موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
البحرية الجزائرية تبحث عن مهاجرين قضوا في البحر ::التجــديد العــربي:: السلطة الفلسطينية تبحث عن دعم عربي في رفضها مؤتمر وارسو ::التجــديد العــربي:: عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة ::التجــديد العــربي:: مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا ::التجــديد العــربي:: الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع ::التجــديد العــربي:: 3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان ::التجــديد العــربي:: مطار دبي يتصدر قائمة أكبر المطارات من حيث حركة المسافرين ::التجــديد العــربي:: مصر: لم نمنع مرور سفن متجهة إلى سوريا عبر قناة السويس ::التجــديد العــربي:: مصر تنتهي من تجديد مقبرة توت عنخ أمون وتعيد فتحها للزائرين بنظام جديد ::التجــديد العــربي:: ماري منيب: غوغل يحتفي بـ"أشهر حماة في السينما المصرية" في عيد ميلادها 114 ::التجــديد العــربي:: التهاب الأمعاء: كيف يؤثر الهواء الملوث على صحة أمعائك؟ ::التجــديد العــربي:: هل يعد تناول وجبة الإفطار فكرة جيدة دائما؟ ::التجــديد العــربي:: ليفربول يستعيد صدارة الدوري الإنجليزي ومحمد صلاح يعزز صدارته للهدافين ::التجــديد العــربي:: ريال يكسب "ديربي" مدريد وينتزع وصافة الليغا من أتلتيكو ::التجــديد العــربي:: الاحتلال يقصف غزة والفصائل الفلسطينية ترد بصواريخ ::التجــديد العــربي:: موسكو تعلن انسحابها من معاهدة الصواريخ مع واشنطن خلال 6 أشهر ::التجــديد العــربي:: البشير يتعهد بالإفراج عن صحفيين معتقلين في السودان ::التجــديد العــربي:: دونالد-ترامب-يتعهد-بمواصلة-الحرب-حتى-هزيمة-«داعش»- والسيطرة-الكاملة-على-أرض-خلافتة- وإخراج إيران من سورية ::التجــديد العــربي:: ماكرون يغضب تركيا باحياء ذكرى إبادة الأرمن ::التجــديد العــربي:: الخارجية الروسية تحذر من اللجوء إلى الحل العسكري في فنزويلا ::التجــديد العــربي::

الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي (16+17+18+19+20)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي “16 من 28”)

“تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

ما هو المعتمد من الحديث؟:

 

يعتبر الحديث المتواتر هو الحديث الأكثر مصداقية بالنسبة لعلماء الحديث السنة, كونه لا يقوم في إثبات سنده ومتنه على مصادر بحاجة لإثبات صحتها. والمتواتر من الحديث هو ما يدل على أفعال الرسول التي كان يأتيها تطبيقاً تفصيلياً لعموم القرآن. حيث كان عمر بن الخطاب يؤمن بهذا المتواتر من الحديث حيث قال: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل).(65) ويحدد علماء الحديث الأفعال المتواترة للنبي على ضربين هما:

الأول: تنفيذ الأوامر القرآنية.. (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد فصله الرسول بقوله: (وخذوا عني مناسككم). وهذا في الحقيقة كان ثابتاً لا شك فيه.

الثاني: وهو ما لم يصل من أفعال وأقوال للرسول بطريق التواتر المستفيض، وهي لا تدخل في دائرة الوحي الثابت ثبوتاً لاشك فيه). وهنا أعطى الرسول الإباحة بما لم يرد فيه نص, حيث عبر عن هذه المسألة أحسن تعبير حين قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يُحرم عليهم، فحَرم عليهم من أجل مسألته. (أخرجه البخاري ومسلم)

وختاماً نقول في هذا الاتجاه وبعد كل الذي جئنا عليه، وقدمناه من رؤى نقدية أوليه لبعض مواقف السلفية من الحديث والإجماع وغير ذلك إعطاء تعريف آخر للسلفية من منظور الدين الإسلامي الحنيف بأنها: هي منهاج الإسلام. أي منهاج الله. ومنهاج الله لا يعرف إلا بما جاء به الوحي، وهو الثابت ثبوتاً لا شك فيه. والوحي الثابت ثبوتاً لا شك فيه لا يخرج عن القرآن والمتواتر من حديث رسوله في شرحه وتفصيله. وهذا هو معنى السنة الحقيقية على ما اعتقد الذي يحفظ المسلمين من التطرف والغلو.

قضايا التطرف الأساسية في المنطلقات الفكرية والعملية لأهل السنة.

كنا قد تناولنا في القسم الأول من هذه الدراسة أهم القضايا الفكرية التي تضمنت مسألة التطرف عند السلفية، وفي مقدمتها مسألة القضاء والقدر، لذلك وجدنا من الضروة بمكان قبل أن ندخل في نقد هذه المسألة لما لها من الأهمية في الفكر الإسلامي عموماً، أن نعيد طرحها مرة أخرى كما فهمها ونظر لها أئمة السلفية، مع نقدنا لمسألتين أخرتين هما البدعة والعصمة.

أولاً القضاء والقدر: (وما يصيبكم من شيء فمن عند الله).

لقد بينا في القسم الأول من هذه الدراسة في مسألة القضاء والقدر بأن السلفية يؤمنون إيماناً مطلقاً بالقدر على خيره وشره، وللقدر عندهم مراتبه وهي:

آ- العلم: هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء، بما كان وسيكون وما لم يكن.

ب- الكتابة: وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ حتى قيام الساعة.

ت- المشيئة: وهم يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن. ولا يحدث شيء, صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته... وهم يفرقون بين المشيئة "الكونية"، والمشيئة "الشرعية"، فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً، فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أو لم يفعلوه.

ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق, فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته، فذلك هو القدر, وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر، فذاك هو القضاء. ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه، وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذا ما يسمى بنظرية الكسب عند الأشاعرة كما بينا في القسم الول من دراستنا.

يتضح مما سبق أن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونية التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتمية. ومن السنن الكونية تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائية (الأتوماتيكية) التي تسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى أوجد الكون وخلق ويخلق ما فيه ويسيره بقوله كن فيكون بالأمر المباشر وبالسن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.

أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب ومتى يصدر حكم حدوثه.

أمام هذه المعطيات الجبرية التي شلت قدرة الإنسان على الاختيار وتحديد أهداف حياته التي خلق من أجلها, وبالتالي تحديد مصالحه المادية والمعنوية، سنقوم ألان بنقد هذا الموقف الجبري وتبيان سلبياته على حياة الإنسان وخلافته على هذه الأرض.

*****

الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي “17 من 28”)

“تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون”. (البقرة 134)

تحديات الفكر الجبري للإنسان: (A)

إن نظرة أولية لهذا الفهم الجبري الذي حكم حياة الإنسان بإرادة علويّة مسبقة لا دخل للإنسان فيها، قد فرضت على الإنسان جملة من التحديات وهي:

1- استقالة العقل:

استطاعت الرؤية السلفية الجبرية أن تعمل على إقصاء العقل واستقالته نهائياً عن العمل والتدخل في حياة الإنسان. وبالتالي تنميته وتطويره وفتح آفاق مستقبلية له، فالعقل هنا قد أغلق وأقصي كلياً عن فهم قوانين الحياة الموضوعية وكشف آلية عملها وتأثيرها على حياته، وبالتالي وضع العقل ذاته أمام حالات العجز الكلي عن تحقيق النجاة للإنسان من قدره وما هو مكتوب له وعليه في اللوح المحفوظ. وإن أراد هذا الإنسان أن يُسير حياته ويحل مشاكله فما عليه إلى أن يستسلم لقدره ويعتبر ما يمر به في هذه الحياة ليس أكثر من امتحان لصدق إيمانه وطاعته لله وحده، أو يعود ليقرأ ما خلفه له السلف الصالح من حلول لما يريده أو يعاني منه دون تفكير أو نقد لما يقرأ، فكل ما يقرأه في هذا الاتجاه إن كان ما فسره له السلف الصالح في القرآن أو ما أورده الحديث الذي جمعوه هم ونسقوه وبوبوه، أو ما أجمع عليه علماء الأمة من المشايخ حتى القرن الثالث للهجرة، فهذه كلها هي الأمور المقدسة التي ضمت كل ما يحتاجه الإنسان من حلول لمشاكل حياته الحالية والمستقبلية أيضاً، وفيه وحدها خير الإنسان وسعادته، وإن حاول الإنسان أن يشغل عقله في قضايا حياته يحثاً عن حلول لها من خارج ما قدمه له التيار السلفي، فقد يقع في الضلالة، وكل ضلالة كفر، ونهاية الكفر النار، والعياذ بالله. فمن يفكر خارج مضمار الملعب السلفي في مثل هذه القضايا سيكون خارجاً عن الملّة ومتحدياً لإرادة الله الذي لم يخلقه أساساً ويخلق الجن معه إلا لعبادته. لذلك لا نستغرب أن نجد عند ما يسمى اليوم ﺑ(الدواعش)، محاربةً لكل العلوم التي تخرج عن منظومة النقل التي حددها سلفنا الصالح، فالعلوم التي تدخل في مضمار العقل وحرية الإرادة قد منعوها في المناطق التي يسيطرون عليها، مثل: الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلسفة والحقوق.

2- استقالة الإرادة:

لا وجود للإرادة إنسانية بالأساس دون وجود عقل فاعل ونشيط. فعندما يغيب العقل تغيب معه الإرادة القادرة على خلق فعل الاختيار أو حريته. وهذا ما تريده السلفية في مسألة جبريتها. فهي تريده إنساناً ألياً أوجده الله على هذه البسيطة كي ينفذ أوامر الله والرسول والسلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى للهجرة، ويلتزم بما قاله أو مارسه سلفه الصالح خدمة لآخرته قبل دنياه، لأن كل ما يقوم به من نشاط هو بالأساس مقدر عليه وليس لإرادته أي دور فيه. لذلك لا نستغرب أن تفضل الغريزة في تسيير حياة الإنسان على إرادته، وقد أعطينا مثالاً على ذلك في مسألة "الحمار والنهر" التي تحدث عنها الشيخ "البوطي" والتي أوردناها في موقع سابق من هذا البحث. فالغريزة هنا إذاً، هي من يؤمن للإنسان فعل النجاة من ممارسة الخطأ، وبالتالي ضمان دخول الجنة له والتمتع بحور العين وكل ما يستطاب ممن وعد الله به الصالحين.

3- استسلام الإنسان كلياً لقدره وما هو مكتوب عليه:

إن الإنسان الذي استلبت منه إرادته وعقله، لم يعد لديه غير الاستسلام، وتبرير كل ما يقوم ب أو يحدث له من أعماله على أنه أمر مكتوب. فإن حدث له خير، فهو نعمة ورضا من الله عز وجل، وإن حدث له شر فهو امتحان له من قبل الله كي يتبن مدى إيمانه وتمسكه بدينه الذي حدده له القرآن والرسول وسلفه الصالح بكل تفاصيله وجزئياته. وهذا في الحقيقة ما ولّد لدى المؤمن السلفي بعداً نفسياً وحالة من اللاشعور بتخليه عن مسؤولياته لما يحدث له، وتزعزع طمأنة النفس وإلصاق التهم بها ولومها لما يحدث، فالقدر هنا يأتي كي يقنن حالات الدفاع عن النفس التي يلجأ إليها الإنسان المؤمن طلباً للراحة في التحلل من المسؤولية وتجنب أي شعور للإحساس بالذنب. والقضية الأكثر خطورة في هذا الاتجاه هنا هي، مع غياب الحجة والدليل المنطقي لما يحدث للإنسان أو ما يقوم به من أعمال، ومع فسح المجال واسعاً أمام المقدر والمكتوب، فإن مساحة القول أو التقرير في تفسير قضايا الكون بكل مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وما يرتبط بها من حروب وكوارث طبيعية، أو ما يتعلق بقضايا النهضة والتطور وتنمية المجتمع أو تخلفه، تتسع جداً ويغلب عليها طابع التبرير الديني بشكل واسع من باب، أن ما يجري من سوء للناس، هو انتقام من الله لهذا الفرد أو الجماعة أو الأمة لأنهم تركوا تعاليم الدين وابتعدوا عنه، أو بسبب فسادهم في الأرض، أو لبيان حكمة الله وقدرته على الانتقام من الظالمين وغير ذلك. وإن كان ما يحدث خيراً، فهو نعمة من الله على عباده كونهم صالحين ومؤمنين بالله ومنفذين للتعاليم والمثل التي حددها لهما أهل السنة والجماعة، أو الفرقة الناجية، ثم لعدم ممارستهم الفساد في الأرض، أو لبيان حكمة الله وقدرته على فعل ما يريد.

*****

الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي “18 من 28”)

“تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

تحديات الفكر الجبري للإنسان: (B)

4- تبخيس الرأي والرأي الآخر:

بينا في القسم الأول من هذه الدراسة ما المقصود بالرأي وما هو موقف أهل السنة والجماعة منه، بل ما هو موقفهم من علم الكلام برمته، حيث جاء عندهم أن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله، وإن النصوص الإسلامية من قرآن وسنة نبوية وما أقرته الجماعة من أهل السلف فيها ما يكفي من الحجج العقلية والبراهين المنطقية لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام. فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام يقر بأن هذا المنهج لديه مجموعة قواعد يستند إليها، وقد أشرنا إليها وهي: إعلاء النقل على العقل، ورفض التأويل بغير دليل، وكثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدين.

إن محاربة العقل والإرادة لدى الإنسان ستؤدي بالضرورة إلى محاربة الرأي، فإبداء الرأي وبخاصة في قضايا الشرع والتشريع، هو خروج عن مقدسات أهل السنة والجماعة، وبالتالي يعتبر هذا الخروج بدعة ويصل أحياناً إذا وظف سياسياً إلى درجة الكفر والزندقة والخروج عن الجماعة والإقرار بمحاربتهم، وهذا ما مورس تاريخياً ضد المعتزلة والشيعة وكل من قال بالرأي، بكل طوائفهم دون تمييز من قبل المتطرفين والغلاة السنة. فالصراعات السياسية على السلطة كان لها تأثيرها الواضح والكبير على مسألة النص الديني ذاته كما اشرنا في موقع سابق، حيث لجأ الطرفان للاستعانة بهذا النص تفسيراً ووضعاً لخدمة مصالحهما السياسية. فالشيعة المعتدلة مثلاً، الذين حاربهم الأمويون والعباسيون، ومنعوهم من الوصول إلى الخلافة، عملوا على توسيع دائرة المباح بعد غيبة أو اختفاء الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن)، 329ﻫ، حيث انتهت عندهم مسألة الاحتكام للنص الذي يقول به آل البيت، وبالتالي لم يعد المرجع الفقهي لمستجدات الحياة القرآن والسنة والحديث وأقوال الأئمة فحسب، وإنما فتحت قضية الاجتهاد على العقل وحرية الإرادة، وقد برر الشيعة ذلك، أي مسألة حرية الإرادة والأخذ بالرأي، استناداً لموقف الإمام علي منه، حيث يقول الطبطبائي: (من بين جميع الآثار التي تنسب إلى الصحابة ينفرد الإمام علي بن أبي طالب بخطابه وبيانه المبهر في معرفة الله تعالى بأنه يتصف بالتفكير العميق جداً).(66).. هذا وأن الشيعة اليزيدية التي حملت السيف ضد السلطة القائمة مطالبة بالخلافة كما هو معلوم، قد انحازت إلى الملكة الفكرية اللا سلفية، أي إلى مَلَكَةِ المعتزلة التي تنحاز بالضرورة إلى العقل الكلي وحرية الاجتهاد.

فهذا هو المؤسس النظري للمذهب الشيعي مؤسس المذهب الجعفري، الإمام جعفر الصادق المتوفى سنة 148ﻫ يبين رأي الشيعة في مسألة الرأي بعدما لقوا من الحصار الشديد من البيتين الأموي والعباسي وضغطهما على آل البيت وشيعتهم، بل وحتى لعن الإمام علي على المنابر: (إن الشيعة يرفضون المذاهب الأخرى القائلة بالرواية أو الخبر أو القياس، أو الإجماع. إن الشيعة يقولون بالنص فقط ويرفضون الإجماع، على اعتبار أن ما يقوله الأئمة الإثنا عشر معصومون عن الخطأ، وما يقولونه موحى به لهم، فالإمام عندهم بمرتبة الرسل والأنبياء).(67)

أمام هذا الموقف الشيعي الرافض لمصادر التشريع السنية كمصدر رئيس ووحيد، وأمام فسحهم المجال واسعاً لسيادة دور العقل الرأي والتفكير وحرية الإرادة، بعد غبية الإمام الثاني عشر (بغض النظر هنا عن رأينا في مسألة العصمة التي سنقدم رؤية نقدية لها في مكان لاحق من هذه الدراسة)، كانت هناك في المقابل مواقف الموالين للسلطة القائمة المناوئة لهذا الموقف سياسياً ودينياً، والمبخسة بحق العقل والرأي. وسنعرض هنا إضافة لما عرضناه سابقاً في هذا الاتجاه، أهم آراء مشايخ أئمة السلفية من أهل السنة والحديث في مسألة الرأي، كي يتبين لنا حالة الاحتقار للرأي عندهم، وبالتالي ما تتضمنه من احتقار للإنسان ذاته الذي كرم الله عقله ورأيه ومعرفته الشخصية بتنزيل أول آية تقول: (أقرأ باسم ربك الذي خلق).

لقد روى عبد الله عن أبيه أحمد بن حنبل قائلاً: (سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل). أي فساد.(68) وله قوله الشهير أيضاً: (إن الحديث الضعيف عندي أفضل من الرأي).

سئل الشعيبي عن النكاح فقال لمن سأله: (إن أخبرتك برأيي فَبُلْ عليه). ويقول ابن القيم عن هذا الرأي مستغرباً: (فهذا قول الشعيبي في رأيه، وهو من كبار التابعين، ولقد لقي مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن جمهورهم). كما يقول ابن تيمية عن السنتيلتي: (إنه قيل للسختياني ما لك لا تنظر في الرأي؟. فقال أيوب: قيل للحمار مالك لا تجتر قال أكره أكل الباطل).(69)

قال مالك بن انس: (رآه القعنبي يبكي فقال له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟. فقال له: يا ابن قعنب ومالي لا أبكي؟.!، ومن أحق بالبكاء مني؟!، والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطاً، ولقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، ليتني لم أفت بالرأي)(70)

هذا وقد ظلت مسألة الصراع على السلطة ولم تزل تشكل المحور الأساس في تحذير وبلورة الصراع بين من يقول بالجبر ومن يقول بالقدر، وقد وصل هذا الموقف إلى ذروته مع وصول المعتزلة إلى السلطة في عهد المأمون والمعتصم والواثق، ومع سقوط الموقف القدري على يد الخليفة العباسي المتوكل كما اشرنا في موقع سابق، وصعود أهل السنة والجماعة إلى دفة القيادة الفقهية عُدَ القول بالإرادة الإنسانية بدعة لأفعاله وقدرته. أي بدعة منكرة وإحداثاً في الدين.

وأحب هنا أن أقف قليلاً عند مسألة ذات دلالات عميقة تتعلق بموقف أهل السنة والجماعة من أصحاب الرأي في الدولة الإسلامية في العصر العباسي وهو العصر الذي سادت فيه قضية الصراعات الفكرية ما بين أصحاب العقل وأصحاب الرأي، بعد أن تدخلت في هذا الصراع الدولة ذاتها (الخلفاء)، حيث شكلت محاكم تفتيش لكل من التيارين كما هو معروف تاريخياً وبخاصة في الفترات الزمنية التي سيطر فيها المأمون والمعتصم والواثق على الخلافة، وهم الذين تبنوا الفكر المعتزلي القدري، وراحوا ينكلون بأصحاب النقل ومن اختلف مع القدرية في مسائل عديدة وفي مقدمتها قضية خلق القرآن والتجسيد. وكذا كان الحال مع وصول "المتوكل" إلى الخلافة وهو الذي ناصر أهل السنة والجماعة ضد القدرية، وراح ينكل بهم أيضاً على آرائهم، ويقيم لهم محاكم التفتيش.

أمام مسألة الصراع الفكري/ السياسي هذه، ومن خلال القراءة النقدية للتوجهات الفكرية لكلا التيارين أو الاتجاهين المتصارعين، فقد تبين أن أصحاب الرأي (القدرية) كانوا أكثر فهماً للإسلام من أهل النقل من جهة، وأكثر قدرة على إقناع الآخرين به من أهل النقل من جهة ثانية. فهذه المصادر التاريخية تذكر كما ورد في كتاب (ضحى الإسلام) لأحمد أمين ص (358)، (ان ملك السند طلب من الخليفة الرشيد أن يبعث إليه من يناظره في الدين، فبعث الرشيد إليه قاضياً لا متكلماً، لأن الرشيد كان قد منع الجدال في الدين وحبس علماء الكلام، وعندما قابل القاضي من اعتمد للنقاش من قبل ملك السند، سئل القاضي من قبل محاوره: قل لي هل إلهك (الله) قادر أن يخلق مثله؟. فقال القاضي هذه المسألة من علم الكلام وهي بدعة وأصحابنا ينكرونها. فكتب ملك السند إلى الرشيد يخبره بما جرى فقامت قيامة الرشيد وضاق صدره وقال: أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟. فقالوا له بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين نهيتهم عن الجدال في الدين، وجماعة منهم في الحبس. فقال: أحضروهم، فلما حضروا قال ما تقولون في هذه المسألة؟، فقل صبي من بينهم: هذا السؤال محال، لأن المخلوق لا يكون إلا محدثاً، والمحدث لا يكون مثل القديم، وبالتالي استحال أن يقال يقدر على أن يخلق مثله أو لا يقدر. فقال الرشيد وجهوا إليه بهذا الصبي). هذا ويذكر المصدر ذاته بأن "أبي هذيل العلاف" شيخ المعتزلة، قد أسلم على يديه أكثر من ثلاثة آلاف رجل) ص 359.

ما أريد قوله هنا هو: إن أصحاب الرأي في الإسلام لم يكونوا كفاراً، وإنما كانوا مسلمين يؤمنون باله وبكتبه ورسله ويعملون على نشر الإسلام ودعمه بما يدعون إليه بالعقل والمنطق والحجة، لا كما يصفهم أهل السنة والجماعة بأنهم كفار وملاحدة وزنادقة.

*****

الخطاب السلفي وتحطيم العقل - قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي “19 من 28”)

“تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

الموقف الجبري للأشاعرة السلفية:

تنسب هذه الفرقة إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المولود في البصرة عام 260 هجري والمتوفى في بغداد عام 324 هجري كما تذكر بعض المصادر التاريخية. لقد أقام الأشعري على عقائد المعتزلة لمدة أربعين عاماً، ثم أعتزل الحياة العامة خمسة عشر يوماً، وخرج على الناس معلناً في المسجد تخليه عن عقائد المعتزلة، ثم ابتدأ بالرد علىيهم ونقض آرائهم ومعتقداتهم. وعلى أساس أفكاره الجديدة قامت فرقة الأشاعرة، وهي أفكار تتعلق بمسألة الاعتقاد، أما ما يتعلق بالفقه فقد التزم الأشعري بمذهب الشافعي، وابن حنبل. وهذا ما أكده أبو الحسن الأشعري ذاته بقوله: (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبينا محمد (ص)، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن معتصمون بما يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل، ولما خالف قوله مخالفون).(71)

وبالرغم من أنه قد خرج قليلاً عن الفكر السلفي التقليدي في صيغته الشافعية الحنبلية. أي أهل السنة والجماعة، في بعض القضايا مثل: تعويله على العقل والجدل وعلم الكلام (النظر) في صفات الله ومسائل القدر والغيب، وكذلك تقديمهم العقل عند المتأخرين من الأشاعرة بما يسمونه "القواطع العقلية" – على النقل "الكتاب والسنة"، في أمور الغيب ومسائل الاعتقاد، وفي مسائل صفات الله تعالى. ويأتي على رأس القضايا الخلافية، الموقف الأشعري من الجبر وطرحه لنظرية الكسب. بيد أن الحقيقة في أمر اختلاف الأشاعرة في نظرتهم لنظرية الجبر التي يقول بها أهل السنة والجماعة، تقر بأن هذا الاختلاف لم يتجاوز حدود الشكل في الطرح وليس في المضمون. فعندما أراد الأشاعرة الخروج ولو قليلاً عن هذا الموقف الجبري في قولهم بنظرية "الكسب" لم يستطيعوا أن يتجاوزا الخطوط الحمراء للجبر السلفي. هذه النظرية التي تقول: (إن الخلق المستمر بالنسبة لأفعال الإنسان، هو من قبل الله عز وجل. أي أن كل فعل من أفعال الإنسان هو من عند الله. أو بتعبير آخر. (الكسب هو الاقتران العادي بين القدرة المحدِثة من قبل الله والفعل الإنساني. فإن الله تعالى أجرى العادة بخلق الأفعال عند قدرة العبد وإرادته لا بهما، فهذا الاقتران هو الكسب).(72) وهم هنا ينفون السببية في أحداث الطبيعة، وهذا يعني عندهم القول بنفي أي تأثير للقدرة الإنسانية في الفعل.

يذكر الشهرستاني عن أبي حسن الأشعري قوله في هذا الاتجاه: (إن الإنسان ليس يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا اختيار، وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حساب ما يخلق سائر الجمادات).(73) وبهذا يظل السؤال المشروع يطرح نفسه هنا وهو: إذا كانت القدرة الإنسانية عند الأشاعرة وفق نظرية الكسب ليس لها أي تأثير في الفعل فما معنى وجودها أصلاً؟. وهذا السؤال أجاب عنه بكل دقة في الحقيقة ابن تيمية بقوله: (ليس بين الأشاعرة وبين جهم بن صفوان في قوله بالجبر الخالص إلا اختلافاً لفظياً).(74) بينما نرى المعتزلة يقولون في مسألة القدر: (إن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وإن الله عز وجل أقدرهم على ذلك. أي منحهم القدرة).

عموماً إن الأشعري وبسبب تأثره العميق بالفكر المعتزلي الذي اشتغل عليه أربعين عاماً، حاول أن يستفيد من مخزونه الثقافي المعتزلي في مسألة التوفيق بين العقل والنقل، والحديث والبرهان، فلم يفلح، حيث ظل ميله أكثر إلى أهل السنة والحديث. بل أستطيع القول إن الأشاعرة باستخدامهم العقل على الطريقة التي جئنا عليها أو التي اشتغلوا عليها، قد خدموا الفكر الجبري السلفي بطريقة مدهشة. وأحب هنا أن أعطي مثالاً معاصراً لما قلت. ففي إحدى ندوات الشيخ البوطي التلفزيونية على الفضائية السورية كان يتحدث بطريقة الجدل المنطقي الأرسطي في المقارنة بين دور الغريزة والعقل بالنسبة للمؤمن، وأهمية اعتماد المؤمن على غريزته بدلاً من عقله. قائلاً: (لو أتينا بحمار وحاولنا أن ندخله مياه النهر لرفض الحمار الدخول مستشعراً الخطر بفعل الغريزة. ولو جربنا هذا الأمر مع الإنسان، لوجدنا الإنسان يجري محاكمة عقلية بين الدخول أو عدمه، وربما بعد المجادلة العقلية يدخل ماء النهر وهو لا يجيد السباحة، وفي مثل هذه الحالة سيغرق. وبناءً على ذلك يكون في اعتماده على عقله قد أوقع نفسه بالتهلكة، في الوقت الذي نجا فيها الحمار من الغرق بفعل الغريزة التي جعلها الله هداية للخير بشكل فطري. هذا هو مجال استخدام العقل عند الأشاعرة.!!!. فالعقل هنا يأتي خادماً لتأكيد النص المقدس في دلالاته كما رأتها السلفية، وليس حاكما عليه، أي يفتح النص على دلالات أخرى يراها المجتهد باعتماده على العقل. أي إن العقل عند الأشاعرة يستخدم لتثبيت ما هو منقول، وليس للحكم عليه وإشغال العقل فيه وفتح دلالاته على تطور حوادث الواقع. إنها دعوة لاستقالة العقل الإيجابي نهائياً وتفضيل العقل الشقي السلبي الذي ليس عليه إلا إثبات صحة ما جاء في النص المقدس وفق ما أجمع عليه أهل السلف. ومع ذلك فقد أصبح فكر الأشعري مذهباً عاماً لأهل السنة في الأصول، وهو اليوم الأكثر انتشاراً وقبولاً في الساحة العربية والإسلامية لما يتسم به – حسب رأي رجال الدين من أتباعه- بالوسطية أمام الفكر الوهابي السلفي بشكل عام، والجهادي منه بشكل خاص، بالرغم من أن قضية الوسطية لم تحدد منهجياً عند الأشاعرة، وربما جاءت هذه الوسطية لموقف الأشاعرة من قضية الآيات المتشابهات ومن ضمنها الصفات، حيث كانوا وسطاً بين الفرق والمذاهب الإسلامية في هذا الاتجاه، لتمييزهم وفصلهم مابين الصفات العقلية والصفات الخبرية. ففي الوقت الذي ينكر فيه المعتزلة مثلاً الصفات، أي يقولون بالتعطيل، حيث كان يقول زعماؤهم وعلى رأسهم واصل بن عطاء: إن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، وذلك شرك، وإن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين. نجد مذاهب أهل السنة والجماعة تقر هذه الصفات وتؤكد ضرورة إثبات الصفة دون البحث عقلياً عن معناها، أو كيفيتها، وهذا يسمى عندهم تفويضاً محموداً، (والتفويض يعني أن تأخذ تفسير النص المتشابه بظاهرة لا بكيفيته مع تأكيد دور اللغة العربية في مجازاتها وبيانها على إظهار دلالات النص المتشابه بما يتفق وقدسية الله عز وجل ومكانته. أو بتعبير آخر، صرف النظر عن ظاهر النص الراجح إلى احتمال المرجوح مع وجود دليل (قرينة) يقترن باللفظ فيصرفه عن ظاهره. أما الأشاعرة فقد اتخذوا موقفاً وسطاً من الصفات عندما قسموها بين صفات عقلية أو معنوية، وأخرى خبرية أو سمعية. ففي الوقت الذي أقروا فيه ارتبط الصفات العقلية بالله، وهي صفات (الحياة والخلق والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام)، إلا أنهم أنكروا تجسيد الصفات الخبرية أو السمعية على الله كصفة (الاستواء والنزول والإتيان والمجيء.. وغيرها)، وعملوا على تفسير دلالاتها وفقاً لحالة (التفويض) التي جئنا عليها، وهم هنا يكادون أن يكونوا وسطين في هذه المسألة العقيدية.

أما بالنسبة لمسألة ظهور فكر أبي الحسن الأشعري ذي النزعة السياسية المبطنة أو المضمرة في العصر الوسيط الإسلامي، فقد جاء موافقاً للخط السياسي العام للسلطة الحاكمة آنذاك، وليلتمس معين الشرعية في فعل السلف وما ينسب إليهم من إجماع على اختيار أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده ومن جاء بعدهم، وذلك لنفي مقولة المعارضة الشيعية القائلة بالوصية لعلي وأبنائه من بعده.

إن الموقف السياسي لأبي الحسن الأشعري من خلافة أبي بكر وعلي وتأكيده على مسألة الإجماع. ورد في كتابه (الإبانة) في باب إسمه "إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه"، فبعد أن أثنى على الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة يقول: ("لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة". لقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمام في العلم والزهد وقوة الرأي وسياسية الأمة وغير ذلك... وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين رضي الله عنهم).(75) وهو بقوله هذا يريد الوصول إلى تأكيد مسألة كانت على درجة عالية من الحساسية فيما يتعلق بالصراع على السلطة بين البيتين العباسي والعلوي، وهي تأكيده على أن أبا بكر كان أفضل من علي بن أبي طالب من جهة، ثم ضرب فكرة الوصية التي أتينا عليها قبل قليل من جهة ثانية. ويكون بذلك قدم خدمة للسلطة السياسية العباسية الحاكمة آنذاك، والتي كانت تعاني من الخطر الشيعي عليها بعد أن استفحل أمر الشيعة في منافستهم للسلطة العباسية القائمة، في المرحلة التي عاشها فيها أبو الحسن الشعري، وهي فترة ظهور الحركة القرمطية.

أما ابن تيمية فله آراء كثيرة في مواقف أبي الحسن الأشعري وقربه الشديد من الحنابلة، نقتطف منها هذا الموقف كما ورد في مقال للشيخ عبد الباسط يوسف غريب عن كتاب (مجموع الفتاوى 3/ 228)، نشره في موقع ملتقى أهل الحديث تحت عنوان (إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية للإمام الأشعري والأشاعرة)، حيث يقول عن أبي حسن الأشعري وخاصة في حرصه على تأليف القلوب بين الحنابلة والأشاعرة: (والناس يعلمون أنه كان بين الحنابلة والأشعرية وحشة ومنافرة. وأنا كنت من أعظم الناس تأليفا لقلوب المسلمين، وطلبا لاتفاق كلمتهم، وإتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد رحمه الله ونحوه المنتصرين لطريقه كما يذكر الأشعري ذلك فى كتبه).

وهذا أبو إسحاق الشيرازي يقول في الأشاعرة: (إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة، وكان أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز، وأبى الحسن التميمى، ونحوهما يذكرون كلامه فى كتبهم. بل كان عند متقدميهم ﻛ"ابن عقيل" عند المتأخرين،. لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله، وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل واتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول).

أما الإمام تاج الدين السبكي فيقول في كتابه (معيد النعم ومبيد النقم). (ص 62) عن الأشاعرة وموقفهم المعادي للفلاسفة العقلانيين، كما جاء في موقع: (أنصار السنة في بحث بعنوان: (الأشاعرة والوهابية بين الإتباع والابتداع):

(إن أبا الحسن الأشعري لم يبتدع رأيا ولم ينشئ مذهبا بل هو مقرر لمذهب السلف، وإنما أقام الحجج العقلية عليه فقط ردا على الفلاسفة والعقلانيين، حتى رد كيدهم، فصار المقتدى به "الأشعري" إماماً عند الجميع، وكل من تبعه من أهل السنة والجماعة سموا بالأشاعرة من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة. وبعد هذا فإن الأشاعرة نسبة تشمل جماهير علماء الأمة من المحدثين والمفسرين والفقهاء والمتكلمين).

وللإمام البيهقي رأي أيضاً في أبي الحسن كما ورد في المصدر ذاته يقول فيه:

(إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حدثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في الأصول فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا به وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، بخلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية لأهل السنة والجماعة ونصرة للأئمة الكبار أبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة والأوزعي وغيره من أهل الشام ومالك والشافعي وأحمد والليث والبخاري... رضي الله عنهم أجمعين).

إذاً إن آراء ابن تيمية، وأبو اسحق والشيرازي، والإمام البيهقي، والإمام تاج الدين السبكي، وغيرها الكثير، تؤكد لنا أن الأشاعرة والحنابلة وبالتالي الوهابية، كلهم يصبون في خانة واحدة فكرياً، وإن وجد اختلاف بينهم فهو في مسائل جزئية تتعلق غالباً في تفسير بعض العقائد وبخاصة مسألة الصفات، وأن الخطورة في توافقهم تأتي في اعتبار أنفسهم جميعاً من أصحاب الفرقة الناجية وما عداهم كفرة وزناديق وملاحدة شرعاً، وقد بينا في موقع سابق من هذا البحث ما هي العقوبات التي حددوها هم لهذه الفرق الضالة. وبالتالي فأنا أجد أن حالة التوافق ما بين فكر القاعدة بكل فصائلها ومنهم داعش والنصرة، لا تخرج عن أصول ومنهج هذا الفكر، بل هي من صلب هذا الفكر، والخلاف بينهما هو اختلاف في تقسيم لأدوار لا غير، فالقاعدة بفصائلها تتخذ من الجهاد أسلوباً لتجسيد قيم ومنهاج الفكر السلفي، والحنابلة والوهابية والأشاعرة يستخدمون الجانب الدعوي السلمي من أجل غسيل العقول وتحطيمها وجعلها قابلة لاستيعاب ما تقوم به الفصائل الجهادية وكأنه أمر مشروع، وهذا ما وجدناه في سورية ومصر ولبنان والعراق، حيث وجدت هذه الفصائل الجهادية الحواضن الاجتماعية والفكرية لها ولحركتها في هذه البلاد.

كما يتبين لنا كيف أن الأشاعرة هم من ألد أعداء العقل وأصحابه من الفلاسفة، حيث قام أبي الحسن بالرد على الفلاسفة والعقلانيين، كما قام بالرد ذاته تلميذه أبو حامد الغزالي في تهافته. وهنا لا تستغرب أيضاً كيف وقف هؤلاء الأشاعرة في سورية ضد المفكرين العقلانيين والعلمانيين بقيادة الشيخ البوطي ومدرسته لمدة ثلاثين عاماً، حتى أقصوهم نهائياً عن الساحة الفكرية والثقافية في سورية وعلى رأسهم الطيب تيزيني وجلال صادق العظم الذين فرض عليهم هذا الحصار - أي العلمانيين والعقلانيين- أن يتحول قسم كبير منهم إلى معارضة في هذه الأزمة.

أما دور الأشاعرة في الساحة السياسية العربية والإسلامية المعاصرة، بعد أن أصبح لفكرهم هذا الانتشار الواسع، فهو محاربة العقل على حساب النقل، ونشر وتسويق الفكر الجبري خدمة للسلطات الحاكمة في العديد من الدول العربية والإسلامية التي وجدت في تيارهم المدخلي، سلاحاً لا يستهان به من أجل تسويق سلطاتهم شعبياً، رغم أن هذه العقلية غالباً ما تتحول إلى بركان يحرق كل ما هو أخضر ويابس في البلاد، لأن في جوهره رفض لكل ما هو جديد وتقدمي وحضاري يعلي من شأن عقل الإنسان وكرامته وحريته وإرادته، وبالتالي الانتقال به من عالم الفطرة (الغريزة) إلى عالم العقل والإرادة.

فالأشاعرة إذاً ليسوا مبتدعين في شيء، وهم الأكثر تقيداً من كل الأئمة بالمذهب السلفي.

أما مسألة الخلاف بين الوهابية والأشاعرة كما يراها البعض، فقد حددها مقال بعنوان (الأشاعرة والوهابية بين الإتباع والابتداع)، (موقع: (أنصار السنة)، جاء فيه: (وهنا نلاحظ أن الأشاعرة هم المتبعون للسلف الصالح وأن الوهابية قد خالفوا السلف الصالح وقدموا رأي ابن تيمية عليه كما فعل "ابن عثيمين" في رده لمنهج السلف كما بينه "ابن قدامة" في شرحه "للمعة الاعتقاد" وقال أنه تفويض وهذا ما لم يقبله ابن تيمية. ولهذا نجد العلامة "الحافظ القرطبي" يؤكد على منهج السلف ذلك ويبين أن جمهور السلف يفوضون المتشابهات والبعض من يؤولها بحسب سياقاتها، وأن منهج المجسمة هو أخذ المتشابهات على ظاهرها ومنع التأويل وهم بهذا مبتدعون ضالون يعبدون صنما لا إله..)

وهو يعني بالمجسمة هنا (الوهابية) الذين يرفضون مسألة التفويض، ويقرون بوجوب اخذ المتشابهات على ظاهرها ومنع تأويلها. ويكون التشبيه هنا: إذا قال يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه.

*****

الخطاب السلفي وتحطيم العقل - قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي “20 من 28”)

“تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

في البدعة وتبريك فساد الحكام:

بينا في القسم الأول من الدراسة كيف عرّف الشاطبي البدعة بقوله: "هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية". لكن امتناع الاختراع عنده ليس مطلقا، لأن له حدود يوضحها تقسيم الشريعة إلى عبادات ومعاملات. وبالتالي فالاختراع (الاجتهاد) عنده له مساحة ضيقة في مجال المعاملات فقط كما سنبين لاحقاً.

وبحسب هذا التعريف، فمن معالم العقيدة السلفية كراهية معتنقيها أيضاً لما يعتبرونه بدعاً... وكذلك كراهيتهم لما يعتبرونهم أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه... ولا يحبونهم ولا يصاحبونهم ويحذرون منهم ومن يتقرب إليهم، ولا يألون جهداً في نصحهم وزجرهم عن بدعهم.

إن قراءة أولية لما قاله الشاطبي في مفهموم البدعة، ثم موقف السلفية من البدعة والمبتدع يبين لنا التالي:

لقد اعتبرت البدعة سلوكاً دينياً وليس وضعيا، وعلى اعتبار أن حياة الإنسان في كل ما يتعلق بها، هو أمر ديني مقرر مسبقاً ومكتوب بلوح محفوظ، وبالتالي، فإن الحكم على البدعة هو حكم شرعي وليس وضعياً. ومن جهة أخرى في هذا التعريف، نجد الشاطبي يفسح في المجال ﻠ(الاختراع)، أي البحث عن حلول لمستجدات الحياة لم تحدث لدى الأسلاف، وهي تخضع عنده في شرعنتها لما هو مقرر دينياً في الشريعة التي أقرتها مصادر التشريع السلفي، وهي القرآن والحديث والإجماع والقياس. فإذا كانت مسألة العقيدة مستبعدة عند الشاطبي في قضية الإبداع بحيث لا يجوز مطلقاً الإبداع فيها كونها تتعلق في قضيا التوحيد والإلوهية والصفات... إلخ، وهذه العقيدة يجب أن تشرح وتُعَلْمَ بالطريقة والفهم الذي حدده أئمة المذهب السلفي، كالشافعي، وابن حنبل، وأبي حسن الأشعري وابن تيمية وغيرهم، وأي خروج عن ذلك يعتبر بدعة، وهذا ما جعلهم يُبَدِعونَ المعتزلة والمتكلمين والفلاسفة الذي قالوا بتعطيل الصفات الإلهية مثلاً، وأعطوا فسحة للعقل الإنساني وإرادته.

ولكون مسألة العبادات من المسائل التي لا يجوز المساس بأسسها العامة، فطاعة الله وتنفيذ تعاليم رسوله، والصلاة والصوم والزكاة وحج البيت والصبر على المكارة وتزكية النفس وغير ذلك من العبادات، هي أمور واجبة التنفيذ، بيد أن مسألة الخلق أو الاجتهاد على حد تعبير الشاطبي يمكن أن تكون في التعبير أو استخدم الوسيلة لتنفيذها مثلا. فللصلاة طقوس تأديتها الحركية المتفق عليها، فلو كان الإنسان عاجزاً عن تأدية هذه الحركات فمسموح له أن يؤدي الصلاة وهو جالس مثلاً وهكذا.

أما مسألة المعاملات المتعلقة بمصالح الناس، فهي محكومة أيضاً بمراجع وأصول الفقه السلفي، فأي مستجد في هذه الحياة يجب أن يوجد له ما يشار إليه أو يشابهه في القرآن أو الحديث أو الإجماع، أي يقاس على ما تركه لنا السلف، مع تضييقهم جداً أو حتى رفضهم في الأخذ بمصادر أخرى للتشريع مثل الاستحسان، والمصالح المرسلة، أو الرضوخ لقاعدة تتغير الأحوال بتغير الأزمان. وذلك كون الزمان والمكان ثابتين أمام ما قرره الدين، أو جاء به، فهو صالح لكل زمان ومكان، (الآن أتممت لكم دينكم..). فالواقع في كل حركته وتجلياته هو للدين وليس الدين للواقع كما يقرر مثلاً سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق". هذا إذا ما نظرنا إلى مسألة إدخال البعد السياسي وتوظيفه دينياً لخدمة السلطات الحاكمة من حيث تبديع وتكفير أعداء السلطة كما جرى في عصر ابن حنبل بعد محنته، إذ لوحق المعتزلة وأهل الرأي وكفروا كما بينا في أكثر من موقع سابق، أو في عصرنا الحاضر حيث نجد أئمة هذا الفكر السلفي كيف يدافعون عن نظم الحكم الاستبدادي ضد من يعارض هذا الحكم من أبناء الشعب، تحت ذريعة رفض الخروج على سلطة الحاكم حتى ولو كان فاسداً وظالما تجنباً للفتنة من جهة، ثم محاربة من يختلف معهم مذهبياً باسم الدين إذا شعروا أن هذا المخالف يمكن أن يشكل خطراً عليهم من جهة ثانية، كما هو الحال اليوم في محاربة الفكر اليساري والقومي والعلماني، أو محاربة الشيعة بكل تياراتهم كونهم ليسوا من الفرقة الناجية.

تبريك أو شرعنة فساد الحكام:

إن مسألة الوقوف ضد مصالح الشعب، أمام مصالح سلطات الحكام من قبل السلفية عموماً، تحت ذريعة (حاكم فاسد أفضل من الفتنة) كما سنبينه بعد قليل، وتنصيب أئمتهم أوصياء على الشعب لتحقيق هذه المهمة، في الوقت الذي يكونون فيه أدوات للحاكم ووسيلة بيده لقهر شعبه والتغطية على مفاسده، وعدم امتلاك القدرة على نصحه بالعلن، فهي مسألة يبررونها باتكائهم على أحاديث كثيرة للرسول كما يدعون، ومن هذه الأحاديث مثلاً: ما جاء في صحيح مسلم: حديث لحذيفة بن اليمان يقول فيه: (قلتُ: يا رسولَ الله، إنا كنا بشَرٍّ، فجاء الله بخير. فنحن فيه. فهل من وراءِ هذا الخير شرّ؟ قال: "نعم" قلتُ: هل من وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم" قلتُ: فهل من وراءِ ذلك الخير شر؟ قال: "نعم" قلتُ: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنُون بسنّتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس" قلت: كيف أصنع يا رسول الله إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإنْ ضربَ ظهرَكَ وأخذَ مالك، فاسمَعْ وأطِعْ").

أما الحنابلة فهم أصل هذه المسأة في الفكر والفقه السلفي، وذلك وفقاً لابن حنبل في تبرير عدم الخروج على الحاكم الظالم خوفاً من الفتنة وهو القائل: (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخرة أن يبيت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين).(76)

وهذا الباقلاني يؤكد على هذه القضية أيضاً بقوله: (إن الإمام لا ينخلع لظلمه وفسقه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود).(77)

وقال أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية: (فقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ الأمراء يظلمون ويفعلون أموراً منكرة، ومع هذا فأمرنا أن نؤتيهم الحقَّ الذي لهم، ونسأل اللهَ الحقَّ الذي لنا، ولم يأذن في أخذِ الحق بالقتال، ولم يرخِّص في تركِ الحق الذي لهم.(78)

وقال الشوكاني في ذلك: (ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل، أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أن يأخذ بيده وَيَخْلُ به ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله، وقد قدمنا في أول كتاب السير، أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح)(79)

إن الموقف السلفي هذا من الحاكم حتى ولو كان فاسداً وطالماً ويتعدى على حقوق الناس، إنما يمارسون به الإجحاف والظلم بحق الدين والشعب والحاكم معاً.

فإجحافهم بحق الدين، أنهم خالفوا تعاليم الدين في تحقيق العدل ومحاربة الظلم والفساد، وذلك من خلال سكوتهم هم، والدعوة لسكوت الشعب أيضاً على الحاكم الظالم الفاسد.

وأجحفوا بحق الحاكم، من خلال السكوت على ظلمه وهذا ما يشجعه على ممارسة هذا الظلم والإيغال فيه طالما هو يجد من يبرر له ظلمه وفساده وفساد أدواته دينياً.

وأجحفوا بحق الشعب، أن طالبوا الشعب بالتقوى، وضرورة محاسبة المذنب من أبناء الشعب وتكفيره وخروجه عن الملة، في الوقت الذي يؤكدون فيه ضرورة قمع ومحاربة وتبديع من يحاول الخروج عن طاعة حاكمه الفاسد الظالم.

كما أجحفوا بحق أنفسهم كونهم يقولون ما لا يفعلون من خلال سكوتهم على الظلم والتقرب للظالمين من الحكام. والله يقول في كتابه الحكيم: (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص). الصف (الآية 3- 4)

هكذا نجد في موقفهم من البدعة موقفاً يساهم في إقفال باب الاجتهاد والعقل والنص المقدس إلى حد كبير حتى في جانب المعاملات، واعتبار ما قدمه السلف أو أجمع عليه أهل السنة والجماعة حتى القرن الثالث للهجرة هو الصالح لكل زمان ومكان، وما على الواقع إلا الارتقاء دوماً للنص الديني وتبديع ما خالفه. وبالتالي كل جديد بدعة، وكل بدعة ظلاله، وكل ظلاله في النار. وهذا تقييد لعقل المسلمين ومصالحهم معاً، ثم تركهم يدورون في حلقة مغلة فكراً وممارسة مداها الزمني ثلاثة قرون تجاوزها الزمان بألف ومائة عام، في الوقت الذي فجر غيرهم مكامن الإبداع وحققوا إنجازات علمية تجاوزوا فيها نطاق الزمان والمكان الذي يعيشون فيه.

أما في مسألة السلطة وموقفهم منها الذي جئنا عليه، فهو من حهة موقف معادي للإنسان وحريته ولكل ما يدعو للمشاركة في إدارة أمور البلاد، وحولوا المسلم إلى أداة طيعة بيد الحاكم والفقيه معاً لا حول له ولا قوة أمام ظالميه من الحكام وأئمة الدين الموالين للحاكم، ومن جهة ثانية، هو موقف نفاق وشرعنه للظلم والاستبداد من قبل الحاكم الظالم خارج ما يقره الله في شرعه من عدل ومساواة بين المسلمين وغير المسلمين من مواطني الدولة، وهذا مخالف للدين ولما جاء في كتاب الله ذاته وسنة نبيه، ومخالف لكل ما يقره العقل والمنطق.

*********

d.owaid50@gmail.com

 

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة

News image

أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل/ نيسان، على الر...

مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا

News image

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس رئاسة الاتحاد الأفريقي في أول رئاسة دورية مصر...

الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع

News image

قال الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، إن سحب القوات الأمريكية من سور...

3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان

News image

تحطمت مروحية عسكرية اثيوبية في مجمع للامم المتحدة في منطقة أبيي بين السودان وجنوب الس...

الاحتلال يقصف غزة والفصائل الفلسطينية ترد بصواريخ

News image

قصفت مدفعية الاحتلال مساء الأربعاء مرصدين تستخدمهما الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، ورد الجانب الف...

موسكو تعلن انسحابها من معاهدة الصواريخ مع واشنطن خلال 6 أشهر

News image

أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف، أن روسيا سترد بالمثل على الولايات المتحدة، وستنسحب من معا...

البشير يتعهد بالإفراج عن صحفيين معتقلين في السودان

News image

استخدم الرئيس السوداني عمر حسن البشير نبرة تصالحية جديدة مع المتظاهرين أمس الأربعاء قائلا إن ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

ينابيع الإرهاب الصهيوني

د. غازي حسين | الأربعاء, 6 فبراير 2019

  رفع الصهاينة ورجال الدين اليهودي وقادة العدو الاسرائيلي «الإرهاب والإبادة إلى مرتبة القداسة الدينيةفي ...

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة

حسن العاصي

| الخميس, 31 يناير 2019

  تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما ...

دراسة تتعرض إلى وجهة نظر مخالفة

د. هاشم عبود الموسوي

| الثلاثاء, 29 يناير 2019

  وردتني رسالة مطولة من صديق يشتغل في حقل الأدب ويمارس النقد الأدبي أحياناً، وقد ...

المنافسة الاستراتيجية دولياً ومؤشرات "الكتلة العالمية الجديدة": محاولة للفهم(*)

أحمد حسين

| الأحد, 27 يناير 2019

    هل ما زلنا نعيش في نظام عالمي أُحادي القطبية؟ أم انتهى عصر الدولة المهيمنة؟ ...

اللا مساواة أو الصورة الرمزية للسلطة لدى فرونسوا دوبيه

د. مصطفى غَلْمَان

| الخميس, 24 يناير 2019

هل حقيقة أن القيم تتعارض وتتقاطع في خضم الشكوك التي غدت مآلا لأسئلة الحداثة وان...

قراءة أولية في كتاب: (النص وسؤال الحقيقة- نقد مرجعيات التفكير الديني)

د. عدنان عويّد

| الخميس, 24 يناير 2019

للكاتب والمفكر الدكتور ماجد الغرباوي (1) الدكتور ماجد الغرباوي باحث ومفكر في الفكر الديني، ومت...

دراسة حقوق اليهود المزعومة!!

محمود كعوش

| الاثنين, 21 يناير 2019

  "إسرائيل" تطالب بحقوق مزعومة لليهود في دول عربية وتتنكر لحقوق الفلسطينيين!!   "إسرائيل" تطالب باستعادة ...

في فقه التشريع.. تضامن أم تطبيع؟

حسن العاصي

| الثلاثاء, 1 يناير 2019

الحج إلى رام الله يشتد الجدل واللغط في أوساط المثقفين والسياسيين كلما قام...

البعد الاجتماعي في المسألة الدينية

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

"إن القرآن لا يمثل خطابا أحادي الصوت، بل هو خطاب متعدد الأصوات بامتياز"[1] ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

ينابيع الإرهاب الصهيوني

د. غازي حسين | الأربعاء, 6 فبراير 2019

  رفع الصهاينة ورجال الدين اليهودي وقادة العدو الاسرائيلي «الإرهاب والإبادة إلى مرتبة القداسة الدينيةفي ...

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة

حسن العاصي

| الخميس, 31 يناير 2019

  تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم49434
mod_vvisit_counterالبارحة52662
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع102096
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي351400
mod_vvisit_counterهذا الشهر883808
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65038261
حاليا يتواجد 4146 زوار  على الموقع