موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
قائمة المناطق التي استهدفتها قوات الإحتلال في قطاع غزة حتى اللحظة ::التجــديد العــربي:: دمشق: تحرير الجولان بكافة الوسائل المتاحة حق غير قابل للتصرف ::التجــديد العــربي:: ترامب يوقع وثيقة الاعتراف بسيادة الاحتلال على مرتفعات الجولان السورية المحتلة و الجامعة العربية: إعلان ترامب حول الجولان قرار باطل ::التجــديد العــربي:: جيش الاحتلال يعلن عن بدء عملياته العسكرية في غزة ودوي انفجارات ضخمة في المناطق الغربية من القطاع ::التجــديد العــربي:: صاروخ غزة وصل إلى وسط الاراضي المحتلة وأسفر عن سقوط 7 جرحى ::التجــديد العــربي:: ارتفاع عدد قتلى الانفجار في مصنع للمبيدات الحشرية بالصين إلى 78 ::التجــديد العــربي:: «أرامكو» تنجز معمل الفاضلي العملاق للغاز والكهرباء خلال أشهر بطاقة 2٫5 مليار قدم وبتكلفة 50 مليار ريال ::التجــديد العــربي:: الطاقة" وهيئة تطوير مكة تبدآن الخطوة الأولى لتنفيذ مشروع الفيصلية للطاقة الشمسية ::التجــديد العــربي:: موسم الشرقية يطلق «ليالي ثقافية» بالأحساء ::التجــديد العــربي:: تناول الفطر مرتين أسبوعيا قد "يقلل خطر تدهور صحة دماغ" لدى المسنين ::التجــديد العــربي:: مانشستر يونايتد يخسر بهدفين أمام باريس سان جيرمان في ذهاب دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا ::التجــديد العــربي:: رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد يهاجم الاحتلال ويصفه بدولة اللصوص ::التجــديد العــربي:: وفاة مئة شخص في حادث عَبَّارة الموصل ::التجــديد العــربي:: تفاقم العجز الأميركي لـ 544 مليار دولار في 5 أشهر و عجز شهري بقيمة 234 مليار دولار في فبراير ::التجــديد العــربي:: باريس..السترات الصفراء يحتجون وسط إجراءات أمن استثنائية ::التجــديد العــربي:: مصر: الجولان السوري أرض عربية محتلة ::التجــديد العــربي:: فرنسا تسقط مولدوفا برباعية في تصفيات يورو 2020 ::التجــديد العــربي:: تنديد واسع بتصريحات ترامب حول دعم سيادة الكيان المحتل على الجولان السوري المحتل ::التجــديد العــربي:: أردنيون يحتجون على اتفاق غاز مع الاحتلال بقيمة 10 مليارات دولار ::التجــديد العــربي:: الشرطة الألمانية تحتجز 10 أشخاص للاشتباه بتخطيطهم لهجوم "إرهابي" ::التجــديد العــربي::

في ذكراه المئوية..

إرسال إلى صديق طباعة PDF
فهرس المقال
في ذكراه المئوية..
ملاحق ومراجع
كل الصفحات


وعد بلفور في مدار سايكس- بيكو

1- مبضع سايكس بيكو

2- فلسطين.. العقدة في منشار سايكس- بيكو

3- وعد بلفور.. تقاطع الظرفي مع الاستراتيجي

4- صك الانتداب.. غلاف لوعد بلفور

5- الانتداب.. حاضنة المشروع الصهيوني

6- في العلاقة مع الاحتلال والمحيط وأشكال النضال

7- في إقامة السلطة الوطنية

8- وعد بلفور.. أسقط فلسطين من «نظام الانتداب»

9- وعد بلفور.. خطر ماثل أمام شعوب المنطقة

* ملاحق

* مراجع

وعد بلفور

«وزارة الخارجية - 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917

إنه من دواعي سروري الكبير أن أنقل إليكم باسم حكومة صاحب الجلالة الإعلان التالي عن التعاطف مع الأماني اليهودية والصهيونية الذي تمَّ عرضه وإقراره بواسطة مجلس الوزراء. ونصه كما يلي:

إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بالعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وسوف تبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف. ومن المفهوم أن هذا الإعلان لا يمثل تحيّزاً ضد الحقوق المدنية والدينية لطوائف غير يهودية موجودة في فلسطين. كما أنه لا يؤثر على الأوضاع القانونية أو السياسية التي يتمتع بها اليهود في البلاد الأخرى. وسأكون شاكراً لكم إذا تفضلتم وأبلغتم هذا الإعلان لعلم الاتحاد الصهيوني

المخلص

آرثر بلفور»

* * *

The Balfour Declaration

« (…) His Majesty's Government view with favour the establishment in Palestine of a national home for the Jewish people، and will use their best endeavors to facilitate the achievement of this object، it being clearly understood that nothing shall be done which may prejudice the civil and religious rights of existing non Jewish communities in Palestine، or the right and political status enjoyed by the Jews in any other country (…) ».

* * *

(1)

مبضع سايكس- بيكو

1- اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914/8- 1918/11) طرح مصير السلطنة العثمانية - بما فيه ولاياتها العربية- على مائدة بحث متواصل بين فرنسا وبريطانيا أفضى إلى اتفاقية بينهما، كانت روسيا القيصرية - وإن بمسافة- شريكة فيها، قبل أن تخرج منها، ومن الحرب عموماً، إثر صلحها المنفرد مع ألمانيا في بريست- ليتوفسك (1918/3). وعلى الرغم من توقيع روسيا وإيطاليا عليها، فقد اقتصر مسمى هذه الاتفاقية على صاحبيها: البريطاني مارك سايكس، والفرنسي جورج بيكو، وشملت المنطقة العربية الممتدة من شمال سوريا والعراق إلى الخليج.

أدى اندحار الجيش العثماني من أمام الجيش البريطاني من رفح- فلسطين جنوباً، والبصرة - العراق شرقاً، ودخول الجيش الفرنسي إلى مسرح العمليات من لبنان غرباً، إلى وضع المشرق العربي خلف أسوار الاحتلالين البريطاني والفرنسي. وقاد تطبيق اتفاقية سايكس- بيكو، بما هي اتفاقية اقتسام وتقاسم إقليمي بين قطبين إمبرياليين لمغانم الاحتلال، بالنتيجة قاد إلى إقامة خمسة كيانات سياسية(1) في المنطقة: العراق في بلاد الرافدين، و4 كيانات أخرى في ما يُصطلح على تسميته بسوريا الطبيعية أو التاريخية: لبنان، شرق الأردن، سوريا، وفلسطين.

بقيت هذه الكيانات تحت السيطرة البريطانية والفرنسية المباشرة حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة، وبما يقارب ثلاثة عقود من الزمن، شهدت سلخ مناطق واسعة عن سوريا، أهمها تم ضمها إلى تركيا الحالية،(2) فضلاً عن ترسيم الحدود بين هذه الكيانات،(3) التي تحوَّلت - باستثناء فلسطين- إلى دول مستقلة، وبفضل نضال حركات التحرر الوطني في هذه البلدان أساساً.

مورست هذه السيطرة الاستعمارية بأشكال وصيغ مختلفة، شكل الاحتلال قاعدتها الثابتة والأهم، وكانت واجهتها «القانونية» هي الانتدابات المرسَّمة بتفويض من عصبة الأمم. أما فلسطين فكان لها مصير آخر، تواطأت فيه بريطانيا وفي جيبها وعد بلفور، مع الحركة الصهيونية، واختتمت انتدابها بالنكبة وقيام دولة إسرائيل، ما أدى إلى نشوء القضية، أو المسألة الوطنية الفلسطينية، المتواصلة فصولاً حتى يومنا.

2- تمثل اتفاقية سايكس- بيكو الحل الاستعماري الماثل لما كان يدعى في المحافل السياسية الأوروبية منذ زمان الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون (1798)، وعلى امتداد القرن التاسع عشر ﺑ«المسألة الشرقية»،(4) وهي العنوان الكودي لمسألة البت بالمصير النهائي للإمبراطورية العثمانية،(5) التي انتهت بعد الحرب العالمية الأولى إلى تكوين تركيا الحديثة، دولة قومية في مناطق الإمبراطورية الآفلة الناطقة باللغة التركية، وإلى تقاسم الولايات العربية في المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا.

ولا يمكن فهم اتفاقية سايكس- بيكو بما ترتب عليها، وباعتبارها القاعدة المؤسسة للتطورات اللاحقة، إلا من خلال معاينة ما تحدَّر من صُلبها من تصريحات ومؤتمرات ومعاهدات: وعد بلفور، مؤتمر سان ريمو، معاهدة سيفر، معاهدة لوزان، صكوك الانتدابات من عصبة الأمم،(6) وغيرها..

في هذا الإطار، أضفى ميثاق/ عهد عصبة الأمم المتحدة (1919/6/28) شرعية قانونية دولية على الاحتلالين البريطاني والفرنسي للمشرق العربي من خلال المادة 22 (الفقرة 3)(7) بالتحديد، التي أرست أسس «نظام الانتداب» في هذا الإقليم. وفي 1920/4/25، قام «مجلس مؤتمر السلام الأعلى» (أي مجلس الحلفاء الذين انتصروا في الحرب) أثناء انعقاد مؤتمر سان ريمو بتوزيع الانتدابات على الولايات العربية (العثمانية سابقاً) بين فرنسا وبريطانيا، وهي التي كرستها - فيما بعد- صكوك الانتداب الصادرة عن عصبة الأمم المتحدة، المعبرة عن الإرادة الدولية الرسمية في ذلك الوقت.

3- بعد التوقيع على اتفاقية سايكس- بيكو بصيغتها الأولى في 1916/5/9، كان لا بد من مفاتحة وإشراك روسيا بالأمر، فمشاريع التقاسم الإقليمي المطروحة كانت تشمل الإمبراطورية العثمانية بأسرها، ولم تكن تقتصر على ولاياتها العربية، ولروسيا نصيب في كل هذا، فهي الشريك الرئيسي في الحرب على السلطنة العثمانية، وهي الدولة الإمبريالية الطامحة إلى بسط سيطرتها على مضائق الدردنيل (التي تتحكم بالطريق المائي بين البحرين الأسود والأبيض المتوسط، والبري بين أوروبا وآسيا)، كما أنها القوة العظمى الساعية إلى توطيد نفوذها (السياسي، الديني، الثقافي) في المنطقة، وبالذات في الأراضي المقدسة. غير أن ما تم التوصل إليه مع روسيا بشأن «حصتها» من التركة العثمانية، أضحى خارج البحث، بعد خروجها من الحرب التي اختتمت بانتصار الحلفاء..(8)

وبهذا تكون دائرة البحث مع روسيا قد أغلقت، حيث كانت المفاوضات قد بدأت معها منذ مطلع العام 1915 من أجل تقسيم أراضي الدولة العثمانية، حينما طلبت روسيا أن يكون لها نفوذ في القسطنطينية (إسطنبول، أو الآستانة) والمضائق. لكن بريطانيا وفرنسا تخوفتا من تلك المطالب التي تعني امتداد النفوذ الروسي إلى البحر الأبيض المتوسط، بما يُنذر بتهديد مصالح الدولتين في المنطقة.

أمام إصرار روسيا القيصرية على مطالبها كشرط لاستمرارها في الحرب تم التوصل إلى «اتفاق القسطنطينية» (1915/3)، الذي وافقت من خلاله بريطانيا وفرنسا على مطالب روسيا بشرط أن تكون القسطنطينية ميناءً حراً، وأن تضمن حرية الملاحة في المضائق للبواخر التجارية. وأما الأراضي التي صارت من نصيب روسيا بفضل هذا الاتفاق فقد شملت القسطنطينية وكل أراضي الدولة العثمانية في أوروبا (تراقيا) وأجزاء من آسيا الصغرى والجزر الواقعة في بحر مرمرة وبعض جزر بحر إيجة. وعليه، أصبح على بريطانيا وفرنسا أن تتقاسما باقي أملاك الدولة العثمانية فيما بينهما، ما أطلق المفاوضات الثنائية التي توجت - كما جرت الإشارة- باتفاق سايكس- بيكو الأول (1916).

(2)

فلسطين.. العقدة في منشار سايكس- بيكو

1- لم تحسم اتفاقية سايكس- بيكو مسألة التقاسم الإقليمي بين الإمبريالتيين، فالتسليم البريطاني بسوريا الطبيعية (أو التاريخية) كمنطقة نفوذ فرنسي، لم يرفع الخلاف عن مشتملاتها وحدودها، وبالذات الجنوبية منها، حيث اعتبرت فرنسا أن جنوب سوريا - أي فلسطين- يجب أن يبقى ضمن ولايتها، بينما أصرت بريطانيا على المطالبة بها. وبالنتيجة رست صيغة الاتفاق على وضع فلسطين تحت إدارة دولية، مع بقاء كل من الطرفين على موقفه. بكلام آخر: بقيت المسألة مفتوحة بانتظار التوصل إلى حل.

استمر هذا الخلاف على امتداد سني الحرب، وكلما كان الوضع العسكري لبريطانيا يتقدم في مواجهة الجيش العثماني، كانت لندن ترسل إشارات، وتصدر عنها تصريحات تفيد بتنصلها من اتفاقية سايكس- بيكو، وذلك على لسان مصادر مسؤولة ليس أقلها مارك سايكس نفسه، أحد صاحبي الاتفاقية، الذي اعتبر أنها ليست أكثر من مشروع وضعه جورج بيكو، ولا يمكن للحكومة البريطانية قبوله دون إجراء تعديلات عميقة عليه. أما لويد جورج، رئيس الحكومة البريطانية، فقد مضى إلى أبعد من هذا عندما اعتبر أن بريطانيا أقدر على حماية الأراضي المقدسة من أي كان، وجزم أن موضوع «فلسطين الفرنسية» ليس وارداً أصلاً.

2- بقيت هذه المسألة موضع تجاذب بين لندن وباريس حتى عشية افتتاح مؤتمر السلام في كانون الثاني (يناير) 1919 في باريس، عندما انتزع لويد جورج من كليمنصو رئيس حكومة فرنسا قرار انتقال فلسطين إلى منطقة النفوذ البريطاني؛ وعلى خلفية اكتشاف النفط فيها، جرى ضم الموصل - بعد سلخها عن سوريا - إلى بلاد الرافدين، حيث أقامت بريطانيا في الأخيرة حكماً مباشراً.

في كل هذا، لعبت الغلبة العسكرية البريطانية دوراً حاسماً في تغيير الموقف الفرنسي، فبعد أن انطلق أللنبي على رأس الجيش البريطاني من قاعدته المتينة في مصر (المحتلة منذ عام 1882) كرَّت مسبحة انتصاراته، فاحتل فلسطين من بوابة القدس (1917/12) وأعلن الحكم العسكري فيها ضد إرادة فرنسا المطالبة بإدارة مشتركة لفلسطين، وتابع أللنبي حملته، فدخل دمشق (1918/10) ونصَّب الأمير فيصل حاكماً على سوريا (دون لبنان وفلسطين). وكان الجيش البريطاني احتل بغداد نهاية العام 1917، ودخل كركوك والموصل في صيف 1918؛ وفي المقابل لم يتجاوز الحضور العسكري الفرنسي بيروت ومعها جزء من الساحل اللبناني.

على امتداد فترة انعقاد مؤتمر السلام في النصف الأول من العام 1919، وعلى الرغم من اتفاق التقاسم الإقليمي بين كليمنصو ولويد جورج الآنف ذكره، لم تتوقف محاولات الأخير لوضع اليد على سوريا، ولم تهدأ مساعيه (ومناوراته) لإقناع الرئيس الأميركي ويلسون بمقاومة مطالبة فرنسا بسوريا. والمعروف أن هذه المحاولات لم تتوقف إلا في مطلع العام 1920، عندما كفَّت بريطانيا عن الوقوف في طريق فرنسا في سوريا، وخاصة بعد حلول مييران على رأس حكومة فرنسية يمينية ذات نزوع استعماري واضح قررت احتلال سوريا، وفعلت (صيف 1920).(9)

3- انطلاقاً من هذه الوقائع التي حسمتها حقائق الميدان، باتت الطريق أخيراً ممهدة أمام باريس ولندن لتقاسم إقليمي واضح المعالم، أصبحت فيه فلسطين (وفي امتدادها شرق الأردن) وبلاد الرافدين تحت السيطرة البريطانية، وسوريا ولبنان تحت السيطرة الفرنسية. أما الجزيرة العربية، فبقيت مستقلة، إنما في دائرة النفوذ البريطاني.

وهكذا رست اتفاقية سايكس- بيكو على صيغتها المعدَّلة بعد أكثر من سنتين ونصف السنة من إقرار صيغتها الأولى. ولكن هذا لم يعنِ أن الصراع لم يستمر بأشكال متعددة بين الأطراف المعنية على امتداد العقود الثلاثة التي استغرقها الاحتلال ومعه الانتداب. لقد أتت اتفاقية سايكس- بيكو، كما رست عليها في العام 1922 (عام إصدار صكوك الانتداب وغيرها من الاتفاقات) بتسويات قلقة، غير مستقرة، تخللتها عمليات تغيير حدود وضم مناطق (أي سلخ أراضٍ عن كيان، وإلحاقها بكيان آخر) ولَّدت عداوات؛ والأكثر خطورة، فقد زرعت اتفاقية سايكس- بيكو معطوفة على وعد بلفور دولة إسرائيل، كياناً غاصباً، ومشروعاً مفتوحاً على عدوان متمادٍ في قلب الإقليم. ومن هذه الزاوية، فقد كان لاتفاقيات سايكس- بيكو وفي امتدادها وعد بلفور (لما تحدَّر منها، أو دار في فلكها من وعود واتفاقات الخ..) التأثير العميق على مصائر المنطقة ومستقبل شعوبها، وبما أسسته، أيضاً، لصراعات متوالدة مازالت تداعياتها قائمة حتى يومنا.

(3)

وعد بلفور.. تقاطع الظرفي مع الاستراتيجي

1- ارتقى مؤتمر بازل التأسيسي عام 1897 بالدعوة الصهيونية إلى مستوى البرنامج السياسي الذي تحمله حركة منظمة تسعى لتحقيق أهدافها من خلال كسب تأييد دول فاعلة من جهة، وخلق أمر واقع استيطاني على أرض فلسطين من جهة أخرى. وتؤكد الوقائع - حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى وإلى أن وضعت أوزارها- أن مشروع استيطان فلسطين بقيت نتائجه متواضعة، ليس بسبب ضعف استجابة اليهود فحسب - وهذا عامل مهم بكل تأكيد-، إنما بالأساس، لأن المشروع الصهيوني لم يلقَ استجابة من قبل الجهة التي تملك السيادة على الأرض، أي الدولة العثمانية.

أما بريطانيا، الأكثر استجابة لهذا المشروع (سواء من زاوية طبيعة البيئة الثقافية وسط النخب المتقبلة للفكرة الصهيونية، أو من زاوية محصلة الأجواء السائدة في الوسط السياسي، كما والشركات الكولونيالية ورجال المال والأعمال..)؛ نقول بريطانيا على افتراض أنها كانت عازمة - وهي لم تكن كذلك في تلك الفترة - لم يكن بوسعها تطويع أو اختراق القرار السيادي للدولة العثمانية التي، وإن لم تكن كلية القدرة، كانت تملك ما يكفي منها لصون استقلال قرارها السياسي المنسجم ومصالحها كدولة.(10)

2- بقيت هذه المعادلة صامدة، إلى أن بدأت بالاهتزاز مع اندلاع الحرب العالمية الأولى التي طرحت مصير الإمبراطورية العثمانية (كما والإمبراطورية النمسوية- الهنغارية) على بساط البحث.

