موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

وقفة مع المدهش.. أوجين يونيسكو “١ـ٢”

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

ولد يونيسكو عام 1912 في سلاتينا، وقضى فترة من طفولته، وردحا من صباه وشبابه في رومانيا، ثم انتقل إلى فرنسا، حيث تلقى علومه في باريس. وتنقل بين فرنسا ورومانية، ثم استقر به المقام في باريس ، فعاش ومات هناك. كتب للمسرح منطلقا من تربة غنية بكل شيء.. غارسا جذوره بقوة، في عمق حضارة باريس والمجتمع الأوروبي وثقافتهما ومشكلاتهما.. حاملا مسؤولية الإنسان في ذاته.. يرفض أن يكون شخصا كسائر الناس.. أو أديبا كسائر الأدباء، يفكر بمنطق أرسطو، ويعبر بلغة الأدب، أو ما فوق الواقعية، أو بلغة الحياة اليومية، ويرتضي الأطر والقواعد التي ارتضاها الناس منذ عرفوا المسرح، وعبروا بالحوار الدرامي عما يريدون التعبير عنه، وما يختلج في نفوسهم.

 

كان يونيسكو أحد أبناء جيل الحزن.. وأحد رجال النكبة.. وشاهد عيان للمجازر البشرية في حربين عالميتين، وعلى إفلاس الجهود الإنسانية التي بذلت لإيقاف الحرب.. كان شاهد عيان لإفلاس النظم والديانات والأخلاق.. فلم ينتفض كما انتفض البعض، فيكفر بالأخلاق أو بالإنسان أو بالديانات أو بذلك كله.. وإنما مضى إلى ما يراه أبعد نظرا.. كان يبحث خلف هذا كله.. ويعلل الحوادث الحاضرة، ويقارنها بحوادث قديمة. قبل الميلاد كانت مذابح طروادة، ومعارك ماراثون وسلاميس ” أو سلامين” بين الفرس واليونانيين.. وبعد الميلاد غرق العالم بالدم أكثر من مرة.. ومنذ الأزل وإلى الأبد، يلاحق الموت الإنسان، ويتصيده بكل الوسائل. المنطق لم يمنع الحرب، ولم يقنع الموت بأن الإنسان يرغب في الحياة، ولا يريد أن يموت. اللغة لم تستطع أن تقود الناس إلى التفاهم التام، ورفض الشقاء والعنف، ولم توقف المجازر.. النظام قاد إلى الفوضى أكثر من مرة، وأكثر القوانين اكتُشف خطؤها، وأتى العلماء بقوانين جديدة ستكتشف أخطاءها الأجيالُ القادمة، “فالحقيقة ليست وليدة السلطان، ولكنها وليدة الزمن” كما يقول فرانسيس بيكون “١٥٦١ – ١٦٢١”، وسيبقى لهذا القول تأثيره وقيمته إذا. و”فجأة أدرك الناس، في عصر النهضة مثلا، أن حقائق الجغرافية القديمة، التي طالما لقنها إياهم أهل العلم منذ قرون، التي كان يؤمن بها الناس في كل الجامعات، أصبحت تتناقض تناقضا صارخا مع الحقائق الثابتة”، كما جاء في كتاب “أصول التاريخ الأوروبي – ص ١٣”، لهربرت فيشر “١٨٦٥ – ١٩٤٠”. وفجأة سيدرك الناس أيضا، في قرون لاحقة، أن حقائق العلم في عصرنا، أصبحت تتناقض تناقضا صارخا مع الحقائق الثابتة. فما هو الشيء الثابت الذي لا جدال فيه؟! وعلى أي شيء يقوم الجدل؟! وبأي منطق نجادل؟! الفلسفات تتضارب، وكذلك النتائج التي تقدمها الحياة، وجهاد الإنسان على الأرض.

