موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
وزير النفط والكهرباء والماء الكويتي : دول الخليج مستعدة لاحتمال إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران ::التجــديد العــربي:: لقاء محتمل بين لافروف وبومبيو على هامش منتدى آسيان في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: عون لقائد الجيش اللبناني: لا وطن من دون الجيش ::التجــديد العــربي:: مقتل صحفيين روس يصورون فيلما وثائقيا في إفريقيا الوسطى ::التجــديد العــربي:: مقتل 3 ضباط بينهم عميد و10 جنود من الجيش السوري بكمين لـ"داعش" في القلمون الشرقي ::التجــديد العــربي:: روسيا: لدينا خطة واضحة لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ::التجــديد العــربي:: الداخلية المصرية تعلن مقتل 5 من حركة "حسم" في القليوبية ::التجــديد العــربي:: الاحتلال يفرج عن عهد التميمي برفقة والدتها بعد ثمانية اشهر من إكمال مدة العقوبة ::التجــديد العــربي:: المكسيك.. تحطم طائرة ركاب على متنها 101 شخص ولا قتلى وأسباب التحطم الطائرة يعود إلى عاصفة جوية حادة ::التجــديد العــربي:: حظر النقاب في الدنمارك يدخل حيز التنفيذ ::التجــديد العــربي:: فيلم «إلى آخر الزمان» يفوز بجائزة «مهرجان وهران» ::التجــديد العــربي:: سورية تطلق الدورة 30 لمعرض الكتاب الدولي ::التجــديد العــربي:: ملك المغرب يعزل وزير الاقتصاد والمال ::التجــديد العــربي:: بعد سنوات من إغلاقه.. دمشق تدرس فتح معبر "نصيب" مع الأردن و شركات طيران أجنبية تبدي اهتماما باستئناف الرحلات إلى سوريا ::التجــديد العــربي:: واشنطن تدرس رفع التعرفة الجمركية إلى نسبة 25 % على بضائع صينية ::التجــديد العــربي:: البرقوق يساعد في الوقاية من السرطان ::التجــديد العــربي:: دراسة بريطانية حديثة: حبوب أوميغا 3 "لا تحمي القلب" ::التجــديد العــربي:: سقوط ريال مدريد وبرشلونة في كأس الأبطال ::التجــديد العــربي:: فوز سان جرمان على أتلتيكو مدريد في كأس الأبطال الدولية ::التجــديد العــربي:: الزمالك يواجه بتروجيت في انطلاق الدوري المصري ::التجــديد العــربي::

وقفة مع المدهش.. أوجين يونيسكو “١ـ٢”

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

ولد يونيسكو عام 1912 في سلاتينا، وقضى فترة من طفولته، وردحا من صباه وشبابه في رومانيا، ثم انتقل إلى فرنسا، حيث تلقى علومه في باريس. وتنقل بين فرنسا ورومانية، ثم استقر به المقام في باريس ، فعاش ومات هناك. كتب للمسرح منطلقا من تربة غنية بكل شيء.. غارسا جذوره بقوة، في عمق حضارة باريس والمجتمع الأوروبي وثقافتهما ومشكلاتهما.. حاملا مسؤولية الإنسان في ذاته.. يرفض أن يكون شخصا كسائر الناس.. أو أديبا كسائر الأدباء، يفكر بمنطق أرسطو، ويعبر بلغة الأدب، أو ما فوق الواقعية، أو بلغة الحياة اليومية، ويرتضي الأطر والقواعد التي ارتضاها الناس منذ عرفوا المسرح، وعبروا بالحوار الدرامي عما يريدون التعبير عنه، وما يختلج في نفوسهم.

 

كان يونيسكو أحد أبناء جيل الحزن.. وأحد رجال النكبة.. وشاهد عيان للمجازر البشرية في حربين عالميتين، وعلى إفلاس الجهود الإنسانية التي بذلت لإيقاف الحرب.. كان شاهد عيان لإفلاس النظم والديانات والأخلاق.. فلم ينتفض كما انتفض البعض، فيكفر بالأخلاق أو بالإنسان أو بالديانات أو بذلك كله.. وإنما مضى إلى ما يراه أبعد نظرا.. كان يبحث خلف هذا كله.. ويعلل الحوادث الحاضرة، ويقارنها بحوادث قديمة. قبل الميلاد كانت مذابح طروادة، ومعارك ماراثون وسلاميس ” أو سلامين” بين الفرس واليونانيين.. وبعد الميلاد غرق العالم بالدم أكثر من مرة.. ومنذ الأزل وإلى الأبد، يلاحق الموت الإنسان، ويتصيده بكل الوسائل. المنطق لم يمنع الحرب، ولم يقنع الموت بأن الإنسان يرغب في الحياة، ولا يريد أن يموت. اللغة لم تستطع أن تقود الناس إلى التفاهم التام، ورفض الشقاء والعنف، ولم توقف المجازر.. النظام قاد إلى الفوضى أكثر من مرة، وأكثر القوانين اكتُشف خطؤها، وأتى العلماء بقوانين جديدة ستكتشف أخطاءها الأجيالُ القادمة، “فالحقيقة ليست وليدة السلطان، ولكنها وليدة الزمن” كما يقول فرانسيس بيكون “١٥٦١ – ١٦٢١”، وسيبقى لهذا القول تأثيره وقيمته إذا. و”فجأة أدرك الناس، في عصر النهضة مثلا، أن حقائق الجغرافية القديمة، التي طالما لقنها إياهم أهل العلم منذ قرون، التي كان يؤمن بها الناس في كل الجامعات، أصبحت تتناقض تناقضا صارخا مع الحقائق الثابتة”، كما جاء في كتاب “أصول التاريخ الأوروبي – ص ١٣”، لهربرت فيشر “١٨٦٥ – ١٩٤٠”. وفجأة سيدرك الناس أيضا، في قرون لاحقة، أن حقائق العلم في عصرنا، أصبحت تتناقض تناقضا صارخا مع الحقائق الثابتة. فما هو الشيء الثابت الذي لا جدال فيه؟! وعلى أي شيء يقوم الجدل؟! وبأي منطق نجادل؟! الفلسفات تتضارب، وكذلك النتائج التي تقدمها الحياة، وجهاد الإنسان على الأرض.

هذه السخرية، هي التي يطل بها يونيسكو على العالم من خلال مسرحه الذي يحطم قواعد المسرح. ولهذا السبب، وعلى هذا الأساس، نستطيع أن ندرك الأغوار العميقة، وراء قول “بيرانجيه”، بطل يونيسكو في مسرحية “قاتل بلا أجر”، حين يقول:

” بيرانجيه: إني شخصيا، في كثير من الأحيان، أشك في كل شيء.. أشك في فائدة الحياة، في معنى الحياة، في قيمي، في كل المذاهب الجدلية.. لم أعد أدري بماذا أتمسك، فربما لا توجد رحمة. إن الذي نفعله قد يكون شرا، وقد يكون خيرا، وقد لا يكون لا خيرا ولا شرا.. لست أدري كيف أحكم، من المحتمل ألا تكون لحياة الجنس البشري أية أهمية.. ولا لفنائه بالتالي.. وربما لم يكن للكون بأكمله أية فائدة.” (المسرحية – ص ١٧٠).

ونستطيع أن نفهم لماذا يقول يونيسكو:” بين الحين والآخر، أظن أنني أؤمن بشيء ما، أظن أنني أفكر، وأنحاز إلى أحد الجوانب.. أختار- أكافح، وعندما أفعل ذلك، أفعله بعنف وبعناد.. ولكنّ هناك دائما في داخلي صوتا يقول لي: إن اختياري وعنفي وجزمي، ليس له أساس أكيد أو مطلق، وإنني يجب أن أتخلى عنه.. ولست أملك الحكمة الضرورية لربط أفعالي بشكوكي العميقة الجذور”. (الكاتب ومشكلاته – مجلة المعرفة – العدد ٩٧- ص ٧١).