وعلى هذا، ترتب بالنسبة لفلسطين ما يلي: مع تقدم الجيش البريطاني في أراضيها (1917/2)، افتتحت المفاوضات الرسمية بين الحركة الصهيونية والحكومة البريطانية، تلتها مفاوضات أخرى مع الحكومتين الفرنسية والإيطالية، فتحت الموافقة رسمياً على المشروع الصهيوني في باريس وروما، كما في لندن. وأرجئ نشر هذه الموافقة حتى أواخر شهر 1917/10، عندما ظهر أن انتصار الجنرال أللنبي في حملته بات أمراً محققاً. وفي 1917/11/2 نشرت الحكومة البريطانية بياناً بسياستها، عُرف بتصريح أو وعد بلفور. وكان هذا التصريح قد عُرض قبل نشره على الرئيس الأميركي ويلسون وحظي بموافقته. وفي 1918/2/14، أيدته الحكومة الفرنسية تأييداً علنياً، ثم تلتها الحكومة الإيطالية فأيدته بتاريخ 1918/5/9.

3- روّجت الحكومة البريطانية لوعد/ تصريح بلفور، كأمر «اقتضته موجبات الدعاية» لتحشيد الرأي العام اليهودي وإمكانياته خلف الحلفاء في ظرف حرج كانت تجتازه العمليات الحربية،(11) فقد أملت ظروف الحرب إصدار الوعد الذي أيدته فرنسا، إيطاليا والولايات المتحدة.

قد يضاف إلى هذا اعتبارات أخرى، من بينها: أن وعد بلفور يخدم حجة بريطانيا في خلافها مع فرنسا على فلسطين، التي أحالتها اتفاقية سايكس- بيكو الأولى إلى «إدارة دولية»؛

ومنها أيضاً: الدافع العقيدي في البلدان الأنجلو- سكسونية بالذات (الولايات المتحدة، بريطانيا ومعها دول الدومينيون: كندا، جنوب إفريقيا، أستراليا، نيوزيلندا)، حيث تعاطُف البروتستانتية بمرجعيتها التوراتية أيضاً، مع طموح (أو حنين) اليهود في الالتحاق ﺑ«أرض الميعاد»..

هذه الاعتبارات وغيرها صحيحة في تبرير صدور وعد بلفور، ولكنها ليست كافية، فالاعتبار الظرفي المحكوم بمتطلبات الحرب والمدعوم بالموقف العقيدي المتعاطف مع الأهداف الصهيونية، يتجاهل أن اتفاقية سايكس- بيكو سبقت وعد بلفور بعام ونصف العام ورسمت حدود المكاسب الإمبريالية بين طرفيها. صحيح أنها كادت تفشل بسبب الخلاف على توزيع «الحصص»، لكنه كان خلافاً بمضمون استراتيجي، فهو لم ينشب - مثلاً- على الموصل النفطية على أهميتها الاقتصادية، بل على فلسطين لأهميتها الاستراتيجية التي لا تضاهى في الإقليم، وبخاصة في حماية قناة السويس وخطوط المواصلات عموماً، معبراً آمناً إلى الهند، وما تمثله الهند في قلب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

4- ضمن هذه الأولوية الاستراتيجية تقاطعت بريطانيا مع المشروع الصهيوني، الذي افترضت أنه باستيطانه وارتباطه العضوي بالغرب، إنما يخدم مواقعها الاستراتيجية في فلسطين، في زمن كان الاستعمار الاستيطاني الحديث (أي الذي بوشر به في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) قائماً في أكثر من مكان في العالم (الجزائر، روديسيا، جنوب غرب إفريقيا/ ناميبيا، جنوب إفريقيا..) لاعتبارات اقتصادية وسكانية، لكن أيضاً لاعتبارات متصلة بالمصالح الاستراتيجية.. ومن هذا المنظور تقاطع وعد بلفور مع المصالح الاستراتيجية في المنطقة وما يتجاوزها. وقد تبيّن مع مرور الزمن أن الرهان الإمبريالي كان في محله، فبعد أن حلّت الإمبريالية الأميركية، بعد الحرب العالمية الثانية، مكان الإمبريالية البريطانية، باتت إسرائيل هي القاعدة الاستراتيجية الأهم للولايات المتحدة في الإقليم وما يتجاوزه.

5- إن الإضاءة على الأهمية الاستراتيجية لفلسطين بالنسبة لبريطانيا في ذلك الحين، لا يعني أن المصالح الاقتصادية الكبرى، لم تكن لدى فرنسا وبريطانيا أيضاً هي الدافع الرئيسي لاحتلال الإقليم بواجهة الانتداب، بل على العكس تماماً، كانت المصالح الاقتصادية لدى الإمبرياليتين أكبر من أن تُحجب في المنطقة.. كسوق استهلاك، وطرق تجارة، وكمصدر للمواد الخام.

(4)

صك الانتداب.. غلاف لوعد بلفور

1- إذ أسست الفقرة الثالثة من المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم (1919/6/28) لأنظمة الانتداب على الولايات العربية التي تقرر فصلها عن السلطة العثمانية، فقد تفاوتت بشدة في التطبيق، حيث ميّزت معاهدة سيفر (1920/8/10) فيما يتعلق بصيغة الحكومات التي ستقام في هذه البلدان لاحقاً، بين سوريا والعراق من جهة، وفلسطين من جهة أخرى.

وبالفعل، فقد نصّت المادة 94 من معاهدة سيفر على الاعتراف بكل من سوريا والعراق «كدولة مستقلة بشرط أن تمد بالمشورة والمعونة الإدارية من قبل دولة منتدبة إلى أن تصبح قادرة على حكم ذاتها بذاتها وفقاً للفقرة 3 من المادة 22»؛ وفي المقابل نصّت المادة 95 من المعاهدة المذكورة على أن يعهد بإدارة فلسطين إلى دولة منتدبة «تكون مسئولة عن تنفيذ تصريح بلفور الذي أصدرته الحكومة البريطانية (..) وأقرته دول الحلفاء الأخرى فيما بعد».

2- إثر معاهدة سيفر، صدر عن مجلس عصبة الأمم استناداً إلى المادة 22 من ميثاقها (لكن من دون ذكر لفقرتها الثالثة)، مشروع صك الانتداب على فلسطين، الذي نصَّ على «أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ تصريح بلفور». وبما أن هذه الإشارة الصريحة إلى وعد بلفور (المدرج بكامل نصه) يتعارض مع الفقرة 3 من المادة 22 التي سرت على سوريا والعراق باعتبارها دول مستقلة، وإن مؤجلة الاستحقاق، فقد تم إسناد صك الانتداب هذا إلى الفقرة 7 من المادة 22 التي «تنص على أن درجة السلطة أو السيطرة أو الإدارة التي تمارسها الدول المنتدبة، إذا لم يكن هناك اتفاق سابق بشأنها بين أعضاء عصبة الأمم، سيحددها بصراحة مجلس عصبة الأمم»؛ أي - بكلام آخر- دول الحلفاء الكبرى الموافقة أصلاً على تطبيق وعد بلفور.

