موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اصابات خلال مواجهات مع الاحتلال في "الاقصى" ::التجــديد العــربي:: السعودية والهند.. ميزان دقيق لمصالح اقتصادية مشتركة ::التجــديد العــربي:: علماء يحذرون من خطر الخبز المحمّص! ::التجــديد العــربي:: «الأوسكار» تعلن أسماء 13 نجماً سيشاركون في حفل توزيع الجوائز ::التجــديد العــربي:: مهرجان الجبل الثقافي الأول ينطلق في 24 يناير في الفجيرة ::التجــديد العــربي:: مانشستر يونايتد يخسر بهدفين أمام باريس سان جيرمان في ذهاب دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا ::التجــديد العــربي:: موسكو: المساعدات الأمريكية لفنزويلا ذريعة للتدخل العسكري ::التجــديد العــربي:: المبعوث الأممي إلى اليمن: طرفا الحرب في اليمن اتفقا مبدئيا على إعادة الانتشار بالحديدة ::التجــديد العــربي:: مصدر مصري: المتفجرات التي كانت بحوزة الانتحاري تكفي لتدمير حي بأكمله ::التجــديد العــربي:: بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية ::التجــديد العــربي:: محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: مستعدون للتعاون مع واشنطن لاستكمال القضاء على الإرهابيين في سوريا ::التجــديد العــربي:: تفجير الأزهر: مقتل 3 من أفراد الشرطة المصرية ::التجــديد العــربي:: ولي العهد يغادر إسلام آباد ويؤكد: نأمل في شراكات جديدة ::التجــديد العــربي:: البحرية الجزائرية تبحث عن مهاجرين قضوا في البحر ::التجــديد العــربي:: السلطة الفلسطينية تبحث عن دعم عربي في رفضها مؤتمر وارسو ::التجــديد العــربي:: عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة ::التجــديد العــربي:: مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا ::التجــديد العــربي:: الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع ::التجــديد العــربي:: 3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان ::التجــديد العــربي::

وقفة مع المدهش.. أوجين يونيسكو “١ـ٢”

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

ولد يونيسكو عام 1912 في سلاتينا، وقضى فترة من طفولته، وردحا من صباه وشبابه في رومانيا، ثم انتقل إلى فرنسا، حيث تلقى علومه في باريس. وتنقل بين فرنسا ورومانية، ثم استقر به المقام في باريس ، فعاش ومات هناك. كتب للمسرح منطلقا من تربة غنية بكل شيء.. غارسا جذوره بقوة، في عمق حضارة باريس والمجتمع الأوروبي وثقافتهما ومشكلاتهما.. حاملا مسؤولية الإنسان في ذاته.. يرفض أن يكون شخصا كسائر الناس.. أو أديبا كسائر الأدباء، يفكر بمنطق أرسطو، ويعبر بلغة الأدب، أو ما فوق الواقعية، أو بلغة الحياة اليومية، ويرتضي الأطر والقواعد التي ارتضاها الناس منذ عرفوا المسرح، وعبروا بالحوار الدرامي عما يريدون التعبير عنه، وما يختلج في نفوسهم.

 