هذه السخرية، هي التي يطل بها يونيسكو على العالم من خلال مسرحه الذي يحطم قواعد المسرح. ولهذا السبب، وعلى هذا الأساس، نستطيع أن ندرك الأغوار العميقة، وراء قول “بيرانجيه”، بطل يونيسكو في مسرحية “قاتل بلا أجر”، حين يقول:

” بيرانجيه: إني شخصيا، في كثير من الأحيان، أشك في كل شيء.. أشك في فائدة الحياة، في معنى الحياة، في قيمي، في كل المذاهب الجدلية.. لم أعد أدري بماذا أتمسك، فربما لا توجد رحمة. إن الذي نفعله قد يكون شرا، وقد يكون خيرا، وقد لا يكون لا خيرا ولا شرا.. لست أدري كيف أحكم، من المحتمل ألا تكون لحياة الجنس البشري أية أهمية.. ولا لفنائه بالتالي.. وربما لم يكن للكون بأكمله أية فائدة.” (المسرحية – ص ١٧٠).

ونستطيع أن نفهم لماذا يقول يونيسكو:” بين الحين والآخر، أظن أنني أؤمن بشيء ما، أظن أنني أفكر، وأنحاز إلى أحد الجوانب.. أختار- أكافح، وعندما أفعل ذلك، أفعله بعنف وبعناد.. ولكنّ هناك دائما في داخلي صوتا يقول لي: إن اختياري وعنفي وجزمي، ليس له أساس أكيد أو مطلق، وإنني يجب أن أتخلى عنه.. ولست أملك الحكمة الضرورية لربط أفعالي بشكوكي العميقة الجذور”. (الكاتب ومشكلاته – مجلة المعرفة – العدد ٩٧- ص ٧١).

إن يونيسكو يصرخ في نهاية مسرحية “قاتل بلا أجر”، بحرقة وألم، على لسان “بيرانجيه”، يصرخ قائلا: “يا إلهي لا يمكن أن يفعل المرء أي شيء.. وماذا يستطيع المرء أن يفعل؟ ماذا يستطيع المرء أن يفعل”. (المسرحية ص ١٧٣). وصرخة يونيسكو هذه لها ما يبررها من وجهة نظره.. فأي شيء يستحق أن يبذل المرء جهده من أجله؟ وما هو الشيء الثابت الباقي الجدير بالجهد المبذول؟! ما هو الهدف الأمثل؟! عبث.. عبث.. كل شيء عبث، ما دامت الأخلاق تُفلس، والقوانين تعجز، والديانات لا تحول دون وقوع أي شيء وكل شيء.. وما دام الشر يتدحرج ويكبر، والموت يأتي ليمسح كل شيء في الوجود.

يجب ألا نقلل من شأن الموت عند يونيسكو، فقد عزم على أن يحضر رسالة الدكتوراه في بحث عن الحب والموت في الشعر الفرنسي، وكتب مسرحياته، وشبح الموت يلاحق شخصياته، ويلقي عليها ظلاله المخوفة، وذكر الموت حافل في مسرحياته.

مسرحية: “الدرس” تنتهي بالقتل.. و” قاتل بلا أجر”، تطفو فيها الجثث وسط حوض المياه.. ومسرحية “الملك يموت” تدور حوادثها حول ملك يحتضر، وتصور المراحل التي يمر بها، حتى يصل إلى نهايته.. وفي “إيميدية” تنمو جثة الميت حتى تملأ المكان.. فالموت في مسرح يونيسكو سلطان، وهو لا يؤمن بجدوى الوقوف في وجهه، وها هو ذا يقول:” لا يمكننا أن نحارب القدر، وأن نتصدى لظاهرة طبيعية، كالتآكل”.

وكانت نظرته للحياة، وفلسفته التي انطلق منها، ليعبر عن الوجود كما يراه.. كان كل ذلك مبنيا على تأمل عميق، مشوب بالخوف واليأس واللاجدوى.. جميعها من حتمية الموت. يقول يونيسكو:” إنني أؤمن بأن الإنسان، في أي زمان ومكان، يخاف الموت كما أخافه أنا”. (مجلة المسرح – العدد ١١ – ص ٩٦).

