موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
فيلم "جوسكا لا غارد" (حتى الحضانة) للمخرج كزافييه لوغران حول العنف الزوجي الفائز الأكبر في حفلة توزيع جوائز "سيزار" السينمائية الفرنسية للعام 2019 ::التجــديد العــربي:: عائدات السياحة التونسية تقفز 40 في المئة خلال 2018 ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين يغادر إلى مصر في زيارة رسمية و ينيب ولي العهد في إدارة شؤون الدولة ورعاية مصالح الشعب ::التجــديد العــربي:: العلاقات السعودية - الصينية.. 80 عاماً من الشراكة والمصالح الكبرى ::التجــديد العــربي:: أتلتيكو يعقد مهمة يوفنتوس بفوزه 2-0 ::التجــديد العــربي:: الأمين العام المساعد للشؤون السياسية الدولية بجامعة الدول العربية : نأمل أن تشكل القمة العربية الأوربية انطلاقة لمواجهة التحديات ::التجــديد العــربي:: هل تسهم بكتيريا الأمعاء في زيادة وزنك؟ ::التجــديد العــربي:: الشرطة الجزائرية تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق مسيرة مناهضة لترشح الرئيس بوتفليقة ::التجــديد العــربي:: بعد فنزويلا.. بومبيو يحرض مواطني كوبا ونيكاراغوا على حكوماتهما ::التجــديد العــربي:: البشير يحل الحكومتين ويوقف إجراءات تعديل الدستور ::التجــديد العــربي:: اصابات خلال مواجهات مع الاحتلال في "الاقصى" ::التجــديد العــربي:: السعودية والهند.. ميزان دقيق لمصالح اقتصادية مشتركة ::التجــديد العــربي:: علماء يحذرون من خطر الخبز المحمّص! ::التجــديد العــربي:: «الأوسكار» تعلن أسماء 13 نجماً سيشاركون في حفل توزيع الجوائز ::التجــديد العــربي:: مهرجان الجبل الثقافي الأول ينطلق في 24 يناير في الفجيرة ::التجــديد العــربي:: مانشستر يونايتد يخسر بهدفين أمام باريس سان جيرمان في ذهاب دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا ::التجــديد العــربي:: موسكو: المساعدات الأمريكية لفنزويلا ذريعة للتدخل العسكري ::التجــديد العــربي:: المبعوث الأممي إلى اليمن: طرفا الحرب في اليمن اتفقا مبدئيا على إعادة الانتشار بالحديدة ::التجــديد العــربي:: مصدر مصري: المتفجرات التي كانت بحوزة الانتحاري تكفي لتدمير حي بأكمله ::التجــديد العــربي:: بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية ::التجــديد العــربي::

ما هي هويتنا وما هو دورنا

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

الإجابة على سؤال: (ما هي هُويتنا) تحدد حتماً الإجابة السليمة على سؤال: (ما هو دورنا). فهي علاقة وطيدة بين سؤال: "من نحن" وسؤال: "ماذا نريد". لكن يبدو ان هذه التساؤلات فيها خصوصية عربية لا نجدها في أمم وشعوب أخرى كثيرة حسمت هذه الإجابات منذ فترة طويلة من الزمن. فمشكلتنا نحن العرب أو المهاجرين القادمين من أوطان عربية أننا نعاني لحوالي قرن من الزمن من صراعات بين هُويات مختلفة ومن عدم وضوح أو فهم لهذه الهويات المتعددة أصلاً.

 

وفي هذا الزمن الإنقسامي الذي تمرّ به المنطقة العربية، فإنّ مشاعر اليأس تزداد بين العرب وتصل ببعضهم إلى حدّ البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وتحميل العروبة مسؤولية تردّي أوضاعهم.

إنّها مشكلة الخلط بين الانتماء والظروف، بين العروبة والأنظمة، بين الهويّة والممارسات.

إنّها مشكلة التعامل مع الانتماء القومي بمقدار ما ننظر إليه آنيّاً وليس بمقدار ما هو قائم موضوعياً.

وسواء رضي بعضنا بذلك أم لم يرضَه، فإنّ الانتماء للهوية العربية، ليس ثياباً نلبسها ونخلعها حين نشاء، بل هو جلد جسمنا الذي لا نستطيع تغييره مهما استخدمنا من عمليات جراحية وأدواتٍ مصطنعة. فتلك طبيعة قانون التطوّر الاجتماعي الإنساني الذي ينتقل بالناس من مراحل الأسر والعشائر والقبائل إلى مرحلة الأوطان والشعوب والأمم.

إنّ "الهوية العربية"، والانتماء لها، فخرٌ لنا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فيكفينا فخراً أنّ أرضنا العربية كانت أرض كلّ الرسالات السماوية، وأنّ الله عزَّ وجلَّ كرّمها بأنّ بعث رسله كلّهم منها وعليها، وكانت هذه الأرض الطيّبة منطقة ومنطلق الهداية الإلهيّة للناس أجمعين وفي كلّ مكان.

***

وقبل الدخول في صلب الموضوع أشير إلى أن مسألة الهوية في اعتقادي لا ترتبط فقط بالجغرافيا بل بالتاريخ وبالمستقبل وبالحاضر السياسي والثقافي والإجتماعي. كذلك فان الهويات المتعددة للإنسان الفرد أو الجماعة هي ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها فلا تتفاعل أو تتلاقى أو التي تفرض الأختيار فيما بينها، بل هذه الهويات المتعددة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها والتي فيها (أي الدائرة) "نقطة مركزية" هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية. هكذا هو كل إنسان حيث مجموعة من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموه وتطوره: من خصوصية الأم إلى عمومية البشرية جمعاء.

ولعل أيضاً الخصوصية العربية في مشكلة تحديد الهوية نابعة من هذا الإنفصام الحاصل بين وجود ثقافة عربية واحدة ومن عدم وجود دولة عربية واحدة. فشعوب العالم يشترك بعضها في حضارات لكن هناك خصوصيات ثقافية لكل شعب حتى لو اشترك مع شعوب أخرى في حضارة واحدة.

إنّ معظم شعوب العالم اليوم تكونت دوله على أساس خصوصية ثقافية بينما الثقافة العربية لا يُعبّر عنها بعد في دولة واحدة. ونجد الآن في داخل الجسم العربي من يُطالب بدول لثقافات أثنية (كحالة الأكراد والأمازيغيين) بينما الثقافة العربية الأم نفسها لا تتمتع بحالة "الدولة الواحدة". فالموجود الآن من الدول العربية هو أوطان لا تقوم على أساس ثقافات خاصة بها بل هي محددة جغرافياً وسياسياً بفعل ترتيبات وظروف مطلع القرن العشرين التي أوجدت الحالة الراهنة من الدول العربية إضافة طبعاً إلى إيجاد دولة إسرائيل في قلب المنطقة العربية.

لقد ترافق تحوّل الأمم إلى دول -أو القوميات إلى حكوماتٍ خاصة- مع سقوط الامبراطوريات، بحكم التضارب أصلا بين وجود إمبراطوريةٍ تضمّ أكثر من أمَّة، وبين الدعوات إلى استقلال الأمم وبناء الكيان/الدولة لها. (مثال قوميات الاتحاد السوفييتي التي تحرّرت الآن من الهيمنة الروسية، ومثلما حدث في أوروبا بالقرن التاسع عشر، ثم تفكك الأمبراطورية البريطانية في القرن العشرين).

لكنَّ الملفت للانتباه على الصعيد العربي (منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى نهاية العهد العثماني) هو توالي أشكالٍ من حكم العرب وغير العرب على أساسٍ غير قوميٍّ أصلا وغير محدَّدٍ بشعبٍ معيَّن أو بأرضٍ معيَّنة (وهذا شكل من أشكال الإمبراطورية التي تضمّ أكثر من شعبٍ وقومية).

وفي مرحلة القرن العشرين -التي ورثت فيها الإمبراطوريتان (البريطانية والفرنسية) الإمبراطورية العثمانية- انتقل العرب من حال حرّية الحركة على أرضٍ واحدة (دون كيانٍ سياسيٍّ عربيٍّ واحد طبعاً، والتي كانت قائمة في ظل دول "الخلافة") إلى حالٍ من القيود والحواجز على أرض العرب المشتركة، كمحصلة لإتفاقيات "سايكس – بيكو"، في ظلِّ محاولاتٍ لصنع ثقافاتٍ خاصَّة مجتزأة شجَّعت عليها بقوّةٍ السلطات البريطانية والفرنسية التي كانت تهيمن آنذاك على معظم البلاد العربيَّة .

ثم ورثت الولايات المتحدة الأميركية دور بريطانيا وفرنسا في المحافظة على الواقع العربي المجزَّأ، مع دعمٍ كبيرٍ ومفتوح لوجود إسرائيل كنواةٍ لبناء قوميةٍ جديدة (غير عربيَّة على الأرض العربيَّة) وبطابعٍ عنصريٍّ يهوديٍّ وتوسعيّ!.

خلاصات:

1- إنّ "الهوية العربيَّة" كانت موجودة كلغةٍ وثقافة قبل وجود الإسلام، لكنَّها كانت محصورة بالقبائل العربيَّة وبمواقع جغرافية محدّدة في الجزيرة العربية .. بينما "الهوية العربية الحضارية" الآن، والتي أستحسن تسميتها ب"العروبة" –كَهويَّة انتماءٍ ثقافي غير عنصري وغير قبلي- بدأت مع ظهور الإسلام، ومع ارتباط اللغة العربيَّة بالقرآن الكريم، وبنشر الدعوة بواسطة روَّادٍ عرب..

فالعروبة هي إضافة حضارية مميَّزة أوجدها الإسلام على العربيَّة كلغة نتيجة ارتباط الإسلام بالوعاء الثقافي العربي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

وهكذا أصبحت العروبة الحضارية هي الثقافة العربيَّة ذات المضمون الحضاري الذي جاء به الإسلام، وبالتَّالي خرجت الثقافة العربيَّة من دائرة العنصر القبلي، ومن حدود الجغرافية الصغيرة، إلى دائرةٍ تتَّسع في تعريفها ل"العربي" ليشمل كلّ من يندمج في الثقافة العربيَّة بغضِّ النَّظر عن أصوله العرقية أو الأثنية أو القبلية أو الدينية.

2- العرب هم أمَّة واحدة في الإطار الثقافي وفي الإطار الحضاري وفي المقاييس التاريخية والجغرافية (اشتراك في عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والأرض)، لكنَّهم لم يجتمعوا تاريخياً في إطارٍ سياسيٍّ واحد على أساس العروبة فقط. فالهوية العربية كانت موجودة ك"ثقافةٍ خاصَّة" قبل الإسلام، ثم كحضارةٍ من خلاله وبعده، لكنها لم تتجسَّد بعدُ سياسياً كأمَّةٍ واحدة، في إطار كيانٍ سياسيٍّ واحد، وعلى أساس مرجعية العروبة كانتماء. إنَّ الأرض العربيَّة كانت تحت سلطةٍ واحدة في مراحل عديدة من التاريخ، لكن على أساس مرجعيةٍ دينيةٍ إسلامية (الخلافة) لا على أساسٍ قوميٍّ عربيّ.

إنَّ العروبة هي حالة انتماءٍ إلى مضمونٍ حضاريٍّ إسلاميٍّ مميَّز بعلاقته مع اللغة العربيَّة، وتقوم على قاعدة الثقافة العربيَّة. إلا أنَّ العروبة، رغم توفِّر عناصر تكوين الأمَّة فيها، فهي لم تصل بعد إلى حالة الانتماء إلى كيانٍ سياسيٍّ موحَّد، ولم يحصل ذلك تاريخياً من قبل على أساس مرجعية العروبة فقط.

طبعاً، فإنّ الوصول إلى مشروع الكيان العربي الواحد أو الاتحادي يتوجَّب إتباع الأساليب المرحليَّة المتعدِّدة شرط قيامها جميعاً على أساسٍ ديمقراطيٍّ في الداخل، وسلميٍّ حواريٍّ في العلاقة مع الطرف العربي الآخر.

أيضاً، من المهمِّ معالجة مشكلة "الهوية العربية" مع الرافضين لها على أساس خصوصيات أثنية أو دينية أو اقليمية بحكم تجارب سلبية حصلت باسم "القومية العربية".

من هنا أهمية التوافق على مسألتين:

الأولى: حسم مسألة الانتماء إلى أمَّةٍ عربيَّةٍ واحدة من حيث عناصر تكوين الأمَّة (لغة- ثقافة- تاريخ - أرض مشترَكة)، وحسم مسألة البُعد الحضاري الإسلامي الخاصّ في العروبة والمميِّز لها عن باقي القوميات في العالم..

الثانية: ضرورة المرونة في كيفيَّة الوصول إلى تعبيرٍ دستوريٍّ سياسي عن وحدة الأمَّة. وفي عالمنا المعاصر نماذج لذلك:

- التجربة الأميركية (دستور اتحادي/فيدرالية بين خمسين ولاية).