كان يونيسكو أحد أبناء جيل الحزن.. وأحد رجال النكبة.. وشاهد عيان للمجازر البشرية في حربين عالميتين، وعلى إفلاس الجهود الإنسانية التي بذلت لإيقاف الحرب.. كان شاهد عيان لإفلاس النظم والديانات والأخلاق.. فلم ينتفض كما انتفض البعض، فيكفر بالأخلاق أو بالإنسان أو بالديانات أو بذلك كله.. وإنما مضى إلى ما يراه أبعد نظرا.. كان يبحث خلف هذا كله.. ويعلل الحوادث الحاضرة، ويقارنها بحوادث قديمة. قبل الميلاد كانت مذابح طروادة، ومعارك ماراثون وسلاميس ” أو سلامين” بين الفرس واليونانيين.. وبعد الميلاد غرق العالم بالدم أكثر من مرة.. ومنذ الأزل وإلى الأبد، يلاحق الموت الإنسان، ويتصيده بكل الوسائل. المنطق لم يمنع الحرب، ولم يقنع الموت بأن الإنسان يرغب في الحياة، ولا يريد أن يموت. اللغة لم تستطع أن تقود الناس إلى التفاهم التام، ورفض الشقاء والعنف، ولم توقف المجازر.. النظام قاد إلى الفوضى أكثر من مرة، وأكثر القوانين اكتُشف خطؤها، وأتى العلماء بقوانين جديدة ستكتشف أخطاءها الأجيالُ القادمة، “فالحقيقة ليست وليدة السلطان، ولكنها وليدة الزمن” كما يقول فرانسيس بيكون “١٥٦١ – ١٦٢١”، وسيبقى لهذا القول تأثيره وقيمته إذا. و”فجأة أدرك الناس، في عصر النهضة مثلا، أن حقائق الجغرافية القديمة، التي طالما لقنها إياهم أهل العلم منذ قرون، التي كان يؤمن بها الناس في كل الجامعات، أصبحت تتناقض تناقضا صارخا مع الحقائق الثابتة”، كما جاء في كتاب “أصول التاريخ الأوروبي – ص ١٣”، لهربرت فيشر “١٨٦٥ – ١٩٤٠”. وفجأة سيدرك الناس أيضا، في قرون لاحقة، أن حقائق العلم في عصرنا، أصبحت تتناقض تناقضا صارخا مع الحقائق الثابتة. فما هو الشيء الثابت الذي لا جدال فيه؟! وعلى أي شيء يقوم الجدل؟! وبأي منطق نجادل؟! الفلسفات تتضارب، وكذلك النتائج التي تقدمها الحياة، وجهاد الإنسان على الأرض.

هذه السخرية، هي التي يطل بها يونيسكو على العالم من خلال مسرحه الذي يحطم قواعد المسرح. ولهذا السبب، وعلى هذا الأساس، نستطيع أن ندرك الأغوار العميقة، وراء قول “بيرانجيه”، بطل يونيسكو في مسرحية “قاتل بلا أجر”، حين يقول:

” بيرانجيه: إني شخصيا، في كثير من الأحيان، أشك في كل شيء.. أشك في فائدة الحياة، في معنى الحياة، في قيمي، في كل المذاهب الجدلية.. لم أعد أدري بماذا أتمسك، فربما لا توجد رحمة. إن الذي نفعله قد يكون شرا، وقد يكون خيرا، وقد لا يكون لا خيرا ولا شرا.. لست أدري كيف أحكم، من المحتمل ألا تكون لحياة الجنس البشري أية أهمية.. ولا لفنائه بالتالي.. وربما لم يكن للكون بأكمله أية فائدة.” (المسرحية – ص ١٧٠).

ونستطيع أن نفهم لماذا يقول يونيسكو:” بين الحين والآخر، أظن أنني أؤمن بشيء ما، أظن أنني أفكر، وأنحاز إلى أحد الجوانب.. أختار- أكافح، وعندما أفعل ذلك، أفعله بعنف وبعناد.. ولكنّ هناك دائما في داخلي صوتا يقول لي: إن اختياري وعنفي وجزمي، ليس له أساس أكيد أو مطلق، وإنني يجب أن أتخلى عنه.. ولست أملك الحكمة الضرورية لربط أفعالي بشكوكي العميقة الجذور”. (الكاتب ومشكلاته – مجلة المعرفة – العدد ٩٧- ص ٧١).

