ثلاث ثورات معرفية

الأربعاء, 06 ديسمبر 2017 10:35

وليد الزبيدي

ثقافة وفنون
طباعة

 

اثار انتباهي مصطلح التاريخ المفرط من قبل الباحث والمؤلف لوتشيانو فلوريدي أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة في كتابه الصادر بعنوان (الثورة الرابعة كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني)، يبحر ويبحث المؤلف في قضايا حيوية وفي غاية الاهمية، لكن ولأنني لم اطلع سابقا على هذا المصطلح (التاريخ المفرط) فقد حاولت الحصول على نصوص ودراسات مشابهة وبذات التسمية لكنني لم افلح في مسعاي.

 

استنادا إلى البحث الذي تضمنه الكتاب الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية وترجمه لؤي عبد الحميد السيد، يبدأ تاريخ المعرفة في الألف الثالث قبل الميلاد في بلاد الرافدين وتحديدا في العهد السومري حيث اخترع أبناء الرافدين الكتابة، ما فتح الأبواب الاولى في عالم المعرفة، وبذلك تكون مدينة أور العراقية تعيش عالم التاريخ لكنها لم تدخل التاريخ المفرط، وبهذا نبدأ نميز بين المصطلحين وماذا نقصد بكل واحد منهما.

المجتمعات التي ما زالت تعيش في التاريخ تختلف في جوانب حيوية وجوهرية عن تلك التي يمكن وصفها بأنها تعيش في التاريخ المفرط، والغريب في هذا التقسيم أنها تتوزع على مناطق ودول في زمن واحد، وفي عصر تصل فيه الاختراعات والاكتشافات والادوات المستخدمة في ذلك إلى مختلف اصقاع العالم بسرعة البرق، مثلا، الإنترنت يغطي المساحة الأكبر من المعمورة، وسرعة النقل والشحن اصبحت تتوزع بين النقل الجوي والبري والبحري، والترويج لكل ما هو جديد في الصناعات يستهدف الفئات المعنية بذلك المنتج بدقة وسرعة لا مثيل لها في العقود والقرون المنصرمة.

عندما بدأ عصر الحياة في التاريخ – كما يصفه فلوريدي- لم يشمل ذلك جميع انحاء المعمورة، واحتاج نشر الكتابة من بلاد النهرين- العراق- إلى بقية ارجاء المعمورة مئات السنين، ويرتبط ذلك بدون شك بعدم وجود آليات النشر والتوزيع كما هو في الوقت الحالي، وعندما حدثت الثورة المعرفية الثانية أي اختراع الطباعة من قبل الألماني يوهان غوتنبيرغ في القرن الخامس عشر، فإن البشرية ما زالت بعيدة عن الطفرة التي تصل بها إلى شاطئ النشر السريع، ولكن انطلاق الثورة الصناعية بعد تلك الفترة بعدة قرون، ساعد على الإسراع في نشر آلة الطباعة ووصولها إلى مناطق معينة في دول العالم ولم تصل إلى جميع دول العالم في تلك الفترة، كما أن ثورة التقنيات الحديثة وتسارع تطورها ساهم في إحداث نقلات نوعية هائلة في عالم الطباعة، الذي بدأ بطرق بدائية لكنها كانت عظيمة في تأسيسها لثورة معرفية أفضت إلى حقبة التنوير والصناعة على أوسع نطاق في العقود والقرون اللاحقة.

وفي ظل القصف والقتل والدمار الذي عاشت أوروبا والكثير من دول العالم وقائعه اخترع البريطاني (الآن تويرنج) ما يطلق عليه حاليا بالثورة الثالثة، عندما عمل مع فريق من العلماء لحل شيفرة ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وبذلك وضع أسس الحاسوب وكان ذلك خلال السنتين الاخريتين من الحرب.

لكن التطورات في هذه الثورة اخذت بالاتساع على أوسع نطاق.

 

وليد الزبيدي

كاتب عراقي – المشرف على شبكة الوليد

 

 

شاهد مقالات وليد الزبيدي