- التجربة الأوروبية (تكامل تدريجي/من الكونفدرالية إلى الفيدرالية بين أممٍ ودولٍ مختلفة).

لكن يبقى الأساس في أيَّة وسيلةٍ تستهدف الوصول إلى دولة "الولايات العربية المتحدة" أو إلى "الإتحاد العربي"، هو:

1- الدعوة السلمية ورفض الابتلاع أو السيطرة أو الهيمنة من وطنٍ عربيٍّ على آخر..

2- تحرر الأوطان من الهيمنة الأجنبية وإقامة نظام الحكم الديمقراطي في كل منها قبل المباشرة بعملية الوحدة أو الإتحاد. فالتَّحرر الوطني والديمقراطية معاً هما المدخل السليم لوسائل تحقيق الوحدة أو أيّ شكلٍ اتحاديٍّ عربيّ.

***

إنّ تطوير العلاقات العربية/العربية باتجاهٍ أفضل ممّا هي عليه صيغة "الجامعة العربية"، أصبح يتطلّب تطويراً لصيغة أنظمة الحكم في الداخل، وإعادة الاعتبار من جديد لمفهوم العروبة على المستوى العربي الشامل. فتحقيق أوضاع دستورية سليمة في كلّ بلد عربي هو الآن المدخل الصحيح لبناء علاقات عربية أفضل، وهو الضمان كذلك لاستمراريّة أي صيغ تعاونٍ عربيٍّ مشترك. لكن المشكلة الآن ليست في غياب الحياة الديمقراطية السليمة فقط، بل أيضاً في ضعف الهُويّة العربية المشتركة وطغيان التسميات الطائفية والمذهبية والأثنية على المجتمعات العربية. وفي هذا الأمر تكمن مخاطر الانفجار الداخلي في كلّ بلد عربي، وبذا تصبح العروبة لا مجرّد حلٍّ فقط لأزمة العلاقات بين البلدان العربية، بل أيضاً سياجاً ثقافياً واجتماعياً لحماية الوحدات الوطنية في كلّ بلد عربي.

إنّ العروبة الثقافية الجامعة بين كلّ العرب هي حجر الزاوية في البناء المنشود لمستقبلٍ أفضل داخل البلدان العربية، وبين بعضها البعض.

وحينما تضعف الهُويّة العربية فإنّ بدائلها ليست هُويّات وطنية موحّدة للشعوب، بل انقسامات حادّة تولد حروباً أهلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس معاً.

إنّ الشعوب تنتقل خلال مراحل تطوّرها من الأسرة إلى العشيرة ثمّ إلى القبيلة ثمّ إلى الوطن والأمم، فلِمَ نريد أن نعيد دورة الزمن إلى الوراء؟ بل ماذا فعلنا حتى تبقى أوطاننا واحدة تتطوّر وتتقدّم وتتكامل بدلاً من دفعها للعودة إلى حروب القبائل والطوائف؟!

ولأنّ الشعوب هي مجموعة أفراد، ولأنّ الوطن هو مجموعة مواطنين، فإنّ المستقبل العربي يتوقّف على مجهود كلّ فرد فيه، ويتحمّل كلّ مواطن عربي في كلّ مكان مسؤولية وأمانة رسم آفاق هذا المستقبل، وتصحيح خلل المعادلة ما بين الموقع الإيجابي للأمّة العربية تاريخياً وجغرافياً وحضارياً، وبين الواقع السلبي الآن للأوطان والشعوب معاً..

إنّ التنوع والتعدّد بمختلف أشكالهما، ومنها الاختلاف في الخلق والأجناس واللغات والطوائف، هي سنّة الخالق الحتمية على هذه الأرض، والطبيعة تؤكّد تلك الحقيقة في كلِّ زمانٍ ومكان. لكن ما هو خيار بشري ومشيئة إنسانية هو كيفيّة التعامل مع هذا "التنوع والتعدّد"، ومن ثمّ اعتماد ضوابط لأساليب التغيير التي تحدث في المجتمعات القائمة على "التعددية الدينية والأثنية".

فليس المطلوب عربياً، وهو غير ممكن أصلاً، أن تتوقّف كل مظاهر الانقسام في المجتمع. فهذه دعوة للجمود ولمناقضة طبيعة الحياة وسنّتها التي تقوم على التحوّل والتغيير باستمرار، وعلى التصارع بين ماضٍ وحاضر ومستقبل. لكن المؤمّل به هو أن تأخذ الصراعات السياسية والاجتماعية أولويّة الاهتمام والتفكير والعمل بدلاً من الصراعات الأخرى التي تجعل الفقراء مثلاً يحاربون بعضهم البعض فقط لمجرّد توزّعهم على انتماءات إثنية أو طائفية أو قبلية مختلفة.