3- اجتاز صك الانتداب على فلسطين 3 محطات في عصبة الأمم: إعلان المشروع في 1921/7/6، والمصادقة عليه في 1922/7/24، ووضعه موضع التنفيذ في 1923/9/29. إن انقضاء حوالي السنتين بين معاهدة سيفر والمصادقة على صك الانتداب، يُعزى إلى طلب الولايات المتحدة، الدولة غير العضو في عصبة الأمم - وبسبب من اشتراكها في الحرب- أن يؤخذ رأيها حول شروط الانتدابات. وهذا ما وقع، حيث عُرضت مشاريع الانتدابات على مجلسي النوب والشيوخ (1922/6/30)(12) وحازت على موافقتهما، بما في ذلك الموافقة على «تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، ما جعل وعد بلفور يتمتع ليس بشرعية عصبة الأمم فحسب، إنما أيضاً بموافقة تلك الدولة العظمى التي أبقت نفسها خارج إطار المؤسسة الأممية الفاعلة في حينها.

بين إقراره من الحكومة البريطانية والمصادقة عليه من عصبة الأمم استغرقت رحلة وعد بلفور خمس سنوات، لكن الشروع بتنفيذه لم ينتظر طويلاً، فقد باشرت بريطانيا، بعد أن أصبحت قوة محتلة، بتوفير شروط تطبيقه، ما أن تم التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة (ومن ضمنها المادة 22) في منتصف عام 1919، أي حتى قبل عام من إعلان بريطانيا رسمياً نهاية الحكم العسكري في 1920/7/1، وبداية الحكم المدني، الذي افتتحه المندوب السامي هربرت صموئيل المعروف بالتزامه الصارم، العقيدي والوظيفي، بالمشروع الصهيوني، وكان هو أول عضو في الحكومة البريطانية اقترح إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين برعاية بريطانيا في العام 1914 عندما بدأت الحرب ضد الدولة العثمانية.

(5)

الانتداب.. حاضنة المشروع الصهيوني

1- صك الانتداب حوَّل وعد بلفور إلى التزام أممي. وكما تجاهل وعد بلفور الفلسطينيين، أصحاب البلد الأصلي، وأنكر وجودهم، فانحدر بالتعريف عنهم - بالإنكار- إلى مستوى «الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين»، أتى صك الانتداب في امتداد هذا الإنكار ليستخدم نفس الصيغة، وأحياناً ليلطفها دون تغيير مضمونها بصيغة «فئات الأهالي الأخرى»، لكنه أبداً لم يُشر إلى الفلسطينيين.

استخدام صك الانتداب الصيغة الصحيحة لفلسطين (التاريخية) عندما أسماها فلسطين، معترفاً بجغرافيا الكيان السياسي المتحوِّل - مبدئياً- إلى دولة مستقلة بمساعدة نظام الانتداب. غير أن الاعتراف بهذا الكيان الصائر إلى دولة، لم يترتب عليه الاعتراف بشعبها وبحقه في تقرير مصيره على أرضه، بل بشعب آخر، غير موجود في فلسطين، عندما «اعترف بالصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد»؛ كما اعترف صك الانتداب بوكالة يهودية معنية بجميع القضايا المتعلقة بإنشاء «الوطن القومي اليهودي، ومصالح السكان اليهود في فلسطين».

2- لم يلتزم صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم بمبدأ حق تقرير المصير، كما ورد في النقاط اﻟ14 الشهيرة للرئيس الأميركي ويلسون، وهو المبدأ الذي كان في أساس قيام عصبة الأمم، لا بل أعادنا صك الانتداب في واقع الأمر إلى القاعدة الإمبريالية إياها، التي تعتبر أن حق التصرف بالبلاد المحتلة لا يعود لسكانها المحرومين من حق تقرير المصير، بل لمحتليها الذين وحدهم يقررون لمن يعود هذا الحق. وفي الحالة الموصوفة تكون بريطانيا، الدولة القائمة بالاحتلال، قد اعترفت ومن ثم فرضت حق تقرير المصير لمن لم يتشكل بعد كشعب، فضلاً عن كونه ليس من سكان البلاد أصلاً، فكان لا بد من توفير شروط استقدامه وتوطينه في فلسطين من خلال ممارسة أقصى درجات الضغط (coercion)، لا بل العنف (violence) بأشكاله على سكان البلاد الأصليين.(13)

وعليه، يكون صك الانتداب - في امتداد وعد بلفور، بالتوافق معه وتفصيلاً لفحواه- قد اعترف، لا بل التزم أمام الحركة الصهيونية بالأركان الثلاثة التي تقوم عليها الدولة بمفهومها الحديث: الأرض (فلسطين)، الشعب (اليهودي)، الحكومة (ونواتها الوكالة اليهودية)، بينما حجب هذا الحق عن شعب فلسطين، من بوابة إنكار وجوده كشعب - ابتداءً - وبحقه في تقرير المصير - استتباعاً.

بهذا، يكون صك الانتداب بالنظام الذي أقامه، قد خلق مشكلة دستورية كبرى للفلسطينيين، باعتباره لم يأتِ صراحة على ذكرهم، لا بالتسمية ولا بالتصنيف كشعب، ولا بذكر حقوقهم، ذلك أن بنية نظام الانتداب قد صممت لمنع الشعب الفلسطيني بالتحديد من اكتساب حقه بتقرير المصير. ومن هنا تمسك الحكومات البريطانية المتتالية - ومعها الحركة الصهيونية - بالرفض المبدئي لقيام حكومة تمثيلية حقيقية في فلسطين، وبرفض أية تعديلات دستورية تجعل ذلك ممكناً، ما شكَّل عائقاً حقيقياً أمام الفلسطينيين، عجزوا عن تجاوزه طيلة فترة الانتداب.

(6)

في العلاقة مع الاحتلال والمحيط وأشكال النضال

في البدء كان سايكس- بيكو، تلاه وعد بلفور ومعه الاحتلال بمحطاته الثلاث: الحكم العسكري، فالمدني، ومن ثم الانتداب، وفي كل المحطات بوظيفة خلق الشروط المواتية لتنفيذ إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

لقد كانت المهمة الرئيسية للانتداب البريطاني والمندوبين الساميين الذي تعاقبوا على رأس حكومة فلسطين الانتدابية توفير الشروط السياسية والسكانية والاقتصادية والعسكرية من أجل تعزيز كيانية المستوطنين اليهود، وتعظيم كتلتهم السكانية، وتسهيل إقامة البنى التحتية للدولة الصهيونية قيد التأسيس؛ وفي المقابل انصب جهد الاحتلال على تقويض أي مسمى لإقامة كيانية وطنية فلسطينية ببنية مؤسسية ذات صلة بمشروع إقامة سلطة فلسطينية.

