“إسرائيل” تبتز أمريكا

الاثنين, 27 يوليو 2015 16:42

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة


بعد التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني- الغربي، وتحت عنوان (ما المطلوب من واشنطن)، كتب إيتان هابر مقالاً نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت - 19-7-2015)، قال فيه ما معناه: إنه لم تعد هناك أي فائدة من مناطحة واشنطن،

ولكن «هناك إمكانية أخرى هي الاعتراف بالواقع، ولكن عدم التسليم به»، وأضاف: «علينا ألا نحاول إهانة الإدارة الأمريكية، بل أن (نبتز) حتى النهاية عذابات الضمير لديها في أعقاب التوقيع على الاتفاق».

 

هذا يعني أن نطلب وسائل قتالية لم نتجرأ حتى على الحلم بها، ونحاول أن ننتزع من الأميركيين اتفاقاً بدفاع مشترك.

فنحن معنيون بحلف دفاعي موقع كهذا منذ سنين، وواشنطن ترفضه جيئة وذهاباً»!

لم يخجل هابر من أن يستعمل كلمة (نبتز) في مقاله، ومعه الحق ألا يخجل، فقد كانت هذه الكلمة هي «كلمة السر» في كل السياسات “الإسرائيلية”، ومن قبلها الحركة الصهيونية: الظهور بمظهر الضحية وابتزاز الجميع.

وقبل التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني- الغربي، خاض بنيامين نتنياهو حرباً شعواء ضد الاتفاق وضد إدارة أوباما، وما زال يحرض أعضاء الكونغرس، جمهوريين وديمقراطيين، على عدم المصادقة عليه.

وبعد التوقيع مباشرة، عقدت حكومة نتنياهو المصغرة اجتماعاً رفضت فيه الاتفاق بالإجماع، ووصفته بأنه «اتفاق سيئ». وكان رد الفعل الأمريكي على ذلك أن سارعت الإدارة لطمأنة «الإسرائيليين»، وعن نيتها إرسال وزير الدفاع آشتون كارتر (الذي وصل «تل أبيب» يوم الأحد الماضي) للبحث معهم عن سبل تعويضهم عن الاتفاق.

وكان نتنياهو في الأشهر الأخيرة قد صعّد من هجومه على الاتفاق والإدارة الأمريكية، وخطابه في الكونغرس كان تحدياً للرئيس الأمريكي وإهانة للشعب الأمريكي، لكنه فشل في عرقلة التوصل للاتفاق.

لذلك هوجم من قبل المعارضة متهمة إياه بالفشل في منعه، فطالب كل من يائير لبيد، زعيم (هناك مستقبل) وزهافا غولؤون (زعيمة حزب ميرتس) بتشكيل لجنة تحقيق لمناقشة أسباب الفشل، بالرغم من أن هذه المعارضة سايرت نتنياهو بشأن «خطورة الاتفاق». وحتى الآن لم يوقف نتنياهو هجومه طمعاً في ممارسة (الابتزاز حتى النهاية). وأثناء الزيارة التي قام بها وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، ﻟ«تل أبيب»، قال نتنياهو: «إن حكومته لن تسلّم بالاتفاق، وستبذل كل جهد لتحقيق اتفاق أفضل وإسقاط الاتفاق الحالي». وأضاف: إن “إسرائيل” لن تتنازل عن أمنها وستدافع عن وجودها بكل الطرق المتاحة، ملوّحاً بالخيار العسكري ومستنداً إلى نتائج استطلاع أجرته صحيفة ونشرته صحيفة (معاريف 17-7-2015)، أظهر أن 47% من «الإسرائيليين» يؤيدون توجيه ضربة عسكرية لإيران.

والحقيقة أن موضوعة الابتزاز “الإسرائيلي” لا تتحملها الحكومات “الإسرائيلية” وحدها، بل دائماً تشاركها المسؤولية عنها الإدارات الأمريكية والحكومات الغربية دون استثناء.

وما التعويضات الألمانية إلا شكل من أشكال تأكيد صورة “إسرائيل” الضحية المظلومة! وفي الوقت الذي تدعي إدارة أوباما أن الاتفاق فيه مصلحة ﻟ“إسرائيل” ودول المنطقة، يسارع أوباما بتقديم اقتراح لعقد محادثات فورية «لترقية القدرات الهجومية والدفاعية للجيش “الإسرائيلي”» كتعويض عن الاتفاق، كما ذكرت صحيفة (هآرتس) “الإسرائيلية”، إن اقتراح أوباما، بشكل أو بآخر، يعطي المبرر لنتنياهو ليزعم أن الاتفاق يضر بمصالحه ويشكل خطراً على كيانه.

ولم يفوت نتنياهو الفرصة التي قدمها له أوباما، فقال في مقابلة مع شبكة (ايه بي سي) التلفزيونية الأمريكية متسائلاً: الكل يتحدث عن تعويض “إسرائيل”.

وإذا كان من المفروض أن يجعل هذا الاتفاق “إسرائيل” وجيرانها أكثر أمناً، فلماذا تعويضنا بأي شيء؟»!

لقد أدى موقف الرئيس الأمريكي إلى تقوية موقف نتنياهو الابتزازي، وبدلاً من الرد على اقتراحه بالموافقة على عقد المحادثات، استمر نتنياهو في تحريض أعضاء الكونغرس على عدم المصادقة على الاتفاق لرفع فاتورة ابتزازه.

أما أوباما، فقال لصحيفة (نيويورك تايمز): «أنا مستعد للمضي بعيداً أكثر من أي إدارة أمريكية سابقة في كل ما يتعلق بالضمانات الأمنية ﻟ“إسرائيل”»!! مع ذلك، يعلم أوباما، وغيره من زعماء الدول الغربية، مقاصد نتنياهو، كما قال معبراً عن ذلك وزير الخارجية البريطاني هاموند، بعد اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، قائلاً في تصريح بأن نتنياهو لم يكن معارضاً للاتفاق الحالي بل «كان سيعارض كل اتفاق مع إيران، لأن “إسرائيل” معنية باستمرار المواجهة.

لكننا نعتقد أن ذلك لن يساهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي».

لقد قدمت الخارجية الأمريكية الاتفاق إلى الكونغرس يوم الأحد الماضي، وأمامه مدة (60) يوماً لمناقشته والتصويت عليه.

وقد هدد أوباما بأنه إن لم يصادق الكونغرس على الاتفاق، فسيلجأ إلى حقه في استعمال (الفيتو). وفي هذه الحالة سيكون أمام الرئيس مدة (22) يوماً يحق له خلالها استعمال هذا الحق.

وتبقى أمام الكونغرس فرصة لإلغاء (الفيتو) بأغلبية ثلثي الأعضاء.

ذلك يعني أنه ما زال أمام نتنياهو (82) يوماً لمواصلة حملته ضد الاتفاق والتهويل من خطره على كيانه وتخويف “الإسرائيليين” من نتائجه، منتظراً أولاً تصويت الكونغرس، ثم محاولة تجميع ثلثي الأعضاء إذا لجأ الرئيس إلى (الفيتو). وفي أثناء ذلك ستكون قائمة المطالبات للتعويض عن الاتفاق قد اكتملت.

وليس من نافل القول أن العاصفة التي يثيرها نتنياهو حتى لو فشلت، ستوفر لها الظروف المواتية لعدد من أهداف حملته أهمها: مواصلة ابتزاز الإدارة الأمريكية، وتجاهل قضية الصراع مع الفلسطينيين ومواصلة سياساته ضدهم، وتوظيف ذلك في الوضع الداخلي لتكريس سلطته.

***

awni.sadiq@hotmail.com

 

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق