موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

النظر الداخلي إلى الذات بين جون لوك وبول ريكور

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

"إن الوعي المصاحب لجميع الحالات الشعورية هو أساس الهوية الشخصية"[1]

إذا كانت مسألة الهوية هي ما يسمح بالقول عن شيء معين أنه يظل نفسه فإن هذا المعطى يُقال ويُدرَك ويُتَصور على أنحاء عدة ويتحدد من جملة من الشروط والعوامل والوضعيات.

جون لوك ******* بول ريكور

على هذا النحو توجد هوية اسمية لكل الأشياء المحسوسة التي يتم تصور موضوعاته من طرف الجمهور، لكن كل واحد من الناس يحوز على أفكاره الخاصة حول هذه الأشياء والمواضيع وقد يشار إلى نفس الشيء بأفكار متباينة ويعبر مصطلح واحد عن أشياء مختلفة.

لهذا السبب تتخطى قضية الهوية المجال المنطقي والمعرفي الذي يقتضي التطابق والتماثل وتظل حبيسة مبدأ الهُوهُو وتتنزل ضمن مجال كوني وتستلزم نحت دلالة وجودية وتختص بالاستمرار وتحفظ الكيان.

لقد نقد جورج باركلي المفهوم المجرد للهوية واعتبره صادر عن معنى الترادف المتداول في الحياة اليومية وناتج عن هوية عددية ترجع إدراكيا إلى المنظور المشترك للتجارب الحسية.

إذا كان المفهوم الفلسفي للهوية مجرد وغير مفهوم ويفضي الى مفاهيم التفرد في مادة الأشياء والتخصص في رسم حدود الأفكار وظل مجال اختلاف وعدم اتفاق بين الفلاسفة أنفسهم فإن الاقتراب من التجربة وإثارة مشكل هوية الأشخاص هو الطريق المضمون بغية بلوغ الغاية.

لكن من أين يأتي للمرء الاعتقاد بأنه لم يعد نفس الكائن نفسه وبأن هويته في طور الضياع؟

يعود الفضل إلى جون لوك في إعادة النظر في مفهوم الهوية خارج الدائرة المنطقية وفي قلب الباطنية الإنسانية وفي إثارة المفارقات التي تهز محاولة كل ذات ثبت هويتها بنفسها.[2]

لقد كان المشكل التقليدي للهوية الشخصية يتضمن مسألتين:

* الأولى تتعلق بمعرفة ما يكونه شخص ما من جهة التعريف وكذلك من جهة بعد وجوده في العالم الطبيعي وما يمثله من زاوية التجربة التاريخية والسيرة الذاتية التي راكمها حول نفسه.

* الثانية تدور حول معرفة الشروط التي من خلالها يمكن لشخص ما أن يكون مطابقا لذاته أو لشخص آخر في لحظتين مختلفتين من الزمن.

لهذا السبب أجرى لوك تحليلا على مفهوم الشخص من حيث هو مفهوم الوجود الواعي الذي حصل على أفكاره الخاصة وإدراكاته في مستوى الشخص الأول أو الأنا بطريقة انعكاسية، وكشف بأن الوعي هو معيار أو شرط كافي وضروري لكي تتشكل به الهوية الشخصية. وبالتالي يكفي أن يكون المرء واعيا بوجوده الشخصي وبوجود شخص آخر حتى يتسنى له الإقرار بأنه يطابق الشخص عينه.

بيد أن لوك يضيف أمرا آخر حينما يقوم باستدعاء الذاكرة معتبرا إياها معيارا حاسما في عملية تشكل الهوية الشخصية، ويبرهن على ذلك بالإشارة إلى أن الوعي لا يكون وعيا بالحالة الحاضرة وإنما يتصل أيضا بالحالات الماضية التي كان عليها الشخص.

من تبعات ذلك قيام جون لوك برفض فكرتين بديهيتين:

* تتعلق الأولى برفض فكرة أن يكون الشخص أو الأنا جوهرا غير مادي أو روحانيا، وبالتالي ينفي أن يمثل عنصرا بسيطا يمثل مرجعية كل أفكارنا بالنسبة للشخص الأول.

* تشير الثانية إلى استبعاده أن تكون هوية الشخص مستندة بصورة أساسية على هوية الحيوان وعلى جوهر فيزيائي أو بيولوجي وينتصر إلى استقلالية هوية الكائن البشري.

هكذا ترتكز هوية الشخص حسب جون لوك بصورة حصرية على الوعي أو الذاكرة التي تمتلكها عن ذاتها، بعبارة أخرى تتحدد وفق معيار بسيكولوجي وليس معيارا فيزيائيا.

في الواقع لا سبيل عند لوك إلى التمييز بين طبيعة أو هوية الشخص ومعيار الهوية الشخصية أي الوعي أو الذاكرة، وبالنتيجة ليس ثمة معطى تكويني للشخص وهويته غير الاتصال الذاكري continuité mémorielle والحضور التام من الوعي في الوجود.

غير أن موقع جون لوك حسب القراءات المعاصرة يظل يتنزل ضمن النزعة الاختزالية للهوية الشخصية بما أنه بقي يدور ضمن صعوبات جمة وتناقضات لا مخرج له منها.

- إذا ارتبط معيار الهوية بالذاكرة فإن شخص ما فقد الوعي بحدث ماضي ينتهي إلى الانقطاع عن وجوده الشخصي ويتحول إلى شخص مغاير أو يعود طفلا من جديد.

- دائرة المعيار الذاكري بالنسبة إلى الهوية الشخصية وذلك بالوقوع في الخلط بين الذاكرة والذكرى وذلك حينما تسلم الذات بهوية شخصية لم تكن قد شكلتها.

لقد كشف بول ريكور على مفارقات الهوية الشخصية التي تشل التقدم وبين أنها تعلمتها الفلسفة ذات اللغة الأنجليزية والثقافة التحليلية عند جون لوك[3] عندما حفظت المعادلة بين الهوية الشخصية والذاكرة وأدخلت الفكرة الغريبة عن التنوع[4] ضمن تطابق الشيء مع ذاته وأقر بالنظرة الداخلية دون الوقوع في الجوهرانية وإحلال الذاتية الموضع الذي كانت تتصدره العينية واستخلص بأن الهوية تأتي نتيجة علاقة تحافظ فيها الذاكرة على الدوام والاستمرارية والوفاء للذات بالرغم من تفكك بين الهوية والتطابق بتغير الزمان والمكان. غير أن "لوك لم يثر الحيرة الكبرى على مستوى تماسك حجته، لقد سجل التقليد الفلسفي لصالحه اختراعه لمعيار الهوية هو معيار الهوية النفسانية وقد أصبح من بعدئذ باستطاعتنا أن نعارضه بمعيار الهوية الجسدية... حيث يسود دوام التنظيم يمكن ملاحظته من الخارج".[5]

على هذا الأساس، ألم يكشف عندئذ جون لوك دون أن يقصد الطابع المستعصي لسؤال الهوية في حد ذاته؟

لا يمكن طرح مشكل الهوية في علاقة بالإرادة من حيث هي جوهر للنفس ولا يجوز الاقتصار على شغل الوعي الراهن والممكن وإنما يجدر بالمرء البحث عنها مسار متشعب والمراهنة عليها بوصفها فرضية لازمة بالنسبة للحياة الأخلاقية والدينية تستحق الثناء والثواب عن فعل الخير وإتيان الحسن وتحملها مسؤولية عاقبة الأفعال الشريرة التي اقترفتها.

كما يشير مفهوم الهوية إلى العمل الذي تقوم به الذات بالاعتماد على السرد عبر تاريخها الفاعل والمعذب قصد تكوين صورة عن النفس ذاتها تشكل الأرضية القصصية لإثبات إنيتها.

لقد نتج عن إعادة التشكيل ذاك أن تصير الذات قادرة على إثبات ذاتها من حيث هي تروي قصة حياتها للآخر، وتسمح للآخر بأن يتوسط في ثبت هويتها عبر روايته لقصة حياتها. لقد حاول بول ريكور بلورة تناول جديد لمسالة الهوية من خلال مقاربة تأويلية للذات تجمع بين فنومينولوجيا الذاكرة إيتيقا الاعتراف وتنطلق من تحليلات جون لوك لمفهوم الهوية الشخصية في كتابه محاولة فلسفية تتعلق بالذهن البشري وتعتمد ترجمة من الانجليزية قام بها أتيان باليبار سماها "الهوية والاختلاف" وتتحرك ضمن الخط الذي دشنه أفلاطون في محاورة "السوفسطائي" ويصل إلى مقال مارتن هيدجر المعنون "الهوية والاختلاف" وكتاب جيل دولوز المسمى "الفرق والمعاودة".

يكمن طرافة هذا الشغل في إعطاء المكانة الرئيسية في عملية ثبت الهوية إلى الاعتراف الذي تمنحه الذات إلى ذاتها ومثلما يجري ذلك ضمن عناصر الذهن. ولقد ترتب عن ذلك أن جهود كل من كانط وفيخته وهيجل وهوسرل لا تكون ممكنة إلا بالتمسك بجون لوك ضمن الاتجاه التجريبي والطبيعي والابتعاد عن المرجعية الديكارتية التي تظل تتحرك ضمن سياق ميثي.

لقد أعاد بول ريكور في كل من "عين الذات غيرا" و"الذاكرة، التاريخ، النسيان" قراءة النص الذي صاغه جون لوك على ضوء الترجمة الجديدة التي أنجزها أتيان باليبار من الإنجليزية إلى الفرنسية معتبرا إياه المحاور الأول الذي يجدر العودة اليه واعتماد التدقيق الذي قام به حول لفظ Mind بالنظر إلى تعامله مع الهوية الشخصية بوصفها هوية زمانية بالمعنى الخاص للكلمة وبحكم ربطه التاريخي بين الهوية الإنسانية والظاهرة الذاكرية دون أن يقوم بتقديم تأويل شامل لفلسفته في أبعادها الابستيمولوجية والأخلاقية والسياسية.[6]

في هذا الصدد جعل ريكور التساؤل عن الهوية يطرح ضمن العلاقة التمثلية الحاضرة للأبعاد الماضية وأدخل لوك إلى قلب المقاربة التأويلية وأدخل الذاكرة إلى باطنية الوعي، ولقد قام بتحريك مفهوم الهوية المنحدر من جون لوك ضمن دائرة الشخص من جهة ذاكرته، واعتمد على مفهوم الصورة الموروث عن أفلاطون وأرسطو والذي يشير إلى حضور شيء غائب بملاحظته من الداخل ضمن تصور واحدي للهوية وتمثل معرفي للماضي الحاضر.

لقد أثمر التدقيق الايتيمولوجي التي قام به إتيان باليبار للنص الذي كان لوك قد أنتجه إعادة قراءة له بعيون هرمينوطيقية قامت بتحليل مفصل وعميق لتكوين مفهوم الوعي ولمسألة النفس Self ووظيفة الذهن Mind أفضت إلى إضافة جون لوك إلى قائمة فلاسفة الوعي الذين صوبوا النظر إلى الذات من جهة الداخل وواحد من الذين شيدوا أرضية قيام فلسفة الذهنPhilosophy of mind وعدم الاكتفاء بالنظر إليه من الزاوية التجريبية التي جرت العادة لدى مؤرخي الفلسفة أن ينظروا اليه منها.

لقد سبق لباليبار أن كتب عن الهوية الشخصية والوعي بالذات في محاولة جون لوك[7] مقالا في العدد الرابع من مجلة الميتافيزيقا والأخلاق سنة 1995 وكان قد شارك في يوم دراسي سنة 1992 نظمه مركز تاريخ أنساق الفكر المعاصر في جامعة باريس 1 تحت إشراف كل من بوتو وبلوخ بمداخلة جاء عنوانها كما يلي: إبداع الوعي، ديكارت ولوك وكوست والآخرون".[8]

لقد أدى التدقيق في المعرفة الإنسانية ورسم حدود لملكاتها بواسطة تاريخ أصل الأفكار وقيمة الأحكام المتشكلة من خلالها إلى إعادة إدراك موضوع التجربة خارج إطار ميتافيزيقا الجوهر وعملية طرح الذات التي شيدها الكوجيتو في تأسيسه لذاته وداخل إطار الجمع بين الاعتراف بالذات بواسطة الذات وتحريك ملكة الذاكرة في خدمة طموح بناء الهوية الذاتية.

بيد أن الكشف عن وجود تباين بين تطابقية الهوية وهشاشة الذاكرة التي يداهمها النسيان يسمح بالتفكير في معالجة مسألة الوعي بالذات ضمن حضور الغير بواسطة الشهادة والقص. لقد فرق بول ريكور في كتابه "عين الذات غيرا" بين الهوية التطابقية mêmeté والهوية الذاتية ipséité، ورأى أن العلاقة بين هذين البعدين من الهوية تجري أثناء حدوث التاريخ المروي. لهذا برهن على ذلك بتأكيده أن الهوية التطابقية هي الجزء الذي لا يتغير البتة ويظل كما هو ويمثل الطبع، بينما الهوية الذاتية هي الجزء الآخر من أنفسها ذاتها الذي يتطور نتيجة التغيرات التي يعرفها بمرور الزمن ويمثل الإمساك بالذات واستمراريتها. لقد انتبه بول ريكور إلى تأثير الزمن في تغيير الهوية وكشف عن أهمية تشكيل الهوية السردية تطبيقيا في المجالات التربوية والعيادية والسياسية، وضرب أمثلة على ذلك مثل تواريخ الذات وقصصها المعيشة ومقاربات السير الذاتية وأيضا تجارب التواصل في الحياة السياسية وما تقتضيه عملية الاتصال بالجماهير من تشغيل لآلة صناعة الرأي العام والتلاعب بالعقول وتقديم السياسيين في هيئة زعماء ومناضلين وملهمين. علاوة على ذلك تحيل هذه المقاربات السردية إلى مخططات تساعد الفاعلين على اكتساب مهارات وانجاز مشاريع مهنية في اهتماماتهم بالحياة العامة ومشاركتهم الآخرين ومرافقتهم لعدة شخصيات ويدور ذلك سواء في مجال النشاط الاجتماعي أو ضمن عمل الباحثين في العلوم الإنسانية.

لقد أدى استثمار السرد في الحياة السياسية إلى جعل السياسة تقنية لصناعة التواريخ وتشكيل العقول وتحويل مهمة رجل السياسة إلى سارد ماهر يستطيع أن يلبس السياسة صورة مهرجان ضخم من حكاية التواريخ بحيث يلعب الإعلام في ذات الوقت دور المؤثر والملهي. هكذا يتحول مفهوم الهوية السردية إلى شرط الإمكان الفهم العميق والفعل الحصيف للإنسان.

جملة القول أن بول ريكور اتبع في مساره الفكري نحو وضع مفهوم جديد للهوية ضمن إشكالية الاعتراف في كتبه "عين الذات غيرا" 1990 و"الذاكرة، التاريخ، النسيان" 2000 و"مسار الاعتراف" 2004، الأفق الذي فتحته قراءاته المعمقة لفلسفة جون لوك على ضوء الترجمة الجديدة التي بلورها أتيان باليبار لكتاب الهوية والاختلاف سنة 1998 وما أظهرته من كيفيات في تنزيل مسألة الهوية الشخصية ضمن منظورية فنومينولوجيا الذاكرة.[9] بهذا المعنى منح بول ريكور لنظرية جون لوك حول المعنى الزمني للهوية مكانة مفضلة في تطور هرمينوطيقا الذات وانطلق منها للتساؤل بصورة رئيسية حول القدرة التي يمتلكها شخص معين من أجل بلورة علاقة مع ذاته عينها ضمن تجربة نظر من الداخل وحاجته إلى تدخل الغير من المرآة العاكسة وطلب تحقيق الاعتراف المتبادل معه معرفيا وإيتيقيا.

لقد جعل بول ريكور من الوساطة السردية المفتاح الذي يمكن استعماله بغية الخروج من المراوحة بين الهوية التطابقية والهوية الذاتية وتحقيق جدلية بين الإنية والغيرية تعيد تعريف الذات من زاوية حضورها المتجسد في العالم ولقائها التوليدي مع الأغيار عبر مرآة النص.

اللافت للنظر أن شارلز تايلور قد أبان أيضا عن أهمية الأنا المحدد moi ponctuel عند لوك لما حاول إصلاح الذات الديكارتية غير الملتزمة بجعلها تنظر إلى ذاتها من الداخل.[10]

بهذا المعنى يتراوح مطلب الهوية بين عرض الذات من حيث هي منجزة في وسط ثقافي مستقر وكذلك من جهة كونها متشكلة ضمن تجليات رمزية يمكن ملاحظتها بوضوح من الخارج وبين تأويل للعالم يقوم بتنظيم المعيش بواسطة تمثلات، ويتأرجح وجودها بين أن تكون مجرد قوقعة جوهرانية فارغة تعتنق أوهام اعتقادية متعالية وأن تكون ثمرة حوار تفاعلي وخصب بين فاعلين اجتماعيين يحملون مشاريع حضارية ضمن مؤسسات متنافسة.

هكذا يرتكز المنظور الإجرائي للهوية على مسار بنائي للشأن الاجتماعي في تنظيم تعاوني ضمن أفق تشاركي بين الأفراد والمجموعات يحققون فيه التواصل بين مشاريعهم المشتركة وطموحاتهم الفردية ويبلورون استراتيجياتهم في سياق تطوير الهوية المؤسساتية وإبرام مصالحات بين المتغير والمستمر، وبين الخصوصي والكوني، وبين التباين والتعايش.

لكن متى تتحول الهوية من قضية خلافية وفضاء نزاعي وخطاب حربي إلى ملتقى جامع وأرضية مشتركة وكتلة تاريخية للفعل الحصيف الذي يؤلف بين عناصر لامتناهية التعقيد؟

***

الهوامش والإحالات:

1- Locke (Jean)، Essay، II، 27، 15، Traduit par Coste، « Car que l’âme (soul) d’un Prince، accompagnée d’un sentiment intérieur (consciousness) de la vie de Prince qu’il a déjà menée dans le monde، vint à entrer dans le corps d’un Savetier، aussitôt que l’âme de ce pauvre homme aurait abandonné son corps، chacun voit que ce serait la même personne que le Prince، uniquement responsable des actions qu’elle aurait faites étant Prince ».

2- Engel (Pascal)، introduction à la philosophie de l’esprit، édition de la découverte، Paris، 1994، pp161- 164.

3- أنظر ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2005، صص، 268- 270.

4- Voir Locke (John)، Identité et différence، l’invention de la conscience، édition seuil، Paris، 1998.

5- ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، مرجع مذكور، ص270

6- Voir Monseau (Nicola)، l’identité entre phénoménologie de la mémoire et éthique de la reconnaissance selon Paul Ricœur، in Revue Philosophique de Louvain، n°4، novembre 2007، pp678- 705.

7- Balibar (Etienne)، Identité et conscience de soi dans l’Essai de Locke، dans Revue de Métaphysique et de Morale، n°4، 1995، pp455- 456.

8- Balibar (Etienne)، l’invention de la conscience. Descartes، Locke، Coste et les autres، dans traduire les philosophes. Actes des Journées d’études organisées en 1992، par le Centre d’histoire des systèmes de Pensée Moderne de l’université de Paris، I، (U. F. R de philosophie)، sous la direction de J. Moutaux et O. Bloch، Paris، Publications de la Sorbonne، pp. 287- 299.

9- Voir Locke (Jean)، Identité et différence. L’invention de la conscience، présentée، traduit et commenté par Etienne Balibar، édition du seuil، Paris، collection Points، 1998.

10- Taylor (Charles)، les sources du moi، la formation de l’identité moderne، traduit de l’anglais par Charlotte Melancon، éditions du seuil، Paris، 1998، pp211- 232.

المصادر والمراجع:

ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2005،

Locke (Jean)، Identité et différence. L’invention de la conscience، présentée، traduit et commenté par Etienne Balibar، édition du seuil، Paris، collection Points، 1998.

Taylor (Charles)، les sources du moi، la formation de l’identité moderne، traduit de l’anglais par Charlotte Melancon، éditions du seuil، Paris، 1998،

Engel (Pascal)، introduction à la philosophie de l’esprit، édition de la découverte، Paris، 1994

Actes des Journées d’études organisées en 1992، par le Centre d’histoire des systèmes de Pensée Moderne de l’université de Paris، I، (U. F. R de philosophie)، sous la direction de J. Moutaux et O. Bloch، Paris، Publications de la Sorbonne،

Revue Philosophique de Louvain، n°4، novembre 2007.

 

 

د. زهير الخويلدي

تعريف بالكاتب: كاتب مهتم بالشأن الفلسفي
جنسيته: تونسي

 

 

شاهد مقالات د. زهير الخويلدي

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

تاريخ العلوم بين التجربة العفوية والتجربة الحاسمة

د. زهير الخويلدي

| الأربعاء, 16 مايو 2018

  " توفر التجربة المعيار الأقصى للحقيقة"1   يبدو أن التطرق إلى الحقيقة في الحياة اليومية ...

العلاقات الفلسطينية- الإفريقية في عالم متحول

حسن العاصي

| الاثنين, 14 مايو 2018

"إن توجو بلد صغير، ولا يحصل على مليارات الدولارات من السعودية وقطر، وإن السكان الم...

رؤية نقدية لتجربة الأديب غسان ونوس في مجموعته

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 8 مايو 2018

“الزمن الراجع” على العموم لن أقوم هنا بتقديم دراسة نقدية كلاسيكية لكل قصة فيها من ...

في ذكرى الحملة الصليبية الرابعة ضد بيزنطة: القسطنطينية بين فتحين

محمد شعبان صوان

| الثلاثاء, 24 أبريل 2018

  هناك من يحاول قراءة التاريخ في لحظات الذروة التي ليست طويلة في عمرها، ولكنها ...

إسهام العمل النقابي في المجهود التنموي:

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 24 أبريل 2018

"لا يتم تكوين عولمة مغايرة عبر تعبئة سياسية فحسب بل كذلك بواسطة سلوك مواطني تضا...

الضمانُ الاجتماعيُّ في البحرين ونماذجُ دولية :ندوة للتيار الديمقراطي البحريني في مقر جمعية المنبر التقدمي

عبدالله جناحي

| الثلاثاء, 24 أبريل 2018

    جوهرُ هذه الورقةِ قد تم استعراضُهُ في ندوةٍ أقيمت في جمعيةِ "وعد" قبل حلِّها ...

من هو المسلم؟.

د. عدنان عويّد

| الجمعة, 20 أبريل 2018

    أمام ما قامت به القوى الأصولية التكفيرية وفي مقدمتها داعش ومن لف لفها من ...

الحقيقة أول ضحايا النزاعات والحروب

علي العنيزان

| الثلاثاء, 17 أبريل 2018

  هذه دراسة للصديق العزيز المرحوم علي محمد العنيزان “أبو راكان”، يتشرف موقع التجديد بنشرها. ...

نشوء القومية في الوطن العربي

د. ساسين عساف

| الثلاثاء, 17 أبريل 2018

القومية هي ظاهرة مجتمعية تعبّر عن شعور طبيعي لدى فرد أو جماعة بالانتماء الى قوم...

فنومينولوجيا الحياة الدينية عند مارتن هيدجر

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 17 أبريل 2018

  "انه من المستحيل أن ننفي أن الله، في كلامه، لم يضيء في ذات الوقت ...

راهنية الاقتصاد التعاوني وتبعاته الاجتماعية

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 10 أبريل 2018

  ” يهدف هذا المشروع إلى تهيئة إدماج قطاع الاقتصاد العمومي ضمن نطاق الاقتصاد ككل”1 ...

أوهام أيديولوجيا حركة التحرر العربية

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 9 أبريل 2018

  (4 من 4) ثالثاً: مشروع الأيديولوجية الإسلامية:...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

تاريخ العلوم بين التجربة العفوية والتجربة الحاسمة

د. زهير الخويلدي

| الأربعاء, 16 مايو 2018

  " توفر التجربة المعيار الأقصى للحقيقة"1   يبدو أن التطرق إلى الحقيقة في الحياة اليومية ...

العلاقات الفلسطينية- الإفريقية في عالم متحول

حسن العاصي

| الاثنين, 14 مايو 2018

"إن توجو بلد صغير، ولا يحصل على مليارات الدولارات من السعودية وقطر، وإن السكان الم...

رؤية نقدية لتجربة الأديب غسان ونوس في مجموعته

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 8 مايو 2018

“الزمن الراجع” على العموم لن أقوم هنا بتقديم دراسة نقدية كلاسيكية لكل قصة فيها من ...

في ذكرى الحملة الصليبية الرابعة ضد بيزنطة: القسطنطينية بين فتحين

محمد شعبان صوان

| الثلاثاء, 24 أبريل 2018

  هناك من يحاول قراءة التاريخ في لحظات الذروة التي ليست طويلة في عمرها، ولكنها ...

إسهام العمل النقابي في المجهود التنموي:

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 24 أبريل 2018

"لا يتم تكوين عولمة مغايرة عبر تعبئة سياسية فحسب بل كذلك بواسطة سلوك مواطني تضا...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم26579
mod_vvisit_counterالبارحة33891
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع181540
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي195543
mod_vvisit_counterهذا الشهر661929
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54673945
حاليا يتواجد 3071 زوار  على الموقع