الصحافة والمال

الأربعاء, 07 مارس 2018 13:48

د. مليح صالح شكر

ثقافة وفنون
طباعة


ينسب الصحفيون اللبنانيون الى صاحب النهار غسان تويني مرارته من قرار صديقه رفيق الحريري في حزيران/ يونيو 1999 إصدار صحيفة يومية، قائلاً له:

"المصاري ما بتعمل جرايد، الجرايد بتعمل مصاري".

وصدرت (المستقبل) لكنها في البداية كانت محط اهتمام الموظفين من الدرجات العليا حصراً، ثم نجحت اقتصادياً حتى استقرت بين صفوف الصحف اللبنانية المعروفة.

ولعل هذا الرأي كان هو الرأي المعبر عن حالة الصحافة في ذلك الوقت، في لبنان وفي مصر، والى حد ما في العراق خلال فترة الأربعينيات من القرن العشرين، لعدد محدود جداً من الصحف العراقية.

أقامت هذه الصحف، صروحاً صحفية كالنهار والحياة والأنوار والسفير اللبنانية التي كانت جميعها دوراً كبيرة تمول إصدار صحف يومية ومجلات أسبوعية وملاحق غنية بالعلم والمعرفة والادب، وتدفع رواتب وأجور جميع العاملين فيها، ومراسليها، وكان سقف حرية الصحافة عندها بلا حدود.

وكذلك الحال مع الأهرام وأخبار اليوم المصرية، وهي الصحف التي كانت دور نشر عملاقة.

وقد نجح آل ملكون في الأربعينيات من القرن العشرين في إصدار صحيفة يومية ناجحة اقتصادياً وصحفياً بالمعيار العراقي الذي كان سائداً آنذاك، وهي صحيفة (الاخبار).

وفي العراق وحتى عام 1990 (أي قبل الحصار الاقتصادي الشامل)، وفقاً لمصدر موثوق في هذا المجال، كانت كل من صحيفتي الجمهورية والثورة توفران حصة من ميزانيتهما التي تمولهما الدولة، غير ان صحيفة الثورة كانت توفر حصة أكبر بسبب الاشتراكات الرسمية وبخاصة اشتراكات القوات المسلحة ونسبة الإعلانات.

ولدى صديق آخر من الثقاة في هذه المسألة، وجهة نظر أخرى توضح انه لم يكن هناك صحيفة في القطاع الحزبي بالعراق خلال السبعينيات من القرن العشرين مثل صحف، الثورة البعثية، وطريق الشعب الشيوعية، والتآخي الكردية، تحقق ايرادات مالية من الإعلانات او المبيعات مما يحقق توازناً بين المصروفات والإيرادات، وكانت الموارد المالية تسد تقريباً أكثر من 60 بالمائة من التكاليف.

أما بقية التكاليف فقد كانت الدولة أو الأحزاب العاملة رسمياً تغطيها.

ولذلك يعجب المرء حينما يجد ان صحفاً ما أنزل الله بأعدادها رقماً من سلطان، تتزاحم على أرصفة ومكتبات بغداد هذه الأيام، أيام ما بعد الاحتلال، دون أن نعرف من هو ممولها، ومن أين جاء ناشروها بأموال لتمويلها وتغطية مصاريفها على المطابع والورق والعاملين فيها؟ ناهيك عن أنها ليست سوى وريقات يلهو أصحابها أو محرّروها بما وفرت لهم نتائج الاحتلال والفوضى من فرص، ولا أحد يعرف كمية ما يطبع منها يومياً، ولا مدى إقبال القرّاء عليها، وربما ما يرجع منها يقترب من اعداد ما تطبع.

بعض الناشرين، وعددهم محدود، وأصبحوا من حيتان النشر، (القطط السمان) استفادوا من فوضى الايام الاولى للاحتلال في نيسان عام 2003 فوضع يديه بعلم سلطات الاحتلال طبعاً، ورعايتها له، وبحماية بضعة دبابات أمريكية، أو (دبابتان فقط في إحدى الحالات) على مطابع وورق صحف بعشرات الملايين من الدولارات لدور النشر التي كانت قائمة قبل الغزو العسكري، وهي دار الحرية للطباعة ودار الجماهير للصحافة، وكذلك دار الثورة.

والبعض الآخر، أنتفع بلا حدود من معونات وكالة التنمية الدولية التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية من اجهزة ومعدات ومنح مالية لنشر صحيفة أو أنشاء وكالة تعني بنشر أخبار (التغيير الديمقراطي في العراق)، وغيرهم أستلم مباشرة تمويلاً قبل الغزو من دوائر أمريكية رسمية! وعدد صغير جداً قبض ودلّس، وفشل، ولم يعرف كيف يُصدر مطبوعاً يهلل لأولي نعمته، وسكتوا هم بدورهم عنه!

قبل سنوات حاول أحد هؤلاء أن يصدر مطبوعاً بعيداً عن بغداد وأتصل بي إلكترونياً بشأن مادة صحيفة ينوي اعدادها للعدد الأول. أول ما خطر ببالي حينئذ أن أسال عن مصدر التمويل، فكان الرد من (من المال الشخصي)! ولم أساهم، لأنني كنت واثقاً من عدم مصداقية ذلك الادعاء، وتخلى هو عن فكرة إصدار المطبوع جملة وتفصيلاً!

وما أن أنجلى الموقف وارتبكت الخيارات وانحسرت المكاسب الخاصة، حتى سارع البعض لبيع ما أصبح مُلكاً له وعاد أدراجه الى الخارج، فيما غادر آخرون بغداد مجدداً ليواصل حملته (لتحرير العراق) من نقاط عمل أخرى، وطبعاً نَقَلَ أمواله الى ملاذ آمن، أو أصلاً كانت أمواله مؤتمنة في الخارج.

ولولا المال، لما تمكنت بعض من هذه الصحف العراقية، وصحف عربية أخرى من الصدور في عواصم أخرى، وليس هنالك من دليل على ان هذا البعض أتجه للصدور في الخارج لأسباب أمنية أو فنية صحفية فقط، بل أصدروا صحفهم في الخارج فقط لأن المال الرسمي كان متوفراً لهم!

لذلك نلاحظ بدء أفول نجم الصحف التي أختار أصحابها إصدارها في الخارج بعيداً عن ساحة اهتماماته الجغرافية، وبعضهم ليس صحفياً ولا ناشراً للصحف، لكن لديه المال الحكومي وهوته الصحافة، وتراجع عنها مع تغير الظروف أمامه.

وأفل نجم صحف أخرى لقلة اهتمام أصحاب رأسمالها بالمتابعة اليومية لإصدار صحيفة مقابل وسائل أتصال أكثر بريقاً وتأثيراً.

***

malihss@yahoo.com

 

 

د. مليح صالح شكر

كاتب عراقي

 

 

شاهد مقالات د. مليح صالح شكر