إن يونيسكو يصرخ في نهاية مسرحية “قاتل بلا أجر”، بحرقة وألم، على لسان “بيرانجيه”، يصرخ قائلا: “يا إلهي لا يمكن أن يفعل المرء أي شيء.. وماذا يستطيع المرء أن يفعل؟ ماذا يستطيع المرء أن يفعل”. (المسرحية ص ١٧٣). وصرخة يونيسكو هذه لها ما يبررها من وجهة نظره.. فأي شيء يستحق أن يبذل المرء جهده من أجله؟ وما هو الشيء الثابت الباقي الجدير بالجهد المبذول؟! ما هو الهدف الأمثل؟! عبث.. عبث.. كل شيء عبث، ما دامت الأخلاق تُفلس، والقوانين تعجز، والديانات لا تحول دون وقوع أي شيء وكل شيء.. وما دام الشر يتدحرج ويكبر، والموت يأتي ليمسح كل شيء في الوجود.

يجب ألا نقلل من شأن الموت عند يونيسكو، فقد عزم على أن يحضر رسالة الدكتوراه في بحث عن الحب والموت في الشعر الفرنسي، وكتب مسرحياته، وشبح الموت يلاحق شخصياته، ويلقي عليها ظلاله المخوفة، وذكر الموت حافل في مسرحياته.

مسرحية: “الدرس” تنتهي بالقتل.. و” قاتل بلا أجر”، تطفو فيها الجثث وسط حوض المياه.. ومسرحية “الملك يموت” تدور حوادثها حول ملك يحتضر، وتصور المراحل التي يمر بها، حتى يصل إلى نهايته.. وفي “إيميدية” تنمو جثة الميت حتى تملأ المكان.. فالموت في مسرح يونيسكو سلطان، وهو لا يؤمن بجدوى الوقوف في وجهه، وها هو ذا يقول:” لا يمكننا أن نحارب القدر، وأن نتصدى لظاهرة طبيعية، كالتآكل”.

وكانت نظرته للحياة، وفلسفته التي انطلق منها، ليعبر عن الوجود كما يراه.. كان كل ذلك مبنيا على تأمل عميق، مشوب بالخوف واليأس واللاجدوى.. جميعها من حتمية الموت. يقول يونيسكو:” إنني أؤمن بأن الإنسان، في أي زمان ومكان، يخاف الموت كما أخافه أنا”. (مجلة المسرح – العدد ١١ – ص ٩٦).

وأتى اندماج يونيسكو بالإنسان، بالبشر، سائر البشر، من اتحاده معهم في الضمير المشترك.. العدو واحد هو الموت، ولذلك يقول: “إن ما يعنيني قبل كل شيء هو الوجود بين البشر، وذلك لأنني في حاجة إلى أن أرسي الروابط بيني وبين كل الناس في كل مكان. إننا جميعا متحدون، ونخاف الموت، وما من شيء أعمق من ذلك”. (مجلة المسرح – العدد ١١ – ص ٩٦). ولكي يتحد يونيسكو بالبشر، يجب أن يتفاهم معهم.. ولكن كيف؟ ماهي الوسيلة؟ إن اللغة عند يونيسكو هي التي تسبب الخلاف، أو المشكلات.. لأنها لا تؤدي إلى التفاهم، فهي مضللة. والناس عندما يتحادثون، لا يصل بعضهم إلى بعض، لأن اللغة عاجزة عن التعبير، كما يرى.. عاجزة عن أن تنقل كل شيء بدقة، ومن ثمَّ فإن الفرد، في عرف يونيسكو، وحيد ومنبوذ محكوم عليه بالعزلة والألم وانتظار الموت.. وهذا ما يخلق كل هذه الصعاب التي تعترض الإنسان.

ربما كان يونيسكو تلميذا لبيرانديللو في هذه النظرة إلى اللغة، كوسيلة للتفاهم، فبيرانديللو في مسرحيته “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، يقول على لسان الأب: “إن علة البلاء في الكلام، كل واحد منا لديه عالم كامل في نفسه، وكل واحد منا له عالمه الخاص! فكيف يفهم بعضنا بعضا أيها السادة.. إذا كنت أضع في كلماتي التي أقولها معاني الأشياء وقيمها كما أفهمها في عالمي أنا، بينما يفترِض، من يستمع إليّ، أن كلماتي لها المعاني والقيّم الخاصة بعالمه هو؟! نحن نظن أننا نتقابل، والواقع أننا لن نتقابل أبدا”. (المسرحية – ص ٥٤ – ترجمة محمد إسماعيل الموافي).

