الهبة الشعبية و«ذكرى الاستقلال»

السبت, 21 نوفمبر 2015 21:24

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة


تزامن مرور خمسة وأربعين يوماً على اندلاع الهبة الشعبية في فلسطين المحتلة مع الذكرى السابعة والعشرين ﻟ«إعلان الاستقلال»! ففي الخامس عشر من العام 1988، أعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات،

أمام المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التي انعقدت في الجزائر، عن «قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف»! وحلت المناسبة لهذا العام بعد أن شهدت شوارع مدن وبلدات وقرى فلسطين سقوط 85 شهيداً، ومئات الجرحى والمعتقلين، على أيدي قوات الاحتلال “الإسرائيلي” بدعم من الحكومة «الشريك في سلام الشجعان»، والشعب الفلسطيني أبعد ما يكون عن تحقيق أي من حقوقه الوطنية، وعن الحرية وتقرير المصير!

 

لم يأت «إعلان الاستقلال» من فراغ، بل كان استكمالاً لخطوات تخلت فيها منظمة التحرير الفلسطينية عن ميثاقها الوطني، وبالتالي عن برنامجها التحرري مع إقرار «برنامج النقاط العشر» الذي أقر واعتبر «البرنامج المرحلي» في العام 1974. وبين ذلك اليوم واليوم الثالث عشر من أيلول 1993، كانت الخطوات التراجعية قد استكملت، ووفرت الظروف لإعلان «اتفاق أوسلو»، الذي جاء بعد «الاعتراف المتبادل»، الذي تم بموجبه التنازل عن 78% من أرض فلسطين، وعلى أساس وعد بقيام «دولة فلسطين» على 22% من الأرض بعد خمس سنوات من إعلان ذلك الاتفاق السيئ! وها هي تكاد تكتمل (22) سنة على ذلك «الوعد» ليثبت أنه لم يكن يوماً مطروحاً للتنفيذ، ولتحل «ذكرى الاستقلال» والشوارع الفلسطينية مخضبة بدم الفلسطينيين!

كان «إعلان الاستقلال» بالطريقة والشكل والظروف التي أعلن فيها، خطأً سياسياً فادحاً أخذت الموافقة عليه من جزء من الشعب الفلسطيني بطرق معروفة، لكن معظم الشعب الفلسطيني كان يراه وهماً ولم يكن راضياً عنه. وقد تأكد ذلك من خلال عدم حصول أي تقدم على الأرض، وكانت نتيجته الوحيدة تلك «المفاوضات السرية» بين بعض قيادات منظمة التحرير وحركة (فتح)، والتي أسفرت، بعد خمس عشرة سنة، عن «اتفاق أوسلو» والتدهور الذي لحق بالموقف الفلسطيني خلالها. وإذا كان «إعلان الاستقلال» خطأ، فإن التوقيع على «اتفاق أوسلو» كان خطيئة، وثمرة الخطأ والخطيئة ماثلة للعيان!

لقد انتظرت الجماهير الشعبية التي أطلقت الانتفاضة الأولى، والتي كانت وراء عقد مؤتمر مدريد وبدء «عملية السلام في الشرق الأوسط»، سبع سنوات عجاف بعد «أوسلو»، وعندما تيقنت بفطرتها أن الأمر كله «كذب في كذب» أطلقت الانتفاضة الثانية، احتجاجاً ورفضاً للسياسة العقيمة التي جلبها «اتفاق أوسلو». وها هم شباب فلسطين الذين ولدوا وتربوا في ظل «الاتفاق»، يهبون ليرسموا ملامح الانتفاضة الثالثة بعد خمسة عشر عاماً من اغتيال الانتفاضة الثانية، مدللين على فشل السياسة الفلسطينية التي اتبعت فيما يقرب من ربع قرن والتي غصت بالأخطاء والخطايا التي ارتكبتها القيادة الفلسطينية النافذة، وكذلك مسجلة عجز «الفصائل» المسلحة عن تغيير المسار الخاطئ!

ولا يتسع المجال الآن لاستعراض كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها القيادات الفلسطينية، والتي أنتجت الوضع الرث الذي تعيشه القضية الوطنية، لكن يكفي التركيز على خطيئتين فرختا كل التنازلات منذ مؤتمر مدريد و«اتفاق أوسلو» وحتى اليوم، وهما: الاكتفاء بالمفاوضات أسلوباً وحيداً، والمراهنة على الموقف الأمريكي، المنحاز منذ البداية للعدو «“الإسرائيلي”»، كراع للمفاوضات و«عملية السلام»! وها هي الهبة الشعبية تطوح بهما معاً، وما زالت القيادات الفلسطينية تتمسك بهما، وتفكر في الطريقة التي تتخلص بها من الهبة وشبابها، ولا تفكر في الاستفادة مما اجترحه الشباب للتكفير عن خطاياها والإمساك بزمام المبادرة والتخلص من فيروس الخراب الضارب في الوضع الفلسطيني، على الأقل من أجل إنهاء الاحتلال!

لا تزال القيادات الفلسطينية تتمسك بالمفاوضات، وتسعى لاختلاق أي سبب لاستئنافها كرد على الهبة الشعبية! ولا تزال هذه القيادات تنتظر «تقييماً وردّاً» من الإدارة الأمريكية، لعلها تقدم لها الحل!! كانت تنتظر زيارة رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وما سيخرج منه ! وفي حديث لعضو اللجنة المركزية لحركة (فتح)، عباس زكي، لإحدى الصحف، بعد انتهاء زيارة نتنياهو، قال: «الرئيس محمود عباس لن يقدم على أي قرار حاسم، لأنه ينتظر تقييم الإدارة الأمريكية لنتائج لقائها مع نتنياهو، وما ستطرحه الإدارة في هذا الإطار من اقتراحات لحل الأزمة الراهنة»!

ويتابع عباس زكي قائلاً: إن «عباس كان ينتظر رسالة من الأمريكيين، لكن خطاب أوباما جاء أسوأ من خطاب نتنياهو. وبالتالي فإن كل القرارات قيد التنفيذ»!! أي قرارات؟ عباس زكي يقصد «تهديدات» الرئيس، التي ترجمها المجلس المركزي في بيان له قبل شهرين، وكذلك التي جاءت في بيان للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قبل أسبوعين، وتشمل «مراجعة العلاقات مع “إسرائيل” على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والأمنية»، كما جاء في البيانات! لكن أحداً، بطبيعة الحال، لا يأخذ تهديدات عباس، أو قرارات المجلس المركزي، أو توصيات اللجنة التنفيذية، مأخذ الجد.

من الواضح أن لا فائدة ترتجى من انتظار القيادات الفلسطينية، فليس لديها ما ينفع رداً على الإجراءات “الإسرائيلية”، أو تغييراً في سياساتها الاستسلامية، والرد عند الشباب الذين عليهم وفي قدرتهم، إن كانوا يريدون تغيير الوضع، أن يستمروا في الضغط على «السلطة» وقوات الاحتلال، وليس من طريقة أخرى!

***

awni.sadiq@hotmail.com

 

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق