موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
الفنانة التشكيلية السعودية منيرة موصلي في ذمة الله ::التجــديد العــربي:: مصر .. مقتل 6 مسلحين في تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن ::التجــديد العــربي:: الشرطة الفرنسية: توقيف 43 شخصا في احتجاجات "السترات الصفراء" في باريس ::التجــديد العــربي:: مقتل وجرح فلسطينيين برصاص الاحتلال ::التجــديد العــربي:: انفجار في مخبز في قلب العاصمة الفرنسية باريس يقتل رجلي إطفاء ويصيب العشرات ::التجــديد العــربي:: الحرب في اليمن: قتلى في هجوم للحوثيين بطائرة مسيّرة على قاعدة العند العسكرية ::التجــديد العــربي:: رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم يستقيل من منصبه بشكل مفاجئ وامريكا قد "ترشح إيفانكا ترامب" لرئاسة البنك الدولي ::التجــديد العــربي:: البنك الدولي يتوقع "سماء مظلمة" للاقتصاد العالمي في 2019 ::التجــديد العــربي:: ما هي المنتخبات الأوفر حظا في التأهل لنهائيات كأس أمم آسيا؟ ::التجــديد العــربي:: مصر تستعيد قطعة تحمل اسم أمنحتب الأول من بريطانيا ::التجــديد العــربي:: هل شرب العصائر أكثر فائدة للصحة أم تناول الفاكهة؟ ::التجــديد العــربي:: «هيئة الترفيه»: الحضارة اليابانية في الدمام... والكوميديا في جدة ::التجــديد العــربي:: حماس تتسلم إدارة معبر رفح البري مع مصر ::التجــديد العــربي:: الكويت:مستعدون لاستضافة جولة جديدة من المباحثات اليمنية ::التجــديد العــربي:: الدفاع الروسية: نتابع حركة سفينة الإنزال الأمريكية في البحر الأسود عن كثب ::التجــديد العــربي:: جون بولتون: انسحاب القوات الأمريكية "يخضع لشروط" ::التجــديد العــربي:: مصر تفتتح أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط ورابع أكبر مسجد بالعالم ::التجــديد العــربي:: حكومة الغابون تعلن إحباط محاولة انقلاب عسكري ::التجــديد العــربي:: نائب رئيس الوزراء الإيطالي يعلن تأييده لاحتجاجات "السترات الصفراء" في فرنسا ::التجــديد العــربي:: توقيف 816 شخصاً في الاحتجاجات السودانية والبشير يحذر من أن "الاحتجاجات ستفاقم المشاكل" ::التجــديد العــربي::

الشبيبة الثورية من لاّمبالاة الانتظار إلى المشاركة المؤثرة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

استهلال:

"المشكل يتمثل في معرفة ما إذا كان ما هو حقيقي بالنسبة لمجتمع الكتلة هو حقيقي أيضا بالنسبة لثقافة الكتلة"[1]

ظل الشباب مفهوما غائبا عن التأصيل النظري في المرجعيات السياسية بالرغم من الحاجة الأكيدة إليه عند التنفيذ وفي مستوى تطبيق المخططات ومد الجسور مع الشعب وتدعيم الاتصال المباشر بالجماهير.

هذه المفارقة تكشف عن ما تعانيه الشرائح الاجتماعية الشابة من محاصرة وتهميش وازدراء على الصعيد النظري وعن استغلال وتوظيف وهيمنة تتعرض لها من طرف حراس الإيديولوجيا الزائفة والمعبد والسلطة. في الغالب تقود الحماسة الثورية معظم الشباب إلى التأرجح بين التمرد على الواقع والخروج عن قيم الأسرة وعادات المجتمع واكراهات الانضباط المؤسساتي والارتماء بين أحضان الماوراء والتعلق بالمطلقات والعزوف عن العمل والانسياق وراء شبكات الفساد والجريمة والالتحاق بالمنظمات العنيفة والمعولمة.