الناس لا يتفاهمون في مسرح يونيسكو، فالأستاذ في مسرحية “الدرس”، يطعن تلميذته بسكين، لكي يفهمها أن السكين تستعمل للقتل، وذلك بعد أن عجز فقه اللغة، وعجزت الطالبة عن الفهم، أو بالأحرى عجز الاثنان عن التفاهم؟! في مسرح يونيسكو، تصبح اللغة أنغاما غير مفهومة، بل طلسمات وحروفا متقطعة.. ففي مسرحية “المغنية الصلعاء”، أولى مسرحيات يونيسكو، يصبح الحوار غير مفهوم، وتنطق الشخصيات بكلمات لا معنى لها مثل “بيستليتو ـ ياللبسنغ ـ كوكاتو ـ الكوكومب ـ كريشنالوب”.. ثم يصل الحد بالشخصيات إلى أن تقول، كجزء من الحوار،” دو ـ ري ـ مي ـ فا ـ صول ـ لا ـ سي”. ويقصد يونيسكو من ذلك أن يحطم اللغة، ويظهر أنها لا تصلح للتفاهم؟!

ولا ضرر من أن نعيد القول الذي رددناه سابقا، وهو أن يونيسكو هاجم منطق أرسطو، وسخر منه سخرية مرة، وحطم القواعد الفنية للبناء الدرامي في مسرحه.. فلا الشخصيات تعرف قضيتها أو حدودها أو أهدافها، ولا الحوار يؤدي إلى التفاهم، ولا الحوادث مصوغة في قالب مشوق، يتدرج وقعها من التمهيد إلى الصعود، فالأزمة، فالحل.. ليس هنالك عقدة، أو مشكلة تطرح، أو قضية تناقش في مسرحيات يونيسكو، فهو يعتبر الأدب المسرحي كله، حتى اليوم، قصصا بوليسية.. والتراجيديات الكلاسيكية قصصا راقية، ويهاجم الواقعية والتعليمية في المسرح، ويناهض الكاتب الملتزم، والكاتب الهادف، ويناصبهما العداء. يقول في مقالة له: “الكتاب العظام، هم أولئك الذين يفشلون في إنتاج الدعاية، عندئذ تحصل شخصياتهم، على أفضل ما في مؤلفيها”. (الكاتب ومشاكله ـ مجلة المجلة ـ العدد 97 ص 77) وإذا كان الأمر يتصل بالدعاية، بمفهوم “البروباجندا بأشكالها، فأنا أوافقه، أمَّ إذا كان كل تعبير عن الاقتناع، وكل دفاع يمليه الرأي الحر، والموقف المسؤول.. فلا.

والزمن عند يونيسكو لا قيمة له.. فسواء أدقَّت الساعة تسعا وعشرين دقة، أم بقيت تشير إلى الوقت ذاته دائما، وسواء أوقفت أم سارت، وسواء أكان عمر “بيرانجيه” عشر سنوات، أو مائة وعشرين سنة.. كل ذلك لا قيمة له.. فنحن في مسرحه خارج حدود المنطق، وخارج حدود الزمن، إذ لا قيمة عنده للزمن. ولا يقف يونيسكو عند حد في تحطيم كل ما تعارفنا عليه، حتى أنه يصل إلى تفتيت الشخصيات، حينما يسمي كل الناس باسم “بوبي واطسن”، في مسرحيته “المغنية الصلعاء”، وحينما يجعل الزوجين اللذين حضرا لزيارة معارفهما، يبدآن تعارفا جديدا بينهما، وتعقد لسانيهما الدهشة، عندما يعرفان أنهما يعيشان معا في الغرفة ذاتها؟!

وربما وجدنا جذور الانحلال في الشخصيات عند بيرانديللو الذي ألف مسرحية بعنوان” واحد ولا أحد ثم مائة ألف”.. حيث نظرة الشخص لنفسه مختلفة كل الاختلاف عن نظرة الناس إليه، فهو واحد بالنسبة لنفسه، ومائة ألف بالنسبة للآخرين.. “فلكل حقيقته، وما يُبنى عليها”.. وفي هذه المسرحية، يسمي بيرانديللو إحدى شخصياته “مدام مورلي رقم1 ومدام مورلي رقم 2″، وهو تعبير عن تعدد الرؤية للشخصية الواحدة، وليس لازدواجية مرَضيَّة في الشخصية. وبيرانديللو يعتبر الخيال حقيقة واقعية. وقد عبر يونيسكو عن الفكرة ذاتها، وتجلى ذلك عنده تماما. وإذا أمعنّا النظر في نتاج بيرانديللو كله، للاحظنا بدقة، تأثُّرَ يونيسكو به في أكثر من زاوية.

كل شيء في مسرح يونيسكو ـ بالنسبة ليونيسكو ـ ممكن، وقابل للتنفيذ، حتى ولو أصبحت القبعة جوادا، والإنسان خرتيتا، والجمهور كراسيَّ، والخطيب أصم أبكم.

كما أن الانتقالات الفجائية بالحوار والحوادث وتحطيم الحواجز المتعارف عليها، كل ذلك مقبول لديه. فالشخصيات تفكر كما تشاء، وتقول ما تريد، بتداع هو الخَلق، أو كما يسميه الاكتشاف، لأنه يعتبر عملية الكتابة للمسرح، هي عملية اكتشاف، يقوم بها الكاتب مع الكلمات، ويترك خلالها الحرية للشخصيات لتتصرف كما تريد، وتنطق بما تشاء.

ويونيسكو مدين بهذا، بعض الشيء، لفرويد وللسيرياليين، إذ إن تلقائيتهم الحرة في التعبير، أصبحت عنده تلقائية منظمة بعض الشيء، خاصة في أعماله المسرحية ذات الفصول الثلاث، ومنها “قاتل بلا أجر”، و”الخرتيت”، و”الملك يموت”.

ويونيسكو لا ينفي كونه تأثر بالسرياليين، بل على العكس، فإنه يذكر ذلك صراحة، فقد أجاب على سؤال وجهه إليه ناقد جريدة الأخبار الأدبية في باريس، عما إذا تأثر بالسريالية.. أجاب بقوله: “نعم، ربما، ولكنني أدركت جيدا، أن المرء لا يتحرر إلا بشرط أن يعني ما يكشف عنه هذا التحرر. وأعتقد أن الكاتب، أو حتى المؤلف المسرحي، يجب أن يكون لديه مزيج من التلقائية واللاوعي والوضوح.. ذلك الوضوح الذي لا يخشى ما يمكن أن تعطيه التلقائية الخيالية أو تلقائية الخيال.” (مجلة المسرح – العدد 11 ص 97).

وأشار يونيسكو في مقالاته، وفي مسرحياته، على لسان شخصياتها، إلى تأثير لوباسكو، فيلسوف الحركة السريالية، عليه، وإلى تأثره به وبالحركة ذاتها. يقول نيكولا، أحد شخصيات مسرحية ” ضحايا الواجب”، في معرض هجومه على المسرح التقليدي، والمنطق الأرسطي، وعلى القواعد الأرسطية في المسرح، يقول: “نيكولا: الواقع أن المسرح الحالي لا يزال سجين أشكاله وأنماطه القديمة، ولم يذهب إلى أبعد من المسرح النفسي. المسرح الحالي لا يتماشى مع الأسلوب الثقافي لعصرنا، وهو ليس على وفاق أو تجانس مع التيارات المعبرة عن روح العصر.. ومع ذلك فمن الضروري وضع المنطق الجديد في الاعتبار، والاهتمام بكل ما تأتي به وتكشف عنه سيكولوجية جديدة، سيكولوجية تضاد.