فحينما ينتفض شعبٌ ما في أيِّ بلد من أجل المطالبة بالعدالة السياسية والاجتماعية، تصبح حركته قوة تغيير نحو مستقبل أفضل، بينما العكس يحدث إذا تحرّكت الجماعات البشرية على أساس منطلقات إثنية أو طائفية، حيث أنّ الحروب الأهلية ودمار الأوطان هي النتاج الطبيعي لمثل هذا التحرّك.

إنّ المجتمعات الديمقراطية المعاصرة قد توصّلت إلى خلاصات مهمّة يمكن الأخذ بها في أيّ مكان. وأبرز هذه الخلاصات هي التقنين الدستوري السليم لتركيبة المجتمع ممّا يصون حقوق "الأكثرية" والأقلّيات معاً، رغم مبدأ خضوع الجميع لما تختاره أكثرية الناخبين حينما تكون هناك انتخابات عامَّة في البلاد.

وأيضاً لا بدّ في هذه المجتمعات من توافر الحدّ الأدنى من ضمانات الأمن والغذاء، وبعض الضمانات الاجتماعية والصحية، ممّا يكفل التعامل مع مشكلتيْ "الخوف" و"الجوع"، فلا تكون "تذكرة الانتخاب" أسيرة ل"لقمة العيش"، ولا يخشى المواطن من الإدلاء برأيه أو المشاركة بصوته الانتخابي كما يملي عليه ضميره لا كما يرغب من يتحكّم بلقمة عيشه أو من يرهبه في أمنه وسلامته.

هذه أسس هامّة لبناء المجتمعات الحديثة ولتوفير المناخ المناسب لوحدة الأوطان ولتقدّمها السياسي والاجتماعي ولمنع الاهتراء في أنظمتها وقوانينها، كما هي عامل مهم أيضاً في منع تحوّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى براكين نار تحرق نفسها ومن حولها.

إذن، من غير توفّر مقومات نظام سياسي ديمقراطي، فإنّ أيَّ ضغط عنفي لتغييرٍ ما في المجتمع قد يتحوّل إلى أداة تفجير اجتماعي وأمني يصعب التحكّم بنتائجه.

كذلك، فإنّ عدم الالتزام بأساليب التغيير الديمقراطية يعني تحويراً للانقسامات السلمية نحو مسارات عنيفة. فالانقسامات السلمية الصحية في المجتمعات تحتاج لضمانات التغيير الديمقراطي اللاعنفي من قبل الحاكمين والمعارضين معاً.

وقد يساعد، في تعميق هذه الخلاصات، فرز مهم لا يحدث عادة لدى المنشغلين في هموم تغيير المجتمعات. فبمقدور المجتمعات العربية أن تحقّق خطوات إيجابية أوسع لو وضعت باعتبارها لائحة "التمييز المطلوب" هذه:

أولاً: التمييز المطلوب في العمل السياسي ما بين تغيير الحكومات وبين مخاطر تفكيك الكيانات الوطنية. فالخلط بين النظام الحاكم والكيان الوطني الواحد هو خطر على الوطن كلّه. لذلك التمييز ضروري بين تغيير أشخاص وسلطات وقوانين وبين تهديم أسس الكيان الوطني والمؤسسات العامة في الدولة.

ثانياً: التمييز ضروري بين رفض أسلوب العنف المسلّح من أجل التغيير، وبين حقّ المقاومة المشروعة من أجل التحرير حينما تكون هناك أجزاء من الوطن خاضعة للاحتلال.

أيضاً، التمييز مطلوب بين أسلوب المقاومة المشروع ضدّ جيش الاحتلال على الأرض المحتلّة، وبين أساليب العنف الإرهابية التي تستهدف الأبرياء والمدنيين، تحت حجج وذرائع لا تقرّها أبداً شريعة دينية أو معتقد سياسي.

ثالثاً: التمييز بين الطائفة أو المذهب، وبين الطائفية والمذهبية. فالحالة الأولى هي ظاهرة طبيعية إنسانية موجودة في أكثر من مجتمع يقوم على التعدّدية. أمّا الحالة الثانية، فهي ظاهرة مرَضيَة تؤدّي إلى تفكّك المجتمع وضعفه وانقسامه.