وأتى اندماج يونيسكو بالإنسان، بالبشر، سائر البشر، من اتحاده معهم في الضمير المشترك.. العدو واحد هو الموت، ولذلك يقول: “إن ما يعنيني قبل كل شيء هو الوجود بين البشر، وذلك لأنني في حاجة إلى أن أرسي الروابط بيني وبين كل الناس في كل مكان. إننا جميعا متحدون، ونخاف الموت، وما من شيء أعمق من ذلك”. (مجلة المسرح – العدد ١١ – ص ٩٦). ولكي يتحد يونيسكو بالبشر، يجب أن يتفاهم معهم.. ولكن كيف؟ ماهي الوسيلة؟ إن اللغة عند يونيسكو هي التي تسبب الخلاف، أو المشكلات.. لأنها لا تؤدي إلى التفاهم، فهي مضللة. والناس عندما يتحادثون، لا يصل بعضهم إلى بعض، لأن اللغة عاجزة عن التعبير، كما يرى.. عاجزة عن أن تنقل كل شيء بدقة، ومن ثمَّ فإن الفرد، في عرف يونيسكو، وحيد ومنبوذ محكوم عليه بالعزلة والألم وانتظار الموت.. وهذا ما يخلق كل هذه الصعاب التي تعترض الإنسان.

ربما كان يونيسكو تلميذا لبيرانديللو في هذه النظرة إلى اللغة، كوسيلة للتفاهم، فبيرانديللو في مسرحيته “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، يقول على لسان الأب: “إن علة البلاء في الكلام، كل واحد منا لديه عالم كامل في نفسه، وكل واحد منا له عالمه الخاص! فكيف يفهم بعضنا بعضا أيها السادة.. إذا كنت أضع في كلماتي التي أقولها معاني الأشياء وقيمها كما أفهمها في عالمي أنا، بينما يفترِض، من يستمع إليّ، أن كلماتي لها المعاني والقيّم الخاصة بعالمه هو؟! نحن نظن أننا نتقابل، والواقع أننا لن نتقابل أبدا”. (المسرحية – ص ٥٤ – ترجمة محمد إسماعيل الموافي).

الناس لا يتفاهمون في مسرح يونيسكو، فالأستاذ في مسرحية “الدرس”، يطعن تلميذته بسكين، لكي يفهمها أن السكين تستعمل للقتل، وذلك بعد أن عجز فقه اللغة، وعجزت الطالبة عن الفهم، أو بالأحرى عجز الاثنان عن التفاهم؟! في مسرح يونيسكو، تصبح اللغة أنغاما غير مفهومة، بل طلسمات وحروفا متقطعة.. ففي مسرحية “المغنية الصلعاء”، أولى مسرحيات يونيسكو، يصبح الحوار غير مفهوم، وتنطق الشخصيات بكلمات لا معنى لها مثل “بيستليتو ـ ياللبسنغ ـ كوكاتو ـ الكوكومب ـ كريشنالوب”.. ثم يصل الحد بالشخصيات إلى أن تقول، كجزء من الحوار،” دو ـ ري ـ مي ـ فا ـ صول ـ لا ـ سي”. ويقصد يونيسكو من ذلك أن يحطم اللغة، ويظهر أنها لا تصلح للتفاهم؟!

ولا ضرر من أن نعيد القول الذي رددناه سابقا، وهو أن يونيسكو هاجم منطق أرسطو، وسخر منه سخرية مرة، وحطم القواعد الفنية للبناء الدرامي في مسرحه.. فلا الشخصيات تعرف قضيتها أو حدودها أو أهدافها، ولا الحوار يؤدي إلى التفاهم، ولا الحوادث مصوغة في قالب مشوق، يتدرج وقعها من التمهيد إلى الصعود، فالأزمة، فالحل.. ليس هنالك عقدة، أو مشكلة تطرح، أو قضية تناقش في مسرحيات يونيسكو، فهو يعتبر الأدب المسرحي كله، حتى اليوم، قصصا بوليسية.. والتراجيديات الكلاسيكية قصصا راقية، ويهاجم الواقعية والتعليمية في المسرح، ويناهض الكاتب الملتزم، والكاتب الهادف، ويناصبهما العداء. يقول في مقالة له: “الكتاب العظام، هم أولئك الذين يفشلون في إنتاج الدعاية، عندئذ تحصل شخصياتهم، على أفضل ما في مؤلفيها”. (الكاتب ومشاكله ـ مجلة المجلة ـ العدد 97 ص 77) وإذا كان الأمر يتصل بالدعاية، بمفهوم “البروباجندا بأشكالها، فأنا أوافقه، أمَّ إذا كان كل تعبير عن الاقتناع، وكل دفاع يمليه الرأي الحر، والموقف المسؤول.. فلا.