إن يونيسكو يصرخ في نهاية مسرحية “قاتل بلا أجر”، بحرقة وألم، على لسان “بيرانجيه”، يصرخ قائلا: “يا إلهي لا يمكن أن يفعل المرء أي شيء.. وماذا يستطيع المرء أن يفعل؟ ماذا يستطيع المرء أن يفعل”. (المسرحية ص ١٧٣). وصرخة يونيسكو هذه لها ما يبررها من وجهة نظره.. فأي شيء يستحق أن يبذل المرء جهده من أجله؟ وما هو الشيء الثابت الباقي الجدير بالجهد المبذول؟! ما هو الهدف الأمثل؟! عبث.. عبث.. كل شيء عبث، ما دامت الأخلاق تُفلس، والقوانين تعجز، والديانات لا تحول دون وقوع أي شيء وكل شيء.. وما دام الشر يتدحرج ويكبر، والموت يأتي ليمسح كل شيء في الوجود.

يجب ألا نقلل من شأن الموت عند يونيسكو، فقد عزم على أن يحضر رسالة الدكتوراه في بحث عن الحب والموت في الشعر الفرنسي، وكتب مسرحياته، وشبح الموت يلاحق شخصياته، ويلقي عليها ظلاله المخوفة، وذكر الموت حافل في مسرحياته.

مسرحية: “الدرس” تنتهي بالقتل.. و” قاتل بلا أجر”، تطفو فيها الجثث وسط حوض المياه.. ومسرحية “الملك يموت” تدور حوادثها حول ملك يحتضر، وتصور المراحل التي يمر بها، حتى يصل إلى نهايته.. وفي “إيميدية” تنمو جثة الميت حتى تملأ المكان.. فالموت في مسرح يونيسكو سلطان، وهو لا يؤمن بجدوى الوقوف في وجهه، وها هو ذا يقول:” لا يمكننا أن نحارب القدر، وأن نتصدى لظاهرة طبيعية، كالتآكل”.

وكانت نظرته للحياة، وفلسفته التي انطلق منها، ليعبر عن الوجود كما يراه.. كان كل ذلك مبنيا على تأمل عميق، مشوب بالخوف واليأس واللاجدوى.. جميعها من حتمية الموت. يقول يونيسكو:” إنني أؤمن بأن الإنسان، في أي زمان ومكان، يخاف الموت كما أخافه أنا”. (مجلة المسرح – العدد ١١ – ص ٩٦).

وأتى اندماج يونيسكو بالإنسان، بالبشر، سائر البشر، من اتحاده معهم في الضمير المشترك.. العدو واحد هو الموت، ولذلك يقول: “إن ما يعنيني قبل كل شيء هو الوجود بين البشر، وذلك لأنني في حاجة إلى أن أرسي الروابط بيني وبين كل الناس في كل مكان. إننا جميعا متحدون، ونخاف الموت، وما من شيء أعمق من ذلك”. (مجلة المسرح – العدد ١١ – ص ٩٦). ولكي يتحد يونيسكو بالبشر، يجب أن يتفاهم معهم.. ولكن كيف؟ ماهي الوسيلة؟ إن اللغة عند يونيسكو هي التي تسبب الخلاف، أو المشكلات.. لأنها لا تؤدي إلى التفاهم، فهي مضللة. والناس عندما يتحادثون، لا يصل بعضهم إلى بعض، لأن اللغة عاجزة عن التعبير، كما يرى.. عاجزة عن أن تنقل كل شيء بدقة، ومن ثمَّ فإن الفرد، في عرف يونيسكو، وحيد ومنبوذ محكوم عليه بالعزلة والألم وانتظار الموت.. وهذا ما يخلق كل هذه الصعاب التي تعترض الإنسان.

ربما كان يونيسكو تلميذا لبيرانديللو في هذه النظرة إلى اللغة، كوسيلة للتفاهم، فبيرانديللو في مسرحيته “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، يقول على لسان الأب: “إن علة البلاء في الكلام، كل واحد منا لديه عالم كامل في نفسه، وكل واحد منا له عالمه الخاص! فكيف يفهم بعضنا بعضا أيها السادة.. إذا كنت أضع في كلماتي التي أقولها معاني الأشياء وقيمها كما أفهمها في عالمي أنا، بينما يفترِض، من يستمع إليّ، أن كلماتي لها المعاني والقيّم الخاصة بعالمه هو؟! نحن نظن أننا نتقابل، والواقع أننا لن نتقابل أبدا”. (المسرحية – ص ٥٤ – ترجمة محمد إسماعيل الموافي).

الناس لا يتفاهمون في مسرح يونيسكو، فالأستاذ في مسرحية “الدرس”، يطعن تلميذته بسكين، لكي يفهمها أن السكين تستعمل للقتل، وذلك بعد أن عجز فقه اللغة، وعجزت الطالبة عن الفهم، أو بالأحرى عجز الاثنان عن التفاهم؟! في مسرح يونيسكو، تصبح اللغة أنغاما غير مفهومة، بل طلسمات وحروفا متقطعة.. ففي مسرحية “المغنية الصلعاء”، أولى مسرحيات يونيسكو، يصبح الحوار غير مفهوم، وتنطق الشخصيات بكلمات لا معنى لها مثل “بيستليتو ـ ياللبسنغ ـ كوكاتو ـ الكوكومب ـ كريشنالوب”.. ثم يصل الحد بالشخصيات إلى أن تقول، كجزء من الحوار،” دو ـ ري ـ مي ـ فا ـ صول ـ لا ـ سي”. ويقصد يونيسكو من ذلك أن يحطم اللغة، ويظهر أنها لا تصلح للتفاهم؟!

ولا ضرر من أن نعيد القول الذي رددناه سابقا، وهو أن يونيسكو هاجم منطق أرسطو، وسخر منه سخرية مرة، وحطم القواعد الفنية للبناء الدرامي في مسرحه.. فلا الشخصيات تعرف قضيتها أو حدودها أو أهدافها، ولا الحوار يؤدي إلى التفاهم، ولا الحوادث مصوغة في قالب مشوق، يتدرج وقعها من التمهيد إلى الصعود، فالأزمة، فالحل.. ليس هنالك عقدة، أو مشكلة تطرح، أو قضية تناقش في مسرحيات يونيسكو، فهو يعتبر الأدب المسرحي كله، حتى اليوم، قصصا بوليسية.. والتراجيديات الكلاسيكية قصصا راقية، ويهاجم الواقعية والتعليمية في المسرح، ويناهض الكاتب الملتزم، والكاتب الهادف، ويناصبهما العداء. يقول في مقالة له: “الكتاب العظام، هم أولئك الذين يفشلون في إنتاج الدعاية، عندئذ تحصل شخصياتهم، على أفضل ما في مؤلفيها”. (الكاتب ومشاكله ـ مجلة المجلة ـ العدد 97 ص 77) وإذا كان الأمر يتصل بالدعاية، بمفهوم “البروباجندا بأشكالها، فأنا أوافقه، أمَّ إذا كان كل تعبير عن الاقتناع، وكل دفاع يمليه الرأي الحر، والموقف المسؤول.. فلا.

والزمن عند يونيسكو لا قيمة له.. فسواء أدقَّت الساعة تسعا وعشرين دقة، أم بقيت تشير إلى الوقت ذاته دائما، وسواء أوقفت أم سارت، وسواء أكان عمر “بيرانجيه” عشر سنوات، أو مائة وعشرين سنة.. كل ذلك لا قيمة له.. فنحن في مسرحه خارج حدود المنطق، وخارج حدود الزمن، إذ لا قيمة عنده للزمن. ولا يقف يونيسكو عند حد في تحطيم كل ما تعارفنا عليه، حتى أنه يصل إلى تفتيت الشخصيات، حينما يسمي كل الناس باسم “بوبي واطسن”، في مسرحيته “المغنية الصلعاء”، وحينما يجعل الزوجين اللذين حضرا لزيارة معارفهما، يبدآن تعارفا جديدا بينهما، وتعقد لسانيهما الدهشة، عندما يعرفان أنهما يعيشان معا في الغرفة ذاتها؟!

