موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
البحرية الجزائرية تبحث عن مهاجرين قضوا في البحر ::التجــديد العــربي:: السلطة الفلسطينية تبحث عن دعم عربي في رفضها مؤتمر وارسو ::التجــديد العــربي:: عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة ::التجــديد العــربي:: مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا ::التجــديد العــربي:: الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع ::التجــديد العــربي:: 3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان ::التجــديد العــربي:: مطار دبي يتصدر قائمة أكبر المطارات من حيث حركة المسافرين ::التجــديد العــربي:: مصر: لم نمنع مرور سفن متجهة إلى سوريا عبر قناة السويس ::التجــديد العــربي:: مصر تنتهي من تجديد مقبرة توت عنخ أمون وتعيد فتحها للزائرين بنظام جديد ::التجــديد العــربي:: ماري منيب: غوغل يحتفي بـ"أشهر حماة في السينما المصرية" في عيد ميلادها 114 ::التجــديد العــربي:: التهاب الأمعاء: كيف يؤثر الهواء الملوث على صحة أمعائك؟ ::التجــديد العــربي:: هل يعد تناول وجبة الإفطار فكرة جيدة دائما؟ ::التجــديد العــربي:: ليفربول يستعيد صدارة الدوري الإنجليزي ومحمد صلاح يعزز صدارته للهدافين ::التجــديد العــربي:: ريال يكسب "ديربي" مدريد وينتزع وصافة الليغا من أتلتيكو ::التجــديد العــربي:: الاحتلال يقصف غزة والفصائل الفلسطينية ترد بصواريخ ::التجــديد العــربي:: موسكو تعلن انسحابها من معاهدة الصواريخ مع واشنطن خلال 6 أشهر ::التجــديد العــربي:: البشير يتعهد بالإفراج عن صحفيين معتقلين في السودان ::التجــديد العــربي:: دونالد-ترامب-يتعهد-بمواصلة-الحرب-حتى-هزيمة-«داعش»- والسيطرة-الكاملة-على-أرض-خلافتة- وإخراج إيران من سورية ::التجــديد العــربي:: ماكرون يغضب تركيا باحياء ذكرى إبادة الأرمن ::التجــديد العــربي:: الخارجية الروسية تحذر من اللجوء إلى الحل العسكري في فنزويلا ::التجــديد العــربي::

قضايا التنوير (القضية الرابعة) العقلانية (1+2+3+4)

إرسال إلى صديق طباعة PDF


العقلانية (1)

العقل في التحليل السوسيولوجي

إذا كان العقل في لغة العرب، يعني التحديد والتقييد، حيث ارتبط العقل هنا بكلمة عقال التي تفيد تقييد ساق الناقة حتى تبقى في مكانها. فإن دلالات العقل على المستوى الفلسفي، ظلت في سياقها العام قضية خلافية وإشكالية لدى المفكرين والفلاسفة على كافة مدارسهم، واتجاهاتهم الوضعية منها والدينية معاً. فهناك من اعتبر العقل ملكة وقوة من قوى النفس، وظيفتها استنباط الحقائق، وبها نستطيع تجاوز ما هو حسي وجزئي ومتعدد، إلى ما هو مجرد وكلي وواحد. ومن المفكرين الذين قالوا بهذه الرؤية الفيلسوف "الكندي" في كتابه (رسالة في حدود الأشياء ورسومها)، حيث جاء عنده أن العقل (جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها). وهناك من قسم العقل إلى عقل نظري مجاله البحث في قضايا الرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقيا والمنطق، وإلى عقل عملي، ومجاله السياسة والأخلاق، وهذا ما قال به الفيلسوف "الفارابي" في كتابه (فصول منتزعة) حيث اعتبر القوة الناطقة (العقل)، بأنها القوة التي يَعْقَلُ بها الإنسان، وبها تكون الروية، وبها تبنى العلوم والصناعات، وبها يميز ما بين الجميل والقبيح، وهذه القوة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي.

هذا في الوقت الذي نجد فيه من يعتبر العقل أيضاَ عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والتقنيات والمناهج التي تمكّن من الاستدلال والبرهنة، وهذا العقل في توصيفه يختلف ويتطور في مهاراته وقابلياته من مرحلة تاريخية إلى أخرى وفقاً لمجالات نشاطه. فالعقل وفقاً لهذه المعطيات هو وعي الإنسان وآلية عمل هذا الوعي (الميكانيزم)، في إدراك المحيط الذي ينشط فيه بكل مكوناته، وهذا الوعي يُكتسب تاريخياً عبر علاقة هذا الإنسان مع الطبيعة والمجتمع معاً. أو بتعبير آخر العقل هو ما اكتسبه الإنسان عبر تنشئته التاريخية بكل ما تحمل هذه التنشئة من معطيات مادية وروحية. وهذا الفهم الأخير للعقل يدفعنا في المحصلة إلى تجاوز فكرة تعريف العقل، للنظر في تعيينه، أي تعيين الظروف التي تنتجه وتحدد بالتالي طبيعته ومهاراته وقدراته في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وضمن هذا الحقل المعرفي أو ذاك.

إن العقل إذن كما أراه، هو المعرفة الإنسانية، ووعي الإنسان بذاته وما يحيط به، معيناً في مرحلة تاريخية محددة. أو بتعبير آخر، هو المعرفة الإنسانية في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين. وبذلك يكون العقل خاضعاً بالضرورة لظروف إنتاجه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وهي وحدها من يمنح العقل شقاءه ممثلاً هنا في رؤاه الأسطورية، والامتثال والإطلاق والسجال والنقل والثبات، وفصل العقل أو المعرفة عن العالم الواقعي المحيط به. مثلما هي ذاتها من تمنح العقل تاريخيته أيضاً (عقلانيته)، بحيث يصبح محايثاً للعالم، ومترافقاً مع معطياته المادية والفكرية/ الروحية في حركتها وتعددها وتبدلها وكليتها ونسبيتها وجدليتها.

لماذا يكون العقل/ الوعي شقيا؟:

إذا كان شقاء العقل أو الوعي يكمن في مفارقة هذا العقل للواقع الذي أنتجه بسبب جهل حوامله، للقوانين التي تتحكم في هذا الواقع ذاته وآلية عمله، وبالتالي محاولة تفسير ظواهر هذا الواقع بعمومها تفسيراً لا يمت لآلية عمل هذه الظواهر والقوانين التي تتحكم فيها، وحالة حركتها وتطورها وتبدلها، فهذا يعني في بعده الإنساني تحقيقاً لحالة اغتراب هذا الإنسان بكل أشكالها، بدءاً من اغترابه عن الطبيعة التي تحيط به وينشط عليها، مروراً باغترابه أو غربته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى اغترابه أو غربته الروحية والثقافية.

إن جهل الإنسان وعجزه في اكتشاف قوانين الطبيعة بشقيها البيئي والاجتماعي، وآلية عملها، حقق حالة غربته عن محيطه الطبيعي، لذلك خاف ظواهر الطبيعة بكل تجلياتها، في رعدها وبرقها وصواعقها وبراكينها وزلازلها وعواصفها وسيولها، وفي قمرها وشمسها وكواكبها.. الخ، الأمر الذي جعل عقله/ وعيه مغرباً وشقياً، فدفعت هذه الغربة صاحبه (الإنسان) لعبادة هذه الظواهر الطبيعية وخلق آلهة تمثلها وتتناسب في صفاتها وطبيعتها مع حالة تلك الظواهر وما تقدمه من خير أو شر له بغية تلافي شرها، أو إرضائها لتديم نعمها عليه، وهذه الغربة وما حققته من شقاء لعقل الإنسان لم تكن من صنع يد الإنسان ذاته في مراحل حياته البدائية، بل فرضتها الضرورة الحكمية عليه.

أما غربة الإنسان الاجتماعية، وما حققته أيضاً من شقاء لعقله، فقد بدأت مع نشاط الإنسان عبر وجوده الاجتماعي، وما حققه هذا النشاط من تطور في وسائل وقوى وعلاقات إنتاجه، وبالتالي في وجوده الاجتماعي والروحي برمته، حيث أخذ يتخلص عبر هذا النشاط شيئاً فشيئاً من سيطرة قوانين الطبيعة العمياء عليه بعد أن راح يكتشف أسرارها وآلية عملها عبر التجربة والمشاهدة المباشرة، ليدخل في غربة وضياع آخرين في محيطه الاجتماعي بكل علاقاته المادية والروحية التي أنتجها بنفسه هنا، والتي تمثلت بالقوانين والأعراف والعادات والتقاليد وكل المثل الروحية التي أنتجها... الخ. ففي هذه الحالة من التطور الإنساني التي يتجلى فيها اغتراب الإنسان الجديد أو اللاحق في منتجاته، فإن أهم ما يتجلى فيه هذا الاغتراب، أو شقاء عقل الإنسان، في ما أبدعه من أساطير جديدة حاول بها تفسير وجوده في هذه المرحلة، فبعد أن تجاوز تأليه وأسطرة معطيات أو ظواهر الطبيعة المباشرة، أخذ يؤله ويؤسطر الكثير من علاقاته الاجتماعية والروحية الجديدة، حيث أخذت هذه الأساطير ذاتها تشكل الجذر الثقافي والمعرفي لحياته أو علاقاته الاجتماعية والروحية (الدينية) بشكل خاص آنذاك ولفترة زمنية طويلة، مجسدة في آلهة لها مهامها المختلفة والمتناسبة مع طبيعة علاقاته القائمة في تلك الفترة، بدءاً من آلهة الحب والخصب والمطر، مرورا بآلهة الحرب، وصولاً إلى الإله الملك أو الحاكم، الذي تحكم بالسلطة وراح يزيد في غربة وشقاء عقل من هم تحت سلطته حفاظاً على هذه السلطة.

لقد راحت الأسطورة تُنسج في حياة الإنسان في المراحل التاريخية اللاحقة لمرحلة الضرورة الحكمية، أو البدائية، من قبل مَنْ امتلك السلطة في شقيها الديني والسياسي من أجل التحكم في حياة أفراد المجتمع، وتحقيق غربتهم المادية والروحية، أي شقاء عقولهم... هذه الأسطورة التي جعلت الإنسان غير قادر على التمييز بين ذاته وموضوعها، فتركته ينظر إلى الظواهر جميعها نظرة إيحائية ذاتية، وهو ما يعني أنها لم تستطع أن تمنحه القدرة على أن يخطو الخطوة الفاصلة نحو التمثل العقلي ألبرهاني للكون، وبذلك ظلت الأسطورة تحيل إلى العواطف والانفعالات والذاتية والإيمان ألامتثالي، وليس إلى التفكير والتجريد والبرهان. أو بتعبير آخر، الانتقال من وصف الأشياء، إلى البحث عن القوانين العلمية التي تتحكم فيها، ومن البحث عن الأسباب، إلى الاهتداء للغايات التي تحركها، وأخيراً بلغة " هيجل" نقول: من الوعي الشقي المنفصل عن العالم، إلى الوعي المحايث للعالم، والمترافق مع ميلاد العقل التاريخي والعقلانية.

ملاك القول: إن حالات الاغتراب هذه وما رافقها من شقاء للعقل، ظلت الأسطورة ذاتها، ولو بأشكال مختلفة، وبروح معاصرة تساهم بهذا الشكل أو ذاك، وبشكل فاعل ومذهل، وأحياناً بوعي مدرك تماماً لأهدافها، في التأثير حتى في عالمنا المعاصر، عالم ما بعد الحداثة، الذي فرضته علينا آلية عمل اقتصاد السوق الاحتكاري، ممثلة بالطغمة المالية العالمية وشركاتها المتعددة الجنسيات، التي تحكمت بقدر الإنسان الكوني عبر امتلاكها وسائل مادية ومعنوية هائلة سخرتها بكل أشكال ووسائل الاستبداد والقهر بدءاً بالكلمة، وصولاً إلى الطلقة، من أجل تشييئ الإنسان واستلابه، وبالتالي تحقيق غربته وشقاء عقله/ وعيه، ونمذجته، أو تذريره كي يبقى عدداً (فرداً)، وتركه يبحث عن خلاصه الإنساني الفردي خارج عالمه العياني، وبعيداً عن مصادر شقائه الحقيقي... أن يبحث عن خلاصه هناك في عالم العبث واللامعقول والنهايات والموت، بدءاً من نهاية منظومة الإنسان الأخلاقية الايجابية، وصولاً إلى نهايته التاريخية، أي عدميته، لتبقى فقط في هذا العالم سلطة سوق الرأسمال الاحتكاري حرة قوية، كما رسمت لها أساطير قادة هذا النظام.

***

ملاحظة: إن سيطرة التفكير الوهابي، وما ينتج عن هذا الفكر من ممارسات لا تمت إلى الإنسان والحقيقة بصلة، هو أهم تجليات هذا الوعي أو العقل الشقي في عالمنا العربي اليوم.

*******

العقلانية (2)

العقل النقدي والعقل الأسطوري

سؤال مشروع يطرح نفسه علينا قبل الخوض في هذا الموضوع الخلافي والإشكالي معاً وهو:

هل من الوجهة التاريخية والمعرفية) الابستموبولوجية) نستطيع القول إن بداية التفكير المنطقي لدى الإنسان بدأت عملياً مع بداية تفكيره الفلسفي وتخليه عن تفكيره الأسطوري؟.

هذا مع تأكيدنا على أن الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا بالضرورة توضيح دلالات كل من مفهومي التفكير الفلسفي والأسطوري معاً.

فإذا كانت الفلسفة في أبسط صورها كما بينها ابن رشد، (بأنها فعل ليس أكثر من النظر في الموجودات... والموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم.) ثم يتابع).. فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.. وهو أتم أنواع النظر، وهو المسمى برهاناً..). (1). (فلسفة ابن رشد “فصل المقال” – المكتبة المحمودية التجارية– مصر- دون تاريخ نشر– ص 2- 3

وبغض النظر هنا عن مفهوم العقل ودلالاته الذي ربطه ابن رشد بالفلسفة، ومن حيث رؤية ابن خلدون ذاته أيضاً لطبيعة العقل إن كان معطى معرفياً تاريخياً شَكَلَه الوجود الاجتماعي للفرد أو المجتمع، أو هو قدرة ذهنية أفاض بها الله على المرء كي يميز بها الخير من الشر، ويستطيع التكيف مع المحيط الذي ينشط فيه، فهو بالمحصلة إقرار بأهمية العقل وقدرته اللا محدودة على استخدام القياس والبرهان عند تعاملنا مع الواقع والحقيقة معاً، أي مع مقولات الفلسفة الواقعية والعقلانية مثل الحركة والتطور والنسبية والضرورة والمصادفة والعام والخاص.. الخ، وهذا ما يتنافى مع التفكير أو المنطق الأسطوري اللا عقلاني الذي لا يقر بارتباط العقل بالواقع، وبالتالي تشكله عبر هذا الواقع ذاته، ليتحول فيما بعد إلى وسيلة لتحليل الواقع وإعادة بنائه من جديد وفقاً لتصورات ورغبات حوامله الاجتماعيين ومصالحهم في المرحلة التاريخية المعيوشة، فالعقل الأسطوري هنا، يشكل في طبيعته معطى كلياً بشكل مسبق، وقائم بذاته، وهو بالتالي مفارق بالأساس للواقع الذي يتعامل معه أو ينشط فيه، وغالباً ما يتمسك بالجوهر والماهية وبالإيمان المطلق والمتناهي تجاه الحقائق، على حساب النسبي، والمتحرك والظاهر. وهو في ذلك موقف فلسفي أيضاً، بيد انه موقف فلسفي مثالي.

إذاً، إن التفكير الفلسفة العقلاني، أو العقل النقدي، يعمل منهجياً على استخراج ماهية الأشياء من ظاهرها، من ما هو محسوس ومعيوش وعياني. أو بتعبير آخر إن للفلسفة العقلانية وظيفة أو مهمة، هي اكتشاف وإدراك سر الوجود والطبيعة اللانهائية لكل كائن، وهذه هي المهمة الرئيسة والمركزية للمعرفة الفلسفية العقلانية.

أما العقل الأسطوري، فقد تجاهل أو لم يستطع طرح أو فهم العلاقة بين ماهية الشيء وظاهره طرحا أو فهماً جدلياً، أي لم يستطع حل التناقض بين ماهية الشيء القابلة للإدراك بواسطة العقل النقدي القادر بدوره على الدخول إلى عمق الشيء ذاته، وتفسير حركته وآلية عمله وتجلياته، وبين الشيء القابل للإحساس بواسطة الحواس، والوقوف عند هذا الحد من المعرفة الظاهرية السطحية للأشياء، حيث تشكل هذه المعرفة عنده بداية تاريخ الشيء ومنتهاه.

إن البحث في المطلق والعام والمعطى بشكل مسبق والدائم، وفي عالم الفكر المجرد، هو إذن الموضوع المركزي للتفكير أو العقل الأسطوري. وهذه الإشكالية المعرفية والمنهجية معاً، قد استمرت آلاف السنين ولم تزل قائمة وتمارس دورها بشكل مباشر وغير مباشر على حياة ومستقبل إنسان هذا العالم، بدون أن يتمخض ذلك عن جواب يشفي الغليل. (والسبب أن الإشكالية هي في أصلها إشكالية مغلوطة، ولذلك لا حل لها في الإطار الذي وضعت فيه، وبالطريقة التي طرحت بها).، حيث تحولت إلى إشكال معرفي ومنهجي مستعصي عن الحل، بل راح هذا الإشكال يمارس دوره بروح ومنهجية أكثر فاعلية وحيوية في تسير المواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية في حياتنا المعاصرة.

على العموم: إن الفلسفة العقلانية والواقعية معاً، ليست هي وسيلة معرفية أو عقل أداتي يُستخدم للتخلص من التفكير التبريري والأسطوري القائم على الإطلاق والثبات، وعلى أشكال من الوهم والخيال واللامعقول التي تسيطر على البنية الفكري والعملية للإنسان المعاصر، بل هي عراك ميداني مع الوهم، وحالة نهوض اجتماعي نحو الحقيقة، وأن الفيلسوف العقلاني (العضوي)، وهو المنحدر من عامة الناس والمندغم بمجتمعه الإنساني، رغم ارتقائه إلى النخبة الفكرية بفضل مجهوده النظري ونمو وعيه النقدي، فهو يتحمل اليوم مسؤولية كبيرة على عاتقه، وهي الالتزام بقضايا الناس الذين ينحدر منهم، وتكريس حياته من أجل خدمتهم، وفضح كل أشكال الاغتراب الفكري الذي راح ينتشر اليوم انتشار النار في الهشيم على الساحة الثقافية والفكرية، وبكل مستوياتها الاجتماعية، ويُمارس – أي الاغتراب- عبر ما هو متاح له من وسائل توصيل إعلامية وثقافية، تتحكم في إدارتها وتوجيهها قوى عالمية تسعى جاهدة لنشر وتعميم الجهل والتخلف، وتغليب الغريزة والشهوة على العقل والمنطق خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة.

إن الفلسفة العقلانية النقدية ممثلة بحواملها لاجتماعية ومنها الفكرية والسياسية على وجه الخصوص، إذا ما أرادت أن تواجه التفكير الأسطوري، وتنتصر للقيم الكونيّة الايجابية ينبغي عيها أن تبادر بدراسة أشكال الصراع الاجتماعي، وان تحشر نفسها في هذا الصراع من أجل الوقوف إلى جانب الفئات الأقل حظا، والانتصار لحقوق الإنسان المغرب والمشيئ والمستلب اليوم، والإمساك بأشياء هؤلاء الناس بالأيادي الحقيقية، والرؤية المباشرة للأحداث الملموسة، فهم صناع أمل وحرية المواطن انطلاقاً من مواقعهم في الدولة والمجتمع، وعليهم أن يدركوا أنهم عمال حقيقة، وليسوا خدماً لمؤسسات، ولا أصحاب ولاءات، أو وحراس سلطات، يترقبون التسميات وينتظرون الترقيات والامتيازات.

*******

العقلانية... (3)

الفلسفة الواقعية ضرورة تاريخية لمواجهة الامتثال

إذا نظرنا إلى الواقعية كرؤى أو مواقف ذهنية (عقلانية) تؤمن بدور التجربة والخبرة الاجتماعية في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل، فسنجد إرهاصتها الأولية لدى كثير من الشعوب، ممثلة في أقوال بعض منتجي أساطيرها، أو لدى حكمائها الأولين، كما هو الحال مثلاً في رد "أناناتبشم" على "جلجاميش" في (ملحمة جلجاميش) عندما اشتكى "جلجاميش" ﻟ"أنانا تبشم" عجزه في إيجاد سر الخلود بعد ان بحث عنه طويلاً، حيث قال له "أناناتبشم" مواسياً: (متى بيننا بيتاً دام إلى الأبد!؟، ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟.). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة في معرفة طبيعة الحياة وقوانين تطورها وتبدلها، كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا.

أما إذا نظرنا إلى الواقعية كموقف فلسفي، فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثالية التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد، والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة– الروح- الفطرة- البنية النفسية- العقل المجرد.. الخ.). فالفلسفة المثالية - في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان، تخالف في الحقيقة الفلسفة الواقعية التي تؤمن بالنسبي والملموس والعياني وحرية الاختيار. وأن الواقع المادي المحسوس عندها هو مصدر الحقيقة، وأن الحواس هي أداة المعرفة، أو الوسيلة التي توصلنا إلى هذه الحقيقة.

عموماً إذا كان "أفلاطون" هو مؤسس المدرسة الفلسفية المثالية، التي تأثر في أفكارها، أو قال بما يؤيدها، أو يقاربها فيما بعد، العديد من الفلاسفة والمفكرين، أمثال جورج باركلي، ودافيد هيوم، وكانت، وأبو حامد الغزالي، وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن "أرسطو" يعتبر رائد الواقعية كتيار فلسفي، حيث جاء فيما بعد أيضاً، العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره، أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها، أمثال القديس توما الأكويني، وفرانسيس بيكون، وابن رشد، وابن حزم، وابن خلدون، وجون لوك، وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة، وتجريبي النزعة، ويقرون بأهمية الإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة. مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي، وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة،، وبمثل هذه المواقف الفكرية التي آمنوا بها، جاء الواقع عندهم سابقاً على الفكر.

الفلسفة الواقعية إذاً، هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلمية، فالظواهر تسير وفق قوانين طبيعية/ موضوعية، ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آلية عملها لمصلحته.

مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعية المعاصرة:

في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد، وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانية من ضمنها، مع تيارات ما بعد الحداثة، ممثلة بموت ونهاية كل شيئ (الفن، الأدب، الفلسفة، الأخلاق، الدين وغير ذلك من مفردات الحياة)، ليتشكل تياراً فكرياً هجيناً (ما بعد حداثوي)، غابت فيه ملامح العقلانية والمثالية معاً، لتسود فيه رؤى فكرية يغلب عليها طابع الفوضى الفكرية، والعبث، واللا معقول، والتجزيئية، واللا أدرية، وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقية الجوهرية، والتمسك بالشكلي، والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة، وفي مقدمتها الإنسان، ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد.. الخ.

من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللا معقول، وبخاصة ما يمارس اليوم تجسيداً عملياً لكل هذا اللا معقول في سورية ومصر وليبيا والعراق من قبل قوى الظلام ومن يساندهم على الساحة العربية والعالمية، يفرض علينا المنطق والواجب تجاه إنسانيتنا، ضرورة التمسك بما هو إيجابي وعقلاني، وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا، وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة، ونفض غبار الجهل عنه، وكل ما اعتراه من تفاهات فكرية هدامة وتخريبية تريد النيل من جوهر الإنسان، والعودة به مع حواملها الاجتماعية إلى حياة العصور الوسطى، عصور الظلام والجهل وأهل الكهف، هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابية التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان إلى جوهر إنسانيته، هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانية أو الفكر التنويري، ومحاولة إغنائه برؤى فكرية جديدة تضفي عليه طابعاً أكثر عقلانية وعلمية تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة، منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علمية وعقلانية لفلسفة واقعية معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة، يمكننا تحديد أهمها بالتالي:

1- إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآلية عملها، وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر- تؤثر فيه ويؤثر فيها، وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآلية عملها.

2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب، بل وحرية أيضاً، وهنا تكمن استقلاليته النسبية عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به، وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته، ليست ثابتة جامدة في معطياتها، بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين، أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم، وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها، ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

4- الفلسفة العقلانية المعاصرة لا تؤمن بوجود قوى فطرية موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة، بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية على تفكيره وسلوكياته، دون أن تنكر أن هناك استعدادات وراثية أولية لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس على وراثة الإنسان.

5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي، وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد، وعليه فإن حرية الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة، وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً، وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبية التي يفرضها المجتمع والدولة معاً على تفكيره وتصرفاته.

6- لا تقر الفلسفة العقلانية المعاصرة بالأخلاق المعيارية المسبّقة، والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته، وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخية المعيوشة، فهي ضد القوالب الأخلاقية والفكرية الجامدة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد انعتاقه ومن تطور ونمو إنسانيته.

7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانية المعاصرة ليس معطىً بيولوجياً تقوم آلية عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه، بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفردية والاجتماعية تاريخياً، وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها، والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.

8- تؤمن الفلسفة العقلانية المعاصرة بدور وأهمية التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بايجابية مع الواقع الذي يعيش فيه، وحالات تبدل وتطور هذا الواقع.

9- الفلسفة العقلانية المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة، فللجانب الروحي عندها أهمية في إغناء الجانب العملي، على الرغم من أن البداية للفعل، والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي، فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدلية، والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنية، وإحساسات داخلية تتجلى في شعوره بالحب والكره، والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها.

هذه هي أبرز القواعد التي ترتكز عليها الفلسفة العقلانية المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي، والتي تشكل المنطلقات الفكرية لكل تفكير عقلاني تنويري يرمي إلى تجاوز عقلية وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر، إضافة إلى عقلية وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي، وعهر، وتنمية للغريزة على حساب العقل وقتل لروح الإنسان وإبداعاته، وبالتالي العمل على نمذجته.

*******

العقلانية- (rationalism)

(4)

By: Louis Gustave- Ratisbonne

ترجمة: د. عدنان عويّد

العقلانية مفهوم استخدم في الفلسفة واللاهوت، بعيدا عن أية صيغة منهجية كانت، بغية احترام عقل الإنسان كمعيار نهائي، ومصدر رئيس للمعرفة، هذا مع المعرفة المسبقة أن مثل هذه الموقف المنهجي العقلاني في تحديد مفهوم العقلانية، سيتعارض بالضرورة مع كل العقائد التي استندت بشكل كامل على الرؤى المطلقة. فالفرد وفق هذا الموقف المنهجي أو الرؤية العقلانية، يجب عليه أن يبحث أو يتحقق عن كل شيء بنفسه، وهذا يتطلب منه في المحصلة أن يتخلى عن أي موقف - حتى ولو كان قانونيا أو شرعيا- غير قادر من خلاله أثبات عقلانية هذا الموقف. هذا وأن جوهر العقلانية في طبيعة الحال يكون متزامنا مع تطور الإنسان ذاته، وأن الدين نفسه ابتدأ أساسا كمحاولة عقلانية من أجل تحقيق العلاقات الودية ما بين الإنسان وقوى الطبيعة ذاتها غير المدركة أو المعروفة أسرارها آنذاك من قبل الإنسان، لذلك فكل ديانة من الديانات الميتة تلاشت في الحقيقة بعد أن كشفت أسرار وجودها، أي عوامل إنتاجها.

بيد أن تيار العقلانية قد كسب الكثير من العلاقات والارتباطات مع التفكير الحديث،. وفي حالات استخدامه الشائع وارتباطاته، غالبا ما واجه التيار العقلاني ودعاته كل الذين أعلنوا قبول تطبيق سلطة الكتاب المقدس كمدوّن معصوم وموحى به كرؤى صالحة لكل زمان ومكان. كما ترادف - أي التيار العقلاني- أيضا وبشكل عملي مع التفكير الحر، مع التنويه هنا، بأن هذا الأنموذج من العقلانية راح يؤسس بشكل واسع على نتائج البحث التاريخي والأركولوجي الحديث. فقضية الخلق في كتاب سفر التكوين، ترى من خلال هذا المنهج العقلي، عبر قراءة السجل الزمني لهذا السفر، أي عبر تاريخيته، حيث شكلت مسألة الخلق قيمة شعرية ورمزية اكتشفت عبرها الحضارات المتمدنة والأكثر أهمية في قدمها، ومن جهة أخرى، إن دراسة الدين المقارن قد وضعت الكتاب المقدس في علاقة حميميّة مع الأدب القديم أيضا، وذلك لما احتواه من أحداث ذات طابع قصصي، الأمر الذي جعل من الكتاب المقدس وفق هذا التصور العقلاني أقدم وثيقة أدبية.

إن الكتاب المقدس، وبالخصوص، العهد القديم (التوراة)، أُعتبر حتى من قبل المسيحيين الأرثوذكس ومن وجهة نظر عقلانية، مختلف جدا في تفسيره ما بين مراحل الكنيسة المبكرة والوسطى، فالعقلانية داخل الكنيسة المسيحية تختلف، ومع ذلك ظلت العقلانية تيارا فكريا اشتغل إلى حد ما على توضيح الحقائق الأساسية للعقيدة المسيحية. أما العقلانية المتطرفة على الجانب الآخر من المسألة، فقد أنكرت بشكل قطعي القوى الخارقة للطبيعة، ومع ذلك إن كانت هذه القوى موجودة أم لا، فهي تشكل مواضيع معرفة إنسانية.

إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالكتاب المقدس على اعتباره سجلا تاريخيا، وعلى الأخص بالمسائل الأدبية (القص) الظاهرة في النص المقدس، ثم لمجموع الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى النص عبر تيار العقلانية بشقيه المعتدل والمتطرف، فإن المفكر الحديث ينكر بأن مسيحية العهد الجديد، أو تفسير هذا العهد من قبل اللاهوتيين الجدد قادر أن يقدم نظرية واضحة عن حياة الإنسان وواجباته، أو حتى جزءاً من الاستخدام العام للعقلانية باتجاه الدين خصوصا.

إن العقلانية الفلسفية هي ذاتها نظرية معرفة تحافظ على أن يكون العقل في ذاته وبذاته مصدراً للمعرفة، وأن تلك المعرفة المتحصلة هنا عبر هذا العقل، تمتلك سلطة جد عالية على المعرفة المتحصلة عن طريق الإحساس. وهذا الرأي يتعارض في الحقيقة مع العديد من المناهج الفكرية المختلفة التي تعتبر العقل في نشاطه المعرفي هذا وكأنه (قرص مدمج)، والعالم الخارجي في داخله يطبع نفسه عبر الإحساس. (نظرية المثالية الذاتية- المترجم). هذا وأن مسألة التناقض ما بين النظرية العقلانية (في صيغتها المثالية الذاتية- المترجم) والنظرية الحسية تبدو قضية مجردة وبسيطة جدا، وكثير من المفكرين قد أقر بهاتين النظريتين، حيث دعي هؤلاء بالفلاسفة العقلانيين الحسيين، ووفقا لذلك راحوا يؤكدون بشكل خاص على وظيفتي العقل والإحساس في المعرفة.

بشكل عام، إن العقلانية الفلسفية تعارض هنا النظريات التجريبية في المعرفة، هذا في الوقت الذي اعتبرت فيه - العقلانية الفلسفية- إلى حد ما أن المعرفة الحقيقية قد نتجت عن المفاهيم الأولية الأصيلة، (نظرية المثالية الموضوعية - المترجم)، وهذا الموقف الناقد للعقلانية الفلسفية، قد طرح من قبل "ديكارت" و"ليبنتز" و"وولف" وقد أسس على قاعدة أساسية ﻟ"ديكارت" مفادها، بأن المعرفة يجب أن تكون واضحة، وتمارس البحث من أجل أن تقدم للفلسفة اليقين، كما تقدم أيضا تلك السمعة أو الصيت الطيب عن الرياضيات.

أما الهجوم على العلاقة السببية التي قادت بشكل مباشر إلى العقلانية الجديدة ﻟ"كانت" فقد انطلق من "دافيد هيوم"، الذي قال بأنه من الخطأ اعتبار الفكر مجرد تحليلات مجردة، فالمفاهيم الأولية تكمن هناك، أي في الفكر المجرد، ولكن إذا كانت هذه المفاهيم ستُضخم أو تُفصل أكثر في نطاق المعرفة، يجب إخضاعها للنقد، أو بتعبير آخر ربطها بالمعطيات النقدية.

هذا وأن مفهوم العقلانية في الوعي اللاهوتي الضيق، قد استخدم بشكل خاص العقائد التي استخدمت من قبل مدارس اللاهوتيين الألمان، ومدرسي الكتاب المقدس الذين اشتهروا بالقسوة ما بين أعوام 1740 - 1836، ومع ذلك اعتبرت هذه العقلانية بمظهرها اللاهوتي داخل الكنيسة في ذلك الوقت تيارا فكريا تنويريا، عرف ﺑ(audklarung). بيد أن جوهر المشكلة الصعبة، كانت مسألة العقيدة الخارقة للطبيعة.. مسألة طبيعة العلاقة بين ما يوحى به والدين الطبيعي.

لقد اعتبر "ج - س - سيملير" (J. S. Smeller)، وهو أول قائد عقلاني، أن الدين الحقيقي ينبع من الروح الفردية، وهاجم سلطة الكتاب المقدس بروح نقدية عالية، وقد وصل إلى قناعة راسخة بأن الكتاب المقدس بالنسبة له يعتبر بكل بساطة واحدا من الوثائق القديمة، علما أنه لم يطعن في الكنيسة، بل اعتبرها شيئا نافعا استطاعت حفظ وحدة المجتمع الخارجية وهذا الموقف الفكري تبناه الكثير من المفكرين الأوربيين، ويأتي في مقدمتهم الفيلسوف المفكر "كانت" حيث قام بعرض هذه الفكرة على المستوى الفلسفي.

إن التيارين العقلانيين العظيمين في اتجاهيهما النقدي والفلسفي قد تعايشا في النهاية مع بعضهما، أو بتعبير آخر ترافقا مع بعضهما بعضا، بيد أن الملفت للنظر هو أن هذه العقلانية قد أطلق عليها "العقلانية البذيئة أو المبتذلة أو الساذجة" في فترة زمنية من تاريخ الفكر الأوربي امتدت من عام 1800 إلى 1833.

******************

d.owaid50@gmail.com

 


 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة

News image

أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل/ نيسان، على الر...

مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا

News image

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس رئاسة الاتحاد الأفريقي في أول رئاسة دورية مصر...

الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع

News image

قال الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، إن سحب القوات الأمريكية من سور...

3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان

News image

تحطمت مروحية عسكرية اثيوبية في مجمع للامم المتحدة في منطقة أبيي بين السودان وجنوب الس...

الاحتلال يقصف غزة والفصائل الفلسطينية ترد بصواريخ

News image

قصفت مدفعية الاحتلال مساء الأربعاء مرصدين تستخدمهما الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، ورد الجانب الف...

موسكو تعلن انسحابها من معاهدة الصواريخ مع واشنطن خلال 6 أشهر

News image

أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف، أن روسيا سترد بالمثل على الولايات المتحدة، وستنسحب من معا...

البشير يتعهد بالإفراج عن صحفيين معتقلين في السودان

News image

استخدم الرئيس السوداني عمر حسن البشير نبرة تصالحية جديدة مع المتظاهرين أمس الأربعاء قائلا إن ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

ينابيع الإرهاب الصهيوني

د. غازي حسين | الأربعاء, 6 فبراير 2019

  رفع الصهاينة ورجال الدين اليهودي وقادة العدو الاسرائيلي «الإرهاب والإبادة إلى مرتبة القداسة الدينيةفي ...

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة

حسن العاصي

| الخميس, 31 يناير 2019

  تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما ...

دراسة تتعرض إلى وجهة نظر مخالفة

د. هاشم عبود الموسوي

| الثلاثاء, 29 يناير 2019

  وردتني رسالة مطولة من صديق يشتغل في حقل الأدب ويمارس النقد الأدبي أحياناً، وقد ...

المنافسة الاستراتيجية دولياً ومؤشرات "الكتلة العالمية الجديدة": محاولة للفهم(*)

أحمد حسين

| الأحد, 27 يناير 2019

    هل ما زلنا نعيش في نظام عالمي أُحادي القطبية؟ أم انتهى عصر الدولة المهيمنة؟ ...

اللا مساواة أو الصورة الرمزية للسلطة لدى فرونسوا دوبيه

د. مصطفى غَلْمَان

| الخميس, 24 يناير 2019

هل حقيقة أن القيم تتعارض وتتقاطع في خضم الشكوك التي غدت مآلا لأسئلة الحداثة وان...

قراءة أولية في كتاب: (النص وسؤال الحقيقة- نقد مرجعيات التفكير الديني)

د. عدنان عويّد

| الخميس, 24 يناير 2019

للكاتب والمفكر الدكتور ماجد الغرباوي (1) الدكتور ماجد الغرباوي باحث ومفكر في الفكر الديني، ومت...

دراسة حقوق اليهود المزعومة!!

محمود كعوش

| الاثنين, 21 يناير 2019

  "إسرائيل" تطالب بحقوق مزعومة لليهود في دول عربية وتتنكر لحقوق الفلسطينيين!!   "إسرائيل" تطالب باستعادة ...

في فقه التشريع.. تضامن أم تطبيع؟

حسن العاصي

| الثلاثاء, 1 يناير 2019

الحج إلى رام الله يشتد الجدل واللغط في أوساط المثقفين والسياسيين كلما قام...

البعد الاجتماعي في المسألة الدينية

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 25 ديسمبر 2018

"إن القرآن لا يمثل خطابا أحادي الصوت، بل هو خطاب متعدد الأصوات بامتياز"[1] ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

ينابيع الإرهاب الصهيوني

د. غازي حسين | الأربعاء, 6 فبراير 2019

  رفع الصهاينة ورجال الدين اليهودي وقادة العدو الاسرائيلي «الإرهاب والإبادة إلى مرتبة القداسة الدينيةفي ...

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة

حسن العاصي

| الخميس, 31 يناير 2019

  تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم49293
mod_vvisit_counterالبارحة52662
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع101955
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي351400
mod_vvisit_counterهذا الشهر883667
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65038120
حاليا يتواجد 4138 زوار  على الموقع