والزمن عند يونيسكو لا قيمة له.. فسواء أدقَّت الساعة تسعا وعشرين دقة، أم بقيت تشير إلى الوقت ذاته دائما، وسواء أوقفت أم سارت، وسواء أكان عمر “بيرانجيه” عشر سنوات، أو مائة وعشرين سنة.. كل ذلك لا قيمة له.. فنحن في مسرحه خارج حدود المنطق، وخارج حدود الزمن، إذ لا قيمة عنده للزمن. ولا يقف يونيسكو عند حد في تحطيم كل ما تعارفنا عليه، حتى أنه يصل إلى تفتيت الشخصيات، حينما يسمي كل الناس باسم “بوبي واطسن”، في مسرحيته “المغنية الصلعاء”، وحينما يجعل الزوجين اللذين حضرا لزيارة معارفهما، يبدآن تعارفا جديدا بينهما، وتعقد لسانيهما الدهشة، عندما يعرفان أنهما يعيشان معا في الغرفة ذاتها؟!

وربما وجدنا جذور الانحلال في الشخصيات عند بيرانديللو الذي ألف مسرحية بعنوان” واحد ولا أحد ثم مائة ألف”.. حيث نظرة الشخص لنفسه مختلفة كل الاختلاف عن نظرة الناس إليه، فهو واحد بالنسبة لنفسه، ومائة ألف بالنسبة للآخرين.. “فلكل حقيقته، وما يُبنى عليها”.. وفي هذه المسرحية، يسمي بيرانديللو إحدى شخصياته “مدام مورلي رقم1 ومدام مورلي رقم 2″، وهو تعبير عن تعدد الرؤية للشخصية الواحدة، وليس لازدواجية مرَضيَّة في الشخصية. وبيرانديللو يعتبر الخيال حقيقة واقعية. وقد عبر يونيسكو عن الفكرة ذاتها، وتجلى ذلك عنده تماما. وإذا أمعنّا النظر في نتاج بيرانديللو كله، للاحظنا بدقة، تأثُّرَ يونيسكو به في أكثر من زاوية.

كل شيء في مسرح يونيسكو ـ بالنسبة ليونيسكو ـ ممكن، وقابل للتنفيذ، حتى ولو أصبحت القبعة جوادا، والإنسان خرتيتا، والجمهور كراسيَّ، والخطيب أصم أبكم.

كما أن الانتقالات الفجائية بالحوار والحوادث وتحطيم الحواجز المتعارف عليها، كل ذلك مقبول لديه. فالشخصيات تفكر كما تشاء، وتقول ما تريد، بتداع هو الخَلق، أو كما يسميه الاكتشاف، لأنه يعتبر عملية الكتابة للمسرح، هي عملية اكتشاف، يقوم بها الكاتب مع الكلمات، ويترك خلالها الحرية للشخصيات لتتصرف كما تريد، وتنطق بما تشاء.

ويونيسكو مدين بهذا، بعض الشيء، لفرويد وللسيرياليين، إذ إن تلقائيتهم الحرة في التعبير، أصبحت عنده تلقائية منظمة بعض الشيء، خاصة في أعماله المسرحية ذات الفصول الثلاث، ومنها “قاتل بلا أجر”، و”الخرتيت”، و”الملك يموت”.

ويونيسكو لا ينفي كونه تأثر بالسرياليين، بل على العكس، فإنه يذكر ذلك صراحة، فقد أجاب على سؤال وجهه إليه ناقد جريدة الأخبار الأدبية في باريس، عما إذا تأثر بالسريالية.. أجاب بقوله: “نعم، ربما، ولكنني أدركت جيدا، أن المرء لا يتحرر إلا بشرط أن يعني ما يكشف عنه هذا التحرر. وأعتقد أن الكاتب، أو حتى المؤلف المسرحي، يجب أن يكون لديه مزيج من التلقائية واللاوعي والوضوح.. ذلك الوضوح الذي لا يخشى ما يمكن أن تعطيه التلقائية الخيالية أو تلقائية الخيال.” (مجلة المسرح – العدد 11 ص 97).