وربما وجدنا جذور الانحلال في الشخصيات عند بيرانديللو الذي ألف مسرحية بعنوان” واحد ولا أحد ثم مائة ألف”.. حيث نظرة الشخص لنفسه مختلفة كل الاختلاف عن نظرة الناس إليه، فهو واحد بالنسبة لنفسه، ومائة ألف بالنسبة للآخرين.. “فلكل حقيقته، وما يُبنى عليها”.. وفي هذه المسرحية، يسمي بيرانديللو إحدى شخصياته “مدام مورلي رقم1 ومدام مورلي رقم 2″، وهو تعبير عن تعدد الرؤية للشخصية الواحدة، وليس لازدواجية مرَضيَّة في الشخصية. وبيرانديللو يعتبر الخيال حقيقة واقعية. وقد عبر يونيسكو عن الفكرة ذاتها، وتجلى ذلك عنده تماما. وإذا أمعنّا النظر في نتاج بيرانديللو كله، للاحظنا بدقة، تأثُّرَ يونيسكو به في أكثر من زاوية.

كل شيء في مسرح يونيسكو ـ بالنسبة ليونيسكو ـ ممكن، وقابل للتنفيذ، حتى ولو أصبحت القبعة جوادا، والإنسان خرتيتا، والجمهور كراسيَّ، والخطيب أصم أبكم.

كما أن الانتقالات الفجائية بالحوار والحوادث وتحطيم الحواجز المتعارف عليها، كل ذلك مقبول لديه. فالشخصيات تفكر كما تشاء، وتقول ما تريد، بتداع هو الخَلق، أو كما يسميه الاكتشاف، لأنه يعتبر عملية الكتابة للمسرح، هي عملية اكتشاف، يقوم بها الكاتب مع الكلمات، ويترك خلالها الحرية للشخصيات لتتصرف كما تريد، وتنطق بما تشاء.

ويونيسكو مدين بهذا، بعض الشيء، لفرويد وللسيرياليين، إذ إن تلقائيتهم الحرة في التعبير، أصبحت عنده تلقائية منظمة بعض الشيء، خاصة في أعماله المسرحية ذات الفصول الثلاث، ومنها “قاتل بلا أجر”، و”الخرتيت”، و”الملك يموت”.

ويونيسكو لا ينفي كونه تأثر بالسرياليين، بل على العكس، فإنه يذكر ذلك صراحة، فقد أجاب على سؤال وجهه إليه ناقد جريدة الأخبار الأدبية في باريس، عما إذا تأثر بالسريالية.. أجاب بقوله: “نعم، ربما، ولكنني أدركت جيدا، أن المرء لا يتحرر إلا بشرط أن يعني ما يكشف عنه هذا التحرر. وأعتقد أن الكاتب، أو حتى المؤلف المسرحي، يجب أن يكون لديه مزيج من التلقائية واللاوعي والوضوح.. ذلك الوضوح الذي لا يخشى ما يمكن أن تعطيه التلقائية الخيالية أو تلقائية الخيال.” (مجلة المسرح – العدد 11 ص 97).

وأشار يونيسكو في مقالاته، وفي مسرحياته، على لسان شخصياتها، إلى تأثير لوباسكو، فيلسوف الحركة السريالية، عليه، وإلى تأثره به وبالحركة ذاتها. يقول نيكولا، أحد شخصيات مسرحية ” ضحايا الواجب”، في معرض هجومه على المسرح التقليدي، والمنطق الأرسطي، وعلى القواعد الأرسطية في المسرح، يقول: “نيكولا: الواقع أن المسرح الحالي لا يزال سجين أشكاله وأنماطه القديمة، ولم يذهب إلى أبعد من المسرح النفسي. المسرح الحالي لا يتماشى مع الأسلوب الثقافي لعصرنا، وهو ليس على وفاق أو تجانس مع التيارات المعبرة عن روح العصر.. ومع ذلك فمن الضروري وضع المنطق الجديد في الاعتبار، والاهتمام بكل ما تأتي به وتكشف عنه سيكولوجية جديدة، سيكولوجية تضاد.

رجل البوليس : تقصد مسرح سيريالي؟

نيكولا : في حدود علمي أن السيريالية هي من قبيل الحلم ولها خاصيته. وأنا حينما أستوحي وأستلهم منطقا آخر، وسيكولوجية أخرى، سوف أدخل التناقض حيث لا تناقض، وغير التناقض – فيما يراه ويحكم عليه الحس العام- تناقض. ولسوف نهجر مبدأ ثبوت الشخصية على معالم واحدة لا تتغير، وذلك لصالح الحركة، وفي سبيل سيكولوجية ديناميكية.. نحن لسنا أنفسنا.. الشخصية غير موجودة.. وليس فينا سوى قوة متناقضة.. اسمع.. هناك كتاب ممتاز يجب أن تقرأه.. كتاب المنطق والتناقض تأليف لوباسكو”/مجلة المسرح العدد 11 ص 100.

لم يكن يونيسكو يعد نفسه ليصبح كاتبا مسرحيا، وقصته مع الكتابة للمسرح طريفة فعلا، فقد كان يتعلم اللغة الانجليزية من كتاب مبسّط، حينما انهمرت عليه فكرة الكتابة للمسرح، فراح يكتب مسرحية من وحي اكتشافه الجديد، إذ أنه اكتشف أن أرض الحجرة تحت أرجلنا، وأن السقف فوق رؤوسنا، واكتشف، أو لاحظ، أننا ننطلق بعيدا عن طبيعتنا، في خضم من التقاليد والعادات والنظم المضللة، قادنا إليها تيه اللغة.. ولذا يجد الإنسان نفسه في الطبيعة، محاطا بأشياء كثيرة من صنع الإنسان والطبيعة، ولا يستطيع منها فكاكا، كما أنه لا يستطيع أن يتحكم فيها، أو أن يسيطر عليها.. إنه يصدر أوامره، ولكن دون جدوى. فها هو الملك في مسرحية “الملك يخرج”، يقول:

” الملك : إني آمر الشجر بأن ينبت في الأرض.. إني آمر السقف بأن يختفي.. ماذا؟ لا شيء.. إنني آمر المطر أن ينهمر.. إني آمر العاصفة أن تدوي.. إني آمر الأوراق أن تنمو ثانية.. ماذا؟ لا شيء يحدث.. إني آمر جولييت أن تدخل من الباب الكبير.. ” تدخل جولييت من الباب الصغير” ليس من هنا.. بل من هنا.. أخرجي من هذا الباب” تخرج جولييت من الباب الصغير”. آمرك بالبقاء.. آمر الأجراس بأن تدق.. آمر المدافع بأن تطلق إحدى عشرة طلقة تحية شرف.. لا شيء يحدث.. انتظروا.. نعم.. أسمع شيئا ما..

الطبيب: إنه مجرد طنين في أذنيك يا مولاي.

الملك: فليعد الزمن إلى الوراء.. لنعد إلى الأسبوع الماضي.

الطبيب : في الواقع أنه ميت أكثر منه حي.

الملك: لست كذلك، لا أريد أن أموت.. أرجوكم لا تدعوني أمت.. اعطفوا عليّ كلكم.. لا تدعني أنت.. لا أريد ذلك”.

وفي هذا يبرز يونيسكو عجز الإنسان عن السيطرة على مصيره، وعلى كل ما يحيط به من أشياء، فهو وفَد إلى الطبيعة، عاجز، ويظن أنه قوي.. ولكنه لا يكتشف عجزه إلا بالتدريج، وعندما يواجه المواقف التي لا بد من مواجهتها، كالوقوف أمام الموت مثلا.. وأمام معجزات الطبيعة وظواهرها.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

روسيا: لدينا خطة واضحة لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

News image

أعلنت روسيا أن لديها صورة واضحة لمواعيد وقواعد عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، موضحة أنه...

الداخلية المصرية تعلن مقتل 5 من حركة "حسم" في القليوبية

News image

أعلنت وزارة الداخلية المصرية، مساء الثلاثاء، أن خمسة عناصر من حركة "حسم" قتلوا في تبا...

الاحتلال يفرج عن عهد التميمي برفقة والدتها بعد ثمانية اشهر من إكمال مدة العقوبة

News image

القدس - أعلن متحدث باسم مصلحة سجون الاحتلال ان الفتاة الفلسطينية عهد التميمي غادرت الس...

المكسيك.. تحطم طائرة ركاب على متنها 101 شخص ولا قتلى وأسباب التحطم الطائرة يعود إلى عاصفة جوية حادة

News image

أعلن محافظ محافظة هوسيه في المكسيك، روساس أيسبورو، أن سبب تحطم الطائرة التابعة لشركة "Ae...

حظر النقاب في الدنمارك يدخل حيز التنفيذ

News image

دخل القانون الدنماركي الذي يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة حيز التنفيذ الأربعاء وينص ع...

أربعة ملايين شخص مهددون بالتجريد من الجنسية في ولاية آسام الهندية

News image

أصدرت الهند قائمة إحصاء سكاني ستجرد نحو أربعة ملايين نسمة في ولاية آسام الهندية من ...

ترامب: مستعد للقاء القادة الإيرانيين "دون شروط مسبقة"

News image

قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إنه مستعد للقاء القادة الإيرانيين "دون شروط مسبقة وفي أي ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

وميض في الرّماد ومعاناة المغتربين

نزهة أبو غوش | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

  قراءة وتحليل وميض في الرّماد للرّوائي المقدسي، عبدالله دعيس في 381 صفحة صدرت عام ...

رواية "هذا الرجل لا أعرفه" والربيع العربي

جميل السلحوت | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

القارئ لرواية "هذا الرجل لا أعرفه" للأديبة المقدسية ديمة جمعة السمان، لا بدّ له أن ...

يقينُ الصباح بدّدَ شكوكَ الليل

كريم عبدالله | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

قصيدة مشتركة الشاعرة/ شاعرة الجمال والشاعر/ كريم عبدالله...

مَنْ يُدَحْرِجُ.. عَـنْ قَلْبِي.. الضَّجَرَ

إبراهيم أمين | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

مِن قعر جحيم تسلّل لفردوسنا عصفورُ النار...

الشهيد عمر ليس شهيدا لصحافة الارتزاق...

محمد الحنفي | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

إن صحافة الارتزاق... صحافة... تتنكر للشهداء......

تحية القلماوي لأستاذها

د. حسن مدن | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

  في يناير 1943 قررتْ نخبة من خيرة مثقفي مصر وأدبائها، آنذاك، يتقدمهم الدكتور طه حسي...

- الخيول - اصدار جديد للشاعرة نداء خوري

شاكر فريد حسن | الأربعاء, 15 أغسطس 2018

  عن منشورات مكتبة كل شيء الحيفاوية لصاحبها الناشر صالح عباسي، صدر ديوان " الخيول...

سمير أمين

د. حسن مدن | الثلاثاء, 14 أغسطس 2018

  غادر دنيانا المفكر المصري - الأممي الكبير سمير أمين، وفي بيان صدر أمس نعته و...

مستقبل “المقال”

وليد الزبيدي

| الاثنين, 13 أغسطس 2018

  ليس لدي إحصائيات عن أعداد قراء المقالات من قبل الجمهور، سواء كان في جميع ا...

تجلّيات محمود درويش

عبدالله السناوي

| الأحد, 12 أغسطس 2018

  لم يكن يشك أحد من الذين عانوا النزوح الإجباري من أراضيهم وبيوتهم تحت إرهاب ...

الخُزَامَى

محمد جبر الحربي

| الأحد, 12 أغسطس 2018

مَا أطْيَبَ الأهْلَ فِي أرْضِي وَفِي سَكَنِي هُمْ نُوْرُ عَيْنِي وَهُمْ نَبْضِي وَهُمْ سَكَنِ...

الفنّ الإسلامي.. ملمحٌ آسر لحضارة عريقة

د. عزالدين عناية

| السبت, 11 أغسطس 2018

رغم تناول قضايا الإسلام في شتى مظاهرها وأبعادها السوسيولوجية والدينية والسياسية، في الفترة الحالية في ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم7252
mod_vvisit_counterالبارحة40323
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع206464
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي266096
mod_vvisit_counterهذا الشهر606781
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1002358
mod_vvisit_counterكل الزوار56525618
حاليا يتواجد 2831 زوار  على الموقع