رابعاً: التمييز بين الاعتزاز بالوطنية المحليّة، وبين الانعزاليّة الإقليمية التي لا تحقّق أمناً ولا تصنع وطناً قادراً على العيش في عصر العولمة.

وكما التمييز مطلوبٌ بين الحرص على الولاء الوطني وبين التقوقع الإقليمي، فإنّ من المهم أيضاً التمييز بين الانفتاح على الخارج وبين التبعيّة له.

خامساً: التمييز بين الانتماء القدَري للعروبة، وبين الحركات القومية السياسية. فالعروبة هي انتماء ثقافيّ مشترك بين العرب كلّهم، وهي هويّة حضارية لكلّ أبنائها، في حين أنّ الحركات القومية هي حركات سياسية لها مضامين فكرية وعقائدية (ربّما متصارعة أحياناً فيما بينها)، تماماً كما هو أيضاً حال الحركات السياسية الدينية، وضرورة التمييز بين اجتهاداتها الفكرية وبين الدين نفسه.

سادساً: التمييز ما بين قدسية الكتب والرسالات السماوية، وبين إنسانية الفقهاء ورجال الدين والحركات السياسية التي تحمل أسماءً دينية. فلا يجوز تكفير الآخرين لمجرّد اختلافهم مع رأي فقيه أو عالم ديني أو حركة سياسية دينية.

سابعاً: التمييز بين الدين والدولة (وليس فصل الدين عن المجتمع)، وتحديد المرجعية في التشريع الدنيوي القانوني للمؤسسات الشعبية المنتخَبة. فالتمييز ضروري بين أهمّية دور الدين في المجتمع وبين عدم زجّه في مهام الدولة وسلطاتها.

أخيراً، فإنّ التمييز مطلوبٌ بين قدرتنا كعرب على تصحيح انقساماتنا الجغرافية من أجل حاضرنا ومستقبلنا، وبين انقساماتنا التاريخية في الماضي التي ما زلنا نحملها معنا جيلاً بعد جيل، ولا قدرة لنا على تغييرها أصلاً!

دورٌ منشود للمهاجرين العرب

ما أحوج الأمَّة العربية اليوم إلى "عمل نهضوي عربي شامل" يشترك فيه مجموعة من أبنائها المقيمين في بلاد العرب مع المنتشرين منهم في بقاع العالم، ليشكّلوا معاً روّاد النهضة وطلائع الإصلاح المتوجّب لأوطانهم وأمَّتهم.

إنَّ مأساة الأمَّة تكبر يوماً بعد يوم، ليس بسبب ما يحدث فيها وعلى أرضها فقط، بل نتيجة ما يخرج منها من كفاءات وأموال وأدمغة...

إنَّ التكامل الحاصل بين الولايات الخمسين الأميركية، يجعل صاحب الكفاءة أو رجل الأعمال الأميركي يهاجر من ولايةٍ ما، إذا ما اضطربت اجتماعياً أو أمنياً أو اقتصادياً، إلى ولايةٍ أميركية أخرى.. كذلك الحال الآن بين دول الاتحاد الأوروبي. فهي أمم تحتفظ بأدمغتها وأموالها وبشبابها وخبراتها، فلا تنضب ولا تُهاجر ثرواتها المادية والبشرية!

لقد توفَّرت للمهاجرين العرب إلى الغرب، فرصة العيش المشترك فيما بينهم بغضِّ النظر عن خصوصياتهم الوطنية، وبالتالي توفَّر إمكان بناء النموذج المطلوب لحالة التفاعل العربي في أكثر من مجال. أيضاً أتاحت لهم الإقامة في الغرب فرص الاحتكاك مع تجارب ديمقراطية متعدّدة من الممكن الاستفادة منها عربياً في الإطارين الفردي والمجتمعي. لذلك فإنّ للمهاجرين العرب خصوصية مميّزة في عملية الإصلاح العربي المنشود.

لكن للأسف، فإنّ معظم المهاجرين العرب يعيشون الآن محنة ارتجاج وضعف في هويّتهم العربية وفي هُويّة بلد الهجرة نفسه. فالمهاجرون العرب، أينما وُجِدوا، ينتمون عملياً إلى هويتين: هويّة أوطانهم العربية الأصلية ثمّ هويّة الوطن الجديد الذي هاجروا إليه. وقد تفاعلت في السنوات الأخيرة، خاصّة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، جملة تطوّرات انعكست سلبياً على الهويتين معاً. وقد عانى الكثير من العرب في الغرب من هذا الشعور السلبي حيالهم وحيال كل ما يمتّ بصلة إلى العرب والعروبة والإسلام.