ثلاثة عقود استغرقها هذا المسار (1918- 1948)، فكيف تعاطت معه، في غالبية الأحيان، القيادة المتنفذة للحركة الوطنية الفلسطينية، المتحدرة - بمعظمها- من وجهاء المدن وكبار التجار وملاك الأراضي؟

1- في تعيين التناقض الرئيسي؛ هل هو مع الصهيونية؟ أم مع الاحتلال بمسمى الانتداب؟ أم مع الاثنين معاً؟ وفي كل هذا تشير الوقائع إلى ما يلي:

انطلقت القيادة المتنفذة للحركة الوطنية بأن العدو هو الصهيونية وحدها، وساورها وهم إقناع بريطانيا بوقف الدعم للمشروع الصهيوني، وبإلغاء وعد بلفور من خلال عرض المزايا التي يمكن أن تتوفر لبريطانيا من خلال تعاون العرب معها، بدل الحركة الصهيونية.

لقد تأخر الوعي لأهداف السياسة البريطانية وصلتها الوثيقة بالصهيونية، بسبب الجهل بطبيعة الصهيونية وطبيعة الإمبريالية البريطانية والآصرة العميقة بينهما. وفي هذا أغفلت قيادة الحركة الوطنية أن الاحتلال البريطاني المتدثر بثوب الانتداب هو العدو الأول الذي أدخل الصهيونية إلى البلاد. ولم تدرك أن النكبة التي حلَّت بشعب فلسطين قد بدأ العد العكسي لوقوعها مع اليوم الأول للانتداب؛ وهي - بالنتيجة- ثمرة التحالف الوطيد بين الصهيونية والإمبريالية البريطانية و“بدرجات متفاوتة” تواطؤ الإمبرياليات الأخرى.

2- في مواجهة بريطانيا والمخطط الصهيوني عموماً؛ في امتداد ما سبق نشير إلى ما يلي: كانت هناك على رأس الحركة الوطنية قيادة تقليدية، ضعيفة.. لا تتمتع بالفعالية التي تقتضيها طبيعة المعركة، قيادة لم تفهم تماماً ولم تكن أصلاً بمستوى التحدي الاستراتيجي الذي يواجه شعبها، قيادة لم تستوعب ميزان القوى الحقيقي المتحكم في الميدان، ولا طبيعة العلاقة بالضبط بين القوة العظمى المسيطرة في كل مرحلة، وبين حلفائها في الحركة الصهيونية. وفي معظم الأحيان كانت هذه القيادة تسعى إلى عقد التحالفات الخارجية الخاطئة، إن لم تكن المدمرة في بعض الحالات. وبالنتيجة وقفت القيادة الفلسطينية في هذا الصراع الطاحن عاجزة، وبلا تحالفات تذكر.

3- في العلاقة مع المحيط المباشر؛ لم تقدِّر القيادة الفلسطينية بشكل صحيح درجة اهتمام البلدان العربية والمسلمة بالقضية الفلسطينية، وما يمكن أن تقدمه من دعم وإسناد سواء على مستوى الحكومات أو الشارع، كما أنها لم تستوعب تماماً في العلاقة مع الحكام العرب مدى تأثير العوامل المصلحية لديهم من موقع علاقتهم (التابعة في أحيان كثيرة) ببريطانيا خاصة، أو فرنسا، ما كان يؤدي إلى التأثير السلبي على القرار الوطني (ثورة 1936)، وصولاً إلى مصادرته (خاصة بعد انتهاء ثورة اﻟ36)، على طريق إلغاء التمثيل الفلسطيني المستقل (عملياً بدءً من العام 1943).

4- في العلاقة مع أشكال النضال؛ أحجمت (أو تهيّبت في أفضل الحالات) قيادة الحركة الوطنية بأحوالها الطبقية آنفة الذكر، أحجمت عن اللجوء لاستخدام، أو لاعتماد أشكال النضال الصدامية في مواجهة الاحتلال البريطاني، ونأت بنفسها عن أشكاله العنفية بالذات، ما ترك هذا الخيار لحركة النضال في الميدان (ثورة 1936 والمحطات التي سبقتها) لقطاعات مؤثرة في المجتمع الفلسطيني سواء في الريف (الفلاحين) أو المدن (الطبقة العاملة، وفئات معيّنة من البورجوازية الصغيرة)، قدَّمت قيادتها المتحدرة بمعظمها من أصول كادحة (فلاحية بمعظمها، وعمالية بحدود معيّنة)، ما أدى إلى انقطاع في سلسلة القيادة بين المستوى القاعدي والوسيط من جهة، والمستوى الأول المتآكل القدرة باضطراد على الاضطلاع بدوره القيادي المفترض، من جهة أخرى.

(7)

في إقامة السلطة الوطنية

1- إن من أهم مظاهر فشل الحركة الوطنية الفلسطينية يعود إلى عدم إيلائها الاهتمام بالقدر المطلوب لمسألة بناء السلطة السياسية (الوطنية) على خلفية عدم إدراك كافٍ لأهميتها، وغياب طويل لأي تصور لما يمكن أن تلعبه هذه السلطة من دور. وفي هذا المجال بالتحديد، بدت الحركة الوطنية مشتتة بين رغبتها في جعل فلسطين جزءً من وحدة سياسية أكبر (سوريا الكبرى، الخ..)، وبين هدف فلسطين مستقلة بحدودها الانتدابية. وهذا ما رسا عليه خيار التيار الرئيسي في الحركة الوطنية، رغم اندفاع بعض الأوساط في قيادة الحركة، كان تأثيرها في القرار الفوقي أكبر مما تجيزه صفتها التمثيلية، لمساومة الإمبريالية البريطانية على انتداب بغير وعد بلفور (!)، أو حتى حكم ذاتي فلسطيني تُصان فيه مصالح بريطانيا (!).

وبالنتيجة، فإن المشكلة الجوهرية التي واجهت الفلسطينيين على امتداد عقود الانتداب، تتحدد بفشلهم في إقامة بنى وطنية للإمساك أو للمشاركة بالسلطة السياسية الرسمية في دولة الانتداب، أو - في حال تعذر الخيارات الأخرى- إنشاء بنى بديلة، أي بنى سياسية- إدارية، تقود البلد على طريق الاستقلال.

2- مما لا شك فيه أن قسماً مهماً من هذا الفشل يعود إلى الانتداب البريطاني، الطرف الأقوى في المعادلة، فمنذ البداية سعت حكومة الانتداب إلى صرف أنظار الحركة الوطنية عن توفير مدخل على السلطة الحقيقة في الدولة قيد الإنشاء، وعن مواجهة منع الانتداب بشكل حاسم تشكيل المؤسسات التمثيلية الفلسطينية، وبالذات فيما خص الحكومة التمثيلية.