رجل البوليس : تقصد مسرح سيريالي؟

نيكولا : في حدود علمي أن السيريالية هي من قبيل الحلم ولها خاصيته. وأنا حينما أستوحي وأستلهم منطقا آخر، وسيكولوجية أخرى، سوف أدخل التناقض حيث لا تناقض، وغير التناقض – فيما يراه ويحكم عليه الحس العام- تناقض. ولسوف نهجر مبدأ ثبوت الشخصية على معالم واحدة لا تتغير، وذلك لصالح الحركة، وفي سبيل سيكولوجية ديناميكية.. نحن لسنا أنفسنا.. الشخصية غير موجودة.. وليس فينا سوى قوة متناقضة.. اسمع.. هناك كتاب ممتاز يجب أن تقرأه.. كتاب المنطق والتناقض تأليف لوباسكو”/مجلة المسرح العدد 11 ص 100.

لم يكن يونيسكو يعد نفسه ليصبح كاتبا مسرحيا، وقصته مع الكتابة للمسرح طريفة فعلا، فقد كان يتعلم اللغة الانجليزية من كتاب مبسّط، حينما انهمرت عليه فكرة الكتابة للمسرح، فراح يكتب مسرحية من وحي اكتشافه الجديد، إذ أنه اكتشف أن أرض الحجرة تحت أرجلنا، وأن السقف فوق رؤوسنا، واكتشف، أو لاحظ، أننا ننطلق بعيدا عن طبيعتنا، في خضم من التقاليد والعادات والنظم المضللة، قادنا إليها تيه اللغة.. ولذا يجد الإنسان نفسه في الطبيعة، محاطا بأشياء كثيرة من صنع الإنسان والطبيعة، ولا يستطيع منها فكاكا، كما أنه لا يستطيع أن يتحكم فيها، أو أن يسيطر عليها.. إنه يصدر أوامره، ولكن دون جدوى. فها هو الملك في مسرحية “الملك يخرج”، يقول:

” الملك : إني آمر الشجر بأن ينبت في الأرض.. إني آمر السقف بأن يختفي.. ماذا؟ لا شيء.. إنني آمر المطر أن ينهمر.. إني آمر العاصفة أن تدوي.. إني آمر الأوراق أن تنمو ثانية.. ماذا؟ لا شيء يحدث.. إني آمر جولييت أن تدخل من الباب الكبير.. ” تدخل جولييت من الباب الصغير” ليس من هنا.. بل من هنا.. أخرجي من هذا الباب” تخرج جولييت من الباب الصغير”. آمرك بالبقاء.. آمر الأجراس بأن تدق.. آمر المدافع بأن تطلق إحدى عشرة طلقة تحية شرف.. لا شيء يحدث.. انتظروا.. نعم.. أسمع شيئا ما..

الطبيب: إنه مجرد طنين في أذنيك يا مولاي.

الملك: فليعد الزمن إلى الوراء.. لنعد إلى الأسبوع الماضي.

الطبيب : في الواقع أنه ميت أكثر منه حي.

الملك: لست كذلك، لا أريد أن أموت.. أرجوكم لا تدعوني أمت.. اعطفوا عليّ كلكم.. لا تدعني أنت.. لا أريد ذلك”.

وفي هذا يبرز يونيسكو عجز الإنسان عن السيطرة على مصيره، وعلى كل ما يحيط به من أشياء، فهو وفَد إلى الطبيعة، عاجز، ويظن أنه قوي.. ولكنه لا يكتشف عجزه إلا بالتدريج، وعندما يواجه المواقف التي لا بد من مواجهتها، كالوقوف أمام الموت مثلا.. وأمام معجزات الطبيعة وظواهرها.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية

News image

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان عبد العزيز في مكالمة هاتفية نيت...

محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم

News image

أفادت وكالة "يونهاب" بأنه من المتوقع أن يجتمع المبعوثان النوويان الكوري الجنوبي والأمريكي في فيت...

بوغدانوف: مستعدون للتعاون مع واشنطن لاستكمال القضاء على الإرهابيين في سوريا

News image

أعرب المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف عن استعداد موسكو للت...

تفجير الأزهر: مقتل 3 من أفراد الشرطة المصرية

News image

قتل 3 من أفراد الشرطة المصرية، بينهم ضابط، وجرح 6 آخرون لدى تعقب "إرهابي" في ...

ولي العهد يغادر إسلام آباد ويؤكد: نأمل في شراكات جديدة

News image

غادر ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد...

عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة

News image

أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل/ نيسان، على الر...

مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا

News image

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس رئاسة الاتحاد الأفريقي في أول رئاسة دورية مصر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

استرداد كتاب ضائع

د. حسن مدن | الخميس, 21 فبراير 2019

  في أوائل أربعينات القرن العشرين، سافر الشابان محمد مندور، ولويس عوض، إلى فرنسا لدراسة...

المثقّف العربي وسؤال ما العمل؟

د. صبحي غندور

| الخميس, 21 فبراير 2019

  يتأزّم الإنسان، وكذلك الأمم والشعوب، حين يصل الفرد أو الجماعة، في مواجهة مشكلةٍ ما، إل...

الموت هو الخطأ

فاروق يوسف

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

معك يمكن للمرء أن ينشغل بأمر آخر، لم تكن لديك مشكلة في أن لا يُن...

أبيض أسود*

خليل توما

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

من هؤلاء تزاحموا؟ يا جسر أحزاني فدعهم يعبرون، وأشمّ رائحة البحار السّبع، أمو...

الكتابة حِفْظٌ للحُلْم

العياشي السربوت

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  أتصور وأنا أكتب بعضا من تجربتي في الحياة، أن كل ما عشته سوف يعود، ...

رحلة سينمائية لافتة لأفلام ذات مغزى خلال العقدين المنصرمين

مهند النابلسي

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  تنوع الثيمات لأحد عشر فيلما "مميزا"، ما بين الكوميديا المعبرة والجريمة المعقدة والدراما المحزنة ...

لقد صنعتُ أصنامي، فهلا صنعت أصنامك أيضا؟

فراس حج محمد

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  عمت صباحا ومساء، أما بعد: ماذا يعني أنك غبت أو حضرت؟ لا شيء إطلاقا....

عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-2)

د. كاظم الموسوي

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  هؤلاء بعض النماذج، هم: الكسندر ادلر، كارولين فوريست، محمد سيفاوي، تيريز بلبش، فريدريك انسل، ...

نبض الوجدان والإحساس

شاكر فريد حسن | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

إلى الصديقة الشاعرة الطرعانية روز اليوسف شعبان يا شاعرة النبض والإحساس...

كلمات على قبر خليل توما

شاكر فريد حسن | الاثنين, 18 فبراير 2019

  إيه يا شاعري يا شاعر المقاومة والكفاح وصوت الفقراء والمسحوقين...

بين النظر والعمل

د. حسن حنفي

| الاثنين, 18 فبراير 2019

  في علم أصول الدين، جعل المتكلمون موضوع العلم ليس الذات الإلهية بل الطبيعة والنظر...

المشروع الثقافي.. وبناء جيل جديد من المثقفين

د. عبدالله القفاري

| الاثنين, 18 فبراير 2019

  ليس ثمة مصطلح مثير للالتباس كمصطلح المثقف، وليست ثمة ثقافة دون وجود مثقفين، وليس ث...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم18324
mod_vvisit_counterالبارحة39311
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع210356
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي351400
mod_vvisit_counterهذا الشهر992068
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65146521
حاليا يتواجد 2376 زوار  على الموقع