بيد أن معظم الحركات السياسية الثورية تبني برنامجها التنظيمي والدعوي على استقطاب هذه الشريحة واستثمار قوتها في التكتيك والمناورة والاستراتيجيا والتعويل عليها في الضغط والتحشيد وإحكام قبضتها على الشارع والسيطرة الإيديولوجية على مفاصل الفضاء العام وتمكينها من التعبير عن نفسها من خلالها تشكيل وعي ثوري يدفع إلى افتكاك زمام المبادرة والانخراط في العصيان المدني السلمي من أجل تغيير السائد والانتقال من عالم قديم هرم إلى عالم جديد نشط وتجديد خلايا الجسم الاجتماعي بضخ دماء جديدة.

يمكن بناء الإشكال الشبابي في ظل السياق الاجتماعي المتوتر وقوة التجاذب السياسي وتعاظم التحديات الحضارية وتفاقم الأزمة الاقتصادية وضعف القدرة التشغيلية للمؤسسات العمومية وتردد القطاع الخاص في التعويل على خرجي الجامعات وتبرير ذلك بقلة الخبرة وضعف المستوى التعليمي من جهة التطبيق.

لكن ماذا تمثل الشرائح الشابة من المجتمع البشري؟ هل هذه الشرائح مدمجة في مؤسسات الدولة أم توجد في الخارج وتشكل العصبي الحيوي لمعارضة السلطة الحاكمة؟ كيف تؤدي الشبيبة الثورية فعلا سياسيا في عالم اللاّيقين وزمن الاضطراب؟ والى أي مدى تتحول من وضع التهميش والقمع واللامبالاة إلى موقع المشاركة الفعلية في العملية التغييرية والتأثير الميداني على وجهة سفينة الديمقراطية إلى شاطئ الحرية؟

ما تراهن عليه لفلسفة الالتزام هو التعويل على الفئة الشابة من أجل الرد على التحديات بالثورة وتخطي الأزمة بالسماح بولادة عالم جديد خال من الشمولية والارتداد والتمييز ويكرس كرامة الإنسان وحقوقه.

1- خصوصية الشرائح الشابة:

الشريحة العمرية الشابة هي الفئة من الكائنات البشرية، إناثا وذكورا، التي تجتاز مرحلة الطفولة بصورة غير واعية وغير محددة وتكاد تبلغ مرحلة الكهولة دون أن تمتلك القدرات الذاتية التي تسمح لها بذلك.

تعاني هذه الشرائح الشابة من فقدان الثقة بالنفس والخوف من المستقبل وضبابية الرؤية وهشاشة في الموقف وتميل إلى المحاكاة وتحبذ التقليد وتقع في الحنين إلى الماضي وتتعلق بالمطلق والمثاليات.

اللافت للنظر أن الفئة الشابة من المجتمع تقع ضحية العنف السياسي الذي يعصف بالعلاقات بين الأحزاب المعارضة المنحازة للطبقات المسحوقة من حيث الموقع والمبدأ والقوى السياسية الداعمة للنظام السيادي للدولة من جهة المصلحة والوظيفة وبين هيئات وقوى المجتمع المدني وأجهزة السلطة السياسية الحاكمة.

كما تتعرض هذه الشريحة الهشة إلى الاستقطاب العقائدي وتتبنى الأفكار المغالية والتصورات المثالية الفارغة وتمارس نفيا مطلقا للواقع وتسقط بسهولة في اللاّتسماح والانغلاق والتعصب والحلول الحدية وتجد نفسها في نهاية المطاف في مصيدة الإرهاب المعلوم والتهريب المافيوزي والهجرة غير الشرعية.

بهذا المعنى ينضاف الاستغلال الجنسي إلى الاستقطاب الإيديولوجي والعنف السياسي والتخدير العقائدي وتساهم الشبيبة من حيث لا تدري في تشكل حشودا من العاطلين وجموعا من الخارجين عن كل تصنيف ويؤدي ذلك إلى تفجر أزمة هيكلية في المجتمع والبنية العلائقية للدولة ويتحول الوطن إلى بؤر تدمر ذاتها.

إذا حاولت هذه الفئة الشابة تأكيد الذات وإبراز حقيقة مواهبها وقيمة وجودها فإنها تسقط في فخ ملء وقت الفراغ والتسلية وتمارس الرياضة بشكل سلبي وتتعاطى المخدرات والكحول وتدمن على آفة لعب الورق. كما يرتبط العنف في مختلف تجلياته بعلاقتها بالأشياء والعالم والأشخاص وتهرب من خوفها الشديد من المستقبل لانعدام الآفاق بالغوص العميق في الحاضر ومحاولة امتلاك اللحظة وتحقيق المتعة المادية وما يترتب عن ذلك من شعور بالتوحد وتضخم الجسد في مقابل ترهل الروح وكثرة الاضطرابات النفسية.

2- أسباب الوقوع في اللامبالاة:

"يسهل خداع الشباب لأنهم يستعجلون الأمر... ولا يليق بالشباب التفوه بالحكم" - أرسطو-

لعل أسباب الأزمة الوجودية والفراغ الروحي والفقر المادي الذي تعيشه الشرائح الشابة ترجع إلى التبعية وغياب الاستقلالية وإيثار التواكل والتعويل على الغير وغياب روح المبادرة والكف عن تحمل المسؤولية.

تعاني هذه الشرائح من آفة الاغتراب في مستوى النظرة إلى الذات أولا وفي علاقتها بالمجموعة حيث تقع ضحية حل الامتثالية والتطابق التام مع الحشود ثانيا وفي إطار الصلة بالمحيط الطبيعي ومعنى العالم ثالثا.

لقد أدى هذا الوضع المهزوز الى تذويب الذات وتمزيق وحدة المجموعة والاعتداء على القيم الحضارية وتجفيف المنابت الروحية والنواة السردية للأمة وتسبب في احتدام بين الطبقات وسوء تفاهم تاريخي بين الأجيال والتصقت السلبية وانعدام الدافعية بالشباب وحدث مشاكل في التواصل وظهرت صعوبات في استعمال اللغة قصد الكلام وإجراء حوارات متمدنة في الفضاء المواطني وتنظيم نقاش عمومي مع الآخر.

قد يحوز الشاب في الحقبة المعاصرة على العديد من المعلومات من العالم المعيش وقد يتلقى جملة من الأرقام وتخزن ذاكرته عدة رموز ويتم الاحتفاظ بمجموعة من الصور في مخيلته وقد يتقاسم كل ذلك مع غيره ضمن الفضاء الافتراضي ولكن لم يقوم بتحويل المنجز إلى معارف مفيدة ومهارات عملية وأبقى كل ذلك بصورة مشوشة وغير منظمة وظل قانعا بالثقافة الكسولة والمعرفة الفاقدة للفاعلية والعلوم العاطلة.

والحق أن العولمة وسياسة التهميش التي تنتهجها مع الرأسمال البشري تعد من أهم الأسباب التي فاقمت أزمة الشبيبة وأفسدت عليها طريقة عيشها وأسلوب وجودها في العالم وحلت ماهي عادي وطبيعي عندها إلى اصطناعي وغير طبيعي وجعلت الحركة والصخب والتدمير تحل محل السكون والصمت والبناء.

من هذا المنطلق توجد عدة عوامل فردية واجتماعية تؤثر بصورة ضاغطة على معنويات المقبل على الحياة وتتحكم جملة من الشروط الاقتصادية في تصرفات الشباب وردود أفعالهم وفي عنايتهم بذواتهم.

في غالب الأحيان يفقد الشاب ثقته في ذاته وينتابه شعور بالتشاؤم ويدخل في دوامة عدم الثقة ويشك في إمكانياته وينتصر عليه اليأس عندما يصده الواقع ويرفضه المجتمع فتخور قواه وتنهار نفسيتها أمام شعوره بالعبث ويدرك بطريقة ملموسة بأن الجميع لا يرغب في رؤيته وفي بقائه فيقرر الرحيل إلى المجهول هروبا من الفراغ وفرار من روح الوجود الاجتماعي الثقيل وضغط مستلزمات الحياة عليه ويتنصل من كل مسؤولية ويتخلى عن كل المهام والواجبات التي أوكلها منطق الحياة إليه ويصير تائها في الوجود الفاقد للرحمة والشفقة تجاه كل امرئ أضاع البوصلة وانساق وراء المظهر والعابر بدل الجوهر والدائم ويجد الشاب في نهاية المطاف يدافع على كل شيء في الكون الا على خصوصية وجوده.