وتحقيقاً لهذا الغرض، رعت حكومة الانتداب إنشاء وتطوير مؤسسات إسلامية لم تكن قائمة فيما مضى من أجل إلهاء الحركة الوطنية عن توحيد جهودها وتشتيت تركيزها على الأهداف الوطنية المناهضة للاستعمار، بما في ذلك صرف أنظار الحركة الفلسطينية عن التغلغل في حكومة الانتداب.

3- في هذا الإطار، استحدث الانتداب بنى في الإدارة الدينية لم تكن موجودة فيما سبق، على غرار: «المجلس الإسلامي الأعلى»، أو منصب «مفتي فلسطين الأكبر»، الذي سمي أيضاً «مفتي القدس والديار الفلسطينية» بدلاً من الصيغة التقليدية المعتمدة: «مفتي الديار المقدسية».

جميع هذه البنى كانت اختراعات بريطانية، رمت إلى تجنيد نخب فلسطينية انطلاقاً من منح مؤسسات الإدارة الدينية سيطرة تامة على الإيرادات العامة الواسعة للأوقاف العامة وسلطات واسعة على الناس ومصالحهم. وكان ذلك أحد جوانب سياسة أشمل لتجنيد تلك النخبة، وإعطائها كل مظاهر ومكاسب السلطة دون أي مضمون (وبما يجعل المقارنة مع سلطة الحكم الإداري الذاتي حالياً، تفرض نفسها في هذا السياق).

إن خلق منافسة حادة بين النخب القيّمة على مؤسسات الإدارة الدينية المستحدثة، والنخب التي تُستبقى خارجها، يؤدي إلى تأجيج نار الصراعات فيما بينها، خاصة عندما يتم استرضائها بمناصب أخرى على غرار رئاسة بلدية القدس التي خصصت لعائلة النشاشيبي، مقابل تخصيص رئاسة «المجلس الإسلامي الأعلى» لعائلة الحسيني.

(8)

وعد بلفور.. أسقط فلسطين من «نظام الانتداب»

1- حوّلت أنظمة الانتداب المشرق العربي من كيانات إدارية توحدها سياسياً وسيادياً الإمبراطورية العثمانية متعددة الأقوام، إلى دولة تحت الاحتلال بمسمى الانتداب، تفصلها حدود دولية عن بعضها البعض. لقد شقّت هذه الدول، بنضال شعوبها، طريقها نحو الاستقلال، وأزاحت الانتداب عن كاهلها، لكنها مازالت تخوض معركة الدفاع عن الدولة الوطنية، إن لم يكن إعادة بنائها في بعض الحالات.

إن هذا المسار بمحطاته الثلاث: احتلال/ انتداب، فاستقلال، ومن ثم بناء (أو استكمال بناء) الدولة الوطنية، هو مسار مشترك ينطبق على عديد الدول العربية، وليس على دول مشرقنا العربي فحسب. ولا تغيّر التطورات التي نشهدها منذ العام 2011 شيئاً من حقيقة أن مهمة بناء، أو إعادة بناء الدولة الوطنية، هي المهمة المركزية المطروحة على جدول أعمال جميع القوى الحيّة في المجتمع، سوى أن هذه المهمة باتت متداخلة، أكثر من ذي قبل، بمهمة التحرر الوطني.

2- وحدها فلسطين خرجت عن هذا المسار، فلم ينطبق عليها نموذج الانتداب، أي نموذج الشعوب التي لم تنضج ظروفها بعد لنيل الاستقلال، ما يستدعي وضعها تحت رعاية وحكم دول أكثر تطوراً (!)، تأخذ بيدها، وتعدّها تدريجياً للاستقلال من أجل نقل الحكم إليها في نهاية الأمر (!!).

ومع إدراكنا أن ما يدعيه أو يفترضه هذا النموذج غير صحيح، ولا يتعدى كونه تحايلاً على مبدأ حق تقرير المصير، الذي رفعت رايته عالياً ثورة أكتوبر المجيدة بقيادة لينين، والنقاط اﻟ14 للرئيس الأميركي ويلسون التي أمطر بها مؤتمر باريس للسلام (لكنه أغفل المطالبة بتطبيقها على الدول العربية وفلسطين)، والذي تحوَّل إلى مبدأ تأسيسي لعصبة الأمم المتحدة؛

نقول، مع إدراكنا أن ما يرمي إليه هذا النموذج ليس أكثر من مناورة مكشوفة لإعادة الاحتلال من البوابة التي أخرجه منها مبدأ حق تقرير المصير، الذي ضلَّ سبيله عن فلسطين، فاستثناها بوعد بلفور من نظام الانتداب الذي يقود، وإن عن طريق الآلام، إلى الاستقلال؛ إن وعد بلفور، رغم صك الانتداب على فلسطين، أحالها من الانتداب بأفق الاستقلال، إلى مشروع آخر، استعماري استئصالي بالجوهر، يقتلع الشعب الفلسطيني من بلاده، ويحرمه من كيانه، ويقطع «العلاقة العضوية، التي لا انفصام فيها ولا انقطاع بين الشعب والأرض والتاريخ».

وبالمحصلة، فقد أتى وعد بلفور ليخرج فلسطين من «نظام الانتداب»، أي من نسق الدول التي كان من المقدَّر لها، طال الزمن أم قصر، أن ترتاد أفق الحرية والاستقلال، ووضعها في خانة الاستعمار الاستيطاني بأبشع أشكاله.

(9)

وعد بلفور.. خطر ماثل أمام شعوب المنطقة

لموقعيته، بحكم الدور الذي اضطلع به، ومرجعيته في القرارات الدولية التي أسست لإسرائيل، تحوَّل وعد بلفور بعد انقضاء مئة عام على ولادته إلى ركن أساسي في العقيدة الصهيونية، وفي السياسة اليومية المشتقة في التعاطي مع الفلسطينيين والعرب وعموم شعوب المنطقة.

إن ما تعرضت له الأراضي العربية بعد النكبة، يشير إلى أن إسرائيل تضع هذه الأراضي في مهداف سياستها العدوانية التوسعية الخ..؛ وهذا ما تؤكده - على أية حال- وقائع الاحتلال في الضفة الفلسطينية، والقدس، والجولان، والشريط الجنوبي في لبنان، ما يعني أن فلسطين ليست وحدها في مرحلة تحرر وطني، بل أيضاً - وبحدود معيّنة- عدد من الدول العربية، على اختلاف ظروفها.

