موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
البحرية الجزائرية تبحث عن مهاجرين قضوا في البحر ::التجــديد العــربي:: السلطة الفلسطينية تبحث عن دعم عربي في رفضها مؤتمر وارسو ::التجــديد العــربي:: عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة ::التجــديد العــربي:: مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا ::التجــديد العــربي:: الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع ::التجــديد العــربي:: 3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان ::التجــديد العــربي:: مطار دبي يتصدر قائمة أكبر المطارات من حيث حركة المسافرين ::التجــديد العــربي:: مصر: لم نمنع مرور سفن متجهة إلى سوريا عبر قناة السويس ::التجــديد العــربي:: مصر تنتهي من تجديد مقبرة توت عنخ أمون وتعيد فتحها للزائرين بنظام جديد ::التجــديد العــربي:: ماري منيب: غوغل يحتفي بـ"أشهر حماة في السينما المصرية" في عيد ميلادها 114 ::التجــديد العــربي:: التهاب الأمعاء: كيف يؤثر الهواء الملوث على صحة أمعائك؟ ::التجــديد العــربي:: هل يعد تناول وجبة الإفطار فكرة جيدة دائما؟ ::التجــديد العــربي:: ليفربول يستعيد صدارة الدوري الإنجليزي ومحمد صلاح يعزز صدارته للهدافين ::التجــديد العــربي:: ريال يكسب "ديربي" مدريد وينتزع وصافة الليغا من أتلتيكو ::التجــديد العــربي:: الاحتلال يقصف غزة والفصائل الفلسطينية ترد بصواريخ ::التجــديد العــربي:: موسكو تعلن انسحابها من معاهدة الصواريخ مع واشنطن خلال 6 أشهر ::التجــديد العــربي:: البشير يتعهد بالإفراج عن صحفيين معتقلين في السودان ::التجــديد العــربي:: دونالد-ترامب-يتعهد-بمواصلة-الحرب-حتى-هزيمة-«داعش»- والسيطرة-الكاملة-على-أرض-خلافتة- وإخراج إيران من سورية ::التجــديد العــربي:: ماكرون يغضب تركيا باحياء ذكرى إبادة الأرمن ::التجــديد العــربي:: الخارجية الروسية تحذر من اللجوء إلى الحل العسكري في فنزويلا ::التجــديد العــربي::

قضايا التنوير– القضية السابعة... في المجتمع المدني (1+2+3+4)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

المجتمع المدني (1)

Civil society: From Wikipedia، the free encyclopedia

في المفهوم

يشتمل المجتمع المدني على العديد من المنظمات والمؤسسات المدنية والاجتماعية، والتجارية، والسياسية، والثقافية، التي تشكل أسس الوظيفة الاجتماعية في مواجهة المنظمات المدعومة من قبل الدولة دون أي اعتبار للنظام السياسي الذي تعتمده الدولة.

وإضافة للمفهوم الذي تقدمنا به أعلاه، يمكننا القول أيضا إن هناك مئات التعاريف للمجتمع المدني في قاموس الحداثة المعاصرة، أو ما يسمى ﺑ"ما بعد الحداثة"، ومن هذه التعاريف العديدة جاء مثلا في مدرسة "المركز الاقتصادي الانكليزي لنشاط المجتمع المدني"، أن المجتمع المدني يشير إلى ميدان العمل الجماعي الطوعي، وفقا لاهتمامات وأهداف وقيم القوى الاجتماعية المساهمة في هذا العمل. ففي النطاق النظري، نجد هنا أن الصيغ المؤسساتية للمجتمع المدني تتميز عن تلك الخاصة بالدولة، أو المرجعيات التقليدية (عشيرة، قبيلة، طائفة)، بينما نجد في النطاق العملي لهذه المؤسسات، أن الحدود بين مؤسسات الدولة والعائلة والسوق والمجتمع المدني، غالبا ما تكون متداخلة ومشوشة وتفاوضية أيضا، بل أن المجتمع المدني ممثلا بمؤسساته، غالبا ما يعانق تنوع الأمكنة، والممثلين، والصيغ، وتنوعه هذا يتجلى في درجاته، ومراسيمه، وقوته، واستقلاله الذاتي.

إن المجتمعات المدنية، غالبا ما تعبئ السكان في منظمات غير حكومية ذات طابع اجتماعي، مثل المنظمات الخيرية ذات الأسس الدينية، (الروابط الأخوية)، وكذلك المنظمات النسائية أو المهنية، والاتحادات التجارية، ومجموعات المساعدات الذاتية، وجمعيات رجال الأعمال، والدفاع عن حقوق الإنسان، والتضامن.... الخ.

أصول المجتمع المدني:

ظل مفهوم المجتمع المدني حتى في الفترة المعاصرة مرتبطا بمفهومه الكلاسيكي، وهو من صلب أدبيات عصر التنوير في القرن الثامن عشر، بل ربما يعود في معطياته إلى تاريخ أقدم من حيث ارتباطه مع مملكة التفكير أو الفكر السياسي. ومع ذلك نقول إن المجتمع المدني في الفترة الكلاسيكية كان يستخدم كتعبير مرادف ﻠ"المجتمع الجديد"، حيث بدا قريبا من الدولة أو شبيها بدورها.

على العموم، لقد أصبح المجتمع المدني في تاريخه المعاصر يشير إلى المشاركة السياسية لحل الصراعات الاجتماعية عبر فرض القوانين التي تضبط علاقات المواطنين خوفا من إيذاء بعضهم لبعض، وذلك على اعتبار أن الصراعات الاجتماعية داخل المجتمعات يفضل أن تحل عبر النقاش والحوار العام، ذي الصفة العقلانية، من أجل كشف الحقيقة، وهذا الحوار العقلاني بدوره سيعمل على تحقيق المواطنة والحياة الجيدة للمجتمع.

يرى بعض المهتمين بالفكر السياسي، أن الدولة المثالية هي التي تكوّن مجتمعا عادلا، حيث يكرس فيها المواطنون أنفسهم للتعاون مع بعضهم مثلما يكرسون الفضائل المدنية العملية، مثل، الحكمة، والشجاعة، والعدالة وروح المعاصرة، كما يؤدون الدور الوظيفي المنوط بهم، والذي من خلاله يحققون الوضع الاجتماعي المناسب لهم.

إن الفلاسفة والمفكرين في المرحلة الكلاسيكية لم يشيروا أو يؤكدوا أي تمايز ما بين الدولة والمجتمع، بل على الأغلب هم تمسكوا بمقولة أن الدولة مثلت الصيغة المدنية للمجتمع، وأن المدنية مثلت أيضا متطلبات المواطنة الجيدة. وأكثر من ذلك فقد تمسكوا بفكرة أن الكائنات الإنسانية هي بحد ذاتها عقلانية، وتستطيع في اجتماعها تشكيل طبيعة المجتمع الإنساني الذي تنتمي إليه، مثلما تمتلك كذلك، قابلية التجمع والمشاركة وحفظ السلام للجميع داخل المجتمع بشكل إرادي. وبذلك نستطيع القول: إن المفكرين السياسيين الكلاسيكيين، قد صادقوا على بداية نشوء أو انطلاق مفهوم المجتمع المدني في وعيهم العام. ولكن علينا هنا أن نشير إلى مسألة ذات أهمية خاصة وهي أن الترتيبات السياسية لإقطاع العصور الوسطى، تعتبر حالة استثنائية، حيث أن أعمال المفكرين الكلاسيكيين كان قد سحب من تحتها البساط خلال تلك الفترة التي كانت قد ازدادت فيها سلطة الكنيسة والإقطاع قوة.

على أية حال، إن حالات التقدم التي تمت في بعض مناطق أو أقسام أوربا منذ القرن الرابع عشر، كانت قد نبهت إلى حد بعيد عن حالة انتعاش وإحياء مفهوم العقلانية الإنسانية، وهذا أثر في تحقيق التوسع الهائل لتشكيل الصلات السياسية الايجابية حتى نهاية عصر النهضة.

إن حرب الثلاثين عاما، ومعاهدة "وستفاليا" عام 1648، بشرا في ولادة نظام الدولة الحديثة. فالدول التي صادقت على المعاهدة كوحدات إقليمية سياسية، حازت على سلطاتها المطلقة، وكنتيجة لذلك كان الملوك يسمحون بممارسة السلطة الوطنية من خلال إضعاف سلطة اللوردات والنبلاء الإقطاعيين، وإيقاف الاعتماد عليهم في تأمين وتدريب القوى المسلحة. يضاف إلى ذلك أن الملوك استطاعوا آنذاك تشكيل الجيوش الوطنية الخاصة بهم، ونشر الوظائف والأعمال البيروقراطية المرتبطة بالدولة، ومن خلال هذه الأساليب أمن الملوك السلطة المباشرة والمطلقة معا على مواطنيهم، ولكي يؤمن الملوك المستلزمات المالية الإدارية أيضا، اعتمدوا على السلطة الاقتصادية - أي- على الطبقة الرأسمالية الوليدة التي وجدت في الملك حليفا قويا لها لمواجهة سلطة الكنيسة والنبلاء معا، وهذا التناغم ما بين الملك والسلطة الاقتصادية، ساعد هنا على ولادة ما سمي بسلطة (المستبد العادل)، وهي سلطة مطلقة خير من عبر عنها "لويس الرابع عشر بقوله: (أنا الدولة والدولة أنا).

مع أواخر القرن الثامن عشر كان النظام المطلق قد أصبح الطابع المميز لأوربا، هذا وقد حدث خلاف لدى المفكرين التنويريين حول الطبيعة المطلقة للدولة في عصر التنوير، كنتيجة لطبيعة النهضة ذاتها التي تطور فيها العلم، والنزعة الإنسانية، حيث راح المفكرون النهضويون آنذاك يطرحون أسئلة أساسية أو جوهرية عن مشروعية الموروث المعطى وأسس الحكومات، والتساؤل عن أسباب امتلاك بعض الناس الحقوق الأصيلة، وفقدان الآخرين لها، وغير ذلك من التساؤلات الكثيرة التي تتعلق بالإنسان وحريته ومكانته الطبيعية... الخ. وللحق نقول: إن هذه الأسئلة قادتهم لعمل الكثير من الافتراضات الحقيقة حول طبيعة التفكير الإنساني واتجاه مصادر السلطة السياسية والأخلاقية، ثم الأسباب الكامنة وراء السلطة الاستبدالية المطلقة وكيفية تجاوزها. لقد اعتقد المفكرون التنويريون بالطيبة المتأصلة في العقل الإنساني، وعارضوا التحالف بين الدولة والكنيسة كتحالف معادي للتقدم ولرفاه الإنساني والرغبة الشعبية، وذلك لما تفرضه الدولة من وسائل إلزامية لكبح الحرية الفردية، وشرعنة النظام الملكي من خلال التنظير أو التشريع لنظرية (الحق الإلهي).

لقد كان للأعمال الوحشية التي نتجت عن حرب الثلاثين عاما في أوربا تأثير واضح، حيث اقتنع فلاسفة تلك المرحلة بأن العلاقات الاجتماعية يفضل أن تكون منظمة في طرق أو أساليب ليست مختلفة عن تلك المرتبطة بالقانون الطبيعي، لذلك راح بعضهم ينظر لنظرية "العقد الاجتماعي"، وهي نظرية مثلت في الحقيقة العلاقات الاجتماعية القائمة على التوافق مع الطبيعة الإنسانية، وهذا ما دفعهم إلى التأكيد على أن الطبيعة الإنسانية يمكن أن تفهم من خلال تحليل ظروف الوقائع الموضوعية، والقوانين الطبيعية، لذلك هم صادقوا على أن طبيعة الكائنات الإنسانية يفضل أن تكون متضامنة أو متحالفة مع خط الدولة، ومؤسسة للقوانين الوضعية معا.

إن الخوف من ذاك التدمير الهائل الذي أحدثته حرب الثلاثين عاما، دفعت المفكر والفيلسوف "توماس هوبس" التأكيد على أهمية الحاجة لقوة الدولة للحفاظ على الحياة المدنية في المجتمع، لاسيما وأن "هوبس" يرى أن الكائنات الإنسانية غالبا ما تتحرك بدوافع المصلحة الخاصة، بل أكثر من ذلك هولا يرى أن هذه المصالح غالبا ما تكون متناقضة في الواقع، الأمر الذي كان يخلق حالة من حرب الكل ضد الكل، وبسبب هذا الموقف كانت الحياة برأيه، فقيرة، بغيضة، موحشة، منعزلة، قصيرة، وتسودها الفوضى. لذلك من هنا أصبحت الكائنات الإنسانية مدركة تقريبا أهمية الحاجة لآلية عمل تحمي بها نفسها. هذا وإلى حد بعيد كان "هوبس" متفهما عقلانية ومصالح الناس الخاصة، وبأنهم أصبحوا على قناعة بضرورة اللقاء على اتفاق يسلموا فيه بأن الحكم يجب أن يكون في يد قوة مشتركة، دعاها "هوبس" الدولة أو القوى العظمى، “leviathan”.

إن نظرية (العقد الاجتماعي) ﻠ"توماس هوبس" طرحت أنموذجين من العلاقات، الأول: وهو عمودي في علاقته ما بين الشعب والقوة العظمى، أي الدولة، والشعب في هذا الأنموذج يرهنون أنفسهم في النهاية لسلطة الدولة، اﻠ“leviathan”. والثاني: وهو يقوم على علاقات أفقية ما بين الشعب والدولة، وفي هذا الأنموذج يكون الشعب تحت مراقبة وإشراف قوة الدولة الرهيبة ذاتها، والشعب مجبر هنا بوضع حقوقه الطبيعية على الطريق الذي لا يتعارض أو يؤذي حقوق الآخرين.

إن الأنموذج الأول، يمثل في المحصلة سلطة الدولة المطلقة. أما الثاني فيمثل هنا المجتمع المدني في المفهوم المعاصر. و"هوبس" يرى وفق هذه الرؤية أن تشكل الدولة قد قاد إلى تشكل المجتمع المدني، بل هو يرى أيضا أن الدولة ملزمة هنا بتقوية أو مد حياة المجتمع المدني.

لقد اعتبر "هوبس" أن الدولة (الطبيعية) وسلطتها قد قادتا إلى استنبات الواقعية في المرحلة الأخيرة التي حددت طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

وبعيدا عن "هوبس"، فقد امتلك "جان لوك" تجربة مختلفة عن الوضعية السياسية في بريطانيا، ولّدتها فترة (الثورة المجيدة) التي تميزت بالصراع ما بين المطالبين بالحقوق السماوية للسلطة الملكية، والمطالبين بالحقوق السياسية للبرلمان، هذا وقد تجلت هذه التجربة في نظرية (العقد الاجتماعي) التي عملت على تحديد دور كل من الدولة والقوى الاجتماعية. ففي وجهة نظر "لوك"، إن الكائنات الإنسانية قادرة على قيادة الحياة السلمية في الدولة الطبيعية، وبالتالي هذا يجعلها قادرة أن تحافظ على الحد الأدنى من التفاؤل في حال غياب النظام القادر على تحقيق هذه الحياة السلمية، لذلك انطلاقا من هذا الموقف راح الناس يتجمعون مع بعضهم من أجل توقيع هذا العقد الاجتماعي وتأسيس سلطة شعبية مشتركة. ومع ذلك فقد أقر "لوك" بأن تعزيز القوة السياسية ربما يدفعها نحو الحكم المطلق (الأوتوقراطية) إذا لم يكن قد تحقق تعزيزها تحت قيود موثقة. هذا وقد فرض "لوك" معاهدتين مع الحكومة تضمنت الالتزامات المتبادلة، الأولى: يخضع الناس فيها أنفسهم إلى السلطة الشعبية المشتركة، حيث تمتلك هذه السلطة القوة في سن القوانين والحفاظ عليها، أما المعاهدة الثانية: فتحتوي على قيود تجاه سلطة الدولة، فالدولة هنا لا تمتلك القوة لتهدد أسس حقوق الناس المتعلقة بالحفاظ على الحياة، ويأتي على رأسها حقا الحرية والملكية الخاصة. بل أكثر من ذلك إن هذه المعاهدة تعمل داخل التزامات ومتطلبات المدنية والقوانين الطبيعية. ووفقا ﻠ"لوك" فإن (المدنية) في الحياة الاجتماعية كانت سابقة لولادة الدولة، والدافع وراء رؤيته هذه هو أن الناس قادوا الحياة السلمية في الدولة الطبيعية، إضافة إلى ذلك، إن "لوك" ناصر أولوية المجتمع على الدولة، حيث اعتبر أن الدولة الطبيعية والحقوق الأساسية الرئيسة للإنسان، وأولوية المجتمع على الدولة، وتحديد سلطة الدولة، كلها تساعد أخيرا على تشكيل التقاليد الليبرالية التي حققت الفكرة المميزة لدولة المجتمع المدني.

إن كلا من "لوك" و"هوبس" قد أسسا لخلق نظام اجتماعي/ سياسي يساعد على التعايش السلمي داخله، ويساعد الإنسان على تأكيد العقد الاجتماعي. كما اعتبرا المجتمع المدني فضاء يحافظ على الحياة المدنية والدولة، أو المملكة، وأن القيم والحقوق المدنية قد اشتقت من القوانين الطبيعية.

على أية حال، كلاهما، قد تمسكا بأن المجتمع المدني كان (مملكة) مستقلة عن الدولة، وإلى حد ما هما أكدا أيضا على ضرورة التعايش بينهما.

لقد كانت مقاربات النظام ﻠ"هوبس" و"لوك"، وتحليلاتهما للعلاقات الاجتماعية، ومحاولاتهما توضيح مفاهيم مثل، الطبيعة الإنسانية، والقوانين الطبيعية والعقد الاجتماعي، ونظرية الحق الإلهي وتشكيل الحكومات، على درجة عالية من التأثير في تجربة الفترة التي عاشا فيها. وبعيدا عن نظرية الحق الإلهي، كان كلاهما يدعيان بأن العقل الإنساني يستطيع أن يرسم نظامه السياسي، هذا وأن هذه الفكرة قد حازت على تأثيرها الواسع عند مفكري عصر التنوير، الذين راحوا يناقشون بأن الكائنات الإنسانية أكثر عقلانية في تقرير مصيرها، لذلك لا حاجة للسلطة المطلقة من اجل توحيدهم.

أما "روسو" و"كانت" فقد ناقشا بأن الناس محبون للسلام، وأن الحروب هي التي تخلق الأنظمة المطلقة.

مفهوم المجتمع المدني في التاريخ الحديث:

مع "هيجل" الذي غير كليا معنى فكرة المجتمع المدني، فإن فهم الليبرالية الحديثة للمجتمع المدني قد ظهر وكأنه صيغة من مجتمع السوق. وبعيدا عن المفكرين الآباء، فإن المفكرين القادة الرومانتيكيين، اعتبروا المجتمع المدني وكأنه فضاء أو مملكة منعزلة، - (نظام حاجات)- وقف من أجل إرضاء المصالح الفردية والملكية الخاصة. وأن هيجل هو واحد من هؤلاء الذين تخيل هذه الفكرة، وراح يتمسك بمقولة أن المجتمع المدني قد ظهر في عهد الرأسمالية بشكل خاص، وهو عمل على خدمة اهتماماتها المتعلقة بالحقوق الفردية، والملكية الخاصة، بيد أنه في المقابل قد وجد أن المجتمع المدني قد أظهر تصرفا متناقضا من خلال إيجاده مملكة المصالح البرجوازية، وهذا برأيه ما أوجد ساحة واسعة لإمكانية الصراعات وعدم المساواة داخل المجتمع المدني (أي الصراعات الطبقية وما يترتب عليها مادياً وقيمياً – المترجم). إضافة إلى ذلك، فقد أشار إلى أن المراقبة الدائمة للدولة مجبرة لتقوية الحياة المدنية في المجتمع. كما اعتبر أن الدولة هي صيغة راقية للحياة الأخلاقية، والدولة السياسية تمتلك القدرة والسلطة لإصلاح العلاقات الخاطئة في المجتمع المدني.

عندما قام بعض المفكرين بالمقارنة ما بين النظام الاستبدادي في فرنسا والنظام الديمقراطي في أمريكا، عارض بعض المفكرين "هيجل" في ميله إلى اعتبار الدولة الْمُحَدَدَةِ مع الجمعيات الطوعية قادرة على خلق التوازن بالنسبة للحرية الفردية. ومع ذلك فإن وجهة نظر "هيجل" استمرت قائمة عند بعض المفكرين الذين ميزوا، أو فرقوا بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وهذا الفكرة تم قبولها إلى حد بعيد أيضا من قبل "ماركس" الذي اعتبر المجتمع المدني يشكل جزءا أساسيا من (الوجود الاجتماعي)، أي قوى وعلاقات الإنتاج أو ما يسمى البناء التحتي، وما رافقه من مجتمع سياسي في المرحلة الرأسمالية.

إن التوافق في مسألة الربط بين الرأسمالية والمجتمع المدني، جعلت ماركس يؤكد أيضا وبحزم، بمقولة أن المعادل الأخير بين الطرفين سيكون لمصلحة البرجوازية، إضافة إلى ذلك، وبما أن الدولة بناء فوقي، لذلك هي تمثل بالضرورة سلطة الطبقات، وتحت سلطة الرأسمالية ستمثل سلطة الطبقة البرجوازية وتحافظ عليها. لذلك من هنا رفض "ماركس" الدور الموضوعي للدولة كما وضعه لها "هيجل"، مؤكدا، بأن الدولة لا تستطيع أن تكون حلا للمشاكل الطبيعية، وإنما هي ستضل مدافعة وحامية لمصالح الطبقة البرجوازية. لقد اعتبر في نهاية المطاف أن الدولة والمجتمع المدني هما سلاح تنفيذي بيد البرجوازية، لذلك وصل في تحليلاته واستنتاجاته المنطقية القائمة على معطيات الظروف الموضوعية والذاتية للمرحلة التي عاشها أن الدولة والمجتمع المدني كلاهما سيضمحلان أو سيتلاشيان مستقبلا.

إن هذا الموقف ﻠ"ماركس" تجاه المجتمع المدني، جاء بعده موقف المفكر "أنطون غرامشي"، الذي ابتعد كثيرا عن "ماركس"، بحيث لم يجعل المجتمع المدني مع القاعدة الاقتصادية الاجتماعية أساس الدولة، وإنما جاء عنده كجزء من البناء فوقي، وهو يلعب دورا مهما كمساهم في ثقافة وأيديولوجية الرأسمال، من أجل بقاء وسيطرة الرأسمالية. هذا وقد استخدم "غرامشي" مفهوم (السيطرة) ليدلل على أن سيطرة طبقة اجتماعية واحدة على بقية الطبقات هو لا يمثل السيطرة السياسية والاقتصادية فحسب، وإنما سيطرة نهج أو رؤية الطبقة المسيطرة في رسمها لطريق التغير الذي تريد إتباعه على أنه الطريق الأمثل أيضا، مثلما هي السيطرة على من قبلوا بهذا النهج التغييري على أنه أمر طبيعي ووفق رضاهم وتعاونهم، ووفقا ﻠ"غرامشي"، فإن سيطرة الرأسمالية في الغرب قد تم الحفاظ عليها بسبب تأثير جذورها العميقة التي امتدت في كل مسامات المجتمع.

إن تحليل "غرامشي" لمعطيات الغرب الرأسمالي، ثم لمعطيات الثورة الروسية، جعلته يصادق على أهمية ثقافة وأيديولوجيا المجتمع المدني، حيث أشار إلى أن المجتمع المدني يساعد على تحدي القيم السلبية السائدة، والعمل على غرس قيم جديدة في حساب النضال ضد الرأسمالية.

إن مفهوم "غرامشي" عن المجتمع المدني ضم كل المؤسسات المدنية التي لا تنتمي إلى صلات القربى (أي المرجعيات التقليدية – المرتجم)، والبعيدة عن الحكم، بل تلك التي تنتمي لمجموعات غالبا ما تجتمع أو تلتقي في اتحادات تجارية أو مهنية أو سياسية. فالمجتمع المدني في المحصلة يأتي عند "غرامشي" كموقف لحل مشاكل قائمة في المجتمع عبر الاتفاق.

أما اليسار الجديد، فقد عوّل على المجتمع المدني الدور المفتاحي في حماية المجتمع أمام الدولة والسوق معا، وفي صياغة المشروع الديمقراطي القادر على التأثير في الدولة. هذا في الوقت نفسه أيضا، فقد اعتبر الليبراليون الجدد أن المجتمع المدني يشكل موقفا نضاليا ضد الآيديولوجيات الهدامة (يقصد بها الشيوعية والفاشية والنازية- المترجم)، والأنظمة الاستبدادية، لذلك فإن مفهوم المجتمع المدني يشكل هنا موقفا هاما ومناسبا في أجندة اليسار الجديد والليبرالية الجديدة على السواء.

المجتمع المدني في تاريخ ما بعد الحداثة:

يعتبر تيار مابعد الحداثة في فهمه للمجتمع المدني أول خطوة تقدمية تمت من قبل المعارضة السياسية في المنظومة السوفيتية ودول شرق أوربا عام 1980، فمنذ ذلك الوقت انطلقت الإرهاصات الأولية العملية للمجتمع المدني داخل الحقل السياسي، كبديل عن المجتمع السياسي القائم آنذاك. فعلى أية حال، في عام 1990، ومع ظهور المنظمات غير الحكومية، والحركات الاجتماعية الجديدة على السلم العالمي، أصبح المجتمع المدني ﻛ(قطاع ثالث) المنطقة المفتاحية للعمل الاستراتيجي من أجل بناء النظام الاجتماعي العالمي البديل، وبالتالي من الآن فصاعد، فإن استعمال مفهوم أو فكرة المجتمع المدني من قبل الحوامل الاجتماعية لمرحلة ما بعد الحداثة، قد ساعد على سيادة مفهومين أو طريقين لحل قضايا المجتمع هما: المجتمع السياسي في صيغتيه الرأسمالي والشيوعية، والمجتمع المدني كطريق ثالث.

في لقاء واشنطن عام 1990 الذي فرض شرطا أساسيا من قبل (صندوق النقد الدولي) و(البنك الدولي للأعمار والتنمية) على الدول النامية المثقلة بالديون والراغبة في أخذ القروض، ضرورة تطبيق حالات التقشف في مصاريفها تجاه مجتمعاتها، والسماح بإعادة هيكلة اقتصادها بما يتفق واقتصاد السوق، والفسح في المجال واسعا للحريات الفردية، (وهو ما سمي بالشروط السرية، أو النوايا الحسنة – المترجم)، وهذا في الحقيقة ما ساعد كثيرا على خلق المقدمات الأساسية للتأسيس من أجل المجتمع المدني في هذه الدول الفقيرة، والذي أريد منه أن يكون علاجا للأمراض الاجتماعية والسياسية ولاقتصادية والثقافية السائدة في تلك الدول في الوقت الذي عوّل على الدولة هنا فقط أن تقديم الخدمات والضمان الاجتماعي. بيد أن هناك بعض السياسيين من راح يقول بأن هذه التوجهات الجديدة في هذه الدول النامية لن تكون (عصا سحرية) لخلق التغير المطلوب نحو تقدم شعوب هذه الدول، مثلما راح البعض الآخر يعلن أيضا بأن هذا التوجه الجديد سيخلق مخاطر جديدة في هذه المجتمعات الفقيرة، (وهذا ما حدث فعلا – المترجم).

يضاف إلى ذلك، أنه، مع نهاية عام 1990 بدأت منظمات المجتمع المدني تنتشر في العديد من دول العالم الثالث، وأن بعض الدول راحت تتحول إلى الطريق الديمقراطي، وأصبح هناك قناعة بشرعية ومؤهلات الديمقراطية. (قسم من هذه الدول راح تحت ضغط التحولات العالمي، يفسح في المجال واسعا أمام التطبيق الديمقراطي مراعيا خصوصيات الواقع الذي تعيشه هذه الدولة أو تلك، وقسم آخر راح يمارس ويطبق الدليموقراطية تحت العصا الأمريكية والغربية. - المترجم).

على العموم إن نظرية المجتمع المدني في مرحلة ما بعد الحداثة، راحت الآن تأخذ مساحات واسعة من دول العالم، ولكن مع ضرورة الوقوف هنا لتوضيح مدى أهمية هذه النظرية ودورها وفعاليتها وسعة انتشارها أو قبولها ما بين الدول الغنية والدول الفقيرة على مستوى الساحة العالمية. ولكن ما يلفت النظر هو أن المجتمع المدني إن كان في الدول الفقيرة أو الغنية، غالبا ما يبدوا مرتبطا بالدولة، الأمر الذي يجعله كلوحة عرض أو تكملة عدد بدلا من كونه بديلا. ومع ذلك لازال هناك من يقول: إن الدولة هي الشرط المسبق للمجتمع المدني.

العلاقة ما بين الدليموقراطية والمجتمع المدني:

إن الأدبيات التي ربطت ما بين المجتمع المدني والديمقراطية، تعود بجذورها إلى الكتابات الليبرالية المبكرة، مثل كتابات " الكسيس دي توكفيل". ومع القرن العشرين، كان هناك مفكرون أمثال "كابريل ألموند" و"وسيدني فيربا" اللذان قدما عبر وسائل وطرق هامة نظريات حددت دور المجتمع المدني في النظام الديمقراطي كشيء حيوي، حيث ناقش هؤلاء بأن العنصر السياسي للعديد من منظمات المجتمع المدني يسهل الطريق بشكل أفضل لإدراك المواطنة، كما انه يعمل بشكل أحسن في مسألة التصويت الانتخابي، والمشاركة في السياسات، وضبط محاسبة الحكومات في نهاية المطاف. بل أن قوانين أو تشريعات منظمات المجتمع المدني كما يقول البعض، غالبا ما تعتبر دساتير صغيرة كونها اعتادت المشاركة في صياغة القرارات الدليموقراطية.

أما المفكر "روبرت د. بوتنام"، وهو الأكثر حداثة فيقول: حتى في حال عدم وجود منظمات سياسية في المجتمع المدني، فإن المجتمع المدني سيكون حيويا من أجل الديمقراطية، وهذا لكونه سيساعد على بناء المجتمع الرأسمالي، والثقة، والقيم التي تحولت إلى الفضاء السياسي، وساعدت على تماسك المجتمع المدني مع بعضه بعضا، وسهولة فهم ارتباطات المجتمع والمصالح التي بداخله.

هذا ولم يزل هناك الكثير أيضاَ ممن لاحظ أن مناطق المجتمع المدني قد حازت الآن على نهوض مميز من القوة السياسية، دون أن تتدخل أيه جهة (فرد أو حكومة) في اختيارات من حقق هذه القوة. كما لاحظ البعض من المهتمين بالفكر السياسي، أن مفهوم المجتمع المدني عندما يكون أكثر قربا في علاقته مع الديمقراطية وممثلا لها، سيكون بالضرورة مرتبطا على التوالي بأفكار الأمة والقومية معا.

*******

قضايا التنوير – القضية السابعة

المجتمع المدني (2)

دلالات المجتمع المدني ومعطياته في دول العالم الثالث

 

ليس هناك مفهوم ثابت - كمعطى وحيد أوحد- صالح في معطياته ودلالاته لكل زمان ومكان، فالمفاهيم هي عادة تاريخية بامتياز، وذلك انطلاقا من أن (كل تعريف هو بالضرورة تحديد، والتحديد يعني الثبات، والثبات هو الجمود والموت بذاته)، وهذا في المحصلة يعني أيضا نفيا لتاريخية جوهر ودلالات المفهوم، أي نفياً لقوانين حركة وتطور وتبدل الظاهرة في الزمان والمكان.

حقيقة إن المفهوم في جوهره ودلالاته مرتبط بتاريخ نشأته وسيرورة هذه النشأة وصيرورتها، أي هو مرتبط بالمشكلات (الصراع والتفاعل الاجتماعي) التي كانت مطروحة عند نشوئه، وبالرؤى والأفكار التي تعاملت معه عند هذا النشوء تاريخياً. أو في تعبير آخر، إن المفهوم ابن بيئته التاريخية بكل ما تحمله هذه البيئة من مستويات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، أي هو نسبي. وهذا ما ينطبق في الحقيقة على مفهوم المجتمع المدني.

يأتي مفهوم المجتمع المدني وفق هذه المعطيات على أنه: تحالف أو مجموعة من التحالفات الاجتماعية التضامنية، نقابة، حزب، منظمة، جمعية خيرية، أو اجتماعية، أو ثقافية... الخ، لها أهدافها ومصادر تمويلها وطموحاتها ومصالحها المحددة بناء على طبيعة مكوناتها الاجتماعية (حواملها الاجتماعية) من جهة، وعلى طبيعة المشكلات المادية والفكرية (حالات الصراع والتفاعل الاجتماعي والأيديولوجي) التي تعيشها المرحلة التاريخية المحددة أيضا من جهة ثانية.

من هنا نستطيع عبر متابعتنا لنشوء المجتمع المدني وحالات تطوره، أن نحدد في نطاق السياق التاريخي ثلاثة نماذج أساسية مرّ بها المجتمع المدني هي:

الأنموذج الأول: وهو الأنموذج الذي تم فيه تجاوز المجتمع (الطبيعي) أو ما يسمى بالمجتمع البدائي (البطريريكي) الأبوي، وهو المجتمع الذي سادت فيه سلطة الضرورة (القوانين العمياء)، وسلطة الدين، والعرف، والعادة، إضافة إلى سلطة الإقطاع والنبلاء، حيث بدأ المجتمع المدني يتشكل هنا عندما راح المجتمع الأبوي هذا يأخذ بالتفسخ، ليفسح في المجال أمام معطيات ملامح المجتمع الجديد، الذي بدأت تتأسس فيه سلطة ومؤسسات تقود الدولة والمجتمع. هذا ويمكننا أن ندخل في هذه الصيغة أو الأنموذج، المجتمع العبودي والإقطاعي. ففي هذه المرحلة من المجتمع المدني بدأ الإنسان يمارس السياسة والنشاط الاقتصادي والثقافي كحرفة ومهارة خلقها أو صنعها هو بنفسه، ولم تعد منحة إلهية أو معطى تفرضه قوانين الضرورة العمياء.

ومع المجتمع الصناعي بدأت تظهر على الواقع العملي والفكري أسس النظرية السياسية– المدنية بقيادة الطبقة البرجوازية الحديثة التي راحت تقاوم سلطة الإرث العائلي الارستقراطي والتكليف الإلهي، لتفرض بدلا عنهما سلطة الشعب والجماعة، وهذا هو أصل الانتقال إلى مجتمع الحداثة أو المجتمع المدني. الذي (أخذت فيه الدولة تتطابق هنا مع المجتمع المدني).

عبر هذه المنطلقات السياسة الحديثة (المجتمع المدني)، أخذت تتضح وتنضج أكثر فأكثر ملامح جميع المفاهيم الأخرى مثل الديمقراطية، والعلمانية، والمواطنة، ودولة القانون... الخ.

الأنموذج الثاني: نجد في هذا الأنموذج معطيات أو تجليات جديدة للمجتمع المدني، ففي الوقت الذي حققت فيه الطبقة الرأسمالية أسس المجتمع المدني عبر تجاوزها السلطة الأبوية والدينية والعرف والعادة، ووصولها بالمجتمع إلى دولة القانون، والعلمانية والديمقراطية، والمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة... الخ كما بينا أعلاه، نجد الطبقة الرأسمالية ذاتها حاملة هذا المشروع المدني، تعجز عن السير به حتى النهاية عندما راحت مفرداته أو قوانينه تصطدم مع مصالحها، فبدأت تحرف دولة القانون والمواطنة عن مسارها الحقيقي، وتُفرغ كل شعارات هذا المجتمع الحديث من محتواها الحقيقي (الديمقراطية، العلمانية، الحرية، العدالة، المساوة)، وبخاصة في الجانب السياسي، الذي بُذلت التضحيات الجسام من أجل تحقيقه، حيث راحت دولة القانون تعمل لخدمة مالكي الرأسمال فقط، أما بقية الشعب فراح يعيش حالات من الاستلاب السياسي والاقتصادي والثقافي، إضافة إلى تصدع البنية الاجتماعية بكل مكوناتها والتوجه نحو الفردانية وتشييىء الإنسان وتسليعه وتغريبه. فتحت مظلة هذا النظام الرأسمالي الذي أخذ يفصل المنتج عن المالك مرة أخرى، ازدادت هوة الاغتراب بين المنتج وإنتاجه، الأمر الذي تحولت فيه الحرية إلى قيد بدللاً من أن تكون وكما وعدت بها هذه الطبقة الرأسمالية عند نشوئها ووصولها إلى السلطة، سلاحاً لتحقيق كرامة الإنسان، و إبداعاته وإثبات ذاته.

نقول: أمام كل هذه المعطيات جاء من يطرح أنموذجا جديدا للمجتمع المدني ودولة القانون، وذلك عبر ربط الحرية الاجتماعية بالحرية الاقتصادية والسياسية، وهذا هو الأنموذج الاشتراكي.

إن أنموذج المجتمع المدني في الدولة الاشتراكية، هو المجتمع اللاطبقي، الذي يهدف إلى تحقيق حالة الانسجام ما بين الدولة والمجتمع عبر الفسح في المجال واسعاً للجماهير كي تشارك في معظم القرارات التي تهم حياتها ومستقبلها، وذلك من خلال منظماتها الشعبية ونقاباتها واتحاداتها وكل الهيئات الحزبية الأخرى التي تعمل لمصلحة المجتمع.

أما الوسائل والأساليب التي يمكن أن تستخدم لتحقيق هذا الأنموذج فيمكننا حصرها وفقا لرؤية المفكر (غرامشي) في اتجاهين هما:

الأول: ويأتي عبر السيطرة العسكرية أو شبه العسكرية على الدولة، ثم العمل من خلالها – أي الدولة- على إعادة هيكلة مؤسساتها وقوانينها وفق طموحات ومصالح وأهداف الحوامل الاجتماعية القائدة لهذه الثورة، وغالبا ما تأتي شعارات ومصالح هذه الحوامل عند بدء الثورة منسجمة مع طموحات ومصالح الجماهير الكادحة، أو المضطهدة عموما.

الثاني: ويأتي عبر السيطرة الأيديولوجية والثقافية عموما، وهذا التوجه يأتي معبراً بل مرتبطاً بنشاط ما يسمى – حصراً- المجتمع المدني ومؤسساته.

يقول غرامشي في هذا الاتجاه: يمكن لدعاة الاشتراكية أن يعملوا على تطبيقها تحت ظل سيطرة النظام الرأسمالي الاحتكاري انطلاقا من تأسيس مؤسسات المجتمع المدني. أي الانطلاق من المجتمع إلى الدولة وليس العكس.، حيث أن هناك دوراً كبيراً للمجتمع المدني وعبر مؤسساته وحوامله (الكيانات الاجتماعية التضامنية) يمكن أن يلعبه من خلال احتواء (الطليعة المثقفة) لكسب الهيمنة الأيديولوجية على الجماهير المعنية في تحقيق هذا المجتمع ومساعدة الحزب الطليعي الملقى على عاتقه قيادة هذه الجماهير في الخطوة الثانية، وهي السيطرة على الدولة.

هكذا نجد أن غرامشي يدعو إلى تغيير أدوار القوى الثورية الحاملة للمشروع المدني أو الحداثي هنا، فهي عندما تعجز عن تحقيق هذا المشروع عبر الوصول إلى سلطة الدولة عن طريق الثورة العسكرية أو شبه العسكرية، عليها أن تعوّل على الشريحة المثقفة في المجتمع والمؤمنة بتحقيق مشروع الحداثة أو المجتمع المدني لما لهذه الشريحة من دور فاعل في المجال التربوي والإعلامي والثقافي عموما (فالمثقفون العضويون) كما سماهم غرامشي، الملتزمون بقضايا الإنسان ومستقبله هم الأكثر قدرة على التعبئة الاجتماعية ونشر وتعميق الوعي للوصول إلى تحقيق هذه المهمة.

الأنموذج الثالث: وهو الأنموذج الذي طرحته الليبرالية الجديد بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتشكل ما سمي بالنظام العالمي الجديد الذي راحت تقوده الطبقة الرأسمالية الاحتكارية عبر شركاتها المتعددة الجنسيات. ففي ظل هذا النظام بدأت تبرز على الساحة العالمية جملة من المفاهيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي راحت بدورها تُؤدلج وتُطرح في نطاق ما سمي بالنظرية العالمية الثالثة، هذه النظرية التي بدأ يسوق لها فكريا منذ البداية في بريطانية وأمريكا بشكل فاعل على يد كل من (كلينتون- وبلير)، ثم راحت تتجلى عمليا فيما بعد على المستويين الأوربي والأمريكي حيث نجد أن معظم ماجاء من مفاهيم في هذه النظرية يصب في مضمار توسيع مجالات اقتصاد السوق على النطاق القومي والعالمي، أما على المستوى الوطني/ القومي فقد بدأ التسويق لصيغة جديدة من (المجتمع المدني) من خلال منحه بعدا تنمويا، وذلك بغية تخليص الدولة من أعباء تقديم الخدمات للمواطن في مجالات العمل والصحة والتعليم.. الخ، بعد أن كانت هذه الدولة قد تحملت الأعباء الكبيرة في هذا الاتجاه أثناء الحرب الباردة، وهذا ما انعكس سلبا (من حيث الزيادة) على كتلة الضرائب المفروضة على الشركات الرأسمالية لدعم ميزانية الدولة لتأمين حاجات المواطنين، فوجد كباتنة الرأسمال الاحتكاري في مفهوم المجتمع المدني الحديث (التنموي) مجالا لتحميل المواطن أعباء معيشته والتخفيف عن كاهل الدولة تلك الأعباء من جهة، ثم التخفيف من نسبة الضرائب التي تفرض على هذه الشركات من جهة ثانية. وهذه السياسة أيضا تصب أخيرا في نطاق الخصخصة، والتكيف الهيكلي الداعم لاقتصاد السوق، باعتباره الأنجع للتنمية الاقتصادية كما يدعون. أما دور الدولة فقد اقتصر على تهيئة البيئة القانونية، والبنية التحتية الملائمة لنمو القطاع الخاص باعتباره أداة التنمية الأساس، مع توفير المجال الأوسع بالمشاركة والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني في الرعاية الاجتماعية للفقراء، كون الدولة انسحبت كما أشرنا عن مهمة تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين بحكم عمليات الخصخصة والتكيف البنيوي أو الهيكلي لاقتصاد السوق.

الإرهاصات الأولية للمجتمع المدني في دول العالم الثالث:

إن من يتابع المقدمات الأولية لأشكال المجتمع المدني في دول العالم الثالث ومنه الوطن العربي تاريخيا، يجد أن هذه المقدمات كانت في بدايتها ذات طابع أخلاقي وديني، حيث كانت المنظمات (الخيرية) تعمل على مساعدة الفقراء والمحتاجين، وقد لعبت الجوامع ودور العبادة بشكل عام دوراً هاماً في هذا الاتجاه، ثم أخذت توجهات المجتمع المدني فيما بعد تعمل على خلق الأجواء المناسبة لهؤلاء الفقراء كي يعتمدوا على أنفسهم بعد أن تؤمن لهم سبل اكتساب المهارات العملية والخبرات والتدريب وفرص العمل. أما في المرحلة اللاحقة، فقد راحت منظمات المجتمع المدني تعمل على التأثير في الرأي العام والبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع بغية تغير الواقع وفقا لرغبة وطموح وأهداف ومكونات ومصادر التمويل لهذه المنظمة أو تلك. وفي العقدين الأخيرين أخذت في الواقع تتزايد حدة نشاط منظمات المجتمع المدني ويتركز نشاطها في الجوانب السياسية أكثر من الجوانب الاجتماعية والثقافية بغية السماح للموطن بالمشاركة بشكل أوسع في المجال السياسي للبلاد، وفي إدارة شؤون مجتمعه.

بيد أن ما دفع منظمات المجتمع المدني في هذه الدول إلى تصعيد نشاطها السياسي ورفع سقف مطالبها وبخاصة بعد حوادث 11 أيلول 2001، كان نتيجة لردود فعل الإدارة ألأمريكية تجاه العالم الإسلامي ومنه العالم العربي، حيث راحت هذه الإدارة تمارس ضغطها على حكومات هذه الدول من أجل تحقيق إصلاحات في بنيتها الثقافية والسياسية، وبخاصة في مسألة توسيع الهامش الديمقراطي وحرية الرأي وإيجاد تحولات في طبيعة الأنظمة السياسية، ولم تتوان مع أوربا في تقديم كل الدعم السياسي والمادي والمعنوي للقوى والمنظمات التي حملت أو تبنت شعارات التغيير والإصلاح وبخاصة الأيديولوجي والسياسي منه، الموافق لمشروع الديمقراطية الأمريكية. الأمر الذي أدخل العديد من منظمات المجتمع المدني في مواجهة مباشرة مع الدولة أو القوى الحاكمة في هذه الدولة أو تلك، فأصبحت العلاقة بين الطرفين في نطاق هذه الموجهة علاقة تصادمية بدلا من أن تكون مدخلا لعلاقة تضامنية تصالحيه تعمل على تنظيم الدولة والمجتمع المدني معا، وخلق الأساس المتين للمواطنة وممارسة الديمقراطية.

إن النظر في معطيات المجتمع المدني ودوره وفق هذا التصور يشير إلى أن مشروع المجتمع المدني في معظم تجلياته في هذه المرحلة جاء وكأنه نتاج لمواقف أيديولوجية معزولة عن قاعها الاجتماعي، في الوقت الذي هو من نتاج ميدان الوجود الاجتماعي بكل مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي حالة تفاعل هذه المكونات. أي هو نتاج ميدان المجال الحيوي لنشاط الإنسان (الفرد والمجتمع) أثناء أنتاج الخيرات المادية والمعنوية تاريخيا، وليس نتاج مواقف إرادية أو ذاتيه تحركها رؤى فكرية أو سياسوية مفارقة للواقع.

حقيقة، إن القول، بأن المجتمع المدني هو شرط قيام الدولة الديمقراطية، وضمان ترسيخ الحريات السياسية، وحقوق الإنسان المدنية وتجسيدها عمليا كما يطالب بها دعاة المجتمع المدني بعد حوادث 11 أيلول 2001، هو أمر فيه من التبسيط الكثير، وذلك لتجاهله بأن لامضمون للمجتمع المدني خارج نطاق النشاط الحي والفاعل للإنسان داخل الوجود الاجتماعي، وأن الشعارات التي تأتي من خارج محيطها لن تحرك أصغر نبته في الأرض ما لم ترتبط بالممارسة من جهة، وتتوفر لها الظروف الموضوعية والذاتية المؤهلة لتجسيدها عبر الواقع من جهة ثانية.

لذلك أجد أن الذين يحصرون الدعوة للمجتمع المدني في النطاق السياسي فقط، إنما هم يتجاهلون الظروف الموضوعية والذاتية المؤهلة لاستيعاب هذه الدعوة من جهة، ويدعون للي عنق الواقع كي ينسجم معها من جهة أخرى، فمنظمات المجتمع المدني وفقا لتصورنا والمعطيات التي جئنا عليها أعلاه، هي تنشط في مجالات عدة، وتحمل رؤى مختلفة ومتباينة لدورها، وتعتمد وسائل عمل وعلاقات مع الجمهور متنوعة من حيث المصالح والاحتياجات والمطامح والرؤى المجتمعية ومصادر التمويل وغير ذلك.

إذن، إن المجتمع المدني في نهاية المطاف ووفق هذا التنوع والاختلاف في التكوين والأهداف والتمويل والطموح والمكونات الاجتماعية، يأتي بناء على حالة التكوين المعقد والمركب والمتباين للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية المحددة بكل بناها ومكوناتها وطبيعة آلية عمل هذه المكونات ودرجة تقدمها وارتباطاتها الداخلية والخارجية في أي من مجتمع من المجتمعات.

على العموم، نستطيع القول بالنسبة لوطننا العربي لقد كانت هناك إرهاصات أولية لحياة ليبرالية في الجانب الاقتصادي والسياسي في بعض الدول العربية، وكانت هناك بدايات أيضاً لنواة مجتمع مدني في صيغته الليبرالية في كل من سورية ومصر منذ بداية الخمسينيات، ثم في تونس والمغرب بعد هذه الفترة كما يقول (محمد عابد الجابري)، بيد أن هذه البدايات قد حوربت من قبل الغرب الاستعماري ولم تلق منه الرعاية والاهتمام، لقد شكلت هذه البدايات نقطة انطلاق آنذاك لحركات وطنية شعر الغرب أن نشاطها الاقتصادي سيهدد مصالحه إذا ما نما وتطور هذا النشاط، لذلك ضُيق الخناق عليها كما أشرنا أعلاه، وبخاصة تلك التي كانت تبشر بالتصنيع والإصلاح الزراعي، والتي يمكن أن تؤسس لمجتمع مدني، الأمر الذي دفع الغرب إلى تبني قوى سياسية، إما ذات توجهات انقلابية عسكرية ودفعها إلى تحريك الانقلابات العسكرية باستمرار لزعزعة الوضع القائم في المجتمع وخلق عدم استقرار كما جرى في سورية أيام (حسني الزعيم والشيشكلي والحناوي) على سبيل المثال لاالحصر، أو السعي لجلب قيادات تقليدية ذات توجهات أو مرجعيات عشائرية أو قبلية أو طائفية كما هو سائد الآن في العديد من الأقطار العربية، وكذا الحال كان مع بعض القوى العسكرية الوطنية التي استطاعت الوصول إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية أو شبه العسكرية بمساندة جماهيرية، والتي كانت تطمح لتطوير مجتمعاتها، (مصر عبر الناصر) على سبيل المثال لا الحصر أيضا، إذ راح كل من الغرب وأمريكا يعملان على إجهاض هذه الحركات وإسقاطها، تارة عن طريق محاصرتها اقتصاديا وسياسيا، وتارة عن طريق الاحتلال المباشر، وتارة عن طريق تبني قوى سياسية محلية أو مهاجرة أخذت من شعارات المجتمع المدني (الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ودولة القانون... الخ) حصان طروادة لتهديد هذه الأنظمة التي ترفض الخضوع لرغبات ومصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي، في الوقت الذي نجد فيه أنظمة عربية تفتقد حتى إلى وجود دستور وضعي للبلاد، تعتبر بنظر أمريكا والغرب ديمقراطية ويقدم لها كل الدعم من أجل بقائها واستمرارها في الحكم.

*******

قضايا التنوير – القضية السابعة

المجتمع المدني (3)

لمواطنة ضرورة تاريخية

 

المواطنة في سياقها العام مفهوم يحمل دلالاته الاجتماعية قبل أن يحمل دلالاته السياسية والاقتصادية والثقافية، ففي دلالاته الاجتماعية، هو دعوة إلى الانتقال بالإنسان من حالة ضياعه وغربته واستلابه في مجتمع أو دولة يتحقق فيها التفاوت والتمايز الطبقي والعرقي والديني بكل أشكاله وتجلياته، إلى مجتمع أو دولة الحرية والعدالة والمساواة وحق الاختلاف للجميع. وعند تحقيق هذه الدعوة على أرض الواقع، فهذا يعني نقل الإنسان من حالة (الرعيّة) إلى حالة (المواطنة). أي إلى الحالة التي ستؤدي في المحصلة إلى فسح في المجال واسعاً أمام الجميع لتحقيق العدالة في الحياة الاقتصادية، والرفاه الاجتماعي، والتعليم، وكذلك المساواة أمام القانون، وحق الانتخاب والترشيح والوصول إلى مناصب الدولة، والمشاركة في القرار السياسي وبناء الحياة السياسية للبلد، مثلما يعني أيضا، تحقيق المساواة بين الجنسين (الذكر والأنثى)، والحد من سلطة المجتمع الذكوري، إضافة إلى تحقيق عدالة إنتاج واستهلاك الثقافة والمعرفة للجميع. هذا ونحب أن نؤكد هنا على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفية والإنسانية معاً، وهي، أن تحقيق حالة المواطنة، أي تخليص الإنسان من حالات اغترابه وضياعه واستلابه، لا تنال من وقع عليه فعل الاغتراب والاستلاب والضياع فحسب، بل تنال أيضاً من فرض حالات الاغتراب والاستلاب والقهر على الآخرين بفعل امتلاكه سلطة القهر والاستبداد في حال اقتناعه بضرورة التنازل عن هذه السلطة الاستبدادية، أو المساهمة في إلغائها عبر السماح للآخرين بالمشاركة معه في قيادة الدولة والمجتمع. وفي حال تحقق مثل هذه الصيغة من المواطنة، نكون في الحقيقة قد وصلنا إلى مجتمع المدينة الفاضلة، وهو المجتمع الذي لم يتحقق بعد رغم كل التحولات التاريخية التي مرت بها المجتمعات البشربة، والنظريات التي طرحت لتحقيق هذا المجتمع.

أمام هذه المعطيات النظرية المتعلقة بمفهوم المواطنة، هناك مجموعة من الأسئلة المشروعة تطرح نفسها علينا وهي: هل الدعوة إلى مجتمع (المواطنة) - مجتمع المدينة الفاضلة- هي دعوة مشروعة أو عقلانية في وقتنا الراهن؟. هل شعارات المواطنة التي جئنا عليها أعلاه، أو ما نستطيع تسميته مضامين المواطنة، هي شعارات أو مضامين تتحقق بالإرادة الطبية؟، أم هي فعل مقاومة مفتوح في كل دلالاته؟. وهل مهام المقاومة وأساليب تحقيقها إرادوية، أم هي مهام تتطلب فعل مقاومة، يضعها الإنسان المقاوم وفقاً لظروفه الموضوعية والذاتية التي تتحكم بحركته ونشاطه والمهام التي يضعها لنفسه؟. أي هل مهام المقاومة توضع وفقاً لتصورات ذاتية، أم هي مهام تحدد طبيعتها ودرجتها ونوعها وأساليب تحقيقها معطيات الواقع المادية والفكرية؟، وذلك انطلاقا من مقولة (أن الناس يضعون لأنفسهم المهام التي يستطيعون إنجازها فقط، أو التي ساعدت الظروف على تحقيق إنجازها).

إن الإجابة عن هذه الأسئلة المشروعة باعتقادي ستحدد لنا النتيجة التي نرمي إليها من طرحنا لموضوعة المواطنة. لذلك هذا ما يدفعنا للقول: إن أي دارس لطبيعة تكوّن وتطور المجتمعات البشرية سيجد أن التطور الذي يصيب المجتمعات تتحكم به جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، وهذه الظرف لا تفرخ بشكل مجرد، بل هي نتاج الواقع ذاته وآلية عمله، دون أن نغفل مسألة أساسية في هذا الاتجاه وهي أن الظروف الذاتية، وبخاصة الحوامل الاجتماعية، هي في طبيعتها محكومة بالحرية والضرورة معاً، وبالتالي فإن الحامل الاجتماعي محكوم بضرورة الواقع أولاً، ثم بالضرورة الكامنة فيه هو ذاته أيضاً، من حيث مهاراته وقابلياته واستعداداته النفسية والفسيولوجية، ودرجة وعيه لذاته وللآخرين وللمهام المناطة به... الخ.

إذاً، إن ما هو مطروح للتغيير في هذا الواقع محكوم بالضرورة بمعطيات الواقع، وأن كل الشعارات والمهام التي تطرح من أجل تغيير الواقع غالباً ما تعمل على إنتاجها وتحديد مسارها وأساليب عملها الظروف التاريخية المعاشة. وهذا يذكرني بمقولة عقلانية للمفكر النهضوي "رئيف الخوري" يتكلم فيها عن مفكري الثورة البرجوازية في فرنسا التي أدت إلى كومونة باريس حيث يقول بما معناه: لم تكن أفكار فولتير مونتسكيو وروسو وهلفسيوس وغيرهم، هي التي حركت الثورة البرجوازية، بل كانت أفكار هؤلاء هي نتاج لهذه الثورة. ولكن هذا القول لا يحجب الحقيقة التي تقول إن أفكار هؤلاء استطاعت فيما بعد أن تلعب دوراً هاماً في التأثير على تفكير النخب المثقفة لشعوب العالم وما لعبته هذه النخب من تأثير على حياة شعوبها، ومنها الشعب العربي منذ الربع الأول للقرن التاسع عشر مع الطهطاوي، وخير الدين التونسي وإبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، وفرح أنطون، ومحمد عبده، والكواكبي، والأفغاني، وأديب اسحق وغيرهم الكثير.

على العموم نستطيع القول: إن مسألة طرح مشروع المواطنة هي مسألة نسبية في تطبيقاتها أولاً، وهي تدخل في نطاق التغيرات الكبيرة التي تصيب حياة الشعوب ثانياً، وهي تأتي ثالثاً، في مرحلة لاحقة لسيادة المجتمع المدني، وتحقق الدولة البرجوازية، لذلك نجد أن الإرهاصات الأولية لدولة المواطنة، (الدولة المدنيّة)، بامتياز، راحت تطرح نفسها مع بدء تشكل الطبقة الرأسمالية، التي أخذت تطمح إلى السلطة أو المشاركة فيها، وإلى التخفيف من حدّة السلطة الاستبدادية لدولة الملك والكنيسة والنبلاء. وهذا ما عبر عنه مفكرو الطبقة البرجوازية والمدافعون عن مصالحها آنذاك أمثال، توماس هوبس (1588- 1679) الذي راح يدعو إلى إقامة دولة المواطنة (الدولة المدنية) بما يتفق وطبيعة المرحلة التاريخية المعاشة آنذاك، ووفقاً لقوة سلطة الدولة ما قبل الرأسمالية آنذاك، وهي الدولة التي يقول عنها هوبس: (إن السلطان الحاكم غير مقيد بشيء، وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته). مشيراً هنا إلى السلطة (الملكية) المطلقة التي يجب أن تنتقل ليد الدولة التي لا حدود لسلطتها، كونها المسؤولة عن حقوق الأفراد ورعاية مصالحهم والدفاع عنها، والأفراد في مثل هذه الدولة كلهم رعايا في خدمة القانون المدني، ومواطنون في حقوقهم وواجباتهم.

أما جون لوك (1632– 1704) الذي جاء بعد "هوبس" بمسيرة نصف قرن تقريباً من التحولات باتجاه النظام الرأسمالي، فقد كان أكثر جرأة من هوبس، بل وعلى النقيض منه في حدّة وعمق أطروحاته تجاه دولة المواطنة، فدولة المواطنة، أو (الدولة المدنيّة) عنده تقوم على الحرية لا على الطاعة العمياء لسلطة الدولة، وهو يرى انه بموجب العقد الاجتماعي بين الأفراد والدولة يتم احترام سلطة الدولة والقانون طالما أن الدولة تقوم بإشباع حقوق الأفراد وتنفيذ العدالة واستقرار وأمان المجتمع، وفي حال فقدان الدولة القدرة على تأمين هذه الحقوق، فمن حق الأفراد الدفاع عن حقوقهم. أما السلطة عند لوك فتنبع من البرلمان وليس من الملك، هذا وقد دافع لوك عن الحرية الفردية والتربية والتسامح والملكية الخاصة التي لاتتعارض مع سلطة الدولة.

أما جان جاك روسو، (1712- 1778)، الذي جاء أيضاً بعد "لوك" بمسيرة نصف قرن آخر من التحولات ذاتها، نراه يقدم مشروعاً لدولة المواطنة (المدنية) يقوم على أساس الإرادة الشعبية العامة، مبيناً في ذلك، أن العقد الاجتماعي هو العقد الذي يكون بين طرفين وليس من حق طرف واحد أن يملي شروطه كما يريد على الآخر، ومن هنا يتحد الفرد عند روسو بالمجموع وبإرادته، مكوناً مع الكل إرادة جمعية لتحقيق المصالح المشتركة.

هذا دون أن نغفل الكثير من النظريات الأخرى التي طرحت مع قيام النظام البرجوازي في أوربة، وكانت تدعوا إلى دولة المواطنة لتحقق المساواة والعدالة والحرية الفردية وحق التملك والاختلاف بين الموطنين، ويأتي في مقدمتها النظرية الليبرالية التي قامت على تحطيم أسس الدولة الاستبدادية بكل سلطاتها التقليدية القائمة على الملك والنبلاء ورجال الدين، والدعوة لمشروع الدولة الديمقراطية الدستورية القائمة على البرلمانات المنتخبة من الشعب، ولكن دون النظر إلى البنية الطبقية لهذه المجتمعات والدور الذي يلعبه الصراع الطبقي في تحديد معالم المجالس النيابية لهذه المجتمعات وطبيعية القوانين والتشريعات التي ستسنها أو تشرعها. وعند هذه المسألة بالذات - أي مسألة النظر إلى طبيعة الصراع الطبقي داخل المجتمع- جاءت النظرية الماركسية فيما بعد لتأسس عليها نظرية الدولة المدنيّة (المواطنة) التي تقول بأن مزيداً من الاشتراكية يعني مزيداً من الديمقراطية والعكس صحيح.

مع انتشار أفكار الحرية والعدالة والمساواة بين شعوب العالم، ومع ما تم من تحولات تاريخية هامة في حياة الشعوب، راح ينعكس تأثير هذه التحولات بالضرورة على طبيعة عمل الدولة ذاتها، التي راحت وبخاصة في دول العالم الثالث، تأخذ في حساباتها طبيعة أفكار المواطنة وأهميتها بالنسبة لمستقبل الطبقة الحاكمة لهذه الدولة نفسها. وبغض النظر عن طبيعة نظام الحكم القائم، وشكل الدولة ذاتها، وطبيعة حاملها الاجتماعي، فإن قيم المواطنة أصبحت من المهام الأساسية التي تفرض نفسها على السياسات الداخلية لحكومات هذه الدول، لا سيما بعد التحولات التي تمت في مضمار النظام العالمي الجديد، حيث فرضت هذه التحولات وعياً لدى المواطن بمواطنتيه أولاً، والسعي لتحقيق هذه المواطنة عبر وسائل عدة، يأتي في مقدمتها الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني وغيرها. مثلما فرضت على الدولة ذاتها أن تقدم تنازلات تجاه فكرة المواطنة من الناحية العملية وبخاصة على المستوى الدستوري.

إن قيم الموطنة، أصبح من الواجب على الدولة أولا، ومن ثم على مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية ثانياً، ترسيخها عملياً وفكرياً لدى الفرد والمجتمع، ويأتي في مقدمتها: الوعي بمهام الدستور، وبالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للفرد والمجتمع، وبمهام الفرد، ومدى الحريات الممنوحة وأنواعها، وبكيفية تشكيل القرارات السياسية، وكيفية تنفيذها، وبنمط الحكم السائد، وبنظم الحكم العالمية، وبشروط التمثيل النيابي، وبكيفية المشاركة في الانتخابات، وتشكل المجالس النيابية، وغيرها من قضايا المواطنة التي تساهم في رفع سويّة المواطنة ذاتها، وتخليص الفرد والمجتمع والدولة على السواء من عقلية وثقافة الراعي والرعيّة، وكل ما يعيق تحقيق دولة القانون، هذه الدولة التي إذا ما حققت مشروع المواطنة لأبنائها، ستشكل هذه المواطنة الرافعة العملية والفكرية لاستمرار الدولة وقوتها من جهة، والرفع من القيمة الإنسانية لشعبها ومكانته بين شعوب العالم من جهة ثانية. وهذا ما يدفعنا في الختام للقول وبثقة عالية: إن المواطنة ودولة القانون وجهان لعملة واحدة.

*******

قضايا التنوير – القضية السابعة

المجتمع المدني (4)

المرجعيات التقليديّة

(قراءة نقديّة في بنية العشيرة والقبيلة والطائفة)

هذه هي الدراسة الأخيرة من قضايا التنوير التي اشتغلت عليها كمشروع فكري تنويري نهضوي، منذ عام 2004 جسدتها في سبع قضايا أساسية هي التنوير، والحداثة وما بعد الحداثة، والعلمانية، والعقلانية، والحرية، والديموقراطية، والمجتع المدني. بحيث نالت كل قضية عدداً من الدراسات، محاولاً في كل دراسة منها تسليط الضوء على جانب من جوانب أي قضية من القضايا المتناولة في هذا المشروع، هذا وقد بلغ مجموع الدراسات التي قدمتها في هذا المشروع ست وعشرين دراسة. أعتقد بأنها قد حققت شيئاً ايجابياً لمثقفنا العربي من الناحية المعرفية بقضايا التنوير. وبذلك أكون في مشروعي التنويري هذا مع مشروعي السابق (قضايا النهضة العربية) الذي درست فيه حركة التحرر العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو الذي خصصت له ثلاثة كتب من كتبي هي: (الأول: إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط. والثاني: التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب. والثالث معوقات حركة التحرر العربية في القرن العشرين. وقد صدرت عن داري المدى والتكوين في دمشق).

ختاماً أتقدم بجزيل الشكر لكل السادة رؤساء وهيئات تحرير المواقع الإلكترونية التي ساهمت في تبني نشر هذا المشروع التنويري أو بعض دراساته، إيماناً منهم بأهمية المعرفة والمعرفة التنويرية منها بشكل خاص، من أجل تجاوز تخلف هذه الأمة وتحقيق نهضتها.

في الختام أقول: لقد اشتهدت، ومن اشتهد وأصاب فله أجران، ومن اشتهد ولم يصب، فله أجر واحد

د. عدنان عويّد

*****

في نهاية عام 2010 جرى لقاء ضم العديد من وجهاء قبائل وعشائر المنطقة الشرقية في سورية، وبعض المهتمين في الشأن الثقافي العام، عقد في منزل أحد وجهاء عشيرة المشاهدة في وادي الفرات (منطقة المياذين السورية)، حيث تعلق مضمون اللقاء آنذاك ببحث مسألة الثأر في هذه المنطقة وضرورة إيجاد الحلول الكفيلة لتجاوزها، لاسيما وأن الثأر هو أحد الظواهر السلبية، المعبرة في الحقيقة عن حالة من حالات التخلف الكثيرة التي لم تزل تنخر في جسد مجتمعنا العربي عموما وبنيته الفكرية، وتحول دون قدرتنا على تحقيق الدولة المدنية، أو ما نسميها دولة القانون حتى هذا التاريخ، وبالتالي يتطلب منا الأمر جميعا أن نتكاتف لتذليل تحديات كل تلك المرجعيات التقليدية، والحد منها في عالم تتسارع فيه معطيات الحداثة والتنوير. ولكوني أحد الذين دعي لهذا اللقاء، فقد لفت نظري طبيعة تلك الطروحات التي دارت في هذا اللقاء، الأمر الذي دفعني بالتالي إلى تناول ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة، في مجتمعنا العربي، وهي الظاهرة التي لم تزل تشكل المركب الأكثر تعقيداً لوجودنا الاجتماعي والثقافي، وهي التحدي الرئيس لقضايا نهضتنا.

أمام معطيات هذا اللقاء نستطيع القول: هناك فرق بين أن تتماها كليا مع الظاهرة أية ظاهرة من ظواهر المجتمع الذي تعيش وتنشط فيه، في سلبها وإيجابها، وبين أن تدرس هذه الظاهرة وتتخذ منها موقفا (عقلانيا)، تراعي فيه خصوصيات الواقع الذي أنتجها، وما مدى استجابة هذا الواقع لها ولمفرزاتها، ثم ما هي الجوانب السلبية الكامنة فيها، والتي يجب الحد من فاعليتها، أو محاربتها والعمل على إقصائها ماديا ومعنويا من جسم المجتمع وتفكير أبنائه، ثم ما هي الجوانب الايجابية أيضاً التي يمكن استثمارها في هذه الظاهرة من أجل تنمية المجتمع، وبالتالي تطويره بالضرورة.

ومن هنا نقول أيضا، انطلاقا من التحليل الاقتصادي والاجتماعي للظاهرة، إن ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة في مجتمعنا العربي عموما، هي من الظواهر الاجتماعية الأساسية الأكثر حضوراً، التي يتكون منها وجودنا الاجتماعي والثقافي، فمجتمعنا تحت ظل الظروف الموضوعية والذاتية المعاشة حاليا وبكل مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ما قبل دولة القانون، هي ظروف إنتاج ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، بل هي الظاهرة ذاتها التي تعمل على إعادة إنتاج الكثير من معطيات تخلفنا أيضا، فمعظم ما نراه من ممارسات في نطاق مجتمعنا العربي يشير ويؤكد على ما جئنا عليه، بالرغم من التحولات الكبيرة التي تمت في بنية هذه المستويات كافة، والتي نجزم تماما بأنها – أي التحولات– قد لامست في واقع أمرها الشكل أكثر من المضمون، فما حدث من تطور في بنى المجتمع المادية والفكرية (القاعدة الخدماتية– التربية والتعليم– الجامعات- الصحة– المؤسسات الثقافية والإعلامية... الخ)، لم يتسرب ايجابيا بعد إلى جوهر بنية هذا المجتمع وعقلية أفراده، أي لم يصل بعد إلى مسامات ذهنية وسلوكيات أفراد المجتمع بما يتناسب وطبيعة هذه التحولات السريعة التي تمت في البناء التحتي، الأمر الذي خلق حالة من الانفصام ما بين شكل المجتمع العربي، الذي يدل في الكثير من معطياته الحالية على التمدن والعمران والحداثة بشكل عام، وبين جوهره الذي لم تزل تعشش فيه عقلية الداحس والغبراء، في الكثير من دلالات هذه العقلية بشكل خاص.

على العموم يظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا وبعمق، هو: ما العمل؟.

نحن لا ننكر أن هناك الكثير من الدراسات والكتب التي تناولت قضايا الواقع العربي من حيث النظر في معوقات النهضة والتمدن التي أفرزتها أو أنتجتها وتنتجها عقلية وممارسة القبيلة والعشيرة والطائفة في مجتمعنا العربي، مثلما بينت لنا أيضا الظروف الموضوعية والذاتية التي شكلت هذه المرجعيات التقليدية، وساعدت على إعادة إنتاجها، كما حذرتنا دائما من خطورة السير في لعبة هذه المرجعيات التقليدية المهزومة تاريخيا أمام معطيات الحداثة والتقدم، إلا أنها لم تقل لنا حتى هذا التاريخ أن هذه المرجعيات قد انتهت وجودا وفكرا في محيطنا الاجتماعي، وبأننا قد انتقلنا إلى المجتمع المدني النظيف والخالي من هذه المرجعيات التقليدية، ولكن في الوقت ذاته يعلمنا المنهج العلمي في التحليل كيف علينا أن نتعامل مع هذه المرجعيات التقليدية، ومع غيرها من الظواهر الايجابية والسلبية في المجتمع العربي. فالمنهج العلمي في تحليله وإعادة تركيبه للظاهرة التي نتعامل معها، ومنها ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة، قد بين لنا من جهة، أن مجتمعنا لم يزل مجتمعا مركبا من أبنية تخلف كثيرة، يأتي في مقدمتها البناءان الاقتصادي والاجتماعي، مثلما بين لنا أيضا من جهة ثانية، أن لا نتعامل مع ظواهر هذا المجتمع بسلبها وإيجابها وفقا لعقلية اليسار الطفولي أو الحرن، أو وفقا لعقلية قاطع الطريق (بروكست) وسريره، وهي العقلية التي تفرض علينا أن نتعامل مع هذه الظواهر وفق ما نرغب ونريد فحسب - أي بطريقة إراديّة- دون مراعاة لخصوصيات الواقع، وقوة وحيوية معطياته، أو بتعبير آخر، إن المنهج العلمي يدعونا للتعامل مع ظواهر الواقع القائمة فيه بروح نقدية عقلانية، تقر بوجود الظاهرة، والنظر في درجة قوتها، ووتيرة حركتها وتفاعلها وتطورها وتبدلها، مثلما تقر بأن الظاهرة في مجموع مكوناتها وآلية عملها في بنية المجتمع، ليست واحدة في تأثيرها على المحيط الذي تنشط أو تفعل فيه، وهذا بالتالي يتطلب منا أن نقف عند الجوانب السلبية في بنية المجتمع، ونعمل على تشريحها وتحديد ظروف إنتاجها ودوافعها ومكوناتها وآلية عملها، وما مدى تأثيرها في المحيط الذي تنشط فيه، ومن ثم العمل على الحد من هذا النشاط أو التأثير وقمعه، مثلما نقف عند الجوانب الايجابية أيضا في هذه الظاهرة والعمل على تعميقها، خدمة لتطور المجتمع والظاهرة ذاتها.

إن حضورنا لقاء (الثأر) العشائري في "المياذين"، وما جرى فيه من حوارات وما طرح فيه من أفكار ورؤى، بين لنا أن بنية مجتمع المنطقة الشرقية في وادي الفرات السوري شأنها شأن بنية واقع المجتمع العربي بعمومه، هي بنية العشيرة والقبيلة والطائفة، وأن الموضوع المطروح للنقاش في هذا اللقاء هو من المواضيع المهمة التي لم يزل للعشيرة والقبيلة الدور الكبير في تجاوزه أو تأزيمه، علما أننا وقفنا كثيراً ولم نزل نقف ضد العديد من مفاهيم وسلوكيات العشيرة والقبيلة، وخاصة دورها السلبي على نشاط مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية القائمة في وطننا العربي معا، تلك المؤسسات التي يكون لممارسة الديمقراطية في صيغها المشوهة والمبتسرة، والتي لم تتجاوز مسألة التأثير الأفقي في ممارستها، أي التي لم يزل لمسألة عدد الأصوات، الدور الأهم ف-ي تكوينها وتحديد حواملها الاجتماعية، وممارسة نشاطها في المجتمع والدولة. وبالتالي، فإن وجود الحوامل الاجتماعية في هذه المؤسسات والأحزاب، ظل الهدف منه ولدى الكثير من هذه الحوامل هو تحقيق الوجاهة و(البروزة) لهذه العشيرة أو القبيلة أو الطائفة، أو لمن يمثلها من حوامل اجتماعية في هذه المؤسسات، على حساب المصلحة العامة التي خُلقت هذه المؤسسات والأحزاب من اجلها، فعقلية (لنا في السربة خيال) التي تفرزها معطيات العشيرة والقبيلة والطائفة، كانت دائما ولم تزل محط تسفيهنا ونقدنا لها، لأنها تعيق في نهاية المطاف عمل الدولة ومؤسساتها، وتقف حجر عثرة أمام خلق مجتمع الحداثة والمواطنة.

ختاما نقول: إن العشيرة والقبيلة والطائفة لم تزل قائمة في بنية مجتمعنا، كما أشرنا سابقا، وهي تمارس دورها الفاعل أفقيا وعموديا في نشاط حياة الفرد ومؤسسات المجتمع اليومية، وإن مسألة إقصاء هذا النشاط كليا عن الساحة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية أمر لا يتم بقرار سياسي، أو بمرسوم، أو عن طريق الشعارات والتنظير الأيديولوجي المأزوم غالبا في بنيته الفكرية أمام قوة وحيوية معطيات الواقع المادية والفكرية معا، وخاصة حوامله الاجتماعية، إن إزاحة أو إقصاء هذه المرجعيات التقليدية تتم بناء على ما يتحقق من تحولات وتغيرات إيجابية عميقة في جملة الظروف الموضوعية والذاتية التي تصيب المجتمع المنتج لبنية هذه المرجعيات التقليدية بكل مستوياته، وذلك عبر مجاري وقنوات سيرورة وصيرورة هذا المجتمع، لتساهم في خلق بنية مجتمع جديد هو مجتمع الحداثة، أو مجتمع المدنيّة والمواطنة.

إن بنية هذه المرجعيات التقليدية، (القبيلة- العشيرة- الطائفة) قائمة في مجتمعنا العربي بالضرورة، ماديا ومعنويا كما قلنا سابقا، بل هي تشكل جزءا أساسيا من تركيب أو بناء الدولة العربية ذاتها في معظم دولنا العربية، إن لم نقل إن معظم دول وطننا العربي هي دول عشيرة وقبيلة وطائفة بامتياز، وإن الحوامل الاجتماعية لهذه الدولة أو المسيطرة على أهم مفاصل قوتها، تسعى بقوة وبكل ما توفر أو أتيح لها من إمكانات مادية ومعنوية، على استمرار صيغة هذه الدولة وإعادة إنتاجها، وبالتالي فإن (الرغبة) أو الدعوة من قبل البعض إلى إقصاء العشيرة والقبيلة والطائفة، وفي المحصلة إقصاء دولتها القائمة ذاتها من محيطنا الاجتماعي، يتطلب منا أن نعمل على تغيير مقومات وجودها أصلا، أي أن نعمل على تغير بنية الاقتصاد ألريعي، مرورا بمحو الأمية، وصولا إلى عقلية الداحس والغبراء.. الخ، وهذه التحولات برأيي لا تتم بيوم وليلة، بل هي تقوم على سيرورة وصيرورة تاريخيتين طويلتين، وتتطلب الكثير من الجهد والتضحية، كي تنتج في المقابل ظروفا موضوعية وذاتيه أخرى أكثر تطورا، يأتي في مقدمتها توافر حوامل اجتماعية أخرى واعية لذاتها، تتناقض مصالحها مع مصالح الحوامل الاجتماعية لتلك المرجعيات التقليدية، ولديها المقومات اللازمة لحمل المشروع الحداثي النهضوي وتجسيده في الواقع، لذلك طالما أن هذه المرجعيات التقليدية قائمة بفعل ظروف إنتاجها الموضوعية والذاتية في مجتمعنا، وطالما أننا لم نستطع بعد (نحن) حملة المشروع الحداثي التنويري أن نلغي من على نعوات وفياتنا عبارة (تنعي لكم عشيرة – قبيلة – آل، وفاة المرحوم أو المرحومة...)، فعلينا أن نستثمر كل موقف ايجابي يبدر من الحوامل الاجتماعية لهذه العشيرة والقبيلة والطائفة ونصفق له، طالما هو يصب في تعميق دور الدولة المدنية والمواطنة، وبالتالي الدفع نحو مجتمع الحداثة الذي نسعى إليه، وكثيرة هي المواقف الايجابية التي يمكننا استثمارها ودعمها وتشجيعها، أو حتى التوجيه نحوها تحت ظل سيادة سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة، وأن أي تجاهل من قبلنا لهذه المسألة هو قفز فوق الواقع، وتجاهل لدورنا ولمشروعنا الحداثي والنهضوي

المنوط بنا تحقيقه في نطاق المرحلة التاريخية المعاشة، هذا دون أن ننسى في الوقت نفسه محاربة كل موقف سلبي يبدر من هذه المرجعيات التقليدية ويساهم في عرقلة مسيرة الدولة المدنية والمواطنة، علما أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، بل هو يسير دائما نحو الأمام بفعل تطور ظروفه الموضوعية والذاتية، وتجدد إرادات حوامله الاجتماعية. فواقع أمتنا العربية منذ نصف قرن مثلا هو غيره الآن، وتاريخ الأمم والشعوب يثبت دائما أن التقدم الايجابي حاصل بفضل تطور العلوم الطبيعية والإنسانية، ونمو التربية والتعليم والإعلام، وزيادة التفاعل الحضاري مع شعوب وحضارات العالم وغير ذلك من سبل ووسائل نمو المجتمعات وتطورها، وسيسقط من التاريخ كل من لم يستطع فهم حركة التاريخ العالمي ومواكبتها، فكثيرون هم الذين سقطوا عبر التاريخ، لا لشيء إلا لكونهم جهلوا أو تجاهلوا حركة التاريخ، ولم يستطيعوا خلق وعي مطابق قادر على التعامل بعقلانية مع هذه الحركة.

****************

d.owaid50@gmail.com

 

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة

News image

أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل/ نيسان، على الر...

مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا

News image

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس رئاسة الاتحاد الأفريقي في أول رئاسة دورية مصر...

الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع

News image

قال الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، إن سحب القوات الأمريكية من سور...

3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان

News image

تحطمت مروحية عسكرية اثيوبية في مجمع للامم المتحدة في منطقة أبيي بين السودان وجنوب الس...

الاحتلال يقصف غزة والفصائل الفلسطينية ترد بصواريخ

News image

قصفت مدفعية الاحتلال مساء الأربعاء مرصدين تستخدمهما الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، ورد الجانب الف...

موسكو تعلن انسحابها من معاهدة الصواريخ مع واشنطن خلال 6 أشهر

News image

أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف، أن روسيا سترد بالمثل على الولايات المتحدة، وستنسحب من معا...

البشير يتعهد بالإفراج عن صحفيين معتقلين في السودان

News image

استخدم الرئيس السوداني عمر حسن البشير نبرة تصالحية جديدة مع المتظاهرين أمس الأربعاء قائلا إن ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

ينابيع الإرهاب الصهيوني

د. غازي حسين | الأربعاء, 6 فبراير 2019

  رفع الصهاينة ورجال الدين اليهودي وقادة العدو الاسرائيلي «الإرهاب والإبادة إلى مرتبة القداسة الدينيةفي ...

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة

حسن العاصي

| الخميس, 31 يناير 2019

  تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما ...

دراسة تتعرض إلى وجهة نظر مخالفة

د. هاشم عبود الموسوي

| الثلاثاء, 29 يناير 2019

  وردتني رسالة مطولة من صديق يشتغل في حقل الأدب ويمارس النقد الأدبي أحياناً، وقد ...

المنافسة الاستراتيجية دولياً ومؤشرات "الكتلة العالمية الجديدة": محاولة للفهم(*)

أحمد حسين

| الأحد, 27 يناير 2019

    هل ما زلنا نعيش في نظام عالمي أُحادي القطبية؟ أم انتهى عصر الدولة المهيمنة؟ ...

اللا مساواة أو الصورة الرمزية للسلطة لدى فرونسوا دوبيه

د. مصطفى غَلْمَان

| الخميس, 24 يناير 2019

هل حقيقة أن القيم تتعارض وتتقاطع في خضم الشكوك التي غدت مآلا لأسئلة الحداثة وان...

قراءة أولية في كتاب: (النص وسؤال الحقيقة- نقد مرجعيات التفكير الديني)

د. عدنان عويّد

| الخميس, 24 يناير 2019

للكاتب والمفكر الدكتور ماجد الغرباوي (1) الدكتور ماجد الغرباوي باحث ومفكر في الفكر الديني، ومت...

دراسة حقوق اليهود المزعومة!!

محمود كعوش

| الاثنين, 21 يناير 2019

  "إسرائيل" تطالب بحقوق مزعومة لليهود في دول عربية وتتنكر لحقوق الفلسطينيين!!   "إسرائيل" تطالب باستعادة ...

في فقه التشريع.. تضامن أم تطبيع؟

حسن العاصي

| الثلاثاء, 1 يناير 2019

الحج إلى رام الله يشتد الجدل واللغط في أوساط المثقفين والسياسيين كلما قام...

البعد الاجتماعي في المسألة الدينية

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

"إن القرآن لا يمثل خطابا أحادي الصوت، بل هو خطاب متعدد الأصوات بامتياز"[1] ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

ينابيع الإرهاب الصهيوني

د. غازي حسين | الأربعاء, 6 فبراير 2019

  رفع الصهاينة ورجال الدين اليهودي وقادة العدو الاسرائيلي «الإرهاب والإبادة إلى مرتبة القداسة الدينيةفي ...

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة

حسن العاصي

| الخميس, 31 يناير 2019

  تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم571
mod_vvisit_counterالبارحة49600
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع102833
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي351400
mod_vvisit_counterهذا الشهر884545
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65038998
حاليا يتواجد 4122 زوار  على الموقع