تجدد حركة (حماس) من موقفها التقليدي، وبقيت الحال بعد الهبة تقريباً كما كانت قبلها!

وفي الوقت الذي بقيت فيه الحال بالنسبة للحركتين الكبيرتين، (فتح وحماس) على ما كانت عليها قبل الهبة، كان موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «متقدماً» بعض الشيء على موقف الحركتين، حيث كانت مشاركات منتسبيها أكبر نسبياً، كما نفذت عملية أو اثنتين بالنار، لكن المحصلة النهائية لم تبتعد كثيراً عن موقفيهما. وفي الكلمة التي وجهها من سجنه، دعا الأمين العام أحمد سعدات إلى «الالتفاف حول الانتفاضة لمواجهة محاولات إجهاضها»، وقال فيها: إن هذه «الانتفاضة تشكل مخرجاً للقيادة الفلسطينية المتنفذة من دائرة الإرباك والمراوحة على أوهام المفاوضات والتسوية الأمريكية». وبعد توصيف للوضع الفلسطيني وتشخيص لما تريده وتخطط له قيادات العدو “الإسرائيلي”، دعا سعدات إلى «توحيد طاقات الشعب وتحشيدها لخدمة أهداف الهبة الشعبية» لأنه من دون ذلك «ستبقى معرضة للتذويب والإجهاض والاستثمار السلبي»! لكنه لم يتطرق لدور الجبهة الشعبية، أو لما تفعله لمنع ذلك. ومثلما دعت (حماس) ودعت (فتح) لتحقيق الوحدة الوطنية عبر إنهاء حالة الانقسام السائدة، دعت الجبهة الشعبية، مضيفة كلاماً عن «تفرد السلطة المتنفذة»! وهكذا لا تختلف الجبهة الشعبية عن حركتي (فتح وحماس) من حيث إن أياً منها لم يتجاوز دور «المحللين السياسيين» الذين يظهرون على الفضائيات، أو تظهر مقالاتهم في الصحف!

لست ممن يتحمسون لمطلب تشكيل «قيادة وطنية» للهبة الشعبية من هذه الفصائل، كما يطالب البعض، ولكني ممن يطالبون بأن تحث الفصائل أنصارها للمشاركة الفعالة في المواجهات الدائرة، التي تسمح لها بعد ذلك بأن تساهم في «التحليل» وتقديم المقترحات التي يمكن أن تطور فعاليات الهبة الباسلة وتساعد على ديمومتها!

***

awni.sadiq@hotmail.com

 

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق