موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
«الخارجية السعودية»: قرارات خادم الحرمين بشأن قضية خاشقجي ترسخ أسس العدل ::التجــديد العــربي:: الرئيس الأميركي: التفسير السعودي لمقتل خاشقجي ذو مصداقية وموثوق به ::التجــديد العــربي:: السعودية: إعفاء أحمد عسيري من منصبه في الاستخبارات وسعود بن عبدالله القحطاني المستشار بالديوان الملكي ::التجــديد العــربي:: الملك سلمان يوجه بإعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة بتشكيل لجنة وزارية برئاسة ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان ::التجــديد العــربي:: مصدر سعودي: المملكة تؤكد محاسبة المتورطين بقضية خاشقجي ::التجــديد العــربي:: السعودية: التحقيقات أظهرت وفاة خاشقجي خلال شجار والموقوفين على ذمة القضية 18 شخصاً جميعهم من الجنسية السعودية ::التجــديد العــربي:: اندماج مصارف خليجية لإنجاز مشاريع وتحقيق التنمية ::التجــديد العــربي:: مخاوف اقتصادية تدفع بورصات الخليج إلى المنطقة الحمراء ::التجــديد العــربي:: «اليابان» ضيف شرف معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي يقام بين (31 أكتوبر - 10 نوفمبر 2018). ::التجــديد العــربي:: بعد إغلاق دام 3 سنوات.. فتح معبر "نصيب-جابر" الحدودي بين سوريا والأردن ::التجــديد العــربي:: كيف يمكن أن تؤثر العادات الغذائية على الأجيال المستقبلية؟ ::التجــديد العــربي:: نفاد تذاكر مواجهة الارجنتين والبرازيل المقامة مساء يوم الثلاثاء على أستاد مدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة ::التجــديد العــربي:: بيتزي: قدمنا مواجهة قوية أمام البرازيل.. ونعد بالمستوى الأفضل أمام العراقضمن مباريات بطولة سوبر كلاسيكو حيث كسبت البرازيل لقاءها مع السعودية بهدفين نظيفين ::التجــديد العــربي:: حي استيطاني جديد في قلب الخليل يتضمن بناء 31 وحدة ::التجــديد العــربي:: إدارة ترامب قد تشهد استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس قريبا! عندها، سيصل عدد المستقيلين من إدارة ترامب وحكومته إلى 29 ::التجــديد العــربي:: الاحتلال يدق طبول الحرب ضد قطاع غزة.. ::التجــديد العــربي:: السعودية ترفض التهديدات والضغوط: سنرد على أي إجراء بإجراء أكبر ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين في اتصال للرئيس التركي: لن ينال أحد من صلابة علاقتنا ::التجــديد العــربي:: السلطات في أندونيسيا تعلن انتشال 1944 جثة وتبحث عن 5000 «مفقود» في (تسونامي) بجزيرة سولاويسي ::التجــديد العــربي:: أربع قضايا عالقة بعد سحب السلاح من إدلب ::التجــديد العــربي::

معَ فينوغرادوف .. في مَقصورةِ قِطار

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

في إقليم “ستافروبل” بدأ القطار يخطر بنا ويعرُج عند كل مقطع حديدي في سكته التي تمتد مئات الكيلومترات، ومع مرور الوقت اعتدت على عَرَجه ونعاسه في بعض المحطات. وبعد مجاوزته للسهوب الممتدة شمال جبال القفقاس، بدأت تظهر من أن لآخر مستنقعات مليئة بحقول القصب الذي يحني رؤوسه في وَلَـه نحو الماء، فهو العاشق أبداً ولا يمكن أن يرتوي.. مثلُه مثل الإنسان ذلك القصب، مجوف، وثقيل الرأس، ويغريه أنه مترفع فوق الطين والماء، ولكنه عندما يخرج من جوفهما ييبس ويموت، وربما لهذا يعيش العشق، فالعشق عنده حياة.

 

كان طريق القطار محفوفاً بالأشجار، بعض المقاطع تكشف لي السهول الممتدة، وفي المحطات يكثر القرويون الذي يعرضون بضائعهم : فواكه “أجاص وتفاح ودراق وعنب” وبطيخ “كَربوس” أخضر وأصفر وبعض الخضار “بندورة”..إلخ. وفي محطة القفقاس نزلت إلى الرصيف، وأغراني أن أجد بعض الجوز الطري مع فلاحة فاشتريت شيئاً منه، فأنا أحبه أخضراً أكثر مما أحبه يابساً.. وعدت لأحتسي الشاي في مقصورة العربة التي كانت تجمعنا نحن الثلاثة: بافيكين مرافقي الشاعر أندريه من بيلاروسيا. بعد قليل جاء شخص رابع ليجلس معنا، إنه يجمع ثلاث جنسيات: فرنسية وإسبانية وروسية، ولم لا؟! والده إسباني وهو يقيم في فرنسا ويترجم من الروسية إلى الفرنسية، وبذلك استحق أن يكون من دول ثلاث.. كان ذلك الرجل طيباً، أحضر ما زَوَّده به “المِصح”، الفندق الذي كان فيه، مصح اللجنة المركزية للحزب، من الجبن والبيض والبندورة وشرائح اللحم والخبز، وقال ألا تأكلون؟! شاركناه الطعام إلا أندريه سكارينكن الذي كان قد قال لي: ” لن أتناول سوى التفاح.. الدَّسَم لا يوافقني”، واستحسنت فكرته لكن لم أسوِّغها كثيراً، إذ عندما اشترينا التفاح لاحقاً أبى أن يأكل، قال: “اتفقت مع الرَّب ألا آكل”.. وبدا لي هذا من الأمور المُستغربة نسبياً، ولكنني أتفهم حالة هذا الشاعر الذي يريد أن يغرق في المُعاناة على مرأى من الجميع، وكأنه يدينهم بجوعه وصحته، ويقوي بذلك تجربة، ويستنبت موضوعاً، ويشحذ همَّته على أحجارهم البليدة.

بعد الطعام الخفيف شربنا الشاي والقهوة العربية، وجاء أحد الروس من أعضاء الوفد، شاب أشقر وسيم بشاربين أشقرين خفيفين وعينين صافيتين، شهب بشاربين أشقرين يخالطهما بياض، وعينين زرقاوين صغيرتين حادتين وجريئتين، قصير القامة نسبياً، ولا يشعر بأي نوع من أنواع الحرج عندما يريد شيئاً أو يقتحم موضوعاً، وشرب معنا القهوة.. وفي غَمرة ذلك دَلَف إلى المَقصورة رجل استرعى انتباهي أكثر من مرة، في أثناء احتفالاتنا بالشاعر ليرمنتوف، إنه من مساعدي أناتولي بربرا منظم الاحتفال بالشاعر ليرمنتوف الذي كنا نشارك فيه.. تحس فيه اندفاعاً واثقاً، وتقرأ على وجهه المُجعد كورق ” الكَدْش” الخشن جداً، تجربة طويلة مشوبة بلا أدريِّة عجيبة.. إنه نوع من الأشخاص لا يهتم لشيء، وإخاله يضع وراء ظهره كل شيء.. كان يطلب من معظم النساء أن يراقصنه في حفلات العشاء التي أقيمت للوفود، ويطلب من المَرأة الواحدة أكثر من رقصة في سهرة واحدة، لاسيما إذا كانت جميلة.. وبدا لي أنه لا يتردد لو يتمكن من أن يتزوج من كل النساء اللواتي يراهن..

قميصه الأحمر، وسراويله الكاوبوي الزرقاء، لا تتناسب مع عمر يناهز الستين.. وبمجرد أن جلس مدَّ يده إلى زجاجة فودكا كانت أمام بافيكين وقال: فلاديمير، فلاديمير فينوغرادوف.. يحب الخمر والنساء، ملأ كأساً وبدأ يشرب..

فجأة قفزت إلى ذهني وذاكرتي صورة قريب لي فيه، شبه كبير من ذلك الرجل، ما عدا تفاصيل الشعر وملامح الوجه.. لقد تزوج أربع زوجات وتعلق بفيليبينية كانت آخر من أحب حتى ذلك الوقت.. لكنها، كما يقول، أفضل من كل زوجاته.. كنت أسميه”قضاء وقدراً”، فقد أدى الخدمة الإلزامية وقضى فيها ضعف المدة المطلوبة أو يزيد على ذلك، لأنه لم يكن نظامياً ولا منضبطاً، وكان كثير الهرب لأسباب متعددة. في يوم من الأيام زارني وهو مجند فسألته: “هل أنت في إجازة.؟! ” قال بامتعاض خفيف، وسخرية ترافق الاحتجاج وتبدو قناعاً له غير خفي: “لا.. إنهم لا يعطونني إجازات.”.. قلت: كيف تدبرت أمرك إذن؟!

أجاب بعدم اكتراث: هربت، سأقضي عدة أيام ثم أعود.. فسألته مُشفقاً عليه: وماذا ستقول لهم عندما تعود، ليس معك إجازة؟!. قال بابتسامته الجادة المغلَّفة بسخرية لا إرادية أو استهتار: “سأقول لهم: هربت هكذا.. قضاءً وقدراً!”، وأخذتني ضحكة بريئة وأنا أقول: تهرب قضاءً وقدراً؟! وهل في الهرب المقصود قضاء وقدر؟!.. ويستغرق هو في ضحكة تمسح كل شيء عن وجهه، وهو يشير بيديه الاثنتين معاً: “ماذا أفعل.. لا يعطونني إجازات، وأريد إجازة.”.

لملمت ابتسامتي وذكرياتي، وأنا أعود إلى وجه الرجل الذي دخل المقصورة، وفي جيب سراويله يعلق حافظة نظارة حمراء اللون، لم أره يستعملها أبداً.. ذاك الذي جلس إلى جانبنا وبدأ الكلام قال: “كنت في الجيش في الاستطلاع، في أثناء الحرب العالمية الثانية، كنت شاباً في السابعة عشرة من عمري، وكان الضباط وبقية العسكر يسخرون مني عندما لا أتناول الفودكا، لم أكن أشرب، وقد تعودت فيما بعد على تناول الشراب. كنا في الاستطلاع نتمتع بميزات خاصة منها: /100/غرام يومياً من الفودكا، لم يكن حظنا مثل حظ المُشاة مثلاً”.

كان بافيكين يتناول قليلاً مع الفودكا، “خمسون غراما ” للصحة، كما قال، تقتل الجراثيم.. وعندما تجاوزها قلت لـه “بدأنا في التجاوز على الصحة”.. وضحكنا، ترجم ذلك للضيف فانتعش قليلاً، وقال سوف أروي لكم نكتة عن الروسي.. “عندما فتح الروس برلين، دخل جندي مسود الوجه أغبر الهيئة على صيدلي في برلين وقال لـه: املأ كأساً من الكحول “السبيرتو” املأه تماماً وأعطني إياه، كان الجندي يشهر سلاحه وأخذت الصيدلي الرعشة فملأ لـه الكأس تماماً من أقرب زجاجة إليه، وتناول الجندي الكأس وسكبه في جوفه دفعة واحدة، ثم مَجَّ نَفَساً طويلاً مرافقاً بصوت تدفق الهواء من جوفه، وخرج إلى الشارع. نظر الصيدلي إلى الزجاجة وارتعد، وأخذ ينظر إلى الباب ويتوقع أن يعود الجندي ليطلق عليه النار. بعد دقائق عاد الجندي يرافقه جندي آخر، وهما يشهران سلاحيهما في وضعية التصويب، وأيقن الصيدلي أنه مقتول، قال لـه الجنديان: أعطنا كأسين كاملين من “السبيرتو”، الكحول. فسكب الصيدلي من زجاجة الكحول “السبيرتو” التي أمامه كأسين وأعطاهما للجنديين، فشرباهما، ثم قال الجندي الأول: لمَ لم تعطنا من السبيرتو الأول، هذا النوع أشرب منه منذ سنوات الأول أفضل.

قال الصيدلي عفواً لقد أخطأت في المرة الماضية، فلقد أعطيتك حمض الكبريت، أما هذه المرة فأعطيتك السبيرتو.. وبقي يرتجف خوفاً وينتظر ما سيحل به. قال الجندي بهدوء.. آه.. صحيح.. لقد فهمت فعندما تبولت أذاب البول مقدمة حذائي.”..

وضحكنا جميعاً من هذا الذي لا يؤثر في معدته حتى حمض الكبريت، ويدمن شرب “السبيرتو”.. سألته مدققاً: هل هذه نكتة أم حقيقة، قال نكتة. ثم تابع: في الحرب العالمية استولينا على مصنع للسبيرتو فيه مئتا ألف ليتر، وعندما دخلنا المصنع كان هناك جثث من الجنود الروس، وعُينت مجموعة من الأمن لتفرز الميت من السكران لأن الجنود شربوا السبيرتو، أما أفراد الاستطلاع من زملائي فقد أفرغوا صفائح البنزين وملؤوها السبيرتو، ولم أكن أعلم بذلك، وعلى الغداء سكبوا لي كأساً، وقال لي زميل “هذا كونياك اشربه دفعة واحدة”.. ولم أكن أعرف الكونياك، فشربته دفعة واحدة، وقتلتني رائحة البنزين وطعمه، وأعطوني كثيراً من الماء البارد حتى تغلبت على هذه الحالة، وكدت أقتل الزميل الذي أعطاني الكأس.. وبعد ذلك اعتدت، لقد استبدلت حصتي من السبيرتو، ومقدارها ثلاثة ليترات، بحذاء متميز كان مما يُعطى للفرق المُتقدمة التي كان أفرادها يُختارون من بين المجرمين المسجونين، وتوضع في مواجهة العدو.

في ثنايا حديثه، أشار فلاديمير بافلوفيتش فينوغرادف إلى حادثة قفز منها إلى نكتته أو واقعته الثانية، قال: أسرنا مرة مجموعة من الأسرى الألمان وكان بينهم أحد السلافيين “صربي”، ففرحنا فرحاً عظيماً، وبدأنا ندلعه ونقدم لـه الطعام ونلاطفه، في حين كنا نمنع كل شيء تقريباُ عن الأسرى الآخرين.. وعندما فهم الأسرى أننا نضعه في هذه المكانة لأنه “سلافي مثلنا- أرثوذكسي” أيضاً- قالوا لنا: هذا كرواتي تطوع معنا في الجيش وهو يقاتل معنا”، عند ذلك بدأنا نعامله مثل بقية الألمان الأسرى.

في لمحة سريعة قرأت في عيون الرجل الثعلبية شيئاً، لكنه غاب عني للحظة، وقلت في نفسي: هذا يكون عادياً في الحرب. أنهى الرجل فلاديمير وقائعه التي سردها بين النكتة والواقعة، ثم طلب إلي أن أجري معه حديثاً صحفياً، فوعده مرافقي بأن نفعل ذلك في وقت لاحق، فخرج يتمايل مصحوباً بخفة ظله. وفهمت من النكتة التي ساقها عن الجندي في برلين، أنه يريد أن يؤكد صلابة الجندي الروسي، وقوة جسده التي كونتها بيئة لا ترحم، وظروف قاسية، فنشأ قطعة من المَتانة، تزري بالطبيعة البشرية ذاتها، وتشي بخروج تفوقي عليها.؟!..

لكن بعدما أجريت الحديث الصحفي مع فينوغرادوف في مقصورة القطار رقم /71/ وأنا في مقعدي رقم 24، تغيرت قراءتي للرجل ولتصرفاته إشاراته ومدلولات كلامه، وما يكمن وراء ذلك.. في لقائنا، كان فلاديمير شخصية أخرى، أثاره نسبياً ما لاحظه من استهانتنا به، وأثاره أنني كنت- وأنا أحادثه- أتناول من آن لآخر بعض حبات الفستق التي وضعتها أمامي على الطاولة ولا أشرب، وعلل ذلك النزق الذي اعتراه بأن الشخص الرابع الجالس معنا/فرنسي-إسباني-روسي، بثلاثة جوازات سفر، لا يجوز أن يحضر مقابلة صحفية كان فيها فلاديمير يبدو وكأنه المُحاوِر والمُحاوَر في بعض اللحظات. كان ذا موقف مسبق، ويريد أن يجر الناس إلى موقفه ويملي عليهم قناعته، ولم يكن ذلك ليتم ببساطة معي، ولذلك كان /الفرنسي -الإسباني- الروسي/ أنطوان، أو أندريه البلاروسي، يبتسمان ويخفيان شيئاً من الامتعاض من أسلوب فينوغرادوف.

انسحب أنطوان، فبدا على محاوري الارتياح، وأفصح عن رأيه في أنطوان وجوازات السفر الثلاثة التي يحملها، وأخذ يماحك ويدقق ويناور ليصل بي إلى أجوبة عن أسئلة لم يكن المُترجم موفَّقاً في ترجمتها. وعندما وصلنا إلى نهاية الحديث بعبارات مركزة قدمتها عن سؤاله الأخير: ماذا أريد أن أرى في روسيا من أوساط المثقفين؟! صافحني بحرارة وهو يضطرب حماسة، لأن ما قلته أنعش في أعماقه شيئاً كان يتآكل:” الأمل بعودة روسيا في إطار قومي ووطني ودولي قوي ومتماسك وفعال”، روسيا الاتحاد السوفييتي وتاريخه وامتداده عبر العالم.. لا روسيا التمزق والضعف و.. و.. انتفض فينوغرادوف في نهاية الجملة الأخيرة التي سجلها كعصفور ظامئ وقع على بركة ماء، فاحتسى منها حسوات ثم غطس في مائها ونفض ريشه وبدأ يطير. وفي حاله أسف وأسى موجعين قال لي فونوغرادف وهو يصافحني مودعاً بعد اللقاء: ” كثير من الدول في فترات مجدها كان قادتها من خارج شعبها، روسيا تحتاج إلى قائد، وقد يكون لنا قائد من سورية..”.. أدهشتني العبارة، ولكنها تصور موقفاً واضحاً عن الروس القوميين الذين يقدرون صمود سورية وثباتها على المَبادئ على الرغم مما كانت تواجهه من ظروف قاسية وتهديد، ويقارنون ذلك بتهاوي روسيا في ظل قيادات تابعة لا خير فيها، قيادات فيها من التخلف الثقافي- الذي يعشش في الأرياف- والرخاوة وعدم التمسك بالمبادئ وانعدام الخبرة الشيء الكثير.

ارتاح من كان معي في مقصورة القطار إلى نهاية الحديث الصحفي، وإلى خروج فلاديمير من المَقصورة.. وقال الشاعر أندريه من بيلوروسيا ضاحكاً، وهو يصعِّر وجهه الطِّفْلي الشاحب: هل أجرى مقابلة معك أم أجريت مقابلة معه؟! ثم استغرقنا الضحكُ، لأن أندريه كان مستاء من أسلوب فينوغرادوف وكثرة كلامه، ومناوراته التي تخفي موقفه المُسبق، وجمود ذلك الموقف، ومحاولته فرضه على الآخرين وجرهم إليه .. ثم سادت فترة صمت خرج بعدها من كان معي في المقصورة، لينظروا إلى الغروب الذي بدأ يرتعش في نوافذ القطار.

وأتيحت لي فرصة أن أراجع ملامح فينوغرادوف وثنايا حديثه، ليس الرجل بسيطاً، ولا هو ذاك الذي يقدمه إليك الانطباعُ الأول عنه، ولا هو ممن لا يكترثون لشيء، بل هو على شفا يأس لا يريد أن يغرق فيه، ولا يستطيع الخروج من دوَّامته، وعلى شفا ثورة لا يستطيع أن يعلنها، وعلى شفا هوة لا يريد أن يسقط فيها.. إنه لا يريد أن يرى روسيا في الوضع الذي كانت فيه آنذاك، ولا يصدق أنها آلت إلى ذلك الوضع الذي لا يرتضيه، وهو على ثقة انفعالية عاطفية من أنها ستتغير.

في أثناء إجابتي على سؤال لـه قلت: أرى أنكم تدخلون مرحلة المجتمع الاستهلاكي وأخاف عليكم منها، وقد سخَّركم لها مستثمروكم الذين يقبض على أعناقهم الغرب، “أميركا”، ويسيرهم. فقال بعصبية: لا.. لن تتحول روسيا إلى مجتمع استهلاكي، الروسي يرفض ذلك، ولا أتوقع أن يحدث ذلك”. وفي إشارة إلى مَن مِن الحكام الجدد يصلح قائداً لروسيا التي تحتاج إلى قيادة قال، وقد استرخت يده المتشنجة بشيء من الخذلان.. لا يوجد أحد من بين هؤلاء يمكن أن يكون قائداً، أنا كنت من أنصار يلتسين وزوجتي كانت ضده وتقول لي: إنه “خنزير”، وقد صوتُّ لـه وتبين لي أنه خنزير فعلاً.. لا أحد من هؤلاء يمكن أن يصبح قائداً.. القائد الآن غير موجود، رئيس بلدية موسكو ليس منافساً يحقق الرجاء، فهو غارق إلى ما فوق ركبتيه مع المافيا والمجرمين…”.

هذا الرجل فينوغرادوف يحترق أو هو- كما توحي بذلك هيئته- قد أنهى احتراقه فجأة، وبدا كعود ثقاب أطفأته فوثب لهيبه وأصبح أشهب الرأس على قامة صلبة.

فينوغرادوف أنموذج لمحاربين حققوا نصراً في الحرب العالمية الثانية، وذاقوا لذة أن تكون ابناً لدولة عظمى، من دون أن تشعر بالراحة أو السعادة لأنك مسحوق ومحتقر ومقهور وتخاف أن ترفع صوتك طالباً العدالة والرحمة.. وفجأة تنهار أمامك سلطتك المُرعبة، وتنزلق من تحت قدميك الجبال الصلبة، منسحبة إلى أعماق الماء، وتجد نفسك بين الغرق والتجمد، فاقداً التوازن إثر زلزال لم تعرف بعد كيف حدث، ولا أين ألقاك بالضبط، ولكن الأشلاء وركام الحطام من حولك والبعد عن الشاطئ.. كل ذلك يجعلك في خضم المَتاهة، أنت.. أنت.. ولكنك لا تعرف كيف أصبحت لا شيء أو قريباً من ذلك، ويصعب عليك أن تسلّم بأنك انتهيت تقريباً.

لا أعرف الآن كيف هي حال فينوغرادوف الآن، ولا أين هو.. لكنني أقدر أنه استعاد شيئاً من عافيته.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الرئيس الأميركي: التفسير السعودي لمقتل خاشقجي ذو مصداقية وموثوق به

News image

اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن التفسير الذي صدر، اليوم (السبت)، عن السعودية بشأن ما ...

السعودية: إعفاء أحمد عسيري من منصبه في الاستخبارات وسعود بن عبدالله القحطاني المستشار بالديوان الملكي

News image

صدر أمر ملكي، فجر السبت، بإعفاء أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات العامة من منصبه.كما تم ...

الملك سلمان يوجه بإعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة بتشكيل لجنة وزارية برئاسة ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان

News image

وجه الملك سلمان، فجر السبت، بتشكيل لجنة وزارية برئاسة ولي العهد، الأمير محمد بن سلم...

مصدر سعودي: المملكة تؤكد محاسبة المتورطين بقضية خاشقجي

News image

أكد مصدر سعودي مسؤول، فجر السبت، أن المناقشات مع المواطن السعودي خاشقجي في القنصلية السعودية ...

السعودية: التحقيقات أظهرت وفاة خاشقجي خلال شجار والموقوفين على ذمة القضية 18 شخصاً جميعهم من الجنسية السعودية

News image

أعلن النائب العام السعودي، فجر السبت، أن التحقيقات أظهرت وفاة المواطن السعودي جمال خاشقجي خلا...

حي استيطاني جديد في قلب الخليل يتضمن بناء 31 وحدة

News image

صادقت حكومة الاحتلال في جلستها الأسبوعية أمس، على بناء حي استيطاني جديد في قلب مدي...

إدارة ترامب قد تشهد استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس قريبا! عندها، سيصل عدد المستقيلين من إدارة ترامب وحكومته إلى 29

News image

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في مقابلة تلفزيونية، أن وزير دفاعه جيم ماتيس قد يغا...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

لم يعد لي في هذي الحياة...

محمد الحنفي | الاثنين, 22 أكتوبر 2018

إلــــــــى: المحتفين بنضالية الأخت نزهة أيت القاضي. من أجل الاستمرار في التضحية. لم تعد لي...

يا لِنَوى البُعْدِ ياهْ!!

محمود كعوش

| الاثنين, 22 أكتوبر 2018

قال لها: صباحُكِ ومساؤكِ بسماتٌ عذبةٌ، وهمساتٌ دافئة، وشوقٌ فائض   صباحُكِ ومساؤكِ وكلُ أوقاتك...

نهاية موسم الشطرنج!

د. سليم نزال

| الاثنين, 22 أكتوبر 2018

  منذ الصباح الباكر و الهواء البارد يهب بقوة .و درجات الحرارة تنخفض اكثر فاكثر....

تحية للأسوار العكية بمناسبة مرور ٤٤ عامًا على تأسيسها

شاكر فريد حسن | الاثنين, 22 أكتوبر 2018

تحتفل مؤسسة الأسوار العكية بادارة الصديقين الحبيبين يعقوب وحنان حجازي، بالعيد ال ٤٤ لتأسيس...

الدرس الافتتاحي للفلسفة في عيدها العالمي

د. زهير الخويلدي

| الاثنين, 22 أكتوبر 2018

" أن تكون فيلسوفا لا يعني أن تعلم الكثير من الأشياء بل أن تكون د...

بطل سرفانتس

د. حسن مدن | الاثنين, 22 أكتوبر 2018

  أيصحّ القول إن سانكوبانزا، الفلاح البسيط رفيق دون كيخوت في رواية سرفانتس الشهيرة التي ت...

أشواك براري جميل السلحوت والعبر المستفادة

بقلم: سماح خليفة | الأحد, 21 أكتوبر 2018

يطول مخاض الصراعات في دواخلنا، ينمو الألم فيها على مخزون الذاكرة الحبلى بتجارب وأحداث ومش...

أشواك البراري وتخطّي الطفولة الذبيحة

بقلم: إسراء عبوشي | الأحد, 21 أكتوبر 2018

لأول مرة أرى منّ يلصق للطفولة صفة الذّبح بقوله "طفولتي الذَبيحة" كان ذلك عندما شرف...

البهاء ومدرسة ثقافة الحياة

جميل السلحوت | الأحد, 21 أكتوبر 2018

صدر كتاب "البهاء باق فينا ومعنا" قبل أيّام قليلة عن دار الرّعاة للدّراسات والنّشر في ...

اللغة العربية.. وضرورات صيانتها من عجمة العامية بالفصحى

نايف عبوش | الأحد, 21 أكتوبر 2018

لاشك أن اللغة العربية هي احد أبرز عناصر هوية الأمة. وبإهمال الارتقاء بها، وتدني مست...

تغيير واقعنا لا يتم إلا بمنهج العلم...

محمد الحنفي | الأحد, 21 أكتوبر 2018

كثيرون هم... من سعوا... ومن يسعون......

قصيدة:ازقة وموشحات..

أحمد صالح سلوم

| الأحد, 21 أكتوبر 2018

مهما ضعيتني ازقة حبك فهناك وقت لدي اكتب عن سباحة الترنح بين الغرور وصدرك ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم49741
mod_vvisit_counterالبارحة55687
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع105428
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي375748
mod_vvisit_counterهذا الشهر1195566
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1061896
mod_vvisit_counterكل الزوار59335011
حاليا يتواجد 5291 زوار  على الموقع