وأشار يونيسكو في مقالاته، وفي مسرحياته، على لسان شخصياتها، إلى تأثير لوباسكو، فيلسوف الحركة السريالية، عليه، وإلى تأثره به وبالحركة ذاتها. يقول نيكولا، أحد شخصيات مسرحية ” ضحايا الواجب”، في معرض هجومه على المسرح التقليدي، والمنطق الأرسطي، وعلى القواعد الأرسطية في المسرح، يقول: “نيكولا: الواقع أن المسرح الحالي لا يزال سجين أشكاله وأنماطه القديمة، ولم يذهب إلى أبعد من المسرح النفسي. المسرح الحالي لا يتماشى مع الأسلوب الثقافي لعصرنا، وهو ليس على وفاق أو تجانس مع التيارات المعبرة عن روح العصر.. ومع ذلك فمن الضروري وضع المنطق الجديد في الاعتبار، والاهتمام بكل ما تأتي به وتكشف عنه سيكولوجية جديدة، سيكولوجية تضاد.

رجل البوليس : تقصد مسرح سيريالي؟

نيكولا : في حدود علمي أن السيريالية هي من قبيل الحلم ولها خاصيته. وأنا حينما أستوحي وأستلهم منطقا آخر، وسيكولوجية أخرى، سوف أدخل التناقض حيث لا تناقض، وغير التناقض – فيما يراه ويحكم عليه الحس العام- تناقض. ولسوف نهجر مبدأ ثبوت الشخصية على معالم واحدة لا تتغير، وذلك لصالح الحركة، وفي سبيل سيكولوجية ديناميكية.. نحن لسنا أنفسنا.. الشخصية غير موجودة.. وليس فينا سوى قوة متناقضة.. اسمع.. هناك كتاب ممتاز يجب أن تقرأه.. كتاب المنطق والتناقض تأليف لوباسكو”/مجلة المسرح العدد 11 ص 100.

لم يكن يونيسكو يعد نفسه ليصبح كاتبا مسرحيا، وقصته مع الكتابة للمسرح طريفة فعلا، فقد كان يتعلم اللغة الانجليزية من كتاب مبسّط، حينما انهمرت عليه فكرة الكتابة للمسرح، فراح يكتب مسرحية من وحي اكتشافه الجديد، إذ أنه اكتشف أن أرض الحجرة تحت أرجلنا، وأن السقف فوق رؤوسنا، واكتشف، أو لاحظ، أننا ننطلق بعيدا عن طبيعتنا، في خضم من التقاليد والعادات والنظم المضللة، قادنا إليها تيه اللغة.. ولذا يجد الإنسان نفسه في الطبيعة، محاطا بأشياء كثيرة من صنع الإنسان والطبيعة، ولا يستطيع منها فكاكا، كما أنه لا يستطيع أن يتحكم فيها، أو أن يسيطر عليها.. إنه يصدر أوامره، ولكن دون جدوى. فها هو الملك في مسرحية “الملك يخرج”، يقول:

” الملك : إني آمر الشجر بأن ينبت في الأرض.. إني آمر السقف بأن يختفي.. ماذا؟ لا شيء.. إنني آمر المطر أن ينهمر.. إني آمر العاصفة أن تدوي.. إني آمر الأوراق أن تنمو ثانية.. ماذا؟ لا شيء يحدث.. إني آمر جولييت أن تدخل من الباب الكبير.. ” تدخل جولييت من الباب الصغير” ليس من هنا.. بل من هنا.. أخرجي من هذا الباب” تخرج جولييت من الباب الصغير”. آمرك بالبقاء.. آمر الأجراس بأن تدق.. آمر المدافع بأن تطلق إحدى عشرة طلقة تحية شرف.. لا شيء يحدث.. انتظروا.. نعم.. أسمع شيئا ما..

الطبيب: إنه مجرد طنين في أذنيك يا مولاي.

الملك: فليعد الزمن إلى الوراء.. لنعد إلى الأسبوع الماضي.

الطبيب : في الواقع أنه ميت أكثر منه حي.

الملك: لست كذلك، لا أريد أن أموت.. أرجوكم لا تدعوني أمت.. اعطفوا عليّ كلكم.. لا تدعني أنت.. لا أريد ذلك”.

وفي هذا يبرز يونيسكو عجز الإنسان عن السيطرة على مصيره، وعلى كل ما يحيط به من أشياء، فهو وفَد إلى الطبيعة، عاجز، ويظن أنه قوي.. ولكنه لا يكتشف عجزه إلا بالتدريج، وعندما يواجه المواقف التي لا بد من مواجهتها، كالوقوف أمام الموت مثلا.. وأمام معجزات الطبيعة وظواهرها.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

ثقافة المجتمع والمتاجرة بالجسد

د. حسن حنفي

| السبت, 16 يونيو 2018

  بين الحين والآخر، نقرأ قصصاً حول بيع أعضاء بشرية بسبب الحاجة وضيق ذات اليد. ...

معهد إفريقيا في الشارقة

د. يوسف الحسن

| السبت, 16 يونيو 2018

  - استحضرت في الذاكرة، قاعة إفريقيا بالشارقة وأنا أقرأ بسعادة غامرة خبر تأسيس أول مر...

عجوز فى الأربعين

جميل مطر

| الخميس, 14 يونيو 2018

  جاء مكانها على يمينى فى الطائرة. لم تلفت انتباهى معظم الوقت الذى قضيناه معا فى...

بياضُ الرُّوح!

محمد جبر الحربي

| الخميس, 14 يونيو 2018

1. لعاصمةِ الخير مني الودادْ ولي، أنّها وردةٌ في الفؤادْ أغادرُها.. والرياضُ.. تعودُ   ف...

خمسة فناجين لاتيه

د. نيفين مسعد

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الغربة شعور غير مريح بشكل عام لكن في هذه المناسبات بالذات تصير وطأة الغربة...

عيد الطعام العربي

محمد عارف

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الطعام عيدٌ تُعيدُ لنا مباهجه وملذاته «نوال نصر الله»، عالمة أنثربولوجيا الطعام العراقية، و«ساره...

القُدس.. أوُرسَالِم..

د. علي عقلة عرسان

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

يا قُدْسَ.. صباحُ الخيرِ.. مساءُ الخيرْ، فأنتِ صُبحُنا والمَساءْ.. ضحْكُنا والبُكاءْ.   تميمةُ العربيِّ، ومحراب...

الدين والتنوير العقلاني والسياسي

د. السيد ولد أباه

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

  تساءلنا في مقالة الأسبوع الماضي عن طبيعة العلاقة بين ديناميكيات ثلاث عرفها المجتمع الغربي...

قصة قصيرة شدوا الأحزمة

هناء عبيد

| الاثنين, 11 يونيو 2018

وبخت زوجتي هذا المساء. كيف لها أن تطعمنا قليل من الجرجير فقط في وجبتنا...

الثقافة البديلة.. وتجديد الفكر

د. حسن حنفي

| السبت, 9 يونيو 2018

  في الآونة الأخيرة، جرى البحث في الإعلام بأنواعه ليس فقط عن الثقافة في ذاتها ...

طفلة فى الأربعين

جميل مطر

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

  عادت المضيفة مع مضيفة ثانية لإخلاء المكان من صحون الطعام وكؤوس الماء والمشروبات الأخرى...

المُزْنُ الأولى

محمد جبر الحربي

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

ما أجملَها ما أجملَ فِطْرتَها كالمزْنِ الأولى إذْ فاضتْ فاضَ الشِّعْبُ   وفاضَ الشعرُ بحضرتِ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم19244
mod_vvisit_counterالبارحة33891
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع174205
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي195543
mod_vvisit_counterهذا الشهر654594
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54666610
حاليا يتواجد 1995 زوار  على الموقع