3- شروط الإقبال على المشاركة:

يقتضي الأمر بالنسبة إلى هذه الشرائح الشابة تشريح البنى العميقة وتثوير الذهنيات وتغيير معظم الأطر المعرفية والتركيز على تجاوز الأزمة الإبداعية للمغترب والاستفادة من تجارب الناقد العابرة للحدود وتحويل الفكر إلى رسالة والثقافة إلى التزام والعلم إلى عمل والأخلاق إلى مسؤولية والفعل إلى تضحية.

منح الشباب حق المواطنة المدنية يمر عبر التعويل عليهم في المشروع التحديثي وتشريكهم في القرارات المصيرية وتمكينهم من معرفة الوضعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تمر بها البلاد.

يمكن الربط بين الاعتراف بالشرائح الشابة على الصعيد المؤسساتي وإعادة بناء المنظومة التربوية وفق بيداغوجيا الخير العام وفلسفة المعرفة الكونية وغائية الفعل المشترك وتقاسم الحلم والعفو والوعد معا.

العمل على تعزيز الثقة بين الشباب بإنتاج اليقين النسبي في مستوى المعنى والقيمة وفض النزاعات بشكل سلمي وتوسيع دوائر المشاركة في الفعل والسماح لها باتخاذ القرار حول منزلته ومصيره في السياسات العمومية والتوعية باحترام المنفعة العامة وضرورة وضع الاستراتيجيات واستشراف الغد. "من هنا تولد حركة المقاومة، يجب إعداد مذهب تكون فيه جميع هذه العلاقات فاعلة ومتحركة وذلك بالبرهان بوضوح على أن مقر هذه الفعالية هو وجدان الإنسان الفردي الذي يعرف ويريد ويعجب ويخلق على قدر ما بحيث يعقل نفسه غير منعزل بل غنيا بالإمكانيات التي يقدمها له مجتمع الأشياء ومجتمع الناس الآخرين".[2]

من هذا المنطلق لم يتبق حلا مغايرا للشباب من أجل الخروج من حالة الاغتراب والاستسلام الى حالة اليقظة والالتزام سوى الانخراط في الثورة الدائمة على الظلم والتخلف والبؤس ومواجهة المصير بشجاعة ولم تترك الأزمات العاصفة والظروف القاسية من مخرج لهم الا الانتصار على الذات ومغالبة قسوة القدر ولم تخلف لهم مسيرة الشقاء والعذاب التي انخرطوا فيها من الإلقاء بهم في العالم سوى الوعي الشقي والحكمة اليائسة والموعظة المتأخرة والعبرة المتسللة بين ثنايا المد والجزر والتردد بين الانفعال والفعل.

تحتاج الفئة الشابة الى الكثير من الجد والعمل والمثابرة لكي تتمكن من دحر القنوط والاهتداء الى طريق الرشاد ويتطلب الأمر استفاقة حاسمة وانتباه ذكي الى الواقع وانطلاقة حقيقية نحو المصالحة مع الذات وامتلاك قوة المعرفة من أجل افتكاك موقع في العالم وانتهاج سياسة التعمير الآن وهنا على هذه الأرض والاقتصاد في الاعتقاد ضمن خلفية فكرية تجعل من المكوث أهم من الضياع وتؤمن بالاسكان بدل الهجرة وتعول على حرية الخيال على حساب العقل وسفر الذكريات وأحلام اليقظة على سياحة الجسد ونوم الفكر.

4- الشباب والايديولوجيا:

"البنية التي كانت قوة خارجية تسحق الإنسان وتمثله وتجعله منفعلا وقابلا تنقلب إلى وسيلة للحرية أو إلى أداة لخلق صورة سياسية جديدة، تولد مبادرات جديدة"[3]

توجد عدة معان مرفوضة للايديولوجيا وذلك لارتباطها بالوهم وتكريسها لواقع الاغتراب وتشبثها بالسائد واتصافها بالنزعة المحافظة والعقلية التبريرية ومحاولة إبقائها المجتمع على ماهو عليه ويمكن ذكر الإيديولوجيا بماهي إضفاء للمشروعية على النظام السياسي القائم باستعمال الأجهزة المادية والرمزية للدولة ومحاولة إخفاء أشكال البشاعة والظلم والتعسف والفساد التي تمثل حقيقته وتجميله بإظهار الصلاح والتقدم والرخاء والهيبة والمجد، ومن جهة ثانية قد تعكس الإيديولوجيا في مخيلة الناس حلمهم وأمانيهم وانتظاراتهم وتصور لهم مجموعة آمالهم وتطلعاتهم بوصفها مجرد تعويضات نفسية وصرخات يائسة وترسم لهم جملة من أوهام على أنها حقائق وتكرس نظرة مقلوبة بالواقع تجعلهم يقنعون بهذه الأشباح. أما المعنى الثالث غير المحبذ للايديولوجيا فهو ذلك الذي ارتبط بالميتافيزيقا واللاهوت والمثل الزهدية والذي وجد في التقنية والواقع الافتراضي ووسائل الاتصال الحديثة والعولمة الرقمية حقيقته المادية ورأسماله الرمزي وبنيته الفوقية التي تجعل الناس يلهثون وراء الحساب والاستهلاك والتملك والسيطرة والاستمتاع بالمعنى الفردي والجسماني بدل البحث عن شروط تحقيق الكينونة والتواصل وسعادة المجموعة البشرية.

على خلاف ذلك يحتاج البشر اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى يقظة إيديولوجية حاسمة من أجل تشكيل وعي ثوري باللحظة التاريخية الفارقية وبناء فعل سياسي نضالي يخرج الوجود البشري من دائرة الخطر. ولذلك ثمة معان ايجابية للايديولوجيا يمكن إظهارها للعيان والاشتغال عليها والتمسك بها بصورة عملية ويتمثل المعنى الأول في القوة التي تحوز عليها الإيديولوجيا في مستوى قدرة الإدماج وتحقيق التلاحم بين البشر وبالتالي تتحول إلى آلية للتحشيد والصهر والدمج ضمن إطار هوياتي مرتبط بالوطنية والشعبية بعد ذلك يأتي المعنى الثاني من رحم الصراع والتناقضات لتتحول الإيديولوجيا إلى منهج علمي يهتم بقراءة الواقع يسمح بالنقد الموضوعي للمجتمع بتشخيص الآفات واقتراح البرامج والبدائل وطرق المعالجة. في مستوى ثالث تحتاج الشعوب البائقة إلى التحرر من نير الظلم والانعتاق من هيمنة العولمة المتوحشة إلى استخدام الإيديولوجيا كسلاح مقاومة ومنهج تغيير الأوضاع لكي تدافع على حقوقها وتثبت ذاتها. بطبيعة الحال " لا يتوارى تشكل اجتماعي أبدا، قبل أن ينمي كل ما يستطيع احتواءه من قوى منتجة، ولا تقوم أبدا شروط إنتاج أرقى، قبل أن تتفتح إمكانات وجودها المادية في الحضن القديم، ولهذا لا تضع البشرية نصب عينيها إلا ما تستطيع تحقيقه من المهام. وفي الحق أننا إذا نظرنا إلى الأمر عن قرب كشفنا دائما أن المهمة لا تعرض إلا حيث توجد الشروط المادية الضرورية لتحقيقها أو تكون على الأقل في طريق التشكل".[4]

لا يمكن إنكار الدور الذي تؤديه الإيديولوجيا من حيث هي قوة تدميرية للقلاع المحافظة والبني التقليدية للملكية والسلطة والاعتقادات البالية وكذلك قوة بنائية للحقوق والعدالة وطاقة خلاقة للمبادئ والقيم الكونية. لهذا السبب لا يمكن التعامل مع الإيديولوجيا بوصفها وعي زائف ومرآة عاكسة وتصور ميكانيكي ونزعة دغمائية تؤدي إلى الانغلاق والتعصب وتشرع العنف والإقصاء، وإنما يجدر بنا إخضاع المفهوم للمعالجة النقدية وعرضه على طاولة التفكيك وتطهيره مما علق به من استعمالات خاطئة وتشويه معولم ومغرض والتعامل معه على أنه أداة ارتقاء ومخزون نضالي وبؤرة مقاومة وسلاح ثوري ضد كل أشكال الابتذال. إن الحديث عن بؤس الإيديولوجيا واستقالة العقل العملي ونهاية السرد وبلوغ التاريخ مرحلة مغالية في الليبرالية تقر بحتمية اقتصاد السوق وبسيادة مذهب الملكية الخاصة وديانة الاستهلاك والعقل الأداتي هو إثبات ملموس بحاجة الإنسانية إلى خطاب إيديولوجي ينبني على التعدد والتركيب وتكون مهمته الأولى تطهير العقل البشري من هذه الترهات الجشعة وزرع منابت مقاومة واستثبات بين أروقة الفضاء العام. إن دور الإيديولوجيا في تحريك التاريخ وتقدم المجتمعات كبير وهام وان حاجة الشباب إلى الإيديولوجيا يماثل حاجة الانسان الى الارادة والكرامة والحرية من أجل حفظ الكيان وصيانة الذات الجماعية.

غاية المراد أنه "إذا أعدنا امتلاك الإيديولوجيا بمعنى أوسع، أي المعنى الذي يولي اهتماما كاملا لبنية الفعل الرمزي، سنرى إنها - أي الإيديولوجيا البدائية، الايجابية- تعمل على مستوى الجماعات والأفراد في آن واحد باعتبارها تكوين هويتهم".[5] فكيف تم الانتقال بالايديولوجيا من التشويه إلى الترميز؟ ومتى يكف حفارو قبور الإيديولوجيا عن نعيقهم وصراخهم ويدركوا أن القول بعصر ما بعد الإيديولوجيا هو قول إيديولوجي وإعلان رسمي عن توديع إيديولوجيا زائغة ومضللة واستقبال إيديولوجيا ثورية ومحررة؟

خاتمة نقدية:

من المفروض دراسة الشرائح الشابة من الزاوية العمرية التي تناسبهم وترك أغلبهم يتكلمون عن أنفسهم والإنصات إلى مطالبهم وانتظاراتهم وتجنب التعامل معهم من حيث هم لا يزالوا ينتمون إلى فترة الطفولة ويحتاجون إلى عناية أسرية ورعاية اجتماعية وتفادي كذلك تسليط أحكام مسبقة تصدر عن زمن النضج وفترة الكهولة والكف عن الاستخفاف بتصوراتهم ومقترحاتهم والتعلل بسن المراهقة والطيش والتسرع.

أزمة الشرائح الشابة لا تكمن في التفكير المبدئي والالتزام المطلق بالقضايا العادلة والحفاظ على مركز الحظر والتحمل أكثر من اللازم ونفاذ الصبر من تسليع كل شيء ضمن اقتصاد العرض الكبير والفرجة الدائمة وإنما في البحث في الأماكن الخاطئة في أوقات غير مناسبة ورفع الأحذية في وجه رمزية الذات بالانعطاف نحو أقصى اليمين تارة وتجذير الموقف نحو اليسار طورا والمكوث في الوسط الذي لا يستمر.

تكوين جيل جديد من المقاومين لا يتم بالاستثمار في الهياكل العظمية وإحداث سوء تفاهم بين ثقافة الطبقة الصاعدة وسياسة المجتمع الذي تنتمي إليه ولا يحدث عبر تقليد مصطنع للمسارات الثورية الماضية وتبني أفكار نمطية عن العصيان المدني وإتباع مونتاج مثالي من الكليشهات الاحتجاجية بل يتطلب نشر التمرد ضد سياسة اليأس ورسم جغرافية ذهنية جديدة تعلن بان الكابوس قد انتهى بإحداث نقلة إيمانية نحو براءة الوجود وأصالة الفطرة وجعل الحماسة الثورية للانتفاضة من اجل سلطة الشعب تقترن بالتحول المعرفي,

في الواقع يطالب الشباب بإسقاط النظام المعرفي دون تبني واجب أخلاقي جديد يقوم على تضامن الجيل الجديد من المقاومين ضد عنصرية الحقد والكراهية وضد إرهاب المال وعنف الكلام وضد كذب التدخل الإنساني، ولذلك نراه يسقط في خلط المفاهيم وتداخل المرجعيات ويعرج في السير حينما يتشبث بحلم تغيير الجلدة ويطالبون بالمشاركة ويمارسون سياسة الحداد دون العمل على امتلاك منظومة القوة والحق، لكن أي سر في قدرة الشباب على تحقيق ما ظهر مستحيلا والتغلب على خبرة الشيوخ وحكمة الكهول؟

*****

الإحالات والهوامش:

[1] Arendt (Hannah(, la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, traduit de l’anglais sous la direction de Patrick lévy, edition Gallimard, Paris, 1972,pp253-254

[2] تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972. ص187

[3] تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972. ص 216.

[4] ماركس ( كارل)، مقدمة إسهام في نقد الاقتصاد السياسي، المنشورات الاجتماعية 1957.

[5] ريكور (بول)، محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا، تحرير وتقديم جورج ه. تايلور، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، طبعة أولى، 2002، ص232.

**********

المصادر والمراجع:

Arendt (Hannah(, la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, traduit de l’anglais sous la direction de Patrick lévy, edition Gallimard, Paris, 1972,

تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972.

ماركس ( كارل)، مقدمة إسهام في نقد الاقتصاد السياسي، المنشورات الاجتماعية 1957.

تكسيه (جاك)، غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة جميل صليبا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، طبعة أولى، 1972.

ريكور (بول)، محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا، تحرير وتقديم جورج ه. تايلور، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، طبعة أولى، 2002،

 

 

د. زهير الخويلدي

تعريف بالكاتب: كاتب مهتم بالشأن الفلسفي
جنسيته: تونسي

 

 

شاهد مقالات د. زهير الخويلدي

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الفنانة التشكيلية السعودية منيرة موصلي في ذمة الله

News image

"انا لله وإنا اليه راجعون، إنتقلت إلى رحمة الله الفنانة التشكيلية السعودية ‎منيرة موصلي، ومو...

مصر .. مقتل 6 مسلحين في تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن

News image

أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن مقتل 6 مسلحين في تبادل لإطلاق النار مع قوات الأ...

الشرطة الفرنسية: توقيف 43 شخصا في احتجاجات "السترات الصفراء" في باريس

News image

أعلنت الشرطة في العاصمة الفرنسية باريس، اليوم السبت، عن توقيف 43 شخصا أثناء تظاهرات "ال...

مقتل وجرح فلسطينيين برصاص الاحتلال

News image

قتل جيش الاحتلال الصهيوني شاباً فلسطينياً في مدينة الخليل بعد أن أطلق النار عليه أمس...

انفجار في مخبز في قلب العاصمة الفرنسية باريس يقتل رجلي إطفاء ويصيب العشرات

News image

قتل اثنان من رجال الإطفاء أثناء محاولة السيطرة على حريق اندلع جراء انفجار في مخب...

الكويت:مستعدون لاستضافة جولة جديدة من المباحثات اليمنية

News image

قال مسؤول كويتي، إن بلاده قد تستضيف جولة جديدة من المباحثات بين الفرقاء اليمنيين، لكن...

جون بولتون: انسحاب القوات الأمريكية "يخضع لشروط"

News image

قال مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، إن انسحاب قوات بلاده من سوريا يخضع لشر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

في فقه التشريع.. تضامن أم تطبيع؟

حسن العاصي

| الثلاثاء, 1 يناير 2019

الحج إلى رام الله يشتد الجدل واللغط في أوساط المثقفين والسياسيين كلما قام...

البعد الاجتماعي في المسألة الدينية

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

"إن القرآن لا يمثل خطابا أحادي الصوت، بل هو خطاب متعدد الأصوات بامتياز"[1] ...

المثقف والسياسي في العالم العربي

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

يقول الكاتب السوري النهضوي شبلي شميل: (ومن الأسباب القاضية على نبوغ الكتاب في المشرق هو ...

من سمات عربية ابن البطريق

د. حسيب شحادة

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    سعيد بن البطريق الملكي المذهب، طبيب ومؤرّخ مسيحي، ولد في الفسطاط، أصبح بطريركا على ...

العولمة القاتلة وسؤال الهوية الثقافية

حسن العاصي

| الاثنين, 10 ديسمبر 2018

    تتحدد شخصية الأمم بهويتها الثقافية بشكل أساسي، والتي هي جزء من المكون العام الموروث ...

الجذور السياسية والفكرية للخطاب السلفي

د. عدنان عويّد

| الأحد, 2 ديسمبر 2018

(مقدمات أولية) إن السلفية بأبسط صورها في الخطاب الديني بشكل عام، هي موقف فكري وسل...

عندما يبطش الاستبداد بالفلسفة..

حسن العاصي

| السبت, 24 نوفمبر 2018

  سؤال الحرية عربياً أهمية الفلسفة تظهر أكثر لكل باحث في مسببات تقدم وتطور الأمم ...

الأنثربولوجيا بين التبشير بالتنوير ومناهضة الاستعمار

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 22 نوفمبر 2018

  استهلال:   "صحيح أنه يمكن تحديد الأنثربولوجيا الاجتماعية بشكل كلي ومجرد، بأنها العلم الذي يحدد ...

ثقافة اليأس في النموذج الفلسطيني

فتحي كليب

| الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

هل وصل الشعب الفلسطيني، بمكوناته المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الى مرحلة من اليأس تجعله يقف...

الثقافة الشفوية والثقافة الإبداعية

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

في المفهوم: الثقافة الشفوية في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص وال...

العالم بين الأزلية والإحداث عند كانط

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

"إذا حاول العقل أن يقرر فيما إذا كان العالم محدودا، أو لا نهائيا من حيث...

هل في البدء كان الفساد؟

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 6 نوفمبر 2018

    منذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته كإنسان, بعد أن أغوى الشيطان أو الثعبان (لا ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

في فقه التشريع.. تضامن أم تطبيع؟

حسن العاصي

| الثلاثاء, 1 يناير 2019

الحج إلى رام الله يشتد الجدل واللغط في أوساط المثقفين والسياسيين كلما قام...

البعد الاجتماعي في المسألة الدينية

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

"إن القرآن لا يمثل خطابا أحادي الصوت، بل هو خطاب متعدد الأصوات بامتياز"[1] ...

المثقف والسياسي في العالم العربي

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

يقول الكاتب السوري النهضوي شبلي شميل: (ومن الأسباب القاضية على نبوغ الكتاب في المشرق هو ...

من سمات عربية ابن البطريق

د. حسيب شحادة

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

    سعيد بن البطريق الملكي المذهب، طبيب ومؤرّخ مسيحي، ولد في الفسطاط، أصبح بطريركا على ...

العولمة القاتلة وسؤال الهوية الثقافية

حسن العاصي

| الاثنين, 10 ديسمبر 2018

    تتحدد شخصية الأمم بهويتها الثقافية بشكل أساسي، والتي هي جزء من المكون العام الموروث ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم29377
mod_vvisit_counterالبارحة50667
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع174211
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي310463
mod_vvisit_counterهذا الشهر783103
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1459590
mod_vvisit_counterكل الزوار63387500
حاليا يتواجد 4270 زوار  على الموقع