وإذا ما أضفنا إلى العدوانية الإسرائيلية الموصوفة، العدوانية الأميركية المتجددة في عهد الإدارة الجديدة، وسعيها الدائب لتوسيع دائرة حضورها العسكري في المنطقة في إطار سياسة تدخلية لم تعد تخفي مراميها.. نصل إلى نتيجة مفادها، أن الدفاع عن الدولة الوطنية التي تقوّضت، أو بالحد الأدنى اهتزت مرتكزاتها في السنوات الأخيرة، بات يقترن بشكل وثيق بالنضال الوطني التحرري، ما يستدعي بدوره التأكيد على ضرورة العمل المشترك بين مختلف المكونات السياسية في المنطقة، رسمية كانت أم شعبية. ولعل هذا من أهم ما يمكن الدعوة إليه في الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم*

- انتهى -

*********

 



 

فهد سليمان

نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

 

 

شاهد مقالات فهد سليمان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

دمشق: تحرير الجولان بكافة الوسائل المتاحة حق غير قابل للتصرف

News image

اعتبرت وزارة الخارجية السورية اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة الاحتلال على الجولان السوري الم...

ترامب يوقع وثيقة الاعتراف بسيادة الاحتلال على مرتفعات الجولان السورية المحتلة و الجامعة العربية: إعلان ترامب حول الجولان قرار باطل

News image

وقع ترامب وثيقة الاعتراف بسيادة الاحتلال الصهيوني على مرتفعات الجولان السورية المحتلة ، في حضور ...

جيش الاحتلال يعلن عن بدء عملياته العسكرية في غزة ودوي انفجارات ضخمة في المناطق الغربية من القطاع

News image

أعلن جيش الاحتلال بدء استهداف مواقع حماس في غزة، وقد سمع دوي انفجارات ضخمة في ...

صاروخ غزة وصل إلى وسط الاراضي المحتلة وأسفر عن سقوط 7 جرحى

News image

قالت شرطة الإحتلال إن صاروخا أطلق من قطاع غزة، أصاب منزلا وسط الارض المحتلة، وأسفر ...

ارتفاع عدد قتلى الانفجار في مصنع للمبيدات الحشرية بالصين إلى 78

News image

ذكرت وسائل إعلام رسمية صينية أن عدد قتلى انفجار هائل وقع الأسبوع الماضي في مصن...

رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد يهاجم الاحتلال ويصفه بدولة اللصوص

News image

وصف رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد، إالاحتلال الصهيوني، بأنها "دولة لصوص"، قائلا: "لا يمكنك الا...

وفاة مئة شخص في حادث عَبَّارة الموصل

News image

غرق مئة شخص، إثر انقلاب عَبَّارة سياحية، كانت تنقل عوائل إلى جزيرة أم الربيعين الس...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

قلاع الاستبداد ومطارق الفساد

حسن العاصي

| الأحد, 24 مارس 2019

  تصنيع الرعب واختلاس العقول اختلف كتّاب ومؤرخي سيرة الحزب النازي الألماني حول ...

فكر “الارهاب المقدس” يجتاح المجتمع الصهيوني – فتاوى الحاخامات: “اقتلوا الفلسطينيين .. العماليق” ف “لا توجد أي مشكلة أخلاقية في سحق الأشرار”

نواف الزرو

| الأحد, 17 مارس 2019

    عبثا او مبالغة او للاستهلاك العام ان نقول ان فكر الارهاب المقدس يجتاح ...

"نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  (التحريض السياسي والديني ودوره في تأجيج العنف والتكفير) ظاهرة العنف السياسي والتكفير الديني ايديولوجيا ...

طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء

حسن العاصي

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  كصناعة السيارات والطائرات والملابس والعطور، يتم تصنيع الرأي العام والذوق العام. مثلما الثقافة صناعة ...

إدوارد سعيد: قوّةُ الثقافة تواجه ثقافةَ القوّة*

سماح إدريس

| الأربعاء, 6 مارس 2019

  محاضرة لرئيس تحرير الآداب، ألقيتْ في جامعة الأقصى في غزّة في 19/2/2019. لمشاهدة التسجيل ...

المدرسة الواقعية

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 4 مارس 2019

في المفهوم تعتبر الواقعية إحدى المدارس الفنية التي تركز في اهتمامها على كل ما هو ...

مآلات الثقافة والمثقّفين

د. عزالدين عناية

| الخميس, 28 فبراير 2019

نحو سوسيولوجيا للخطاب النقدي يواجه مستقبل العمل الثقافي في الزمن المعاصر ضبابية، بفعل تحولات هائ...

الحركة القومية العربية والتجدّد الحضاري

د. ساسين عساف

| الجمعة, 22 فبراير 2019

  أسباب الفشل وسبل النجاح أين تكمن نقاط الضعف في الحركة القومية العربية الدالة على ...

4 فبراير 1942.. التابوهات والحقيقة

علاء الدين حمدي شوالي

| الجمعة, 22 فبراير 2019

  - ديسمبر 1941.. الفوضى تجتاح الشارع المصري.. الجوعى يهاجمون المخابز.. روميل يتقدم الى العلمين.. ...

قراءة في كتاب (ظاهرة التطرف الديني)

د. عدنان عويّد

| الجمعة, 22 فبراير 2019

  دراسة منهجية لأبرز مظاهر الغلو والتكفير والتطرف والإرهاب الكاتب والباحث والمفكر الإسلامي المعاصر، الدكتور ...

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

قلاع الاستبداد ومطارق الفساد

حسن العاصي

| الأحد, 24 مارس 2019

  تصنيع الرعب واختلاس العقول اختلف كتّاب ومؤرخي سيرة الحزب النازي الألماني حول ...

فكر “الارهاب المقدس” يجتاح المجتمع الصهيوني – فتاوى الحاخامات: “اقتلوا الفلسطينيين .. العماليق” ف “لا توجد أي مشكلة أخلاقية في سحق الأشرار”

نواف الزرو

| الأحد, 17 مارس 2019

    عبثا او مبالغة او للاستهلاك العام ان نقول ان فكر الارهاب المقدس يجتاح ...

"نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  (التحريض السياسي والديني ودوره في تأجيج العنف والتكفير) ظاهرة العنف السياسي والتكفير الديني ايديولوجيا ...

طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء

حسن العاصي

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  كصناعة السيارات والطائرات والملابس والعطور، يتم تصنيع الرأي العام والذوق العام. مثلما الثقافة صناعة ...

إدوارد سعيد: قوّةُ الثقافة تواجه ثقافةَ القوّة*

سماح إدريس

| الأربعاء, 6 مارس 2019

  محاضرة لرئيس تحرير الآداب، ألقيتْ في جامعة الأقصى في غزّة في 19/2/2019. لمشاهدة التسجيل ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم4324
mod_vvisit_counterالبارحة27339
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع91489
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي209954
mod_vvisit_counterهذا الشهر881733
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1275628
mod_vvisit_counterكل الزوار66311814
حاليا يتواجد 2275 زوار  على الموقع