الأخطر من ذلك عند المهاجرين العرب، هو التشكّك الذاتي الحاصل لدى بعضهم في هويّته الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي أو في أحسن الحالات إقليمي. وربّما يرجع سبب ما يحدث من تراجع وضعف في مسألة "الهويّة العربية" إلى طغيان الانقسامات وسمات مجتمع "الجاهلية" على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.

إنّ الدور المنشود عربياً من المهاجرين العرب يُحتّم عليهم أولاً تحسين وإصلاح ما هم عليه الآن من خلل في مسالة الهوية ومن سلبية تجاه مؤسسات العمل العربي المشترك في الغرب.

ولا أعلم لِمَ لا يستفيد المهاجرون العرب من تجارب سابقة في الهجرة العربية للغرب، كان في مقدّمتها في مطلع القرن العشرين تجربة الأدباء العرب ذوي الأصول اللبنانية، الذين أستوطنوا في معظمهم بمدينة نيويورك الأميركية وشكّلوا فيما بينهم "الرابطة القلمية" بمبادرة من الكاتب والمفكر جبران خليل جبران، حيث كانت هذه "الرابطة" نموذجاً لما نحتاجه اليوم في دول المهجر من منتديات وروابط وجمعيات تقوم على أساس المشترك من الهُوية الثقافية والاهتمامات والعمل، لا على الأصول الوطنية والطائفية والمناطقية. فعلى الرغم من أنّ كل هولاء الأدباء الذين جمعتهم "الرابطة القلمية" كانوا من أصول لبنانية ودينية مسيحية فإن "رابطتهم" كانت الأدب العربي، فلم يجتمعوا أو يعملوا في أطر فئوية، ولم يُطلقوا على أنفسهم أسم "الرابطة اللبنانية" أو "الرابطة المسيحية". فكان "قلمهم" من أجل نهضة أوطانهم ووحدة شعوبهم ومن أجل الإنسان عموماً بغضَّ النظر عن العنصر والدين. كذلك فعل أدباء المهجر آنذاك في أميركا الجنوبية حيث أسسوا "الرابطة الأندلسية" التي برزت فيها أسماء رشيد سليم الخوري وفوزي المعلوف وآخرون.

وفي فترة زمنية متقاربة مع فترة تأسيس "الرابطة القلمية" في نيويورك، حدثت تجربة الإصلاحي الإسلامي الشيخ محمد عبده من خلال تأسيس مجلة "العروة الوثقى" في باريس. وكما حرص الشيخ محمد عبده على توظيف منبره (العروة الوثقى) لإصلاحيين ومفكريين آخرين، كان في مقدّمتهم الشيخ جمال الدين الأفغاني، كذلك كانت "الرابطة القلمية" التي أسّسها جبران منبراً لعدد مهم من المفكرين والأدباء كميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي. فهذا النموذج من المهاجرين العرب أدرك واجبه ومسؤوليته في إصلاح المجتمع الذي هاجر منه، وفي المساهمة الفكرية والعملية بتقديم المشروع النهضوي المطلوب، وفي جعل بلد المهجر مصنعاً لخميرة إيجابية جيّدة وجديدة، لا مرآةً تعكس سلبيات الأوطان التي هاجروا منها. ولم يجد هؤلاء في "الآخر" منهم منافساً بل مكمّلاً لعطائهم. تعلّموا الكثير من بلدان الغرب لكن لم يفقدوا هُويّتهم ولا نسوا أوطانهم. حافظوا على لغتهم وثقافتهم في بلاد المهجر لكن كانوا فاعلين إيجابيين أيضاً في مجتمعاتهم الجديدة. كان همّهم الأول في "الشرق" وإن كان تواجدهم في "الغرب". استفادوا من حسنات المكان لكي يساهموا في تغيير سيّئات زمن أوطانهم.

 

د. صبحي غندور

مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن

 

 

شاهد مقالات د. صبحي غندور

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

العلاقات السعودية - الصينية.. 80 عاماً من الشراكة والمصالح الكبرى

News image

تشهد العلاقات السعودية الصينية تطوراً متواصلاً تمتد جذورها لقرابة "80" عاماً، وذلك يعود لحنكة الق...

الأمين العام المساعد للشؤون السياسية الدولية بجامعة الدول العربية : نأمل أن تشكل القمة العربية الأوربية انطلاقة لمواجهة التحديات

News image

أعرب الأمين العام المساعد للشؤون السياسية الدولية بجامعة الدول العربية السفير خالد الهباس، عن تطل...

الشرطة الجزائرية تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق مسيرة مناهضة لترشح الرئيس بوتفليقة

News image

أطلقت الشرطة الجزائرية الغاز المسيل للدموع على مسيرة باتجاه مقر الرئاسة بالعاصمة ضد ترشح الر...

بعد فنزويلا.. بومبيو يحرض مواطني كوبا ونيكاراغوا على حكوماتهما

News image

كشف وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن جزء من دور بلاده في الأزمة المحتدمة بفن...

البشير يحل الحكومتين ويوقف إجراءات تعديل الدستور

News image

الخرطوم- أعلن مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني صلاح عبد الله قوش أن الرئيس عمر حسن ...

بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية

News image

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان عبد العزيز في مكالمة هاتفية نيت...

محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم

News image

أفادت وكالة "يونهاب" بأنه من المتوقع أن يجتمع المبعوثان النوويان الكوري الجنوبي والأمريكي في فيت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

«أنهار العسل والحليب» لا تتدفق دائما مع الاستثمار الأجنبى..!

د. محمد عبد الشفيع عيسى

| السبت, 23 فبراير 2019

    فلنبدأ هذا المقال بسؤال افتتاحى مهم: ما هى العوامل الرئيسية المفسرة لتدفق الاستثمار من ...

لقاء موسكو الفلسطيني .. يدعو للأسف

د. فايز رشيد

| السبت, 23 فبراير 2019

    في جولة جديدة لتجاوز الانقسام, واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية, جرى لقاء لكافة الفصائل الفلسطينية, ...

ضحايا العنصرية وأشد ممارسيها!

د. عصام نعمان

| السبت, 23 فبراير 2019

    يزعم اليهود، أنهم كانوا دائماً ضحايا التمييز العنصري، ولاسيما في «الهولوكوست» على أيدي الألمان ...

إدلب... لماذا التأجيل؟

د. محمد نور الدين

| السبت, 23 فبراير 2019

    القمة التي انعقدت في 15 فبراير/شباط 2019 في سوتشي، بين رؤساء روسيا فلاديمير بوتين، ...

نقدُ إسرائيل أميركياً

د. أسعد عبد الرحمن

| الجمعة, 22 فبراير 2019

    في تطور لافت، لم تعد مواقف الأميركيين تصب في خانة واحدة بشأن إسرائيل باعتبارها ...

كوبا «الثورة والدولة» في دستور جديد

د. عبدالحسين شعبان

| الجمعة, 22 فبراير 2019

    في 24 فبراير/ شباط الجاري سيتم التصويت في استفتاء شعبي على الدستور الكوبي الجديد، ...

الافتئات على المشروع الوطني ومنظمة التحرير

د. إبراهيم أبراش

| الجمعة, 22 فبراير 2019

    فشل السلطة أو انهيارها لأي سبب كان هو فشل لمشروع التسوية السياسية ولنهج أوسلو ...

نحن وإعلام الاحتلال

عدنان الصباح

| الجمعة, 22 فبراير 2019

    بعد هزيمة عام 1967م وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة في قبضة الاحتلال وانقطاع سبل ...

لا يوجد اقليات فى بلادنا ,بل تنوع حضارى !

د. سليم نزال

| الجمعة, 22 فبراير 2019

    فى فكره التعايش فى التنوع المجتمعى لا يوجد غالب او مغلوب و لا قوى ...

مقاربة قوانين الطبيعة وقوانين البناء

د. علي عقلة عرسان

| الخميس, 21 فبراير 2019

    في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة والمعادلات والنظريات، لتشكل بمجموعها بيئة منطقية ...

«مجلس اللا أمن والإرهاب الدولي»

عوني صادق

| الخميس, 21 فبراير 2019

    مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، اتفق المنتصرون على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، والتي قيل ...

الحلف الغربي في مهب الريح

جميل مطر

| الخميس, 21 فبراير 2019

    لا مبالغة متعمدة في صياغة عنوان هذا المقال، فالعلامات كافة تشير إلى أن معسكر ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم637
mod_vvisit_counterالبارحة36561
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع637
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي298666
mod_vvisit_counterهذا الشهر1081015
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65235468
حاليا يتواجد 3305 زوار  على الموقع